Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:59–68
2:59Page 9
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩
But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.
(p-105)﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ؛ والِاسْتِغْفارِ؛ بِأنْ أعْرَضُوا عَنْهُ؛ وأوْرَدُوا مَكانَهُ ﴿قَوْلا﴾ آخَرَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ رُوِيَ أنَّهم قالُوا - مَكانَ "حِطَّةٌ" - حِنْطَةٌ؛ وقِيلَ: قالُوا - بِالنَّبَطِيَّةِ -: حُطًّا سَمْقاثًا؛ يَعْنُونَ: حِنْطَةً حَمْراءَ؛ اسْتِخْفافًا بِأمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: نَعْتٌ لِـ "قَوْلًا"؛ وإنَّما صُرِّحَ بِهِ؛ مَعَ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ التَّبْدِيلِ بِلا مُغايَرَةٍ؛ تَحْقِيقًا لِمُخالَفَتِهِمْ؛ وتَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.
﴿فَأنْزَلْنا﴾؛ أيْ عُقَيْبَ ذَلِكَ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّبْدِيلِ؛ وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ؛ والمُبالَغَةِ في الذَّمِّ؛ والتَّقْرِيعِ؛ ولِلتَّصْرِيحِ بِأنَّهم بِما فَعَلُوا قَدْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِسُخْطِ اللَّهِ (تَعالى).
﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: عَذابًا مُقَدَّرًا مِنها؛ والتَّنْوِينُ لِلتَّهْوِيلِ؛ والتَّفْخِيمِ؛ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ؛ حَسْبَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ؛ وتَعْلِيلُ إنْزالِ الرِّجْزِ بِهِ - بَعْدَ الإشْعارِ بِتَعْلِيلِهِ بِظُلْمِهِمْ - لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ؛ وخُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ؛ وغُلُوٌّ في الظُّلْمِ؛ وأنَّ تَعْذِيبَهم بِجَمِيعِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ القَبائِحِ؛ لا بِعَدَمِ تَوْبَتِهِمْ فَقَطْ؛ كَما يُشْعِرُ بِهِ تَرْتِيبُهُ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ؛ والرِّجْزُ في الأصْلِ: ما يُعافُ عَنْهُ؛ وكَذَلِكَ الرِّجْسُ؛ وقُرِئَ بِالضَّمِّ؛ وهو لُغَةٌ فِيهِ؛ والمُرادُ بِهِ الطّاعُونُ؛ رُوِيَ أنَّهُ ماتَ بِهِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا.
2:60Page 9
۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠
And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾: تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى كَفَرُوها؛ وكانَ ذَلِكَ في التِّيهِ؛ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْهِمُ العَطَشُ الشَّدِيدُ؛ وتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِرارًا مِن قَصْدِ إبْرازِ كُلٍّ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ في مَعْرِضِ أمْرٍ مُسْتَقِلٍّ واجِبِ التَّذْكِيرِ والتَّذَكُّرِ؛ ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُقُوعِيُّ لَفُهِمَ أنَّ الكُلَّ أمْرٌ واحِدٌ؛ أُمِرَ بِذِكْرِهِ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ؛ أيْ: اسْتَسْقى لِأجْلِ قَوْمِهِ.
﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾؛ رُوِيَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا طُورِيًّا؛ مُكَعَّبًا؛ حَمَلَهُ مَعَهُ؛ وكانَ يَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ مِنهُ ثَلاثُ أعْيُنٍ؛ يَسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ في جَدْوَلٍ إلى سِبْطٍ؛ وكانُوا سِتَّمائَةِ ألْفٍ؛ وسِعَةُ المُعَسْكَرِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا؛ أوْ كانَ حَجَرًا أهْبَطَهُ اللَّهُ (تَعالى) مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الجَنَّةِ؛ ووَقَعَ إلى شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأعْطاهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ العَصا؛ أوْ كانَ هو الحَجَرَ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِهِ حِينَ وضَعَهُ عَلَيْهِ لِيَغْتَسِلَ وبَرَّأهُ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ عَمّا رَمَوْهُ بِهِ مِنَ الأُدَرَةِ؛ فَأشارَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمِلَهُ؛ أوْ كانَ حَجَرًا مِنَ الحِجارَةِ؛ وهو الأظْهَرُ في الحُجَّةِ؛ قِيلَ: لَمْ يُؤْمَرْ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِضَرْبِ حَجَرٍ بِعَيْنِهِ؛ ولَكِنْ لَمّا قالُوا: كَيْفَ بِنا لَوْ أفْضَيْنا إلى أرْضٍ لا حِجارَةَ بِها؟ حَمَلَ حَجَرًا في مِخْلاتِهِ؛ وكانَ يَضْرِبُهُ بِعَصاهُ إذا نَزَلَ؛ فَيَتَفَجَّرُ؛ ويَضْرِبُهُ إذا ارْتَحَلَ فَيَيْبَسُ؛ فَقالُوا: إنْ فَقَدَ مُوسى عَصاهُ مِتْنا عَطَشًا؛ فَأوْحى اللَّهُ (تَعالى) إلَيْهِ أنْ لا تَقْرَعِ الحَجَرَ؛ وكَلِّمْهُ يُطِعْكَ؛ لَعَلَّهم يَعْتَبِرُونَ؛ وقِيلَ: كانَ الحَجْرُ مِن رُخامٍ؛ حَجْمُهُ ذِراعٌ في ذِراعٍ؛ والعَصا عَشْرَةُ أذْرُعٍ؛ عَلى طُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ (p-106)
مِن آسِ الجَنَّةِ؛ ولَها شُعْبَتانِ تَتَّقِدانِ في الظُّلْمَةِ؛ ﴿فانْفَجَرَتْ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ قَدْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِ الِانْفِجارِ؛ كَأنَّهُ حَصَلَ عُقَيْبَ الأمْرِ بِالضَّرْبِ؛ أيْ: فَضَرَبَ؛ فانْفَجَرَتْ ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾؛ وأمّا تَعَلُّقُ الفاءِ بِمَحْذُوفٍ - أيْ: فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ - فَغَيْرُ حَقِيقٍ بِجَلالَةِ شَأْنِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ كَما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ؛ وقُرِئَ: "عَشِرَةَ"؛ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ وفَتْحِها؛ وهُما أيْضًا لُغَتانِ؛ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾: كُلُّ سِبْطٍ؛ ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾: عَيْنَهُمُ الخاصَّةَ بِهِمْ؛ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾: عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ ﴿مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾: هو ما رَزَقَهم مِنَ المَنِّ؛ والسَّلْوى؛ والماءِ؛ وقِيلَ: هو الماءُ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ ما يَنْبُتُ بِهِ مِنَ الزُّرُوعِ؛ والثِّمارِ؛ ويَأْباهُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ أكْلُ النِّعْمَةِ العَتِيدَةِ؛ لا ما سَيَطْلُبُونَهُ؛ وإضافَتُهُ إلَيْهِ (تَعالى) - مَعَ اسْتِنادِ الكُلِّ إلَيْهِ خَلْقًا ومِلْكًا - إمّا لِلتَّشْرِيفِ؛ وإمّا لِظُهُورِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ عادِيٍّ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "مِن رِزْقِنا"؛ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَقُلْنا﴾؛ إلَخْ.. إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ بِالأكْلِ والشُّرْبِ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الخِطابِ؛ بَلْ بِواسِطَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾: العَثْيُ: أشَدُّ الفَسادِ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: لا تَتَمادَوْا في الفَسادِ حالَ كَوْنِكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾؛ وقِيلَ: إنَّما قُيِّدَ بِهِ لِأنَّ العَثْيَ في الأصْلِ: مُطْلَقُ التَّعَدِّي؛ وإنْ غَلَبَ في الفَسادِ؛ وقَدْ يَكُونُ في غَيْرِ الفَسادِ؛ كَما في مُقابَلَةِ الظّالِمِ المُعْتَدِي بِفِعْلِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ فِيهِ صَلاحٌ راجِحٌ؛ كَقَتْلِ الخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْغُلامِ؛ وخَرْقِهِ لِلسَّفِينَةِ؛ ونَظِيرُهُ "العَبَثُ"؛ خَلا أنَّهُ غالِبٌ فِيما يُدْرَكُ حِسًّا.
2:61Page 9
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٦١
And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allāh [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allāh and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.
﴿وَإذْ قُلْتُمْ﴾: تَذْكِيرٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لِأسْلافِهِمْ؛ وكُفْرانِهِمْ لِنِعْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإخْلادِهِمْ إلى ما كانُوا فِيهِ مِنَ الدَّناءَةِ؛ والخَساسَةِ. وإسْنادُ القَوْلِ المَحْكِيِّ إلى أخْلافِهِمْ؛ وتَوْجِيهُ التَّوْبِيخِ إلَيْهِمْ لِما بَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ.
﴿يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾: لَعَلَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ جَمْعَ ما طَلَبُوا مَعَ ما كانَ لَهم مِنَ النِّعْمَةِ؛ ولا زَوالَها وحُصُولَ ما طَلَبُوا مَكانَها؛ إذْ يَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِلْوَحْدَةِ؛ بَلْ أرادُوا أنْ يَكُونَ هَذا تارَةً؛ وذاكَ أُخْرى؛ رُوِيَ أنَّهم كانُوا فَلّاحَةً؛ فَنَزَعُوا إلى عَكَرِهِمْ؛ فَأجِمُوا ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَتِيدَةِ؛ لِوَحْدَتِها النَّوْعِيَّةِ؛ وإطِّرادِها؛ وتاقَتْ أنْفُسُهم إلى الشَّقاءِ.
﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾: أيْ: سَلْهُ لِأجْلِنا بِدُعائِكَ إيّاهُ؛ والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ عَدَمِ الصَّبْرِ لِلدُّعاءِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية لِتَمْهِيدِ مَبادِي الإجابَةِ.
﴿يُخْرِجْ لَنا﴾: أيْ: يُظْهِرْ لَنا؛ ويُوجِدْ؛ والجَزْمُ لِجَوابِ الأمْرِ؛ ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾: إسْنادٌ مَجازِيٌّ بِإقامَةِ القابِلِ مَقامَ الفاعِلِ؛ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ والَّتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها﴾: بَيانِيَّةٌ؛ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ؛ أيْ: كائِنًا مِن بَقْلِها؛ إلَخْ.. وقِيلَ: بَدَلٌ؛ بِإعادَةِ الجارِّ. والبَقْلُ: ما تُنْبِتُ الأرْضُ مِنَ الخُضَرِ؛ والمُرادُ أطايِبُهُ؛ الَّتِي تُؤْكَلُ؛ كالنَّعْناعِ؛ والكَرَفْسِ؛ والكُرّاثِ؛ وأشْباهِها. والفُومُ: الحِنْطَةُ؛ وقِيلَ: الثُّومُ؛ وقُرِئَ: "قُثّائِها"؛ بِضَمِّ القافِ؛ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
قالَ: أيْ: اللَّهُ (تَعالى)؛ أوْ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ (p-107)إنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ﴾؛ أيْ: أتَأْخُذُونَ لِأنْفُسِكُمْ؛ وتَخْتارُونَ؛ ﴿الَّذِي هو أدْنى﴾؛ أيْ: أقْرَبُ مَنزِلَةً؛ وأدْوَنُ قَدْرًا؛ سَهْلُ المَنالِ؛ وهَيِّنُ الحُصُولِ؛ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مَرْغُوبًا فِيهِ؛ وكَوْنِهِ تافِهًا؛ مَرْذُولًا؛ قَلِيلَ القِيمَةِ. وأصْلُ الدُّنُوِّ: القُرْبُ في المَكانِ؛ فاسْتُعِيرَ لِلْخِسَّةِ؛ كَما اسْتُعِيرَ البُعْدُ لِلشَّرَفِ؛ والرِّفْعَةِ؛ فَقِيلَ: بَعِيدُ المَحَلِّ؛ وبَعِيدُ الهِمَّةِ. وقُرِئَ: "أدْنَأُ"؛ مِن "الدَّناءَةُ"؛ وقَدْ حُمِلَتِ المَشْهُورَةُ عَلى أنَّ ألِفَها مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ؛ ﴿بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾: أيْ: بِمُقابَلَةِ ما هو خَيْرٌ؛ فَإنَّ الباءَ تَصْحَبُ الذّاهِبَ الزّائِلَ؛ دُونَ الآتِي الحاصِلِ؛ كَما في التَّبْدِيلِ؛ في مِثْلِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾؛ وقَوْلِهِ: ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾؛ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهم أرادُوا زَوالَ المَنِّ والسَّلْوى بِالمَرَّةِ؛ وحُصُولَ ما طَلَبُوا مَكانَهُ؛ كَتَحْقِيقِ الِاسْتِبْدالِ؛ فِيما مَرَّ مِن صُورَةِ المُناوَبَةِ.
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: أُمِرُوا بِهِ بَيانًا لِدَناءَةِ مَطْلَبِهِمْ؛ أوْ إسْعافًا لِمَرامِهِمْ؛ أيْ: انْحَدِرُوا إلَيْهِ مِنَ التِّيهِ؛ يُقالُ: "هَبَطَ الوادِيَ"؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ؛ و"المِصْرُ": البَلَدُ العَظِيمُ؛ وأصْلُهُ الحَدُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ؛ وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ العَلَمُ؛ وإنَّما صُرِفَ لِسُكُونِ وسَطِهِ؛ أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالبَلَدِ دُونَ المَدِينَةِ؛ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غَيْرُ مُنَوَّنٍ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "مِصْرايِيمُ"؛ فَعُرِّبَ.
﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾: تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ؛ أيْ: فَإنَّ لَكم فِيهِ ما سَألْتُمُوهُ؛ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الأشْياءِ المَسْؤُولَةِ بِـ "ما" لِلِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهُ كَثِيرٌ فِيهِ؛ مُبْتَذَلٌ؛ يَنالُهُ كُلُّ أحَدٍ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾: أيْ: جُعِلَتا مُحِيطَتَيْنِ بِهِمْ إحاطَةَ القُبَّةِ بِمَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ؛ أوْ أُلْصِقَتا بِهِمْ؛ وجُعِلَتا ضَرْبَةَ لازِبٍ؛ لا تَنْفَكّانِ عَنْهُمْ؛ مُجازاةً لَهم عَلى كُفْرانِهِمْ؛ مِن ضَرْبِ الطِّينِ عَلى الحائِطِ؛ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ؛ واليَهُودُ في غالِبِ الأمْرِ أذِلّاءُ مَساكِينُ؛ إمّا عَلى الحَقِيقَةِ؛ وإمّا لِخَوْفِ أنْ تُضاعَفَ جِزْيَتُهم.
﴿وَباءُوا﴾: أيْ: رَجَعُوا؛ ﴿بِغَضَبٍ﴾؛ عَظِيمٍ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ هو صِفَةٌ لِـ "غَضَبٍ"؛ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ؛ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ؛ أيْ: بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوْ صارُوا أحِقّاءَ بِهِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "باءَ فُلانٌ بِفُلانٍ"؛ أيْ: صارَ حَقِيقًا بِأنْ يُقْتَلَ بِمُقابَلَتِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ مَن قالَ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ؛ وأصْلُ البَوْءِ: المُساواةُ.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ؛ والبَوْءِ بِالغَضَبِ العَظِيمِ؛ ﴿بِأنَّهُمْ﴾: بِسَبَبِ أنَّهُمْ؛ ﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ الباهِرَةِ الَّتِي هي المُعْجِزاتُ السّاطِعَةُ؛ الظّاهِرَةُ عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا عُدَّ؛ وما لَمْ يُعَدَّ.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ كَشَعْيا؛ وزَكَرِيّا؛ ويَحْيى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ - مَعَ أنَّ قَتْلَ الأنْبِياءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ بِحَقٍّ - الإيذانُ بِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم أيْضًا بِغَيْرِ الحَقِّ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مُعْتَقِدًا بِحَقِّيَّةِ قَتْلِ أحَدٍ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وإنَّما حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ حُبُّ الدُّنْيا؛ واتِّباعُ الهَوى؛ والغُلُوُّ في العِصْيانِ؛ والِاعْتِداءُ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أيْ: جَرَّهُمُ العِصْيانُ؛ والتَّمادِي في العُدْوانِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ؛ وقَتْلِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَإنَّ صِغارَ الذُّنُوبِ إذا دُووِمَ عَلَيْها أدَّتْ إلى كِبارِها؛ كَما أنَّ مُداوَمَةَ صِغارِ الطّاعاتِ مُؤَدِّيَةٌ إلى تَحَرِّي كِبارِها؛ وقِيلَ: كُرِّرَتِ الإشارَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما لَحِقَهم - كَما أنَّهُ بِسَبَبِ الكُفْرِ؛ والقَتْلِ -؛ فَهو بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمُ المَعاصِيَ؛ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفْرِ؛ والقَتْلِ. والباءُ بِمَعْنى "مَعَ"؛ ويَجُوزُ الإشارَةُ إلى المُتَعَدِّدِ بِالمُفْرَدِ؛ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ؛ أوْ تَقَدَّمَ؛ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ: كانَ ما ذُكِرَ؛ والَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ في المُضْمَراتِ والمُبْهَماتِ (p-108)
أنَّ تَثْنِيَتَها وجَمْعَها لَيْسا عَلى الحَقِيقَةِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ "الَّذِي" بِمَعْنى "الَّذِينَ".
2:62Page 10
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢
Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أيْ بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ؛ وهُمُ المُنافِقُونَ؛ بِقَرِينَةِ انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ الكَفَرَةِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ؛ دُونَ عُنْوانِ النِّفاقِ؛ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ المَرْتَبَةَ - وإنْ عُبِّرَ عَنْها بِالإيمانِ - لا تُجْدِيهِمْ نَفْعًا أصْلًا؛ ولا تُنْقِذُهم مِن ورْطَةِ الكُفْرِ قَطْعًا؛ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾: أيْ تَهَوَّدُوا؛ مِن "هادَ"؛ إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ؛ و"يَهُودٌ": إمّا عَرَبِيٌّ؛ مِن "هادَ"؛ إذا تابَ؛ سُمُّوا بِذَلِكَ حِينَ تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ؛ وخُصُّوا بِهِ لَمّا كانَتْ تَوْبَتُهم هائِلَةً؛ وإمّا مُعَرَّبُ "يَهُوذا"؛ كَأنَّهم سُمُّوا بِاسْمِ أكْبَرِ أوْلادِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ ﴿والنَّصارى﴾: جَمْعُ "نَصْرانُ"؛ كَـ "نَدامى"؛ جَمْعُ "نَدْمانُ"؛ يُقالُ: رَجُلٌ "نَصْرانُ"؛ وامْرَأةٌ نَصْرانَةٌ؛ والياءُ في "نَصْرانِيٌّ" لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في "أحْمَرِيٌّ"؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم نَصَرُوا المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ لِأنَّهُمُ كانُوا مَعَهُ في قَرْيَةٍ؛ يُقالُ لَها "نَصْرانُ"؛ فَسُمُّوا بِاسْمِها؛ أوْ نُسِبُوا إلَيْها؛ والياءُ لِلنِّسْبَةِ؛ وقالَ الخَلِيلُ: واحِدُ "النَّصارى": "نَصْرِيٌّ"؛ كَـ "مَهْرِيٌّ"؛ و"مَهارى"؛ ﴿والصّابِئِينَ﴾ هم قَوْمٌ بَيْنَ النَّصارى؛ والمَجُوسِ؛ وقِيلَ: أصْلُ دِينِهِمْ دِينُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: هم عَبَدَةُ المَلائِكَةِ؛ وقِيلَ: عَبَدَةُ الكَواكِبِ؛ فَهو إنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمِن "صَبَأ"؛ إذا خَرَجَ مِن دِينٍ إلى آخَرَ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ إمّا لِلتَّخْفِيفِ؛ وإمّا لِأنَّهُ مِن "صَبا"؛ إذا مالَ؛ لِما أنَّهم مالُوا مِن سائِرِ الأدْيانِ إلى ما هم فِيهِ؛ أوْ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ؛ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾: أيْ: مَن أحْدَثَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا بِالمَبْدَإ والمَعادِ؛ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ؛ ﴿وَعَمِلَ﴾؛ عَمَلًا؛ ﴿صالِحًا﴾: حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ بِما ذُكِرَ؛ ﴿فَلَهُمْ﴾؛ بِمُقابَلَةِ ذَلِكَ؛ ﴿أجْرُهُمْ﴾؛ المَوْعُودُ لَهُمْ؛ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أيْ: مالِكِ أمْرِهِمْ؛ ومُبَلِّغِهِمْ إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ؛ فَـ "مَن": إمّا في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ خَبَرُهُ جُمْلَةُ "فَلَهم أجْرُهُمْ"؛ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾؛ الآيَةِ.. وجَمْعُ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى المَوْصُولِ؛ كَما أنَّ إفْرادَ ما في الصِّلَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ؛ والجُمْلَةُ - كَما هي - خَبَرُ "إنَّ"؛ والعائِدُ إلى اسْمِها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: "مَن آمَنَ مِنهم..." إلَخْ.. وإمّا في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ اسْمِ "إنَّ"؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ وخَبَرُها "فَلَهم أجْرُهُمْ"؛ و"عِنْدَ": مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ "لَهُمْ"؛ مِن مَعْنى الثُّبُوتِ؛ وفي إضافَتِهِ إلى الرَّبِّ؛ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ؛ وإيذانٌ بِأنَّ أجْرَهم مُتَيَقَّنُ الثُّبُوتِ؛ مَأْمُونٌ مِنَ الفَواتِ؛﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ "فَلَهم أجْرُهُمْ"؛ أيْ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حِينَ يَخافُ الكُفّارُ العِقابَ؛ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ حِينَ يَحْزَنُ المُقَصِّرُونَ؛ عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ؛ وتَفْوِيتِ الثَّوابِ؛ والمُرادُ بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما؛ لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما؛ كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا؛ لِما مَرَّ مِن أنَّ النَّفْيَ - وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ - يُفِيدُ الدَّوامَ؛ والِاسْتِمْرارَ؛ بِحَسَبِ المَقامِ؛ هَذا.. وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِـ "الَّذِينَ آمَنُوا": المُتَدَيِّنُونَ بِدِينِ الإسْلامِ؛ المُخْلِصُونَ مِنهم والمُنافِقُونَ؛ فَحِينَئِذٍ لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ "مَن آمَنَ"؛ بِـ "مَنِ اتَّصَفَ مِنهم بِالإيمانِ الخالِصِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ"؛ عَلى الإطْلاقِ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الثَّباتِ والدَّوامِ عَلَيْهِ؛ كَإيمانِ المُخْلِصِينَ؛ أوْ بِطَرِيقِ إحْداثِهِ وإنْشائِهِ؛ كَإيمانِ مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ؛ وسائِرِ الطَّوائِفِ؛ وفائِدَةُ التَّعْمِيمِ لِلْمُخْلِصِينَ مَزِيدُ تَرْغِيبِ الباقِينَ في الإيمانِ بِبَيانِ أنَّ تَأْخِيرَهم (p-109)فِي الِاتِّصافِ بِهِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً لِأُولَئِكَ الأقْدَمِينَ؛ في اسْتِحْقاقِ الأجْرِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأمْنِ الدّائِمِ؛ وأمّا ما قِيلَ في تَفْسِيرِهِ "مَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ؛ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ؛ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ"؛ فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا؛ لِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ هو التَّرْغِيبُ في دِينِ الإسْلامِ؛ وأمّا بَيانُ حالِ مَن مَضى عَلى دِينٍ آخَرَ قَبْلَ انْتِساخِهِ؛ فَلا مُلابَسَةَ لَهُ بِالمَقامِ قَطْعًا؛ بَلْ رُبَّما يُخِلُّ بِمُقْتَضاهُ مِن حَيْثُ دَلالَتُهُ عَلى حَقِّيَّتِهِ في زَمانِهِ في الجُمْلَةِ؛ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ؛ والصّابِئِينَ؛ لا يَتَسَنّى في حَقِّهِمْ ما ذُكِرَ؛ أمّا المُنافِقُونَ؛ فَإنْ كانُوا مِن أهْلِ الشِّرْكِ فالأمْرُ بَيِّنٌ؛ وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ فَمَن مَضى مِنهم قَبْلَ النَّسْخِ لَيْسُوا بِمُنافِقِينَ؛ وأمّا الصّابِئُونَ فَلَيْسَ لَهم دِينٌ يَجُوزُ رِعايَتُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ كانَ لَهم دِينٌ سَماوِيٌّ؛ ثُمَّ خَرَجُوا عَنْهُ؛ فَمَن مَضى مِن أهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ؛ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنهُ؛ فَلَيْسُوا مِنَ الصّابِئِينَ؛ فَكَيْفَ يُمْكِنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ اسْمِ "إنَّ" وخَبَرِها إلَيْهِمْ؛ أوْ إلى المُنافِقِينَ؛ وارْتِكابُ إرْجاعِهِ إلى مَجْمُوعَةِ الطَّوائِفِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ؛ لا إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنها؛ قَصْدًا إلى دَرْجِ الفَرِيقِ المَذْكُورِ فِيهِ؛ ضَرُورَةَ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ قَبْلَ نَسْخِهِ؛ مِن مَجْمُوعِ الطَّوائِفِ؛ بِحُكْمِ اشْتِمالِهِ عَلى اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُنافِقِينَ؛ والصّابِئِينَ؛ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ؛ عَلى أنَّ المُخْلِصِينَ - مَعَ انْدِراجِهِمْ في حَيِّزِ اسْمِ "إنَّ" - لَيْسَ لَهم في حَيِّزِ خَبَرِها عَيْنٌ؛ ولا أثَرٌ؛ فَتَأمَّلْ؛ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبِينِ.
2:63Page 10
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣
And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."
﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾: تَذْكِيرٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لِأسْلافِهِمْ؛ أيْ: "واذْكُرُوا وقْتَ أخْذِنا لِمِيثاقِكم بِالمُحافَظَةِ عَلى ما في التَّوْراةِ"؛ ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ "أخَذْنا"؛ أوْ حالٌ؛ أيْ: "وَقَدْ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ؛ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ"؛ رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ؛ فَرَأوْا ما فِيها مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ؛ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ؛ فَأبَوْا قَبُولَها؛ فَأُمِرَجِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَلَعَ الطُّورَ؛ فَظَلَّلَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى قَبِلُوا؛ ﴿خُذُوا﴾؛ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ ﴿ما آتَيْناكُمْ﴾؛ مِنَ الكِتابِ؛ ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ؛ ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾: أيِ احْفَظُوهُ؛ ولا تَنْسَوْهُ؛ أوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ؛ فَإنَّهُ ذِكْرٌ بِالقَلْبِ؛ أوِ اعْمَلُوا بِهِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾: لِكَيْ تَتَّقُوا المَعاصِيَ؛ أوْ لِتَنْجُوا مِن هَلاكِ الدّارَيْنِ؛ أوْ رَجاءً مِنكم أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ؛ أوْ طَلَبًا لِذَلِكَ؛ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ؛ .
2:64Page 10
ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤
Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مِن بَعْدِ أخْذِ ذَلِكَ المِيثاقِ المُؤَكَّدِ؛ ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾؛ بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ؛ أوْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الحَقِّ؛ ويَهْدِيكم إلَيْهِ؛ ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾؛ أيِ المَغْبُونِينَ بِالِانْهِماكِ في المَعاصِي؛ والخَبْطِ في مَهاوِي الضَّلالِ عِنْدَ الفَتْرَةِ؛ وقِيلَ: لَوْلا فَضْلُهُ (تَعالى) عَلَيْكم بِالإمْهالِ؛ وتَأْخِيرِ العَذابِ؛ لَكُنْتُمْ مِنَ الهالِكِينَ؛ وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ؛ وكَلِمَةُ "لَوْلا"؛ إمّا بَسِيطَةٌ؛ أوْ مُرَكَّبَةٌ مِن "لَوْ" الِامْتِناعِيَّةِ؛ وحَرْفِ النَّفْيِ؛ ومَعْناها: امْتِناعُ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ؛ كَما أنَّ "لَوْ" لِامْتِناعِهِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ؛ والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَها - عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ؛ وسَدَّ الجَوابُ (p-110)مَسَدَّهُ؛ والتَّقْدِيرُ: "لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ (تَعالى) حاصِلٌ"؛ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: "لَوْلا ثَبَتَ فَضْلُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْكم.
2:65Page 10
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥
And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾؛ أيْ: عَرَفْتُمْ؛ ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾؛ رُوِيَ أنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يَتَمَحَّضُوا يَوْمَ السَّبْتِ لِلْعِبادَةِ؛ ويَتَجَرَّدُوا لَها؛ ويَتْرُكُوا الصَّيْدَ؛ فاعْتَدى فِيهِ أُناسٌ مِنهم في زَمَنِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاشْتَغَلُوا بِالصَّيْدِ؛ وكانُوا يَسْكُنُونَ قَرْيَةً بِساحِلِ البَحْرِ؛ يُقالُ لَها "أيْلَةُ"؛ فَإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَبْقَ في البَحْرِ حُوتٌ إلّا بَرَزَ؛ وأخْرَجَ خُرْطُومَهُ؛ فَإذا مَضى تَفَرَّقَتْ؛ فَحَفَرُوا حِياضًا؛ وشَرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ؛ وكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ؛ فالمَعْنى: وبِاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمُوهم حِينَ فَعَلُوا مِن قَبِيلِ جِناياتِكم ما فَعَلُوا؛ فَلَمْ نُمْهِلْهُمْ؛ ولَمْ نُؤَخِّرْ عُقُوبَتَهُمْ؛ بَلْ عَجَّلْناها؛ ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾؛ أيْ: جامِعِينَ بَيْنَ صُورَةِ القِرَدَةِ؛ والخُسُوءِ؛ وهو الطَّرْدُ؛ والصَّغارُ؛ عَلى أنَّ خاسِئِينَ نَعْتٌ لِـ "قِرَدَةً"؛ وقِيلَ: حالٌ مِنَ اسْمِ "كُونُوا"؛ عِنْدَ مَن يُجِيزُ عَمَلَ "كانَ" في الظُّرُوفِ؛ والحالِ؛ وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في "قِرَدَةً"؛ لِأنَّهُ في مَعْنى "مَمْسُوخِينَ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: ما مُسِخَتْ صُوَرُهُمْ؛ ولَكِنْ قُلُوبُهُمْ؛ فَمُثِّلُوا بِالقِرَدَةِ؛ كَما مُثِّلُوا بِالحِمارِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾؛ والمُرادُ بِالأمْرِ بَيانُ سُرْعَةِ التَّكْوِينِ؛ وأنَّهم صارُوا كَذَلِكَ؛ كَما أرادَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقُرِئَ: "قَرِدَةً"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الرّاءِ؛ و"خاسِينَ"؛ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
2:66Page 10
فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦
And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.
﴿فَجَعَلْناها﴾: أيِ المَسْخَةَ؛ والعُقُوبَةَ؛ ﴿نَكالا﴾: عِبْرَةً تُنَكِّلُ المُعْتَبِرَ بِها؛ أيْ تَمْنَعُهُ؛ وتَرْدَعُهُ؛ ومِنهُ "النَّكْلُ"؛ لِلْقَيْدِ؛ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾: لِما قَبْلَها؛ وما بَعْدَها؛ مِنَ الأُمَمِ؛ إذْ ذُكِرَتْ حالُهم في زُبُرِ الأوَّلِينَ؛ واشْتُهِرَتْ قِصَصُهم في الآخِرِينَ؛ أوْ لِمُعاصِرِيهِمْ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ أوْ لِما بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى؛ وما تَباعَدَ عَنْها؛ أوْ لِأهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ؛ وما حَوالَيْها؛ أوْ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْها مِن ذُنُوبِهِمْ؛ وما تَأخَّرَ مِنها؛ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ مِن قَوْمِهِمْ؛ أوْ لِكُلِّ مُتَّقٍ سَمِعَها.
2:67Page 10
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧
And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."
﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾: تَوْبِيخٌ آخَرُ لِأخْلافِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ بِتَذْكِيرِ بَعْضِ جِناياتٍ صَدَرَتْ عَنْ أسْلافِهِمْ؛ أيْ: "واذْكُرُوا وقْتَ قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْدادِكُمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؛ وسَبَبُهُ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ شَيْخٌ مُوسِرٌ؛ فَقَتَلَهُ بَنُو عَمِّهِ؛ طَمَعًا في مِيراثِهِ؛ فَطَرَحُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ؛ ثُمَّ جاؤُوا يُطالِبُونَ بِدِيَتِهِ؛ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) أنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً؛ ويَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها؛ فَيَحْيا؛ فَيُخْبِرَهم بِقاتِلِهِ؛ ﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا؟ هَلْ سارَعُوا إلى الِامْتِثالِ؛ أوْ لا؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾؛ بِضَمِّ الزّاءِ؛ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ وقُرِئَ بِالهَمْزَةِ مَعَ الضَّمِّ والسُّكُونِ؛ أيْ: أتَجْعَلُنا مَكانَ هُزُؤٍ؛ أوْ أهْلَ هُزُؤٍ أوْ مَهْزُوءًا بِنا؛ أوِ الهُزُؤَ نَفْسَهُ؟ اسْتِبْعادًا لِما قالَهُ؛ واسْتِخْفافًا بِهِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَبَقَ؛ ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾؛ لِأنَّ الهُزُؤَ في أثْناءِ تَبْلِيغِ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - جَهْلٌ؛ وسَفَهٌ؛ نَفى عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - (p-111)ما تَوَهَّمُوهُ مِن قَبْلِهِ؛ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ وآكَدِهِ؛ بِإخْراجِهِ مُخْرَجَ ما لا مَكْرُوهَ وراءَهُ؛ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ؛ اسْتِفْظاعًا لَهُ؛ واسْتِعْظامًا لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي شافَهُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِها.
2:68Page 10
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨
They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."
﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ كَما مَرَّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: تَوَجَّهُوا نَحْوَ الِامْتِثالِ؛ وقالُوا: ﴿ادْعُ لَنا﴾؛ أيْ لِأجْلِنا؛ ﴿رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾: "ما": مُبْتَدَأٌ؛ و"هِيَ": خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ. "يُبَيِّنْ": أيْ: يُبَيِّنْ لَنا جَوابَ هَذا السُّؤالِ؛ وقَدْ سَألُوا عَنْ حالِها؛ وصِفَتِها؛ لَمّا قَرَعَ أسْماعَهم ما لَمْ يَعْهَدُوهُ مِن بَقَرَةٍ مَيْتَةٍ؛ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيْتٌ؛ فَيَحْيا؛ فَإنَّ "ما"؛ وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الِاسْمِ والحَقِيقَةِ - كَما في "ما" الشّارِحَةِ والحَقِيقِيَّةِ - لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ؛ والحالُ؛ تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: طَبِيبٌ؛ أوْ عالِمٌ. وقِيلَ: كانَ حَقُّهُ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِـ "أيُّ"؛ لَكِنَّهم لَمّا رَأوْا ما أُمِرُوا بِهِ عَلى حالَةٍ مُغايِرَةٍ لِما عَلَيْهِ الجِنْسُ؛ أخْرَجُوهُ عَنِ الحَقِيقَةِ؛ فَجَعَلُوهُ جِنْسًا عَلى حِيالِهِ.
قالَ: أيْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَعْدَما دَعا رَبَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالبَيانِ؛ وأتاهُ الوَحْيُ: ﴿إنَّهُ﴾ (تَعالى) ﴿يَقُولُ إنَّها﴾؛ أيِ البَقَرَةَ المَأْمُورَ بِذَبْحِها؛ ﴿بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾؛ أيْ: لا مُسِنَّةٌ؛ ولا فَتِيَّةٌ؛ يُقالُ: "فَرَضَتِ البَقَرَةُ فُرُوضًا"؛ أيْ: أسَنَّتْ؛ مِن "الفَرْضُ"؛ بِمَعْنى "القَطْعُ"؛ كَأنَّها قَطَعَتْ سِنَّها؛ وبَلَغَتْ آخِرَها؛ وتَرْكِيبُ البِكْرِ لِلْأوَّلِيَّةِ؛ ومِنهُ "البَكَرَةُ"؛ و"الباكُورَةُ"؛ ﴿عَوانٌ﴾؛ أيْ: نِصْفٌ؛ لا قَحْمٌ؛ ولا ضَرَعٌ؛ قالَ:
؎ طِوالٌ مِثْلُ أعْناقِ الهَوادِي ∗∗∗ نَواعِمُ بَيْنَ أبْكارٍ وعُونِ
﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن "الفارِضِ" و"البِكْرِ"؛ ولِذَلِكَ أُضِيفَ إلَيْهِ "بَيْنَ"؛ لِاخْتِصاصِهِ بِالإضافَةِ إلى المُتَعَدِّدِ؛ ﴿فافْعَلُوا﴾: أمْرٌ مِن جِهَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن بَيانِ صِفَةِ المَأْمُورِ بِهِ؛ ﴿ما تُؤْمَرُونَ﴾: أيْ: ما تُؤْمَرُونَهُ؛ بِمَعْنى "تُؤْمَرُونَ بِهِ"؛ كَما في قَوْلِهِ:
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ ...
فَإنَّ حَذْفَ الجارِّ قَدْ شاعَ في هَذا الفِعْلِ؛ حَتّى لَحِقَ بِالأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ وهَذا الأمْرُ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِحَثِّهِمْ عَلى الِامْتِثالِ؛ وزَجْرِهِمْ عَنِ المُراجَعَةِ؛ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِهِ. وقَوْلُهُ (تَعالى):
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences