Abu as-Su'udAl‑Baqarah · 2:47–58

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:47–58

2:47Page 7

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds [i.e., peoples].

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: كُرِّرَ التَّذْكِيرُ لِلتَّأْكِيدِ؛ ولِرَبْطِ ما بَعْدَهُ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِهِ.

﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "نِعْمَتِيَ"؛ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ لِكَمالِهِ؛ أيْ: "فَضَّلْتُ آباءَكُمْ"؛ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾: أيْ: "عالَمِي زَمانِهِمْ؛ بِما مَنَحْتُهم مِنَ العِلْمِ؛ والإيمانِ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ وجَعَلْتُهم أنْبِياءَ؛ ومُلُوكًا مُقْسِطِينَ"؛ وهم آباؤُهُمُ (p-99)الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وبَعْدَهُ؛ قَبْلَ أنْ يُغَيِّرُوا؛ .

2:48Page 7

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨

And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾: أيْ: حِسابَ يَوْمٍ؛ أوْ: عَذابَ يَوْمٍ؛ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا﴾: أيْ: لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ؛ فانْتِصابُ "شَيْئًا" عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ أوْ: شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ؛ فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ وقُرِئَ: "لا تُجْزِئُ"؛ أيْ: لا تُغْنِي عَنْها؛ فَيَتَعَيَّنُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ وإيرادُهُ مُنَكَّرًا - مَعَ تَنْكِيرِ النَّفْسِ - لِلتَّعْمِيمِ؛ والإقْناطِ الكُلِّيِّ؛ والجُمْلَةُ صِفَةُ "يَوْمًا"؛ والعائِدِ مِنها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لا تَجْزِي فِيهِ؛ ومَن لَمْ يُجَوِّزُ الحَذْفَ قالَ: اتُّسِعَ فِيهِ؛ فَحُذِفَ الجارُّ؛ وأُجْرِيَ المَجْرُورُ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ؛ ثُمَّ حُذِفَ؛ كَما حُذِفَ في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ فَما أدْرِي أغَيَّرَهم تَناءٍ ∗∗∗ وطُولُ العَهْدِ أمْ مالٌ أصابُوا

أيْ: أصابُوهُ.

﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾: أيْ: مِنَ النَّفْسِ الثّانِيَةِ العاصِيَةِ؛ أوْ مِنَ الأُولى؛ والشَّفاعَةُ: مِن "الشَّفْعُ"؛ كَأنَّ المَشْفُوعَ لَهُ كانَ فَرْدًا؛ فَجَعَلُهُ الشَّفِيعُ شَفْعًا؛ والعَدْلُ: الفِدْيَةُ؛ وقِيلَ: البَدَلُ؛ وأصْلُهُ "التَّسْوِيَةُ"؛ سُمِّيَ بِهِ الفِدْيَةُ لِأنَّها تُساوِي المَفْدِيَّ؛ وتَجْزِي مَجْزاهُ؛ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾: أيْ: يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والضَّمِيرُ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ الثّانِيَةُ المُنَكَّرَةُ؛ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْيِ؛ مِنَ النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ؛ والتَّذْكِيرُ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنِ العِبادِ؛ والأناسِيِّ؛ والنُّصْرَةُ هَهُنا أخَصُّ مِنَ المَعُونَةِ؛ لِاخْتِصاصِها بِدَفْعِ الضَّرَرِ؛ وكَأنَّهُ أُرِيدَ بِالآيَةِ نَفْيُ أنْ يَدْفَعَ العَذابَ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ؛ مِن كُلِّ وجْهٍ مُحْتَمَلٍ؛ فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَهْرًا أوْ لا؛ والأوَّلُ النُّصْرَةُ؛ والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ مَجّانًا أوْ لا؛ والأوَّلُ الشَّفاعَةُ؛ والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ بِأداءِ عَيْنِ ما كانَ عَلَيْهِ؛ وهو أنْ يَجْزِيَ عَنْهُ؛ أوْ بِأداءِ غَيْرِهِ؛ وهو أنْ يُعْطِيَ عَنْهُ عَدْلًا؛ وقَدْ تَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ؛ والجَوابُ أنَّها خاصَّةٌ بِالكُفّارِ؛ لِلْآياتِ الوارِدَةِ في الشَّفاعَةِ؛ والأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ فِيها؛ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الخِطابَ مَعَهُمْ؛ ولِرَدِّهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ اعْتِقادِ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم.

2:49Page 8

وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩

And [recall] when We saved you [i.e., your forefathers] from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾: تَذْكِيرٌ لِتَفاصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾؛ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ؛ وصُنُوفِ الآلاءِ؛ أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاكُمْ؛ أيْ: آباءَكُمْ؛ فَإنَّ تَنْجِيَتَهم تَنْجِيَةٌ لِأعْقابِهِمْ؛ وقُرِئَ: "أنْجَيْتُكُمْ"؛ وأصْلُ "آلٌ": "أهْلٌ"؛ لِأنَّ تَصْغِيرَهُ "أُهَيْلٌ"؛ وخُصَّ بِالإضافَةِ إلى أُولِي الأخْطارِ؛ كالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُلُوكِ. و"فِرْعَوْنُ": لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ؛ كَـ "كِسْرى"؛ لِمَلِكِ الفُرْسِ؛ و"قَيْصَرُ"؛ لِمَلِكِ الرُّومِ؛ و"خاقانُ"؛ لِمَلِكِ التُّرْكِ. ولِعُتُوِّهِ اشْتُقَّ مِنهُ "تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ"؛ إذا عَتا وتَمَرَّدَ؛ وكانَ فِرْعَوْنُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُصْعَبَ بْنَ رَيّانَ؛ وقِيلَ: ابْنَهُ ولِيدًا؛ مِن بَقايا عادٍ؛ وقِيلَ: إنَّهُ كانَ عَطّارًا أصْفَهانِيًّا؛ رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ؛ فَأفْلَسَ؛ فاضْطُرَّ إلى الخُرُوجِ؛ فَلَحِقَ بِالشّامِ؛ فَلَمْ يَتَسَنَّ لَهُ المُقامُ بِهِ؛ فَدَخَلَ مِصْرَ؛ فَرَأى في ظاهِرِهِ حِمْلًا مِنَ البِطِّيخِ بِدِرْهَمٍ؛ وفي نَفْسِهِ بِطِّيخًا بِدِرْهَمٍ؛ فَقالَ في نَفْسِهِ: إنْ تَيَسَّرَ لِي أداءُ الدَّيْنِ فَهَذا طَرِيقُهُ؛ فَخَرَجَ إلى السَّوادِ فاشْتَرى حِمْلًا (p-100)

بِدِرْهَمٍ؛ فَتَوَجَّهَ بِهِ إلى السُّوقِ؛ فَكُلُّ مَن لَقِيَهُ مِنَ المَكّاسِينَ أخَذُوا مِنهُ بِطِّيخًا؛ فَدَخَلَ البَلَدَ وما مَعَهُ إلّا بِطِّيخَةٌ فَذَّةٌ؛ فَباعَها بِدِرْهَمٍ؛ ومَضى لِوَجْهِهِ؛ ورَأى أهْلَ البَلَدِ مَتْرُوكِينَ سُدًى؛ لا يَتَعاطى أحَدٌ سِياسَتَهُمْ؛ وكانَ قَدْ وقَعَ بِهِمْ وباءٌ عَظِيمٌ؛ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ المَقابِرِ؛ فَرَأى مَيْتًا يُدْفَنُ؛ فَتَعَرَّضَ لِأوْلِيائِهِ؛ فَقالَ: أنا أمِينُ المَقابِرِ؛ فَلا أدَعُكم تَدْفِنُونَهُ حَتّى تُعْطُونِي خَمْسَةَ دَراهِمَ؛ فَدَفَعُوها إلَيْهِ؛ ومَضى لِآخَرَ؛ وآخَرَ؛ حَتّى جَمَعَ في مِقْدارِ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ مالًا عَظِيمًا؛ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ قَطُّ؛ إلى أنْ تَعَرَّضَ يَوْمًا لِأوْلِياءِ مَيْتٍ فَطَلَبَ مِنهم ما كانَ يَطْلُبُ مِن غَيْرِهِمْ؛ فَأبَوْا ذَلِكَ؛ فَقالُوا: مَن نَصَّبَكَ هَذا المَنصِبَ؟ فَذَهَبُوا بِهِ إلى فِرْعَوْنَ؛ فَقالَ: مَن أنْتَ؟ ومَن أقامَكَ بِهَذا المُقامِ؟ قالَ: لَمْ يُقِمْنِي أحَدٌ؛ وإنَّما فَعَلْتُ ما فَعَلْتُ لِيُحْضِرَنِي أحَدٌ إلى مَجْلِسِكَ؛ فَأُنَبِّهَكَ عَلى اخْتِلالِ قَوْمِكَ؛ وقَدْ جَمَعْتُ بِهَذا الطَّرِيقِ هَذا المِقْدارَ مِنَ المالِ؛ فَأحْضَرَهُ؛ ودَفَعَهُ إلى فِرْعَوْنَ؛ فَقالَ: ولِّنِي أُمُورَكَ؛ تَرَنِي أمِينًا كافِيًا؛ فَوَلّاهُ إيّاها؛ فَسارَ بِهِمْ سِيرَةً حَسَنَةً؛ فانْتَظَمَتْ مَصالِحُ العَسْكَرِ؛ واسْتَقامَتْ أحْوالُ الرَّعِيَّةِ؛ ولَبِثَ فِيهِمْ دَهْرًا طَوِيلًا؛ وتَرامى أمْرُهُ في العَدْلِ والصَّلاحِ؛ فَلَمّا ماتَ فِرْعَوْنُ أقامُوهُ مَقامَهُ؛ فَكانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ. وكانَ فِرْعَوْنُ يُوسُفَ: رَيّانُ؛ وكانَ بَيْنَهُما أكْثَرُ مِن أرْبَعِمائَةِ سَنَةٍ.

﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: أيْ: يَبْغُونَكُمْ؛ مِن "سامَهُ خَسْفًا"؛ إذا أوْلاهُ ظُلْمًا؛ وأصْلُهُ: "الذَّهابُ في طَلَبِ الشَّيْءِ"؛ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾: أيْ: أفْظَعَهُ؛ وأقْبَحَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِهِ؛ و"السُّوءُ": مَصْدَرٌ مِن "ساءَ؛ يَسُوءُ"؛ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ "يَسُومُونَكُمْ"؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "نَجَّيْناكُمْ"؛ أوْ مِن "آلِ فِرْعَوْنَ"؛ أوْ مِنهُما جَمِيعًا؛ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرَيْهِما.

﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾: بَيانٌ لِـ "يَسُومُونَكُمْ"؛ ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ بَيْنَهُما؛ وقُرِئَ: "يَذْبَحُونَ"؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ وإنَّما فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا لِما أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى في المَنامِ؛ أوْ أخْبَرَهُ الكَهَنَةُ أنَّهُ سَيُولَدُ مِنهم مَن يَذْهَبُ بِمُلْكِهِ؛ فَلَمْ يَرُدَّ اجْتِهادُهم مِن قَضاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - شَيْئًا؛ قِيلَ: قَتَلُوا بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ تِسْعَمائَةِ ألْفِ مَوْلُودٍ؛ وتِسْعِينَ ألْفًا؛ وقَدْ أعْطى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ ما كانَ يُعْطِيهِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ؛ لَوْ كانُوا أحْياءً؛ ولِذَلِكَ كانَتْ مُعْجِزاتُهُ ظاهِرَةً؛ باهِرَةً.

﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾:إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّذْبِيحِ؛ والِاسْتِحْياءِ؛ أوْ إلى الإنْجاءِ مِنهُ؛ وجَمْعُ الضَّمِيرِ لِلْمُخاطَبِينَ؛ فَعَلى الأوَّلِ مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلاءٌ﴾: مِحْنَةٌ؛ وبَلِيَّةٌ؛ وكَوْنُ اسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ؛ أيِ اسْتِبْقائِهِنَّ عَلى الحَياةِ؛ مِحْنَةً - مَعَ أنَّهُ عَفْوٌ وتَرْكٌ لِلْعَذابِ - لِما أنَّ ذَلِكَ كانَ لِلِاسْتِعْمالِ في الأعْمالِ الشّاقَّةِ؛ وعَلى الثّانِي: نِعْمَةٌ؛ وأصْلُ "البَلاءُ": الِاخْتِبارُ؛ ولَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - مُحالًا؛ وكانَ ما يُجْرى مُجْرى الِاخْتِبارِ لِعِبادِهِ؛ تارَةً بِالمِحْنَةِ؛ وأُخْرى بِالمِنحَةِ؛ أُطْلِقَ عَلَيْهِما. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُشارَ بِـ "ذَلِكُمْ" إلى الجُمْلَةِ؛ ويُرادُ بِالبَلاءِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ الشّامِلُ لَهُما.

﴿عَظِيمٌ﴾: صِفَةٌ لِـ "بَلاءٌ"؛ وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ؛ وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يُصِيبُ العَبْدَ مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ مِن قَبِيلِ الِاخْتِبارِ؛ فَعَلَيْهِ الشُّكْرُ في المَسارِّ؛ والصَّبْرُ عَلى المَضارِّ.

2:50Page 8

وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾: بَيانٌ لِسَبَبِ التَّنْجِيَةِ؛ وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِها؛ إثْرَ تَذْكِيرِها؛ وبَيانِ عِظَمِها وهَوْلِها؛ وقَدْ بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ نِعْمَةً جَلِيلَةً أُخْرى؛ هي الإنْجاءُ مِنَ الغَرَقِ؛ أيْ: "واذْكُرُوا إذْ فَلَقْناهُ بِسُلُوكِكُمْ؛ أوْ مُلْتَبِسًا بِكم - كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ -؛ أوْ بِسَبَبِ إنْجائِكُمْ؛ وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ؛ حَتّى حَصَلَتْ مَسالِكُ"؛ وقُرِئَ: (p-101)بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلتَّكْثِيرِ؛ لِأنَّ المَسالِكَ كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ؛ بِعَدَدِ الأسْباطِ.

﴿فَأنْجَيْناكُمْ﴾: أيْ: مِنَ الغَرَقِ؛ بِإخْراجِكم إلى السّاحِلِ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ العُدُولُ إلى صِيغَةِ الإفْعالِ؛ بَعْدَ إيرادِ التَّخْلِيصِ مِن فِرْعَوْنَ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ وكَذا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أُرِيدَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ؛ وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ أوْلى بِهِ مِنهُمْ؛ وقِيلَ: شَخْصُهُ؛ كَما رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ مُحَمَّدٍ"؛ أيْ: شَخْصِهِ؛ واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ قَوْمِهِ.

﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ ذَلِكَ؛ أوْ غَرَقَهُمْ؛ وإطْباقَ البَحْرِ عَلَيْهِمْ؛ أوِ انْفِلاقَ البَحْرِ عَنْ طُرُقٍ يابِسَةٍ مُذَلَّلَةٍ؛ أوْ جُثَثَهُمُ الَّتِي قَذَفَها البَحْرُ إلى السّاحِلِ؛ أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا؛ رُوِيَ أنَّهُ (تَعالى) أمَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ فَخَرَجَ بِهِمْ؛ فَصَبَّحَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ؛ وصادَفُوهم عَلى شاطِئِ البَحْرِ؛ فَأوْحى اللَّهُ (تَعالى) إلَيْهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ؛ فَضَرَبَهُ بِها فَظَهَرَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا؛ فَسَلَكُوها؛ فَقالُوا: نَخافُ أنْ يَغْرَقَ بَعْضُ أصْحابِنا؛ فَلا نَعْلَمَ؛ فَفَتَحَ اللَّهُ (تَعالى) فِيها كُوًى؛ فَتَراءَوْا؛ وتَسامَعُوا؛ حَتّى عَبَرُوا البَحْرَ؛ فَلَمّا وصَلَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ فَرَآهُ مُنْفَلِقًا اقْتَحَمَهُ هو وجُنُودُهُ؛ فَغَشِيَهم ما غَشِيَهم. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ - كَما أنَّها لِمُوسى مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ؛ تَخِرُّ لَها أُطُمُ الجِبالِ؛ ونِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِأوائِلِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِمْ شُكْرَها؛ كَذَلِكَ اقْتِصاصُها عَلى ما هي عَلَيْهِ - مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ جَلِيلَةٌ تَطْمَئِنُّ بِها القُلُوبُ الأبِيَّةُ؛ وتَنْقادُ لَها النُّفُوسُ الغَبِيَّةُ؛ مُوجِبَةٌ لِأعْقابِهِمْ أنْ يَتَلَقَّوْها بِالإذْعانِ؛ فَلا تَأثَّرَتْ أوائِلُهم بِمُشاهَدَتِها ورُؤْيَتِها؛ ولا تَذَكَّرَتْ أواخِرُهم بِتَذْكِيرِها ورِوايَتِها؛ فَيا لَها مِن عِصابَةٍ ما أعْصاها! وطائِفَةٍ ما أطْغاها!

2:51Page 8

وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٥١

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him [i.e., his departure], while you were wrongdoers.

﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: لَمّا عادُوا إلى مِصْرَ؛ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ؛ وعَدَ اللَّهُ (تَعالى) مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُعْطِيَهُ التَّوْراةَ؛ وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا: ذا القِعْدَةِ؛ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ؛ وقِيلَ: وعَدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهو بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ؛ وما يَذَرُونَ؛ فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى رَبَّهُ الكِتابَ؛ فَأمَرَهُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ - وهو شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ - ثُمَّ زادَ عَشْرًا مِن ذِي الحِجَّةِ؛ وعَبَّرَ عَنْها بِاللَّيالِي لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ؛ وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ بِمَعْنى الثُّلاثِيِّ؛ وقِيلَ: عَلى أصْلِها؛ تَنْزِيلًا لِقَبُولِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَنزِلَةَ الوَعْدِ؛ و"أرْبَعِينَ لَيْلَةً": مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "واعَدْنا"؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: تَمامَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ وقُرِئَ: "وَعَدْنا"؛ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾؛ بِتَسْوِيلِ السّامِرِيِّ إلَهًا ومَعْبُودًا؛ و"ثُمَّ": لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾: أيْ: مِن بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المِيقاتِ؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾: بِإشْراكِكُمْ؛ ووَضْعِكم لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ "اتَّخَذْتُمْ"؛ أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ؛ .

2:52Page 8

ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾؛ حِينَ تُبْتُمْ؛ والعَفْوُ: مَحْوُ الجَرِيمَةِ؛ مِن "عَفاهُ": "دَرَسَهُ"؛ وقَدْ يَجِيءُ لازِمًا؛ قالَ:

؎ عَرَفْتُ المَنزِلَ الخالِي ∗∗∗ عَفا مِن بَعْدِ أحْوالِ

؎ عَفاهُ كُلُّ هَتّانٍ ∗∗∗ كَثِيرِ الوَبْلِ هَطّالِ

وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أيْ: مِن بَعْدِ الِاتِّخاذِ؛ الَّذِي هو مُتَناهٍ في القُبْحِ؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ بُعْدِ العَفْوِ؛ بَعْدَ تِلْكَ المَرْتَبَةِ مِنَ الظُّلْمِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: لِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ العَفْوِ؛ وتَسْتَمِرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الطّاعَةِ.

2:53Page 8

وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ٥٣

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion1 that perhaps you would be guided.

(p-102)﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾: أيِ التَّوْراةَ؛ الجامِعَةَ بَيْنَ كَوْنِها كِتابًا وحُجَّةً؛ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ؛ والباطِلِ؛ وقِيلَ: أُرِيدَ بِالفُرْقانِ مُعْجِزاتُهُ الفارِقَةُ بَيْنَ المُحِقِّ؛ والمُبْطِلِ؛ في الدَّعْوى؛ أوْ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ؛ وقِيلَ: الشَّرْعُ الفارِقُ بَيْنَ الحَلالِ؛ والحَرامِ؛ أوِ النَّصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: لِكَيْ تَهْتَدُوا بِالتَّدَبُّرِ فِيهِ؛ والعَمَلِ بِما يَحْوِيهِ.

2:54Page 8

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves [i.e., the guilty among you]. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of Repentance, the Merciful.

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾: بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ العَفْوِ المَذْكُورِ؛ ﴿يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾: أيْ مَعْبُودًا؛ ﴿فَتُوبُوا﴾: أيْ: فاعْزِمُوا عَلى التَّوْبَةِ؛ ﴿إلى بارِئِكُمْ﴾: أيْ إلى مَن خَلَقَكم بَرِيئًا مِنَ العُيُوبِ؛ والنُّقْصانِ؛ والتَّفاوُتِ؛ ومَيَّزَ بَعْضَكم مِن بَعْضٍ؛ بِصُوَرٍ وهَيْئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وأصْلُ التَّرْكِيبِ: الخُلُوصُ عَنِ الغَيْرِ؛ إمّا بِطَرِيقِ التَّفَصِّي؛ كَما في "بَرِئَ المَرِيضُ"؛ أوْ بِطَرِيقِ الإنْشاءِ؛ كَما في "بَرَأ اللَّهُآدَمَ مِنَ الطِّينِ"؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ البارِئِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم بَلَغُوا مِنَ الجَهالَةِ أقْصاها؛ ومِنَ الغَوايَةِ مُنْتَهاها؛ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ العَلِيمِ الحَكِيمِ؛ الَّذِي خَلَقَهم بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ بَرِيئًا مِنَ التَّفاوُتِ؛ والتَّنافُرِ؛ إلى عِبادَةِ البَقَرِ؛ الَّذِي هو مَثَلٌ في الغَباوَةِ؛ وأنَّ مَن لَمْ يَعْرِفْ حُقُوقَ مُنْعِمِهِ حَقِيقٌ بِأنْ تُسْتَرَدَّ هي مِنهُ؛ ولِذَلِكَ أُمِرُوا بِالقَتْلِ؛ وفَكِّ التَّرْكِيبِ؛ ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: تَمامًا لِتَوْبَتِكم بِالبَخْعِ؛ أوْ بِقَطْعِ الشَّهَواتِ؛ وقِيلَ: أُمِرُوا أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ وقِيلَ: أُمِرَ مَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ بِقَتْلِ مَن عَبَدَهُ؛ يُرْوى أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَرى قَرِيبَهُ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى المُضِيِّ لِأمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَأرْسَلَ اللَّهُ (تَعالى) ضَبابَةً وسَحابَةً سَوْداءَ؛ لا يَتَباصَرُونَ بِها؛ فَأخَذُوا يَقْتُلُونَ مِنَ الغَداةِ إلى العَشِيِّ؛ حَتّى دَعا مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَكُشِفَتِ السَّحابَةُ؛ ونَزَلَتِ التَّوْبَةُ؛ وكانَتِ القَتْلى سَبْعِينَ ألْفًا؛ والفاءُ الأُولى لِلتَّسْبِيبِ؛ والثّانِيَةُ لِلتَّعْقِيبِ؛ ﴿ذَلِكُمْ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّوْبِ؛ والقَتْلِ؛ ﴿خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾؛ لِما أنَّهُ طُهْرَةٌ عَنِ الشِّرْكِ؛ ووَصْلَةٌ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ والبَهْجَةِ السَّرْمَدِيَّةِ؛ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ؛ عَلى أنَّهُ خِطابٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ؛ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وسِباقُهُ؛ فَإنَّ مَبْنى الجَمِيعِ عَلى التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ "بارِئِكُمْ"؛ المُسْتَتْبِعِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ عُنْوانِ البارِئِيَّةِ؛ والخَلْقِ؛ والإحْياءِ؛ لِقَبُولِ التَّوْبَةِ؛ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ العَفْوِ عَنِ القَتْلِ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ فَتابَ عَلَيْكم بارِئِكُمْ"؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "فَتابَ عَلَيْهِمْ"؛ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَوْمِ؛ لِما أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ أُرِيدَ التَّذْكِيرُ بِها لِلْمُخاطَبِينَ؛ لا لِأسْلافِهِمْ؛ هَذا.. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ "فَتابَ عَلَيْكُمْ" مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ؛ عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "إنْ فَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ فَقَدْ تابَ عَلَيْكُمْ"؛ ولا يَخْفى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ اللِّياقَةِ بِجَلالَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ كَيْفَ لا.. وهو حِينَئِذٍ حِكايَةٌ لِوَعْدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهُ (تَعالى)؛ لا لِقَبُولِهِ (تَعالى) حَتْمًا؟ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ القَبُولِ المَحْكِيِّ فِيما قَبْلَ؛ وأنَّ المُرادَ تَذْكِيرُ المُخاطَبِينَ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ.

﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: تَعْلِيلٌ (p-103)لِما قَبْلَهُ؛ أيْ أنَّ الَّذِي يُكْثِرُ تَوْفِيقَ المُذْنِبِينَ لِلتَّوْبَةِ؛ ويُبالِغُ في قَبُولِها مِنهُمْ؛ وفي الإنْعامِ عَلَيْهِمْ.

2:55Page 8

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allāh outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾: تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى عَلَيْهِمْ؛ بَعْدَما صَدَرَ عَنْهم ما صَدَرَ؛ مِنَ الجِنايَةِ العَظِيمَةِ؛ الَّتِي هي اتِّخاذُ العِجْلِ؛ أيْ: لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ قَوْلِكَ ودَعْوَتِكَ؛ أوْ: لَنْ نُقِرَّ لَكَ. والمُؤْمَنُ بِهِ: إعْطاءُ اللَّهِ (تَعالى) إيّاهُ التَّوْراةَ؛ أوْ تَكْلِيمُهُ إيّاهُ؛ أوْ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ أوْ أنَّهُ (تَعالى) جَعَلَ تَوْبَتَهم بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهُمْ؛ ﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ أيْ: عِيانًا؛ وهي في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: "جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ"؛ اسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِاتِّحادِ في الوُضُوحِ؛ والِانْكِشافِ؛ إلّا أنَّ الأوَّلَ في المَسْمُوعاتِ؛ والثّانِي في المُبْصَراتِ؛ ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ؛ أوْ حالٌ مِنَ الفاعِلِ؛ أوِ المَفْعُولِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهاءِ؛ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كَـ "الغَلَبَةُ"؛ أوْ جَمْعٌ كَـ "الكَتَبَةُ"؛ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الفاعِلِ لا غَيْرَ؛ والقائِلُونَ هُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ لِمِيقاتِ التَّوْبَةِ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ رُوِيَ أنَّهم لَمّا نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا؛ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾؛ أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَجْمَعَ سَبْعِينَ رَجُلًا؛ ويَحْضُرَ مَعَهُمُ الطُّورَ؛ يُظْهِرُونَ فِيهِ تِلْكَ التَّوْبَةَ؛ فَلَمّا خَرَجُوا إلى الطُّورِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مِنَ الغَمامِ؛ وتَغْشّاهُ كُلَّهُ؛ فَكَلَّمَ اللَّهُ (تَعالى) مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَأْمُرُهُ؛ ويَنْهاهُ؛ وكانَ كُلَّما كَلَّمَهُ (تَعالى) أوْقَعَ عَلى جَبْهَتِهِ نُورًا ساطِعًا؛ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ السَّبْعِينَ النَّظَرَ إلَيْهِ؛ وسَمِعُوا كَلامَهُ ّ(تَعالى) مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "افْعَلْ؛ ولا تَفْعَلْ"؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ طَمِعُوا في الرُّؤْيَةِ؛ فَقالُوا ما قالُوا؛ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ "الأعْرافِ"؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ مِن قَوْمِهِ؛ ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾؛ لِفَرْطِ العِنادِ؛ والتَّعَنُّتِ؛ وطَلَبِ المُسْتَحِيلِ؛ فَإنَّهم ظَنُّوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِمّا يُشْبِهُ الأجْسامَ؛ وتَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّؤْيَةُ تَعَلُّقَها بِها؛ عَلى طَرِيقِ المُقابَلَةِ في الجِهاتِ؛ والأحْيازِ؛ ولا رَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ؛ إنَّما المُمْكِنُ في شَأْنِهِ (تَعالى) الرُّؤْيَةُ المُنَزَّهَةُ عَنِ الكَيْفِيّاتِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ؛ ولِلْأفْرادِ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ بَلَغُوا في صَفاءِ الجَوْهَرِ إلى حَيْثُ تَراهم كَأنَّهُمْ؛ وهم في جَلابِيبَ مِن أبْدانِهِمْ؛ قَدْ نَضَوْها وتَجَرَّدُوا عَنْها إلى عالَمِ القُدْسِ؛ في بَعْضِ الأحْوالِ في الدُّنْيا؛ قِيلَ: جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأحْرَقَتْهُمْ؛ وقِيلَ: صَيْحَةٌ؛ وقِيلَ: جُنُودٌ سَمِعُوا بِحَسِيسِها فَخَرُّوا صَعِقِينَ مَيِّتِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً؛ وعَنْ وهْبٍ أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا؛ بَلْ لَمّا رَأوْا تِلْكَ الهَيْئَةَ الهائِلَةَ أخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ؛ ورَجَفُوا حَتّى كادَتْ تَبِينُ مَفاصِلُهُمْ؛ وتُنْقَضُ ظُهُورُهُمْ؛ وأشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ودَعا رَبَّهُ؛ فَكَشَفَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَنْهم ذَلِكَ؛ فَرَجَعَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهم ومَشاعِرُهُمْ؛ ولَمْ تَكُنْ صَعْقَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْتًا؛ بَلْ غَشْيَةٌ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾؛ ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ ما أصابَكم بِنَفْسِهِ؛ أوْ بِآثارِهِ.

2:56Page 8

ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٦

Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.

﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾؛ بِتِلْكَ الصّاعِقَةِ؛ قَيَّدَ البَعْثَ بِهِ لِما أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الإغْماءِ؛ وقَدْ يَكُونُ مِنَ النَّوْمِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ﴾؛ إلَخْ..

﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: أيْ نِعْمَةَ البَعْثِ؛ أوْ ما كَفَرْتُمُوهُ بِما رَأيْتُمْ مِن بَأْسِ اللَّهِ (تَعالى).

2:57Page 8

وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٥٧

And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.

﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾: أيْ جَعَلْناها بِحَيْثُ تُلْقِي عَلَيْكم ظِلَّها؛ وذَلِكَ أنَّهُ (تَعالى) سَخَّرَ (p-104)

لَهُمُ السَّحابَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ وهم في التِّيهِ؛ يُظِلُّهم مِنَ الشَّمْسِ؛ ويَنْزِلُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نارٍ يَسِيرُونَ في ضَوْئِهِ؛ وثِيابُهم لا تَتَّسِخُ؛ ولا تَبْلى؛ ﴿وَأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾: أيْ: التَّرَنْجَبِينَ؛ والسُّمانى؛ وقِيلَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ مِثْلَ الثَّلْجِ مِنَ الفَجْرِ إلى الطُّلُوعِ؛ لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ؛ وتَبْعَثُ الجَنُوبُ عَلَيْهِمُ السُّمانى؛ فَيَذْبَحُ الرَّجُلُ مِنهُ ما يَكْفِيهِ؛ ﴿كُلُوا﴾: عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ قائِلِينَ لَهُمْ؛ أوْ قِيلَ لَهُمْ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾؛ مِن مُسْتَلَذّاتِهِ؛ و"ما" - مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً - عِبارَةٌ عَنِ المَنِّ والسَّلْوى.

﴿وَما ظَلَمُونا﴾: كَلامٌ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِ الخِطابِ السّابِقِ؛ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ جِناياتِ المُخاطَبِينَ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ؛ وتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ؛ عَلى طَرِيقِ المُباثَّةِ؛ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ قَدْ حُذِفَ لِلْإيجازِ والإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ؛ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ أيْ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ؛ وما ظَلَمُونا بِذَلِكَ؛ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾؛ بِالكُفْرانِ؛ إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرُورَةً؛ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ؛ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ السّابِقُ؛ وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ؛ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمادِيهِمْ في الظُّلْمِ؛ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

2:58Page 9

وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

And [recall] when We said, "Enter this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly1 and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins].' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

﴿وَإذْ قُلْنا﴾: تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن جَنابِهِ (تَعالى)؛ وكُفْرَةٌ أُخْرى لِأسْلافِهِمْ؛ أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ قَوْلِنا لِآبائِكُمْ؛ إثْرَ ما أنْقَذْناهم مِنَ التِّيهِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾: مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ وعَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: أرِيحا؛ ﴿فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾؛ أيْ: واسِعًا هَنِيئًا؛ ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أوِ الحالِيَّةِ؛ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ الدُّخُولُ عَلى وجْهِ الإقامَةِ؛ والسُّكْنى؛ فَيَؤُولُ إلى ما في سُورَةِ "الأعْرافِ" مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾؛ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾: أيْ بابَ القَرْيَةِ؛ عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّهم دَخَلُوا أرِيحا في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَما سَيَجِيءُ في سُورَةِ "المائِدَةِ"؛ أوْ بابَ القُبَّةِ؛ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ فَإنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ في حَياةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: مُتَطامِنِينَ؛ مُخْبِتِينَ؛ أوْ ساجِدِينَ لِلَّهِ (تَعالى) شُكْرًا عَلى إخْراجِهِمْ مِنَ التِّيهِ؛ ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾؛ أيْ: مَسْألَتُنا؛ أوْ: أمْرُكَ حِطَّةٌ؛ وهي "فِعْلَةٌ" مِن "الحَطُّ"؛ كَـ "الجِلْسَةُ"؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الأصْلِ؛ بِمَعْنى: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً؛ أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولُ "قُولُوا"؛ أيْ: قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: أرِنا حِطَّةً؛ أيْ: أنْ نَحُطَّ رِحالَنا في هَذِهِ القَرْيَةِ؛ ونُقِيمَ بِها؛ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾؛ لِما تَفْعَلُونَ مِنَ السُّجُودِ والدُّعاءِ؛ وقُرِئَ بِالياءِ والتّاءِ؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وأصْلُ "خَطايا": "خَطايِئُ" كَـ "خَضايِعُ"؛ فَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ أُبْدِلَتِ الياءُ الزّائِدَةُ هَمْزَةً لِوُقُوعِها بَعْدَ الألِفِ؛ واجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ؛ وأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ياءً؛ ثُمَّ قَلِبَتْ ألِفًا؛ وكانَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ ألِفَيْنِ؛ فَأُبْدِلَتْ ياءً؛ وعِنْدَ الخَلِيلِ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى الياءِ؛ ثُمَّ فُعِلَ بِها ما ذُكِرَ؛ ﴿وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾؛ ثَوابًا؛ جُعِلَ الِامْتِثالُ تَوْبَةً لِلْمُسِيءِ؛ وسَبَبًا لِزِيادَةِ الثَّوابِ لِلْمُحْسِنِ؛ وأُخْرِجَ ذَلِكَ عَنْ صُورَةِ الجَوابِ؛ إلى الوَعْدِ؛ إيذانًا بِأنَّ المُحْسِنَ بِصَدَدِ ذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ؛ فَكَيْفَ إذا فَعَلَهُ؟ وإنَّهُ يَفْعَلُهُ لا مَحالَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском