Abu as-Su'udAl‑Baqarah · 2:5–7

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:5–7

2:5Page 2

أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ حُكِيَتْ خِصالُهُمُ الحَمِيدَةُ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِها؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُتَمَيِّزُونَ بِذَلِكَ أكْمَلَ تَمَيُّزٍ؛ مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿عَلى هُدًى﴾؛ خَبَرُهُ؛ وما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ المَفْهُومِ مِنَ التَّنْكِيرِ لِكَمالِ تَفْخِيمِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ هُدًى؛ هُدًى لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ؛ ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ وإيرادُ كَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ بِناءً عَلى تَمْثِيلِ حالِهِمْ في مُلابَسَتِهِمْ بِالهُدى بِحالِ مَن يَعْتَلِي الشَّيْءَ ويَسْتَوْلِي عَلَيْهِ؛ بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما يُرِيدُ؛ أوْ عَلى اسْتِعارَتِها لِتَمَسُّكِهِمْ بِالهُدى؛ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مُتَفَرِّعَةً عَلى تَشْبِيهِهِ بِاعْتِلاءِ الرّاكِبِ واسْتِوائِهِ عَلى مَرْكُوبِهِ؛ أوْ عَلى جَعْلِها قَرِينَةً لِلِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ بَيْنَ الهُدى والمَرْكُوبِ؛ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ؛ وكَمالِ رُسُوخِهِمْ فِيهِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾؛ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ مُبَيِّنَةً لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ؛ إثْرَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ؛ (p-34)مُؤَكِّدَةً لَها؛ أيْ: عَلى هُدًى كائِنٍ مِن عِنْدِهِ (تَعالى)؛ وهو شامِلٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ هِدايَتِهِ (تَعالى)؛ وفُنُونِ تَوْفِيقِهِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِغايَةِ تَفْخِيمِ المَوْصُوفِ؛ والمُضافِ إلَيْهِمْ؛ وتَشْرِيفِهِما؛ ولِزِيادَةِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ وتَقْرِيرِهِ بِبَيانِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ؛ وقَدْ أُدْغِمَتِ النُّونُ في الرّاءِ؛ بِغُنَّةٍ أوْ بِغَيْرِ غُنَّةٍ؛ والجُمْلَةُ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولَيْنِ مَوْصُولَيْنِ بِـ "المُتَّقِينَ" - مُسْتَقِلَّةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ مَعَ زِيادَةِ تَأْكِيدٍ لَهُ وتَحْقِيقٍ؛ كَيْفَ لا.. وكَوْنُ الكِتابِ هُدًى لَهم فَنٌّ مِن فُنُونِ ما مُنِحُوهُ واسْتَقَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الهُدى؛ حَسْبَما تَحَقَّقْتَهُ؛ لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الفَوْزِ والفَلاحِ؟ وقِيلَ: هي واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ سُؤالٍ؛ رُبَّما يَنْشَأُ مِمّا سَبَقَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لِلْمَنعُوتِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ اخْتُصُّوا بِهِدايَةِ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ؟ وهَلْ هم أحِقّاءُ بِتِلْكَ الأثَرَةِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُمْ؛ بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ؛ مالِكُونَ لِزِمامِ أصْلِ الهُدى؛ الجامِعِ لِفُنُونِهِ؛ المُسْتَتْبِعِ لِلْفَوْزِ والفَلاحِ؛ فَأيُّ رَيْبٍ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِما هو فَرْعٌ مِن فُرُوعِهِ؟ ولَقَدْ جارَ عَنْ سَنَنِ الصَّوابِ مَن قالَ في تَقْرِيرِ الجَوابِ: إنَّ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أنْ يَفُوزُوا دُونَ النّاسِ بِالهُدى عاجِلًا؛ وبِالفَلاحِ آجِلًا. وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما مَفْصُولَيْنِ عَنْهُ فَهي في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الَّذِي هو المَوْصُولُ الأوَّلُ؛ والثّانِي مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مِن تَخْصِيصِ ما ذُكِرَ بِالمُتَّقِينَ قَبْلَ بَيانِ مَبادِي اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُ المُتَّقِينَ مَخْصُوصِينَ بِهِ؟ فَأُجِيبَ بِشَرْحِ ما انْطَوى عَلَيْهِ اسْمُهم إجْمالًا مِن نُعُوتِ الكَمالِ؛ وبَيانِ ما يَسْتَدْعِيهِ مِنَ النَّتِيجَةِ؛ أيْ: الَّذِينَ هَذِهِ شُئُونُهم أحِقّاءُ بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ؛ كَقَوْلِكَ: أُحِبُّ الأنْصارَ الَّذِينَ قارَعُوا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَذَلُوا مُهْجَتَهم في سَبِيلِ اللَّهِ؛ أُولَئِكَ سَوادُ عَيْنَيَّ؛ وسُوَيْداءُ قَلْبِي. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَسْلَكَ يُسْلَكُ تارَةً بِإعادَةِ اسْمِ مَنِ اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ الحَدِيثُ؛ كَقَوْلِكَ: "أحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ؛ زَيْدٌ حَقِيقٌ بِالإحْسانِ"؛ وأُخْرى بِإعادَةِ صِفَتِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "أحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ؛ صَدِيقُكَ القَدِيمُ أهْلٌ لِذَلِكَ"؛ ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِما فِيهِ مِن بَيانِ المُوجِبِ لِلْحُكْمِ؛ وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ بِمَنزِلَةِ إعادَةِ المَوْصُوفِ بِصِفاتِهِ المَذْكُورَةِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِ بِها؛ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ والإيماءِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ؛ كَما مَرَّ؛ هَذا.. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الأوَّلُ مُجْرًى عَلى "المُتَّقِينَ"؛ حَسْبَما فُصِّلَ؛ والثّانِي مُبْتَدَأٌ؛ و"أُولَئِكَ"؛ إلَخْ.. خَبَرُهُ؛ ويُجْعَلُ اخْتِصاصُهم بِالهُدى والفَلاحِ تَعْرِيضًا بِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى الهُدى؛ ويَطْمَعُونَ في نَيْلِ الفَلاحِ.

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾: تَكْرِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِإظْهارِ مَزِيدِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المُشارِ إلَيْهِمْ؛ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِتِلْكَ الصِّفاتِ يَقْتَضِي نَيْلَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تَيْنِكَ الأثَرَتَيْنِ؛ وأنَّ كُلًّا مِنهُما كافٍ في تَمْيِيزِهِمْ بِها عَمَّنْ عَداهُمْ؛ ويُؤَيِّدُهُ تَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ بِخِلافِ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هم الغافِلُونَ﴾؛ فَإنَّ التَّسْجِيلَ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الغَفْلَةِ عِبارَةٌ عَمّا يُفِيدُهُ تَشْبِيهُهم بِالبَهائِمِ؛ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُقَرِّرَةً لِلْأُولى؛ وأمّا الإفْلاحُ؛ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ؛ فَلَمّا كانَ مُغايِرًا لِلْهُدى؛ نَتِيجَةً لَهُ؛ وكانَ كُلٌّ مِنهُما في نَفْسِهِ أعَزَّ مَرامٍ؛ يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ؛ فَعَلَ ما فَعَلَ؛ و"هُمْ" ضَمِيرُ فَصْلٍ؛ يَفْصِلُ الخَبَرَ عَنِ الصِّفَةِ؛ ويُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ؛ ويُفِيدُ اخْتِصاصَ المُسْنَدِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ؛ أوْ مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ "المُفْلِحُونَ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ "أُولَئِكَ"؛ وتَعْرِيفُ المُفْلِحِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهُمُ المُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ؛ أوْ إشارَةٌ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن (p-35)

حَقِيقَةِ المُفْلِحِينَ؛ وخَصائِصِهِمْ. هَذا.. وفي بَيانِ اخْتِصاصِ المُتَّقِينَ بِنَيْلِ هَذِهِ المَراتِبِ الفائِقَةِ عَلى فُنُونٍ مِنَ الِاعْتِباراتِ الرّائِقَةِ؛ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ في تَضاعِيفِ تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ في اقْتِفاءِ أثَرِهِمْ؛ والإرْشادِ إلى اقْتِداءِ سَيْرِهِمْ؛ ما لا يَخْفى مَكانُهُ؛ واللَّهُ ولِيُّ الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ.

2:6Page 3

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦

Indeed, those who disbelieve1 - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ سِيقَ لِشَرْحِ أحْوالِ الكَفَرَةِ الغُواةِ المَرَدَةِ العُتاةِ؛ إثْرَ بَيانِ أحْوالِ أضْدادِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِنُعُوتِ الكَمالِ؛ الفائِزِينَ بِمَباغِيهِمْ في الحالِ والمَآلِ؛ وإنَّما تُرِكَ العاطِفُ بَيْنَهُما؛ ولَمْ يُسَلَكْ بِهِ مَسْلَكَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّنافِي في الأُسْلُوبِ؛ والتَّبايُنِ في الغَرَضِ؛ فَإنَّ الأُولى مَسُوقَةٌ لِبَيانِ رِفْعَةِ شَأْنِ الكِتابِ في بابِ الهِدايَةِ والإرْشادِ؛ وأمّا التَّعَرُّضُ لِأحْوالِ المُهْتَدِينَ بِهِ فَإنَّما هو بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ؛ سَواءٌ جُعِلَ المَوْصُولُ مَوْصُولًا بِما قَبْلَهُ؛ أوْ مَفْصُولًا عَنْهُ؛ فَإنَّ الِاسْتِئْنافَ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ؛ فَهو مِن مُسْتَتْبِعاتِهِ لا مَحالَةَ؛ وأمّا الثّانِيَةُ فَمَسُوقَةٌ لِبَيانِ أحْوالِ الكَفَرَةِ أصالَةً؛ وتَرامِي أمْرِهِمْ في الغَوايَةِ والضَّلالِ إلى حَيْثُ لا يُجْدِيهِمُ الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ؛ ولا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ العِظَةُ والتَّذْكِيرُ؛ فَهم ناكِبُونَ في تِيهِ الغَيِّ والفَسادِ عَنْ مِنهاجِ العُقُولِ؛ وراكِبُونَ في مَسْلَكِ المُكابَرَةِ والعِنادِ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ؛ وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ؛ ولَمْ يُؤَسَّسِ الكَلامُ عَلى بَيانِ أنَّ الكِتابَ هادٍ لِلْأوَّلِينَ؛ وغَيْرُ مُجْدٍ لِلْآخِرِينَ؛ لِأنَّ العُنْوانَ الأخِيرَ لَيْسَ مِمّا يُورِثُهُ كَمالًا حَتّى يُتَعَرَّضَ لَهُ في أثْناءِ تَعْدادِ كَمالاتِهِ؛ و"إنَّ" مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي تُشابِهُ الفِعْلَ في عَدَدِ الحُرُوفِ؛ والبِناءِ عَلى الفَتْحِ؛ ولُزُومِ الأسْماءِ؛ ودُخُولِ نُونِ الوِقايَةِ عَلَيْها؛ كَـ "إنَّنِي"؛ و"لَعَلَّنِي"؛ ونَظائِرِهِما؛ وإعْطاءِ مَعانِيهِ؛ والمُتَعَدِّي - خاصَّةً في الدُّخُولِ عَلى اسْمَيْنِ -؛ ولِذَلِكَ أُعْمِلَتْ عَمَلَهُ الفَرْعِيَّ؛ وهو نَصْبُ الأوَّلِ؛ ورَفْعُ الثّانِي؛ إيذانًا بِكَوْنِهِ فَرْعًا في العَمَلِ؛ دَخِيلًا فِيهِ؛ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ لا عَمَلَ لَها في الخَبَرِ؛ بَلْ هو باقٍ عَلى حالِهِ بِقَضِيَّةِ الِاسْتِصْحابِ؛ وأُجِيبَ بِأنَّ ارْتِفاعَ الخَبَرِ مَشْرُوطٌ بِالتَّجَرُّدِ عَنِ العَوامِلِ؛ وإلّا لَما انْتَصَبَ خَبَرُ "كانَ"؛ وقَدْ زالَ بِدُخُولِها؛ فَتَعَيَّنَ إعْمالُ الحَرْفِ؛ وأثَرُها تَأْكِيدُ النِّسْبَةِ؛ وتَحْقِيقُها؛ ولِذَلِكَ يُتَلَقّى بِها القَسَمُ؛ ويُصَدَّرُ بِها الأجْوِبَةُ؛ ويُؤْتى بِها في مَواقِعِ الشَّكِّ والإنْكارِ؛ لِدَفْعِهِ ورَدِّهِ؛ قالَ المُبَرِّدُ: قَوْلُكَ: "عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ"؛ إخْبارٌ عَنْ قِيامِهِ؛ و"إنَّ عَبْدَ اللَّهِ قائِمٌ"؛ جَوابُ سائِلٍ عَنْ قِيامِهِ شاكٍّ فِيهِ؛ و"إنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقائِمٌ"؛ جَوابُ مُنْكِرٍ لِقِيامِهِ. وتَعْرِيفُ المَوْصُولِ إمّا لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِهِ ناسٌ بِأعْيانِهِمْ؛ كَأبِي لَهَبٍ؛ وأبِي جَهْلٍ؛ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ؛ وأضْرابِهِمْ؛ وأحْبارِ اليَهُودِ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ وقَدْ خُصَّ مِنهُ غَيْرُ المُصِرِّينَ؛ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ إلَخْ.. والكُفْرُ في اللُّغَةِ سَتْرُ النِّعْمَةِ؛ وأصْلُهُ "الكَفْرُ" بِالفَتْحِ؛ أيِ السَّتْرُ؛ ومِنهُ قِيلَ لِلزّارِعِ؛ واللَّيْلِ: "كافِرٌ"؛ قالَ (تَعالى): ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾؛ وعَلَيْهِ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ ∗∗∗ في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها

وَمِنهُ المُتَكَفِّرُ بِسِلاحِهِ؛ وهو الشّاكِي الَّذِي غَطّى السِّلاحُ بَدَنَهُ؛ وفي الشَّرِيعَةِ: إنْكارُ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ بِهِ؛ وإنَّما عُدَّ لُبْسُ الغِيارِ وشَدُّ الزُّنّارِ بِغَيْرِ اضْطِرارٍ؛ ونَظائِرُهُما كُفْرًا؛ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّكْذِيبِ؛ فَإنَّ مَن صَدَّقَ النَّبِيَّ ﷺ لا يَكادُ يَجْتَرِئُ عَلى أمْثالِ ذَلِكَ؛ إذْ لا داعِيَ إلَيْهِ؛ كالزِّنى؛ وشُرْبِ الخَمْرِ؛ واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى حُدُوثِ القرآن بِما جاءَ فِيهِ بِلَفْظِ الماضِي عَلى وجْهِ الإخْبارِ؛ (p-36)فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ المُخْبَرِ عَنْهُ لا مَحالَةَ؛ وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِن مُقْتَضَياتِ التَّعَلُّقِ؛ وحُدُوثُهُ لا يَسْتَدْعِي حُدُوثَ الكَلامِ؛ كَما أنَّ حُدُوثَ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِالمَعْلُومِ لا يَسْتَدْعِي حُدُوثَ العِلْمِ.

﴿سَواءٌ﴾: هو اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ؛ نُعِتَ بِهِ كَما يُنْعَتُ بِالمَصادِرِ مُبالَغَةً؛ قالَ (تَعالى): ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ مَعْناهُ: "عِنْدَهُمْ"؛ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ و"أمْ" مُجَرَّدَتانِ عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ؛ لِتَحْقِيقِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ مَدْخُولَيْهِما؛ كَما جُرِّدَ الأمْرُ والنَّهْيُ لِذَلِكَ عَنْ مَعْنَيَيْهِما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ وحَرْفُ النِّداءِ في قَوْلِكَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ؛ عَنْ مَعْنى الطَّلَبِ لِمُجَرَّدِ التَّخْصِيصِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ؛ كَقَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا مُخْتَصِمٌ أخُوهُ وابْنُ عَمِّهِ؛ أوْ مُبْتَدَأٌ؛ و ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ خَبَرٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ؛ والجُمْلَةِ خَبَرٌ لـ "إنَّ"؛ والفِعْلُ إنَّما يَمْتَنِعُ الإخْبارُ عَنْهُ عِنْدَ بَقائِهِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ أمّا لَوْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ أوْ مُطْلَقُ الحَدَثِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ ضِمْنًا عَلى طَرِيقَةِ الِاتِّساعِ فَهو كالِاسْمِ في الإضافَةِ والإسْنادِ إلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا﴾؛ وفي قَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْذارُكَ وعَدَمُهُ سِيّانِ عَلَيْهِمْ؛ والعُدُولُ إلى الفِعْلِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّجَدُّدِ؛ والتَّوَصُّلُ إلى إدْخالِ الهَمْزَةِ ومُعادِلِها عَلَيْهِ لِإفادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى الِاسْتِواءِ وتَأْكِيدِهِ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وقِيلَ "سَواءٌ" مُبْتَدَأٌ؛ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ؛ ولَيْسَ بِذاكَ؛ لِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ كَوْنِ الإنْذارِ وعَدَمِهِ سَواءً؛ لا بَيانُ كَوْنِ المُسْتَوِي الإنْذارَ وعَدَمَهُ. والإنْذارُ: إعْلامُ المَخُوفِ؛ لِلِاحْتِرازِ عَنْهُ؛ "إفْعالٌ" مِن نُذِرَ بالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ فَحَذِرَهُ؛ والمُرادُ هَهُنا التَّخْوِيفُ مِن عَذابِ اللَّهِ (تَعالى) وعِقابِهِ عَلى المَعاصِي؛ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ لِما أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْبِشارَةِ أصْلًا؛ ولِأنَّ الإنْذارَ أوْقَعُ في القُلُوبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النُّفُوسِ؛ فَإنَّ دَفْعَ المَضارِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنافِعِ؛ فَحَيْثُ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِهِ فَلَأنْ لا يَرْفَعُوا لِلْبِشارَةِ رَأْسًا أوْلى؛ وقُرِئَ بِتَوْسِيطِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ مَعَ تَحْقِيقِهِما؛ وبِتَوْسِيطِها والثّانِيَةُ بَيْنَ بَيْنَ؛ وبِتَخْفِيفِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ بِلا تَوْسِيطٍ؛ وبِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ؛ وبِحَذْفِهِ وإلْقاءِ حَرَكَتِهِ عَلى السّاكِنِ قَبْلَهُ؛ كَما قُرِئَ " قَدْ أفْلَحَ "؛ وقُرِئَ بِقَلْبِ الثّانِيَةِ ألِفًا؛ وقَدْ نُسِبَ ذَلِكَ إلى اللَّحْنِ.

﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها؛ مُبَيِّنَةٌ لِما فِيهِ مِن إجْمالِ ما فِيهِ الِاسْتِواءُ؛ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ؛ أوْ بَدَلٌ مِنهُ؛ أوْ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"؛ وما قَبْلَها اعْتِراضٌ بِما هو عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ؛ أوْ خَبَرٌ ثانٍ؛ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ عِنْدَ كَوْنِهِ جُمْلَةً؛ والآيَةُ الكَرِيمَةُ مِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ فَظَهَرَ اسْتِحالَةُ إيمانِهِمْ؛ لِاسْتِلْزامِهِ المُسْتَحِيلَ الَّذِي هو عَدَمُ مُطابَقَةِ إخْبارِهِ (تَعالى) لِلْواقِعِ؛ مَعَ كَوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ؛ باقِينَ عَلى التَّكْلِيفِ؛ ولِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما كُلِّفُوهُ الإيمانَ بِعَدَمِ إيمانِهِمُ المُسْتَمِرِّ؛ والحَقُّ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالمُمْتَنَعِ لِذاتِهِ - وإنْ جازَ عَقْلًا مِن حَيْثُ إنَّ الأحْكامَ لا تَسْتَدْعِي أغْراضًا؛ لا سِيَّما الِامْتِثالُ - لَكِنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ لِلِاسْتِقْراءِ؛ والإخْبارُ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ أوْ بِعَدَمِهِ لا يَنْفِي القُدْرَةَ عَلَيْهِ؛ كَإخْبارِهِ (تَعالى) عَمّا يَفْعَلُهُ هو أوِ العَبْدُ بِاخْتِيارِهِ؛ ولَيْسَ ما كُلِّفُوهُ الإيمانَ بِتَفاصِيلِ ما نَطَقَ بِهِ القرآن حَتّى يَلْزَمَ أنْ يُكَلَّفُوا الإيمانَ بِعَدَمِ إيمانِهِمُ المُسْتَمِرِّ؛ بَلْ هو الإيمانُ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إجْمالًا عَلى أنَّ كَوْنَ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْهم لَيْسَ مَعْلُومًا لَهُمْ؛ وفائِدَةُ الإنْذارِ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يُفِيدُ إلْزامُ الحُجَّةِ؛ وإحْرازُ الرَّسُولِ ﷺ فَضْلَ الإبْلاغِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ ولَمْ يَقُلْ: عَلَيْكَ؛ كَما قِيلَ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾؛ (p-37)

وَفِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إخْبارٌ بِالغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ إنْ أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ أشْخاصٌ بِأعْيانِهِمْ؛ فَهي مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ.

2:7Page 3

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧

Allāh has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil.1 And for them is a great punishment.

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ؛ وبَيانٌ لِما يَقْتَضِيهِ؛ أوْ بَيانٌ وتَأْكِيدٌ لَهُ؛ والمُرادُ بِالقَلْبِ مَحَلُّ القُوَّةِ العاقِلَةِ مِنَ الفُؤادِ؛ والخَتْمُ عَلى الشَّيْءِ الِاسْتِيثاقُ مِنهُ؛ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ؛ صِيانَةً لَهُ؛ أوْ لِما فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ؛ كَما في البَيْتِ الفارِغِ؛ والكِيسِ المَمْلُوءِ؛ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ صِيانَةَ ما في قُلُوبِهِمْ؛ بَلْ إحْداثَ حالَةٍ تَجْعَلُها - بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الغَيِّ؛ وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ؛ وإعْراضِهِمْ عَنْ مِنهاجِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ بِحَيْثُ لا يُؤَثِّرُ فِيها الإنْذارُ؛ ولا يَنْفُذُ فِيها الحَقُّ أصْلًا - إمّا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ؛ بِأنْ يُشَبِّهَ ذَلِكَ بِضَرْبِ الخاتَمِ؛ عَلى نَحْوِ أبْوابِ المَنازِلِ الخالِيَةِ المَبْنِيَّةِ لِلسُّكْنى؛ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ؛ بِجامِعٍ عَقْلِيٍّ؛ هو الِاشْتِمالُ عَلى مَنعِ القابِلِ عَمّا مِن شَأْنِهِ وحَقِّهِ أنْ يَقْبَلَهُ؛ ويُسْتَعارَ لَهُ الخَتْمُ؛ ثُمَّ يُشْتَقَّ مِنهُ صِيغَةُ الماضِي؛ وإمّا عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِأنْ يُشَبِّهَ الهَيْئَةَ المُنْتَزَعَةَ مِن قُلُوبِهِمْ؛ وقَدْ فُعِلَ بِها ما فُعِلَ مِن إحْداثِ تِلْكَ الحالَةِ المانِعَةِ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْها ما خُلِقَتْ هي لِأجْلِهِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ النّافِعَةِ؛ وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِالمَرَّةِ؛ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِن مُحالٍ؛ مُعَدَّةٍ لِحُلُولِ ما يَحُلُّها حُلُولًا مُسْتَتْبِعًا لِمَصالِحَ مُهِمَّةٍ؛ وقَدْ مَنَعَ مِن ذَلِكَ بِالخَتْمِ عَلَيْها؛ وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَ ما أُعِدَّتْ لِأجْلِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ ثُمَّ يُسْتَعارَ لَها ما يَدُلُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ فَيَكُونَ كُلٌّ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ مُرَكَّبًا مِن أُمُورٍ عِدَّةٍ؛ قَدِ اقْتُصِرَ مِن جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما عَلَيْهِ يَدُورُ الأمْرُ في تَصْوِيرِ تِلْكَ الهَيْئَةِ وانْتِزاعِها؛ وهو الخَتْمُ؛ والباقِي مَنَوِيٌّ؛ مُرادٌ قَصْدًا بِألْفاظٍ مُتَخَيَّلَةٍ؛ بِها يَتَحَقَّقُ التَّرْكِيبُ؛ وتِلْكَ الألْفاظُ - وإنْ كانَ لَها مُدْخَلٌ في تَحْقِيقِ وجْهِ الشَّبَهِ الَّذِي هو أمْرٌ عَقْلِيٌّ مُنْتَزَعٌ مِنها؛ وهو امْتِناعُ الِانْتِفاعِ بِما أُعِدَّ لَهُ بِسَبَبٍ مانِعٍ قَوِيٍّ - لَكِنْ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها عَلى الِانْفِرادِ تَجَوُّزٌ؛ بِاعْتِبارِ هَذا المَجازِ؛ بَلْ هي باقِيَةٌ عَلى حالِها مِن كَوْنِها حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ أوْ كِنايَةً؛ وإنَّما التَّجَوُّزُ في المَجْمُوعِ؛ وحَيْثُ كانَ مَعْنى المَجْمُوعِ مَجْمُوعَ مَعانِي تِلْكَ الألْفاظِ الَّتِي لَيْسَ فِيها التَّجَوُّزُ المَعْهُودُ؛ ولَمْ تَكُنِ الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِنها مَدْلُولًا وضْعِيًّا لَها؛ لِيَكُونَ ما دَلَّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ في الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ؛ مُسْتَعْمَلًا في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ؛ فَيَنْدَرِجَ تَحْتَ الِاسْتِعارَةِ؛ الَّتِي هي قِسْمٌ مِنَ المَجازِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الكَلِمَةِ المُسْتَعْمَلَةِ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ؛ ذَهَبَ قُدَماءُ المُحَقِّقِينَ؛ كالشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ؛ وأضْرابِهِ إلى جَعْلِ التَّمْثِيلِ قِسْمًا بِرَأْسِهِ؛ ومَن رامَ تَقْلِيلَ الأقْسامِ عَدَّ تِلْكَ الهَيْئَةَ المُشَبَّهَ بِها مِن قَبِيلِ المَدْلُولاتِ الوَضْعِيَّةِ؛ وجَعَلَ الكَلامَ المُفِيدَ لَها؛ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ فِيما يُشَبَّهُ بِها مِن هَيْئَةٍ أُخْرى مُنْتَزَعَةٍ مِن أُمُورٍ أُخَرَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ؛ وسَمّاهُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً؛ وإسْنادُ إحْداثِ تِلْكَ الحالَةِ في قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ (تَعالى) لِاسْتِنادِ جَمِيعِ الحَوادِثِ عِنْدَنا مِن حَيْثُ الخَلْقُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ووُرُودُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ناعِيَةً عَلَيْهِمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ؛ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِمْ؛ لِكَوْنِ أفْعالِهِمْ مِن حَيْثُ الكَسْبُ مُسْتَنِدَةً إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ خَلْقَها مِنهُ - سُبْحانَهُ - لَيْسَ بِطَرِيقِ الجَبْرِ؛ بَلْ بِطَرِيقِ التَّرْتِيبِ عَلى ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ القَبائِحِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ التَّأْوِيلِ؛ وذَكَرُوا في ذَلِكَ عِدَّةً مِنَ الأقاوِيلِ؛ مِنها أنَّ القَوْمَ لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ؛ وتَمَكَّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ؛ حَتّى صارَ كالطَّبِيعَةِ لَهُمْ؛ شُبِّهَ بِالوَصْفِ الخَلْقِيِّ المَجْبُولِ عَلَيْهِ؛ ومِنها أنَّ المُرادَ بِهِ تَمْثِيلُ قُلُوبِهِمْ بِقُلُوبِ البَهائِمِ الَّتِي خَلَقَها (p-38)اللَّهُ (تَعالى) خالِيَةً عَنِ الفَطْنِ؛ أوْ بِقُلُوبٍ قُدِّرَ خَتْمُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْها؛ كَما فِي: "سالَ بِهِ الوادِي"؛ إذا هَلَكَ؛ و"طارَتْ بِهِ العَنْقاءُ"؛ إذا طالَتْ غَيْبَتُهُ؛ ومِنها أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الشَّيْطانِ؛ أوِ الكافِرِ؛ وإسْنادُهُ إلَيْهِ (تَعالى) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بِإقْدارِهِ (تَعالى)؛ وتَمْكِينِهِ؛ ومِنها أنَّ أعْراقَهم لَمّا رَسَخَتْ في الكُفْرِ؛ واسْتَحْكَمَتْ - بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلى تَحْصِيلِ إيمانِهِمْ طَرِيقٌ سِوى الإلْجاءِ والقَسْرِ؛ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُحافَظَةً عَلى حِكْمَةِ التَّكْلِيفِ - عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالخَتْمِ؛ لِأنَّهُ سَدٌّ لِطَرِيقِ إيمانِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِتَرامِي أمْرِهِمْ في الغَيِّ والعِنادِ؛ وتَناهِي انْهِماكِهِمْ في الشَّرِّ والفَسادِ؛ ومِنها أنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ لِما كانَتِ الكَفَرَةُ يَقُولُونَهُ؛ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾؛ تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ ومِنها أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ؛ وإنَّما أُخْبِرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا﴾؛ ومِنها أنَّ المُرادَ بِالخَتْمِ وسْمُ قُلُوبِهِمْ بِسِمَةٍ يَعْرِفُها المَلائِكَةُ؛ فَيُبْغِضُونَهُمْ؛ ويَتَنَفَّرُونَ عَنْهم.

﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ داخِلٌ في حُكْمِ الخَتْمِ؛ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾؛ ولِلْوِفاقِ عَلى الوَقْفِ عَلَيْهِ؛ لا عَلى "قُلُوبِهِمْ"؛ ولِاشْتِراكِهِما في الإدْراكِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ؛ وإعادَةُ الجارِّ لِلتَّأْكِيدِ؛ والإشْعارِ بِتَغايُرِ الخَتْمَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ خَتْمِ قُلُوبِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّها الأصْلُ في عَدَمِ الإيمانِ؛ ولِلْإشْعارِ بِأنَّ خَتْمَها لَيْسَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ؛ بِخَتْمِ سَمْعِهِمْ؛ بِناءً عَلى أنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْها؛ فالخَتْمُ عَلَيْهِ خَتْمٌ عَلَيْها؛ بَلْ هي مَخْتُومَةٌ بِخَتْمٍ عَلى حِدَةٍ؛ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ الخَتْمِ عَلى سَمْعِهِمْ؛ فَهو باقٍ عَلى حالِهِ؛ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾؛ والسَّمْعُ: إدْراكُ القُوَّةِ السّامِعَةِ؛ وقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْها وعَلى العُضْوِ الحامِلِ لَها؛ وهو المُرادُ هَهُنا؛ إذْ هو المَخْتُومُ عَلَيْهِ أصالَةً؛ وتَقْدِيمُ حالِهِ عَلى حالِ أبْصارِهِمْ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُلُوبِهِمْ في تِلْكَ الحالِ؛ أوْ لِأنَّ جِنايَتَهم مِن حَيْثُ السَّمْعُ الَّذِي بِهِ يُتَلَقّى الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ؛ وبِهِ يَتَحَقَّقُ الإنْذارُ أعْظَمَ مِنها؛ مِن حَيْثُ البَصَرُ الَّذِي بِهِ يُشاهَدُ الأحْوالُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ؛ فَبَيانُها أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ؛ وأنْسَبُ بِالمَقامِ؛ قالُوا: السَّمْعُ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ؛ لِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - حَيْثُ ذَكَرَهُما قَدَّمَ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ شَرْطُ النُّبُوَّةِ؛ ولِذَلِكَ ما بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) رَسُولًا أصَمَّ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ وسِيلَةٌ إلى اسْتِكْمالِ العَقْلِ بِالمَعارِفِ الَّتِي تُتَلَقَّفُ مِن أصْحابِها؛ وتَوْحِيدُهُ لِلْأمْنِ عَنِ اللَّبْسِ؛ واعْتِبارِ الأصْلِ؛ أوْ لِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: وعَلى حَواسِّ سَمْعِهِمْ؛ والكَلامُ في إيقاعِ الخَتْمِ عَلى ذَلِكَ كَما مَرَّ مِن قَبْلُ.

﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾: الأبْصارُ جَمْعُ "بَصَرٌ"؛ والكَلامُ فِيهِ كَما سَمِعْتَهُ في السَّمْعِ؛ والغِشاوَةُ: "فِعالَةٌ" مِنَ التَّغْشِيَةِ؛ أيِ التَّغْطِيَةِ؛ بُنِيَتْ لِما يَشْتَمِلُ عَلى الشَّيْءِ؛ كَـ "العِصابَةُ"؛ و"العِمامَةُ"؛ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ؛ وهي عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُقَدَّمُ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلْإيذانِ بِدَوامِ مَضْمُونِها؛ فَإنَّ ما يُدْرَكُ بِالقُوَّةِ الباصِرَةِ مِنَ الآياتِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ؛ حَيْثُ كانَتْ مُسْتَمِرَّةً؛ كانَ تَعامُّهم مِن ذَلِكَ أيْضًا كَذَلِكَ؛ وأمّا الآياتُ الَّتِي تُتَلَقّى بِالقُوَّةِ السّامِعَةِ - فَلَمّا كانَ وُصُولُها إلَيْها حِينًا فَحِينًا - أُوثِرَ في بَيانِ الخَتْمِ عَلَيْها وعَلى ما هي أحَدُ طَرِيقَيْ مَعْرِفَتِهِ - أعْنِي القَلْبَ - الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ؛ وعَلى رَأْيِ الأخْفَشِ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ ناصِبٍ؛ أيْ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً؛ وقِيلَ: عَلى حَذْفِ الجارِّ؛ وإيصالِ الخَتْمِ إلَيْهِ؛ والمَعْنى: وخُتِمَ عَلى أبْصارِهِمْ بِغِشاوَةٍ؛ وقُرِئَ بِالضَّمِّ؛ والرَّفْعِ؛ وبِالفَتْحِ؛ والنَّصْبِ؛ وهُما لُغَتانِ فِيها؛ و"غِشْوَةٌ" بِالكَسْرِ مَرْفُوعَةً؛ وبِالفَتْحِ مَرْفُوعَةً؛ ومَنصُوبَةً؛ و"عَشاوَةٌ" بِالعَيْنِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ؛ والرَّفْعِ.

﴿وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ وعِيدٌ وبَيانٌ لِما يَسْتَحِقُّونَهُ (p-39)

فِي الآخِرَةِ؛ و"العَذابُ" كَـ "النَّكالُ"؛ بِناءً ومَعْنًى؛ يُقالُ: أعْذَبَ عَنِ الشَّيْءِ؛ إذا أمْسَكَ عَنْهُ؛ ومِنهُ: الماءُ العَذْبُ؛ لِما أنَّهُ يَقْمَعُ العَطَشَ ويَرْدَعُهُ؛ ولِذَلِكَ يُسَمّى نُقاخًا؛ لِأنَّهُ يَنْقَخُ العَطَشَ ويَكْسِرُهُ؛ وفُراتًا؛ لِأنَّهُ يَفْرُتُهُ عَلى القَلْبِ ويَكْسِرُهُ؛ ثُمَّ اتُسِعَ فِيهِ؛ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ ألَمٍ فادِحٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ عِقابًا يُرادُ بِهِ رَدْعُ الجانِي عَنِ المُعاوَدَةِ؛ وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ التَّعْذِيبِ؛ الَّذِي هو إزالَةُ العَذابِ؛ كَـ "التَّقْذِيَةُ"؛ و"التَّمْرِيضُ"؛ و"العَظِيمُ" نَقِيضُ "الحَقِيرُ"؛ و"الكَبِيرُ" نَقِيضُ "الصَّغِيرُ"؛ فَمِن ضَرُورَةِ كَوْنِ الحَقِيرِ دُونَ الصَّغِيرِ كَوْنُ العَظِيمِ فَوْقَ الكَبِيرِ؛ ويُسْتَعْمَلانِ في الجُثَثِ؛ والأحْداثِ؛ تَقُولُ: رَجُلٌ عَظِيمٌ؛ وكَبِيرٌ؛ تُرِيدُ جُثَّتَهُ؛ أوْ خَطَرَهُ؛ ووُصِفَ العَذابُ بِهِ لِتَأْكِيدِ ما يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ والمُبالَغَةِ في ذَلِكَ؛ والمَعْنى أنَّ عَلى أبْصارِهِمْ ضَرْبًا مِنَ الغِشاوَةِ؛ خارِجًا مِمّا يُتَعارَفُهُ النّاسُ؛ وهي غِشاوَةُ التَّعامِي عَنِ الآياتِ؛ ولَهم مِنَ الآلامِ العِظامِ نَوْعٌ عَظِيمٌ لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ؛ ولا يُدْرَكُ غايَتُهُ. اللَّهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском