Abu as-Su'udAl‑Baqarah · 2:69–75

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:69–75

2:69Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"

﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ كَما مَرَّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا بَعْدَ هَذا البَيانِ الشّافِي؛ والأمْرِ المُكَرَّرِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَنا البَقَرَةُ المَأْمُورُ بِها؛ قالَ؛ أيْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَعْدَ المُناجاةِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ ومَجِيءِ البَيانِ: ﴿إنَّهُ﴾ (تَعالى) ﴿يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾: إسْنادُ البَيانِ في كُلِّ مَرَّةٍ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإظْهارِ كَمالِ المُساعَدَةِ في إجابَةِ مَسْؤُولِهِمْ بِقَوْلِهِمْ "يُبَيِّنْ لَنا"؛ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ؛ و"الفُقُوعُ": نُصُوعُ الصُّفْرَةِ؛ وخُلُوصُها؛ ولِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ؛ ويُقالُ: "أصْفَرُ فاقِعٌ"؛ كَما يُقالُ: "أسْوَدُ حالِكٌ"؛ و"أحْمَرُ قانِئٌ"؛ وفي إسْنادِهِ إلى اللَّوْنِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مِن أحْوالِ المُلَوَّنِ؛ لِمُلابَسَتِهِ بِهِ؛ ما لا يَخْفى مِن فَضْلِ تَأْكِيدٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "صَفْراءُ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ صُفْرَتُها"؛ كَما في "جَدَّ جِدُّهُ"؛ وعَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "سَوْداءُ شَدِيدَةُ السَّوادِ"؛ وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ (تَعالى): (p-112)﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾؛ قِيلَ: ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنِ السَّوادِ بِالصُّفْرَةِ لِما أنَّها مِن مُقَدِّماتِهِ؛ وإمّا لِأنَّ سَوادَ الإبِلِ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ؛ ويَأْباهُ وصْفُها بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾؛ كَما يَأْباهُ وصْفُها بِفُقُوعِ اللَّوْنِ. والسُّرُورُ: لَذَّةٌ في القَلْبِ عِنْدَ حُصُولِ نَفْعٍ؛ أوْ تَوَقُّعِهِ؛ مِن "السَّرِّ"؛ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "مَن لَبِسَ نَعْلًا صَفْراءَ قَلَّ هَمُّهُ".

2:70Page 11

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."

﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ كَنَظائِرِهِ؛ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾: زِيادَةُ اسْتِكْشافٍ عَنْ حالِها؛ كَأنَّهم سَألُوا بَيانَ حَقِيقَتِها؛ بِحَيْثُ تَمْتازُ عَنْ جَمِيعِ ما عَداها مِمّا تُشارِكُها في الأوْصافِ المَذْكُورَةِ؛ والأحْوالِ المَشْرُوحَةِ؛ في أثْناءِ البَيانِ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾؛ يَعْنُونَ أنَّ الأوْصافَ المَعْدُودَةَ يَشْتَرِكُ فِيها كَثِيرٌ مِنَ البَقَرِ؛ ولا نَهْتَدِي بِها إلى تَشْخِيصِ ما هو المَأْمُورُ بِها؛ بَلْ صادِقَةٌ عَلى سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ؛ وقُرِئَ: "إنَّ الباقِرَ"؛ وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ البَقَرِ؛ و"الأباقِرَ"؛ و"البَواقِرَ"؛ و"يَتَشابَهُ"؛ بِالياءِ؛ والتّاءِ؛ و"يُشابَهُ"؛ بِطَرْحِ التّاءِ؛ والإدْغامِ؛ عَلى التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ؛ و"تَشابَهَتْ"؛ مُخَفَّفًا؛ ومُشَدَّدًا؛ و"تَشَبَّهُ"؛ بِمَعْنى "تَتَشَبَّهُ"؛ و"تَشَبَّهَ"؛ بِالتَّذْكِيرِ؛ و"مُتَشابِهٌ"؛ و"مُتَشابِهَةٌ"؛ و"مُتَشَبِّهٌ"؛ و"مُتَشَبِّهَةٌ"؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مَيَّزُوها عَنْ بَعْضِ ما عَداها في الجُمْلَةِ؛ وإنَّما بَقِيَ اشْتِباهٌ بِشَرَفِ الزَّوالِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: ﴿وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾؛ مُؤَكَّدًا بِوُجُوهٍ مِنَ التَّوْكِيدِ؛ أيْ: لَمُهْتَدُونَ بِما سَألْنا مِنَ البَيانِ إلى المَأْمُورِ بِذَبْحِها؛ وفي الحَدِيثِ: "لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ".

2:71Page 11

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾: أيْ: لَمْ تُذَلَّلْ لِلْكِرابِ؛ وسَقْيِ الحَرْثِ؛ و"لا ذَلُولٌ": صِفَةٌ لِـ "بَقَرَةٌ"؛ بِمَعْنى: "غَيْرُ ذَلُولٍ"؛ و"لا" الثّانِيَةُ لِتَأْكِيدِ الأُولى؛ والفِعْلانِ صِفَتا "ذَلُولٌ"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةٌ؛ وساقِيَةٌ؛ وقُرِئَ: "لا ذَلُولَ"؛ بِالفَتْحِ؛ أيْ: حَيْثُ هِيَ؛ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ؛ لا بَخِيلٍ؛ ولا جَبانٍ؛ أيْ حَيْثُ هُوَ؛ وقُرِئَ: "تُسْقِي"؛ مِن "أسْقى"؛ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أيْ: سَلَّمَها اللَّهُ (تَعالى) مِنَ العُيُوبِ؛ أوْ أهَّلَها مِنَ العَمَلِ؛ أوْ خَلَصَ لَها لَوْنُها مِن "سَلِمَ لَهُ كَذا"؛ إذا خَلَصَ لَهُ؛ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾؛ أيْ: لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَ جِلْدِها؛ حَتّى قَرْنُها؛ وظِلْفُها؛ وهي في الأصْلِ مَصْدَرُ "وَشاهُ؛ وشْيًا؛ وشِيَةً"؛ إذا خَلَطَ بِلَوْنِهِ لَوْنًا آخَرَ؛ ﴿قالُوا﴾؛ عِنْدَما سَمِعُوا هَذِهِ النُّعُوتَ: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: بِحَقِيقَةِ وصْفِ البَقَرَةِ؛ بِحَيْثُ مَيَّزْتَها عَنْ جَمِيعِ ما عَداها؛ ولَمْ يَبْقَ لَنا في شَأْنِها اشْتِباهٌ أصْلًا؛ بِخِلافِ المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ؛ فَإنَّ ما جِئْتَ بِهِ فِيهِما لَمْ يَكُنْ في التَّعْيِينِ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ؛ ولَعَلَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ رَأوْها؛ ووَجَدُوها جامِعَةً لِجَمِيعِ ما فُصِّلَ مِنَ الأوْصافِ المَشْرُوحَةِ في المَرّاتِ الثَّلاثِ؛ مِن غَيْرِ مُشارِكٍ لَها فِيما عُدَّ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ؛ وإلّا فَمِن أيْنَ عَرَفُوا اخْتِصاصَ النُّعُوتِ الأخِيرَةِ بِها دُونَ غَيْرِها؟ وقُرِئَ: "آلْآنَ"؛ بِالمَدِّ؛ عَلى الِاسْتِفْهامِ؛ و"الانَ"؛ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ؛ ﴿فَذَبَحُوها﴾: الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ كَما في "فانْفَجَرَتْ"؛ أيْ: فَحَصَّلُوا البَقَرَةَ فَذَبَحُوها؛ ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾: "كادَ" (p-113)

مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ وُضِعَ لِدُنُوِّ الخَبَرِ مِنَ الحُصُولِ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "ذَبَحُوا"؛ أيْ: فَذَبَحُوها والحالُ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنهُ؛ أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ ومَآلُهُ اسْتِثْقالُ اسْتِعْصائِهِمْ؛ واسْتِبْطاءٌ لَهُمْ؛ وأنَّهم لِفَرْطِ تَطْوِيلِهِمْ؛ وكَثْرَةِ مُراجَعاتِهِمْ؛ ما كادَ يَنْتَهِي خَيْطُ إسْهابِهِمْ فِيها؛ قِيلَ: مَضى مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى الِامْتِثالِ أرْبَعُونَ سَنَةً؛ وقِيلَ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِغَلاءِ ثَمَنِها؛ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ شَيْخٌ صالِحٌ؛ لَهُ عِجْلَةٌ؛ فَأتى بِها الغَيْضَةَ؛ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَها لِابْنِي حَتّى يَكْبَرَ؛ وكانَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ؛ فَتُوُفِّيَ الشَّيْخُ؛ وشَبَّتِ العِجْلَةُ؛ فَكانَتْ مِن أحْسَنِ البَقَرِ؛ وأسْمَنِها؛ فَساوَمُوها اليَتِيمَ وأُمَّهُ؛ حَتّى اشْتَرَوْها بِمِلْءِ مَسْكِها ذَهَبًا؛ لَمّا كانَتْ وحِيدَةً بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ؛ وكانَتِ البَقَرَةُ إذْ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ؛ واعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ مَدْلُولَ ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ بَقَرَةٌ مُطْلَقَةٌ مُبْهَمَةٌ؛ وأنَّ الِامْتِثالَ في آخِرِ الأمْرِ إنَّما وقَعَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ حَتّى لَوْ ذَبَحُوا غَيْرَها ما خَرَجُوا عَنْ عُهْدَةِ الأمْرِ؛ لَكِنِ اخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ المَأْمُورَ بِهِ؛ آثِرَ ذِي أثِيرٍ؛ هَلْ هي المُعَيَّنَةُ؛ وقَدْ أُخِّرَ البَيانُ عَنْ وقْتِ الخِطابِ؛ أوِ المُبْهَمَةُ؛ ثُمَّ لَحِقَها التَّغْيِيرُ إلى المُعَيَّنَةِ؛ بِسَبَبِ تَثاقُلِهِمْ في الِامْتِثالِ؛ وتَمادِيهِمْ في التَّعَمُّقِ والِاسْتِكْشافِ؛ فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى الأوَّلِ؛ تَمَسُّكًا بِأنَّ الضَّمائِرَ في الأجْوِبَةِ؛ أعْنِي: "إنَّها بَقَرَةٌ... إلى آخِرِهِ"؛ لِلْمُعَيَّنَةِ قَطْعًا؛ ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ في السُّؤالِ أيْضًا كَذَلِكَ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنِ البَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها؛ فَتَكُونُ هي المُعَيَّنَةَ؛ وهو مَدْفُوعٌ بِأنَّهم لَمّا تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيْتَةٍ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيْتٌ فَيَحْيا؛ ظَنُّوها مُعَيَّنَةً؛ خارِجَةً عَمّا عَلَيْهِ الجِنْسُ مِنَ الصِّفاتِ والخَواصِّ؛ فَسَألُوا عَنْها؛ فَرَجَعَتِ الضَّمائِرُ إلى المُعَيَّنَةِ في زَعْمِهِمْ واعْتِقادِهِمْ؛ فَعَيَّنَها اللَّهُ (تَعالى) تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ مِن أوَّلِ الأمْرِ هي المُعَيَّنَةَ؛ والحَقُّ أنَّها كانَتْ في أوَّلِ الأمْرِ مُبْهَمَةً؛ بِحَيْثُ لَوْ ذَبَحُوا أيَّةَ بَقَرَةٍ كانَتْ؛ لَحَصَلَ الِامْتِثالُ؛ بِدَلالَةِ ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وتَكْرِيرِ الأمْرِ قَبْلَ بَيانِ اللَّوْنِ؛ وما بَعْدَهُ؛ مِن كَوْنِها مُسَلَّمَةً.. إلَخْ.. وقَدْ قالَ ﷺ: « "لَوِ اعْتَرَضُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها لَكَفَتْهُمْ"؛» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ رَئِيسِ المُفَسِّرِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ثُمَّ رَجَعَ الحُكْمُ الأوَّلُ مَنسُوخًا بِالثّانِي؛ والثّانِي بِالثّالِثِ؛ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ؛ لَكِنْ لا عَلى وجْهِ ارْتِفاعِ حُكْمِ المُطْلَقِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وانْتِقالِهِ إلى المُعَيَّنِ؛ بَلْ عَلى طَرِيقَةِ تَقْيِيدِهِ؛ وتَخْصِيصِهِ بِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ كَيْفَ لا.. ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما عُدَّتْ مُراجَعاتُهُمُ المَحْكِيَّةُ مِن قَبِيلِ الجِناياتِ؛ بَلْ مِن قَبِيلِ العِبادَةِ؟ فَإنَّ الِامْتِثالَ بِالأمْرِ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ مِمّا لا يَكادُ يَتَسَنّى؛ فَتَكُونُ سُؤالاتُهم مِن بابِ الِاهْتِمامِ بِالِامْتِثالِ.

2:72Page 11

وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢

And [recall] when you slew a man and disputed1 over it, but Allāh was to bring out that which you were concealing.

﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ؛ كَما مَرَّتْ نَظائِرُهُ؛ والخِطابُ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وإسْنادُ القَتْلِ والتَّدارُؤِ إلَيْهِمْ لِما مَرَّ مِن نِسْبَةِ جِناياتِ الأسْلافِ إلى الأخْلافِ؛ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا؛ وتَخْصِيصُهُما بِالإسْنادِ دُونَ ما مَرَّ مِن هَنّاتِهِمْ لِظُهُورِ قُبْحِ القَتْلِ؛ وإسْنادِهِ إلى الغَيْرِ؛ أيْ: اذْكُرُوا وقْتَ قَتْلِكم نَفْسًا مُحَرَّمَةً؛ ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾؛ أيْ: تَخاصَمْتُمْ في شَأْنِها؛ إذْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخُصَماءِ يُدافِعُ الآخَرَ؛ أوْ: تَدافَعْتُمْ بِأنْ طَرَحَ كُلُّ واحِدٍ قَتْلَها إلى آخَرَ؛ وأصْلُهُ "تَدارَأْتُمْ"؛ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ؛ واجْتُلِبَتْ لَها هَمْزَةُ الوَصْلِ؛ ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ أيْ: مُظْهِرٌ لِما تَكْتُمُونَهُ لا مَحالَةَ؛ والجَمْعُ (p-114)

بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ وإنَّما أُعْمِلَ "مُخْرِجٌ"؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ .

2:73Page 11

فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣

So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾: عَطْفٌ عَلى "فادّارَأْتُمْ"؛ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ؛ والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ والضَّمِيرُ لِلنَّفْسِ؛ والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الرَّجُلِ؛ أوْ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ؛ أوِ القَتِيلِ؛ ﴿بِبَعْضِها﴾؛ أيْ: بِبَعْضِ البَقَرَةِ؛ أيِّ بَعْضٍ كانَ؛ وقِيلَ: بِأصْغَرَيْها؛ وقِيلَ: بِلِسانِها؛ وقِيلَ: بِفَخِذِها اليُمْنى؛ وقِيلَ: بِأُذُنِها؛ وقِيلَ: بِعُجْبِها؛ وقِيلَ: بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ؛ وهَذا أوَّلُ القِصَّةِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلى البَقَرَةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها فَقُلْنا اذْبَحُوا بَقَرَةً؛ فاضْرِبُوهُ بِبَعْضِها"؛ وإنَّما غُيِّرَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ الحِكايَةِ لِتَكْرِيرِ التَّوْبِيخِ؛ وتَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ؛ والِاسْتِهْزاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ والِافْتِياتِ عَلى أمْرِهِ؛ وتَرْكِ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ بِهِ جِنايَةٌ عَظِيمَةٌ؛ حَقِيقَةٌ بِأنْ تُنْعى عَلَيْهِمْ بِحِيالِها؛ ولَوْ حُكِيَتِ القِصَّةُ عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ لَما عُلِمَ اسْتِقْلالُ كُلٍّ مِنها بِما يُخَصُّ بِها مِنَ التَّوْبِيخِ؛ وإنَّما حُكِيَ الأمْرُ بِالذَّبْحِ عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ كالأمْرِ بِالضَّرْبِ؛ لِما أنَّ جِناياتِهِمْ كانَتْ بِمُراجَعَتِهِمْ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والِافْتِياتِ عَلى رَأْيِهِ؛ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾؛ عَلى إرادَةِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَضَرَبُوهُ؛ فَحَيِيَ؛ وقُلْنا: كَذَلِكَ يُحْيِي.. إلَخْ.. فَحُذِفَتِ الفاءُ الفَصِيحَةُ في "فَحَيِيَ"؛ مَعَ ما عُطِفَ بِها؛ وما عُطِفَ هو عَلَيْهِ لِدَلالَةِ "كَذَلِكَ" عَلى ذَلِكَ؛ فالخِطابُ في "كَذَلِكَ" حِينَئِذٍ لِلْحاضِرِينَ عِنْدَ حَياةِ القَتِيلِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْحاضِرِينَ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ بَلْ تَنْتَهِي الحِكايَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِبَعْضِها﴾؛ مَعَ ما قُدِّرَ بَعْدَهُ؛ فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإحْياءِ العَجِيبِ يُحْيِي اللَّهُ (تَعالى) المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ؛ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ﴾؛ ودَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى أنَّهُ (تَعالى) عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ هَذا الإحْياءُ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمُورٍ بَدِيعَةٍ مِن تَرَتُّبِ الحَياةِ عَلى عُضْوٍ مَيْتٍ؛ وإخْبارِهِ بِقاتِلِهِ؛ وما يُلابِسُهُ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: لِكَيْ تَكْمُلَ عُقُولُكُمْ؛ وتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ قادِرٌ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها؛ أوْ تَعْمَلُوا عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِكُمْ؛ ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في اشْتِراطِ ما اشْتُرِطَ في الإحْياءِ - مَعَ ظُهُورِ كَمالِ قدرته عَلى إحْيائِهِ ابْتِداءً؛ بِلا واسِطَةٍ أصْلًا - اشْتِمالُهُ عَلى التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وأداءِ الواجِبِ؛ ونَفْعِ اليَتِيمِ؛ والتَّنْبِيهِ عَلى بَرَكَةِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ والشَّفَقَةِ عَلى الأوْلادِ؛ ونَفْعِ بِرِّ الوالِدَيْنِ؛ وأنَّ مِن حَقِّ الطّالِبِ أنْ يُقَدِّمَ قُرْبَةً؛ ومِن حَقِّ المُتَقَرِّبِ أنْ يَتَحَرّى الأحْسَنَ؛ ويُغالِيَ بِثَمَنِهِ؛ كَما يُرْوى عَنْ عُمْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ ضَحّى بِنَجِيبَةٍ اشْتَراها بِثُلْثِمائَةِ دِينارٍ؛ وأنَّ المُؤَثِّرَ هو اللَّهُ (تَعالى)؛ وإنَّما الأسْبابُ أماراتٌ لا تَأْثِيرَ لَها؛ وأنَّ مَن رامَ أنْ يَعْرِفَ أعْدى عَدُوِّهِ السّاعِي في إماتَتِهِ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ فَطَرِيقُهُ أنْ يَذْبَحَ بَقَرَةَ نَفْسِهِ الَّتِي هي قُوَّتُهُ الشَّهَوِيَّةُ حِينَ زالَ عَنْها شَرَهُ الصِّبا؛ ولَمْ يَلْحَقْها ضَعْفُ الكِبَرِ؛ وكانَتْ مُعْجِبَةً؛ رائِقَةَ المَنظَرِ؛ غَيْرَ مُذَلَّلَةٍ في طَلَبِ الدُّنْيا؛ مُسَلَّمَةً عَنْ دَنَسِها؛ لا سِمَةَ بِها مِن قَبائِحِها؛ بِحَيْثُ يَتَّصِلُ أثَرُهُ إلى نَفْسِهِ؛ فَيَحْيا بِها حَياةً طَيِّبَةً؛ ويُعْرِبُ عَمّا بِهِ يَنْكَشِفُ الحالُ؛ ويَرْتَفِعُ ما بَيْنَ العَقْلِ؛ والوَهْمِ؛ مِنَ التَّدارُؤِ؛ والجِدالِ.

2:74Page 11

ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: الخِطابُ لِمُعاصِرِي النَّبِيِّ ﷺ؛ والقَسْوَةُ عِبارَةٌ عَنِ الغِلَظِ؛ والجَفاءِ؛ والصَّلابَةِ؛ كَما في الحَجَرِ؛ اسْتُعِيرَتْ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنِ التَّأثُّرِ (p-115)

بِالعِظاتِ؛ والقَوارِعِ الَّتِي تَمِيعُ مِنها الجِبالُ؛ وتَلِينُ بِها الصُّخُورُ؛ وإيرادُ الفِعْلِ المُفِيدِ لِحُدُوثِ القَساوَةِ - مَعَ أنَّ قُلُوبَهم لَمْ تَزَلْ قاسِيَةً - لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ بُلُوغِهِمْ إلى مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِن مَراتِبِ القَساوَةِ حادِثَةٍ؛ وإمّا لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى شَيْءٍ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ أمْرٌ جَدِيدٌ؛ وصُنْعٌ حادِثٌ؛ و"ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ القَسْوَةِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ ما يُزِيلُها؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .

﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن إحْياءِ القَتِيلِ؛ أوْ إلى جَمِيعِ ما عُدِّدَ مِنَ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلِينِ القُلُوبِ؛ وتَوْجِيهِها نَحْوَ الحَقِّ؛ أيْ مِن بَعْدِ سَماعِ ذَلِكَ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ؛ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِ. وتَوْحِيدُ حَرْفِ الخِطابِ؛ مَعَ تَعَدُّدِ المُخاطَبِينَ؛ إمّا بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ؛ أوْ لِأنَّ المُرادَ مُجَرَّدُ الخِطابِ؛ لا تَعْيِينُ المُخاطَبِ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾؛ في القَساوَةِ؛ ﴿أوْ أشَدُّ﴾؛ مِنها؛ ﴿قَسْوَةً﴾؛ أيْ: هي في القَسْوَةِ مِثْلُ الحِجارَةِ؛ أوْ زائِدَةٌ عَلَيْها فِيها؛ أوْ أنَّها مِثْلُها؛ أوْ مِثْلُ ما هو أشَدُّ مِنها قَسْوَةً؛ كالحَدِيدِ؛ وحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ ويَعْضُدُهُ القِراءَةُ بِالجَرِّ؛ عَطْفًا عَلى الحِجارَةِ؛ وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً؛ مَعَ كَوْنِ ما سَبَقَ فِعْلِيَّةً؛ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ؛ والفاءُ إمّا لِتَفْرِيعِ مُشابَهَتِها لَها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ القَساوَةِ؛ تَفْرِيعَ التَّشْبِيهِ عَلى بَيانِ وجْهِ الشَّبَهِ في قَوْلِكَ: "أحْمَرُ خَدُّهُ؛ فَهو كالوَرْدِ"؛ وإمّا لِلتَّعْلِيلِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "اعْبُدْ رَبَّكَ؛ فالعِبادَةُ حَقٌّ لَهُ"؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "أوْ أقْسى مِنها"؛ لِما في التَّصْرِيحِ بِالشِّدَّةِ مِن زِيادَةِ مُبالَغَةٍ؛ ودَلالَةٍ ظاهِرَةٍ عَلى اشْتِراكِ القَسْوَتَيْنِ في الشِّدَّةِ. واشْتِمالُ المُفَضَّلِ عَلى زِيادَةِ واوٍ لِلتَّخْيِيرِ؛ أوْ لِلتَّرْدِيدِ؛ بِمَعْنى أنَّ مَن عَرَفَ حالَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ؛ أوْ بِما هو أقْسى؛ أوْ مَن عَرَفَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ؛ أوْ قالَ: هي أقْسى مِنَ الحِجارَةِ؛ وتَرْكُ ضَمِيرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِلْأمْنِ مِنَ الِالتِباسِ.

﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾: بَيانٌ لِأشَدِّيَّةِ قُلُوبِهِمْ مِنَ الحِجارَةِ في القَساوَةِ؛ وعَدَمِ التَّأثُّرِ؛ واسْتِحالَةِ صُدُورِ الخَيْرِ مِنها؛ يَعْنِي أنَّ الحِجارَةَ رُبَّما تَتَأثَّرُ؛ حَيْثُ يَكُونُ مِنها ما يَتَفَجَّرُ مِنهُ المِياهُ العَظِيمَةُ؛ ﴿وَإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ﴾؛ أيْ: يَتَشَقَّقُ؛ ﴿فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾؛ أيْ: العُيُونُ؛ ﴿وَإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: يَتَرَدّى مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ؛ بِقَضِيَّةِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيها مِنَ الثِّقَلِ الدّاعِي إلى المَرْكَزِ؛ وهو مَجازٌ مِنَ الِانْقِيادِ لِأمْرِهِ (تَعالى)؛ والمَعْنى أنَّ الحِجارَةَ لَيْسَ مِنها فَرْدٌ إلّا وهو مُنْقادٌ لِأمْرِهِ - عَزَّ وعَلا -؛ آتٍ بِما خُلِقَ لَهُ مِن غَيْرِ اسْتِعْصاءٍ؛ وقُلُوبُهم لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَتَكُونُ أشَدَّ مِنها قَسْوَةً لا مَحالَةَ؛ واللّامُ في "لَما" لامُ الِابْتِداءِ؛ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ"؛ لِتَقَدُّمِ الخَبَرِ؛ وقُرِئَ: "إنْ" عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ واللّامُ فارِقَةٌ؛ وقُرِئَ "يَهْبُطُ" بِالضَّمِّ؛ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛ "عَنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "غافِلٍ"؛ و"ما" مَوْصُولَةٌ؛ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ؛ وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ؛ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ؛ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى):

2:75Page 11

۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allāh and then distort it [i.e., the Torah] after they had understood it while they were knowing?

(p-116)﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾: تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ؛ وصَرْفٌ لَهُ عَنِ اليَهُودِ؛ إثْرَ ما عُدَّتْ هَنّاتُهُمْ؛ ونُعِيَتْ عَلَيْهِمْ جِناياتُهم إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ؛ واسْتِبْعادِهِ؛ كَما في قَوْلِكَ: أتَضْرِبُ أباكَ؟ لا لِإنْكارِ الوُقُوعِ؛ كَما في قَوْلِهِ: أأضْرِبُ أبِي؟ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ نِظامُ الكَلامِ؛ لَكِنْ لا عَلى قَصْدِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا؛ كَما في " أفَلا تُبْصِرُونَ "؛ عَلى تَقْدِيرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَنفِيًّا؛ أيْ: "ألا تَنْظُرُونَ؛ فَلا تُبْصِرُونَ؟"؛ فالمُنْكَرُ كِلا الأمْرَيْنِ؛ بَلْ إلى تَرَتُّبِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ؛ مَعَ وُجُوبِ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَقِيضُهُ؛ كَما إذا قُدِّرَ الأوَّلُ مُثْبَتًا؛ أيْ: "أتَنْظُرُونَ فَلا تُبْصِرُونَ؟"؛ فالمُنْكَرُ تَرَتُّبُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ؛ مَعَ وُجُوبِ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَقِيضُهُ؛ أيْ: "أتَسْمَعُونَ أخْبارَهُمْ؛ وتَعْلَمُونَ أحْوالَهُمْ؛ فَتَطْمَعُونَ؟"؛ ومَآلُ المَعْنى: أبَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ تَفاصِيلَ شُؤُونِهِمُ المُؤْيِسَةِ عَنْهم تَطْمَعُونَ ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ ؟ فَإنَّهم مُتَماثِلُونَ في شِدَّةِ الشَّكِيمَةِ؛ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ؛ لا يَتَأتّى مِن أخْلاقِهِمْ إلّا مِثْلُ ما أتى مِن أسْلافِهِمْ؛ و"أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ؛ حَذِفَ عَنْها الجارُّ؛ والأصْلُ: "فِي أنْ يُؤْمِنُوا"؛ وهي - مَعَ ما في حَيِّزِها - في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ أوِ الجَرِّ؛ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ؛ واللّامُ في "لَكُمْ" لِتَضْمِينِ مَعْنى الِاسْتِجابَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾؛ أيْ: في إيمانِهِمْ مُسْتَجِيبِينَ لَكُمْ؛ أوْ لِلتَّعْلِيلِ؛ أيْ: في أنْ يُحْدِثُوا الإيمانَ لِأجْلِ دَعْوَتِكُمْ؛ وصِلَةُ الإيمانِ مَحْذُوفَةٌ؛ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ؛ وسَتَقِفُ عَلى ما فِيهِ مِنَ المَزِيَّةِ؛ بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى).

﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾: "الفَرِيقُ": اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ كَـ "الرَّهْطُ"؛ و"القَوْمُ"؛ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ أيْ: فَرِيقٌ كائِنٌ مِنهُمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾؛ خَبَرُ "كانَ"؛ وقُرِئَ: "كَلِمَ اللَّهِ"؛ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ؛ حاسِمَةٌ لِمادَّةِ الطَّمَعِ؛ مِثْلَ أحْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ المَحْكِيَّةِ فِيما سَلَفَ؛ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهم لَكم عَدُوٌّ﴾؛ بَعْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ طائِفَةً مِنهم - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هم قَوْمٌ مِنَ السَّبْعِينَ المُخْتارِينَ لِلْمِيقاتِ - كانُوا يَسْمَعُونَ كَلامَهُ (تَعالى) حِينَ كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالطُّورِ؛ وما أُمِرَ بِهِ؛ ونُهِيَ عَنْهُ؛ ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾؛ عَنْ مَواضِعِهِ؛ لا لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ عَنِ الإحاطَةِ بِتَفاصِيلِهِ؛ عَلى ما يَنْبَغِي؛ لِاسْتِيلاءِ الدَّهْشَةِ والمَهابَةِ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الكِبْرِياءِ؛ بَلْ ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾؛ أيْ: فَهِمُوهُ؛ وضَبَطُوهُ بِعُقُولِهِمْ؛ ولَمْ تَبْقَ لَهم في مَضْمُونِهِ؛ ولا في كَوْنِهِ كَلامَ رَبِّ العِزَّةِ رِيبَةٌ أصْلًا؛ فَلَمّا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أدّاهُ الصّادِقُونَ إلَيْهِمْ؛ كَما سَمِعُوا؛ وهَؤُلاءِ قالُوا: سَمِعْنا اللَّهَ (تَعالى) يَقُولُ - في آخِرِ كَلامِهِ -: "إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ فافْعَلُوا؛ وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا؛ فَلا بَأْسَ"؛ فَـ "ثُمَّ" لِلتَّراخِي زَمانًا؛ أوْ رُتْبَةً؛ وقالَ القَفّالُ: سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ وعَقَلُوا مُرادَهُ (تَعالى) مِنهُ؛ فَأوَّلُوهُ تَأْوِيلًا فاسِدًا؛ وقِيلَ: هم رُؤَساءُ أسْلافِهِمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا تَحْرِيفَ التَّوْراةِ بَعْدَ ما أحاطُوا بِما فِيها عِلْمًا؛ وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ غَيَّرُوا نَعْتَ النَّبِيِّ ﷺ في عَصْرِهِ؛ وبَدَّلُوا آيَةَ الرَّجْمِ؛ ويَأْباهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي؛ والمُسْتَقْبَلِ؛ الدّالُّ عَلى وُقُوعِ السَّماعِ؛ والتَّحْرِيفِ؛ فِيما سَلَفَ؛ إلّا أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَقَدُّمِهِ عَلى زَمانِ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ لا عَلى تَقَدُّمِهِ عَلى عَهْدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ هَذا.. والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالسَّماعِ والكَلامِ؛ إذِ (p-117)

التَّوْراةُ - وإنْ كانَتْ كَلامَ اللَّهِ - عَزَّ وعَلا - لَكِنَّها بِاسْمِ "الكِتابِ" أشْهَرُ؛ وأثَرُ التَّحْرِيفِ فِيهِ أظْهَرُ؛ ووَصْفُ اليَهُودِ بِتِلاوَتِها أكْثَرُ؛ لا سِيَّما رُؤَساؤُهُمُ المُباشِرُونَ لِلتَّحْرِيفِ؛ فَإنَّ وظِيفَتَهُمُ التِّلاوَةُ؛ دُونَ السَّماعِ؛ فَكانَ الأنْسَبَ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: "يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ (تَعالى)"؛ فالمَعْنى: أفَتَطْمَعُونَ في أنْ يُؤْمِنَ هَؤُلاءِ بِواسِطَتِكُمْ؛ ويَسْتَجِيبُوا لَكُمْ؛ والحالُ أنَّ أسْلافَهُمُ؛ المُوافِقِينَ لَهم في خِلالِ السُّوءِ؛ كانُوا يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ؛ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَلِمُوهُ يَقِينًا؛ ولا يَسْتَجِيبُونَ لَهُ؛ هَيْهاتَ؛ ومِن هَهُنا ظَهَرَ ما في إيثارِ "لَكُمْ"؛ عَلى "بِاللَّهِ"؛ مِنَ الفَخامَةِ؛ والجَزالَةِ. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ "يُحَرِّفُونَهُ"؛ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ قَباحَةِ حالِهِمْ؛ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ تَحْرِيفَهم ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِناءً عَلى نِسْيانِ ما عَقَلُوهُ؛ أوْ عَلى الخَطَإ في بَعْضِ مُقَدِّماتِهِ؛ بَلْ كانَ ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ؛ مُسْتَحْضِرِينَ لَهُ؛ أوْ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كاذِبُونَ؛ ومُفْتَرُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском