Abu as-Su'udAl‑Baqarah · 2:84–90

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:84–90

2:84Page 13

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤

And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed your [i.e., each other's] blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ خُوطِبَ بِهِ اليَهُودُ قاطِبَةً؛ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّغْلِيبِ؛ ونُعِيَ عَلَيْهِمْ إخْلالُهم بِمَواجِبِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ مِنهم في حُقُوقِ العِبادِ؛ عَلى طَرِيقَةِ النَّهْيِ؛ إثْرَ بَيانِ ما فَعَلُوا بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ مِنهم في حُقُوقِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ وما يُجْرى مُجْراها؛ عَلى سَبِيلِ الأمْرِ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ (تَعالى) هو الأمْرُ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى)؛ أيْ: "واذْكُرُوا وقْتَ أخْذِنا مِيثاقَكم (p-124)

فِي التَّوْراةِ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾؛ كَما قَبْلَهُ؛ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ غُيِّرَ السَّبْكُ إلَيْهِ لِما ذُكِرَ مِن نُكْتَةِ المُبالَغَةِ؛ والمُرادُ بِهِ النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنْ تَعَرُّضِ بَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ لِبَعْضٍ بِالقَتْلِ؛ والإجْلاءِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِسَفْكِ دِماءِ أنْفُسِهِمْ؛ وإخْراجِها مِن دِيارِهِمْ؛ بِناءً عَلى جَرَيانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُجْرى أنْفُسِهِمْ؛ لِما بَيْنَهم مِنَ الِاتِّصالِ القَوِيِّ؛ نَسَبًا ودِينًا؛ لِلْمُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى مُراعاةِ حُقُوقِ المِيثاقِ؛ بِتَصْوِيرِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِصُورَةٍ تَكْرَهُها كُلُّ نَفْسٍ؛ وتَنْفِرُ عَنْها كُلُّ طَبِيعَةٍ؛ فَضَمِيرُ "أنْفُسَكُمْ"؛ لِلْمُخاطِبِينَ حَتْمًا؛ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ تَنْزِيلُ المُخْرِجِينَ مَنزِلَتَهُمْ؛ كَما أنَّ ضَمِيرَ "دِيارِكُمْ"؛ لِلْمُخْرَجِينَ قَطْعًا؛ إذِ المَحْذُورُ إنَّما هو إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ؛ لا مِن دِيارِ المُخاطَبِينَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهم مُخاطَبُونَ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾؛ وإنَّما الخِطابُ هَهُنا بِاعْتِبارِ تَنْزِيلِ دِيارِهِمْ مَنزِلَةَ دِيارِ المُخاطَبِينَ؛ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَتَهُمْ؛ لِتَأْكِيدِ المُبالَغَةِ؛ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ؛ وأمّا ضَمِيرُ "دِماءَكُمْ"؛ فَمُحْتَمِلٌ لِوَجْهَيْنِ؛ مُفادُ الأوَّلِ كَوْنُ المَسْفُوكِ دِماءً ادِّعائِيَّةً لِلْمُخاطَبِينَ حَقِيقَةً؛ ومُفادُ الثّانِي كَوْنُهُ دِماءً حَقِيقِيَّةً لِلْمُخاطَبِينَ ادِّعاءً؛ وهُما مُتَقارِبانِ في إفادَةِ المُبالَغَةِ؛ فَتَدَبَّرْ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: لا تُباشِرُوا ما يُؤَدِّي إلى قَتْلِ أنْفُسِكم قِصاصًا؛ أوْ ما يُبِيحُ سَفْكَ دِمائِكُمْ؛ وإخْراجَكم مِن دِيارِكُمْ؛ أوْ: لا تَفْعَلُوا ما يُرْدِيكُمْ؛ ويَصْرِفُكم عَنِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ فَإنَّهُ القَتْلُ في الحَقِيقَةِ؛ ولا تَقْتَرِفُوا ما تُحَرَّمُونَ بِهِ عَنِ الجَنَّةِ؛ الَّتِي هي دارُكُمْ؛ فَإنَّهُ الجَلاءُ الحَقِيقِيُّ؛ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ بَلْ هو نَصٌّ فِيما قُلْناهُ؛ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ.

﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾: أيْ: بِالمِيثاقِ؛ وبِوُجُوبِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ؛ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: تَوْكِيدٌ لِلْإقْرارِ؛ كَقَوْلِكَ: "أقَرَّ فُلانٌ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ"؛ وأنْتُمْ أيُّها الحاضِرُونَ تَشْهَدُونَ اليَوْمَ عَلى إقْرارِ أسْلافِكم بِهَذا المِيثاقِ.

2:85Page 13

ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥

Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.

﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾:خِطابٌ خاصٌّ في الحاضِرِينَ؛ فِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ؛ واسْتِبْعادٌ قَوِيٌّ لِما ارْتَكَبُوهُ؛ بَعْدَ ما كانَ مِنَ المِيثاقِ والإقْرارِ بِهِ؛ والشَّهادَةِ عَلَيْهِ؛ فَـ "أنْتُمْ": مُبْتَدَأٌ؛ وهَؤُلاءِ خَبَرُهُ؛ ومَناطُ الإفادَةِ اخْتِلافُ الصِّفاتِ المُنْزَلُ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ؛ والمَعْنى: أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشاهِدُونَ؛ النّاقِضُونَ؛ المُتَناقِضُونَ؛ حَسْبَما تُعْرِبُ عَنْهُ الجُمَلُ الآتِيَةُ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ .. إلَخْ.. بَيانٌ لَهُ؛ وتَفْصِيلٌ لِأحْوالِهِمُ المُنْكَرَةِ؛ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الإشارَةِ ضِمْنًا؛ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ نَحْنُ؟ فَقِيلَ: تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ؛ أيْ: الجارِينَ مُجْرى أنْفُسِكُمْ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وقُرِئَ: "تُقَتِّلُونَ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلتَّكْثِيرِ؛ ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾: الضَّمِيرُ إمّا لِلْمُخاطَبِينَ؛ والمُضافُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مِن أنْفُسِكُمْ؛ وإمّا لِلْمَقْتُولِينَ؛ والخِطابُ بِاعْتِبارِ أنَّهم جُعِلُوا أنْفُسَ المُخاطَبِينَ؛ وإلّا فَلا يَتَحَقَّقُ التَّكافُؤُ بَيْنَ المَقْتُولِينَ؛ والمُخْرَجِينَ؛ في ذَلِكَ العُنْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ المُبالَغَةِ في تَأْكِيدِ المِيثاقِ؛ حَسْبَما نُصَّ عَلَيْهِ؛ ولا يَظْهَرُ كَمالُ قَباحَةِ (p-125)جِناياتِهِمْ في نَقْضِهِ؛ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾: الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقِ؛ وإيثارُ الغَيْبَةِ مَعَ جَوازِ الخِطابِ أيْضًا؛ بِناءً عَلى اعْتِبارِ العُنْوانِ المَذْكُورِ؛ كَما مَرَّ في المِيثاقِ؛ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ المُرادِ إخْراجَهم مِن دِيارِ المُخاطَبِينَ؛ مِن حَيْثُ هي دِيارُهُمْ؛ لا مِن حَيْثُ هي دِيارُ المُخْرَجِينَ؛ وقِيلَ: "هَؤُلاءِ": مَوْصُولٌ؛ والجُمْلَتانِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ والمَجْمُوعُ هو الخَبَرُ لِـ "أنْتُمْ"؛ ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾: بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ وقُرِئَ بِإثْباتِهِما؛ وبِالإدْغامِ؛ و"تَظَّهَّرُونَ"؛ بِطَرْحِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ مِن "تَتَظَهَّرُونَ"؛ ومَعْنى الكُلِّ: تَتَعاوَنُونَ؛ وهي حالٌ مِن فاعِلِ "تُخْرِجُونَ"؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أوْ مِنهُما جَمِيعًا؛ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الإخْراجِ؛ دافِعَةٌ لِتَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الحُرْمَةِ بِالإخْراجِ؛ بِطَرِيقِ الأصالَةِ؛ والِاسْتِقْلالِ؛ دُونَ المُظاهَرَةِ؛ والمُعاوَنَةِ؛ ﴿بِالإثْمِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَظاهَرُونَ"؛ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِالإثْمِ؛ وهو الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الذَّمَّ؛ واللَّوْمَ؛ وقِيلَ: هو ما يَنْفِرُ عَنْهُ النَّفْسُ؛ ولا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ؛ ﴿والعُدْوانِ﴾؛ وهو التَّجاوُزُ في الظُّلْمِ؛ ﴿وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾: جَمْعُ "أسِيرٌ"؛ وهو مَن يُؤْخَذُ قَهْرًا؛ "فَعِيلٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"؛ مِن "الأسْرُ"؛ أيْ: الشَّدُّ؛ أوْ جَمْعُ "أسْرى"؛ وهو جَمْعُ "أسِيرٌ"؛ كَـ "جَرْحى"؛ و"جَرِيحٌ"؛ وقَدْ قُرِئَ: "أسْرى"؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ؛ ﴿تُفادُوهُمْ﴾: أيْ: تُخْرِجُوهم مِنَ الأسْرِ؛ بِإعْطاءِ الفِداءِ؛ وقُرِئَ: "تَفْدُوهُمْ"؛ قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ المِيثاقَ؛ ألّا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ ولا يُخْرِجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ؛ وأيُّما عَبْدٍ أوْ أمَةٍ وجَدْتُمُوهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فاشْتَرُوهُ؛ وأعْتِقُوهُ؛ وكانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفاءَ الأوْسِ؛ والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ؛ حِينَ كانَ بَيْنَهُما ما كانَ مِنَ العَداوَةِ؛ والشَّنَآنِ؛ فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقاتِلُ مَعَ حُلَفائِهِ؛ فَإذا غَلَبُوا خَرَّبُوا دِيارَهُمْ؛ وأخْرَجُوهم مِنها؛ ثُمَّ إذا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ مالًا؛ فَيَفْدُونَهُ؛ فَعَيَّرَتْهُمُ العَرَبُ؛ وقالَتْ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهُمْ؛ ثُمَّ تَفْدُونَهُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهُمْ؛ وحُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهُمْ؛ ولَكِنْ نَسْتَحْيِي أنْ نُذِلَّ حُلَفاءَنا؛ فَذَمَّهُمُ اللَّهُ (تَعالى) عَلى المُناقَضَةِ؛ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾: "هُوَ": ضَمِيرُ الشَّأْنِ؛ وقَعَ مُبْتَدَأً؛ و"مُحَرَّمٌ": فِيهِ ضَمِيرٌ قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ؛ وقَعَ خَبَرًا مِن "إخْراجُهُمْ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ؛ وقِيلَ: "مُحَرَّمٌ": خَبَرٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ؛ و"إخْراجُهُمْ": مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ مُبْهَمٌ؛ يُفَسِّرُهُ "إخْراجُهُمْ"؛ أوْ راجِعٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ "تُخْرِجُونَ"؛ مِنَ المَصْدَرِ؛ و"إخْراجُهُمْ": تَأْكِيدٌ أوْ بَيانٌ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "تُخْرِجُونَ"؛ أوْ مِن "فَرِيقًا"؛ أوْ مِنهُما؛ كَما مَرَّ؛ بَعْدَ اعْتِبارِ القَيْدِ بِالحالِ السّابِقَةِ؛ وتَخْصِيصُ بَيانِ الحُرْمَةِ هَهُنا بِالإخْراجِ - مَعَ كَوْنِهِ قَرِينًا لِلْقَتْلِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ - لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً لِلْمُساهَلَةِ في أمْرِهِ؛ بِسَبَبِ قِلَّةِ خَطَرِهِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى القَتْلِ؛ ولِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِذَمِّهِمْ؛ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى جِناياتِهِمْ؛ وتَناقُضِ أفْعالِهِمْ مَعًا؛ وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِصُورَةِ الإخْراجِ؛ حَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهم تَدارُكُ القَتْلى بِشَيْءٍ مِن دِيَةٍ؛ أوْ قِصاصٍ؛ هو السِّرُّ في تَخْصِيصِ التَّظاهُرِ بِهِ فِيما سَبَقَ؛ وأمّا تَأْخِيرُهُ "مَن" الشَّرْطِيَّةَ المُعْتَرِضَةَ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقْدِيمُ؛ كَما ذَكَرَهُالواحِدِيُّ - فَلِأنَّ نَظْمَ أفاعِيلِهِمُ المُتَناقِضَةِ في سَمْطٍ واحِدٍ مِنَ الذِّكْرِ أدْخَلُ في إظْهارِ بُطْلانِها.

﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾: أيِ التَّوْراةِ؛ الَّتِي أُخِذَ فِيها المِيثاقُ المَذْكُورُ؛ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ؛ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: أتَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ وهو المُفاداةُ؛ ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؛ وهو حُرْمَةُ القِتالِ والإخْراجِ؟ مَعَ أنَّ مِن قَضِيَّةِ الإيمانِ بِبَعْضِهِ الإيمان بالباقِي؛ لِكَوْنِ الكُلِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى) داخِلًا في المِيثاقِ؛ فَمَناطُ التَّوْبِيخِ كُفْرُهم بِالبَعْضِ؛ مَعَ إيمانِهِمْ بِالبَعْضِ؛ حَسْبَما يُفِيدُهُ تَرْتِيبُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ فَإنَّ التَّقْدِيمَ يَسْتَدْعِي في المَقامِ الخِطابِيِّ أصالَةَ المُقَدَّمِ وتَقَدُّمَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَتْمًا؛ وإذْ لَيْسَ ذَلِكَ هَهُنا بِاعْتِبارِ الإنْكارِ؛ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ؛ فَهو بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ قَطْعًا؛ (p-126)لا إيمانِهِمْ بِالبَعْضِ؛ مَعَ كُفْرِهِمْ بِالبَعْضِ؛ كَما هو المَفْهُومُ لَوْ قِيلَ: أفَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ وتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ؟ ولا مُجَرَّدِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْضِ؛ وإيمانِهِمْ بِالبَعْضِ؛ كَما يُفِيدُهُ أنْ يُقالَ: أفَتَجْمَعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ والكُفْرِ بِبَعْضٍ ؟ أوْ بِالعَكْسِ.

﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾: "ما": نافِيَةٌ؛ و"مَن": إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَلا مَحَلَّ لِـ "يَفْعَلُ" مِنَ الإعْرابِ؛ وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَمَحَلُّهُ الجَرُّ؛ عَلى أنَّهُ صِفَتُها؛ و"ذَلِكَ": إشارَةٌ إلى الكُفْرِ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ مَعَ الإيمانِ بِبَعْضٍ؛ أوْ إلى ما فَعَلُوا مِنَ القَتْلِ؛ والإجْلاءِ؛ مَعَ مُفاداةِ الأُسارى؛ ﴿مِنكُمْ﴾: حالٌ مِن فاعِلِ "يَفْعَلُ"؛ ﴿إلا خِزْيٌ﴾: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ؛ وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ؛ والخِزْيُ: الذُّلُّ؛ والهَوانُ؛ مَعَ الفَضِيحَةِ؛ والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ؛ وهو قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ؛ وإجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ إلى أذْرِعاتٍ؛ وأرِيحاءَ مِنَ الشّامِ؛ وقِيلَ: الجِزْيَةُ؛ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾: في حَيِّزِ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةُ "خِزْيٌ"؛ أيْ: خِزْيٌ كائِنٌ في الحَياةِ الدُّنْيا؛ أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِنَفْسِ الخِزْيِ؛ ولَعَلَّ بَيانَ جَزائِهِمْ بِطَرِيقِ القَصْرِ عَلى ما ذُكِرَ لِقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِن ثَمَراتِ إيمانِهِمْ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ وإظْهارِ أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ أصْلًا؛ مَعَ الكُفْرِ بِبَعْضٍ؛ ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ﴾؛ وقُرِئَ بِالتّاءِ؛ أُوثِرَ صِيغَةُ الجَمْعِ؛ نَظَرًا إلى مَعْنى "مَن"؛ بَعْدَما أُوثِرَ الإفْرادُ نَظَرًا إلى لَفْظِها؛ لِما أنَّ الرَّدَّ إنَّما يَكُونُ بِالِاجْتِماعِ؛ ﴿إلى أشَدِّ العَذابِ﴾؛ لِما أنَّ مَعْصِيَتَهم أشَدُّ المَعاصِي؛ وقِيلَ: "أشَدِّ العَذابِ" بِالنِّسْبَةِ إلى ما لَهم في الدُّنْيا مِنَ الخِزْيِ؛ والصَّغارِ؛ وإنَّما غُيِّرَ سَبْكُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ - مَثَلًا -: "وَأشَدُّ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَ جَزاءَيِ النَّشْأتَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ "يَوْمَ القِيامَةِ" عَلى ذِكْرِ ما يَقَعُ فِيهِ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ؛ وتَفْظِيعِ الحالِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا المُنْكَرُ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ عَلى نَهْجِ "يُرَدُّونَ"؛ وهو تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ.

2:86Page 13

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦

Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.

﴿أُولَئِكَ﴾؛ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾؛ أيْ: آثَرُوا؛ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾؛ واسْتَبْدَلُوها؛ ﴿بِالآخِرَةِ﴾؛ وأعْرَضُوا عَنْها؛ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِن تَحْصِيلِها؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ بِبَعْضِ أحْكامِ الكِتابِ إنَّما كانَ لِمُراعاةِ جانِبِ حُلَفائِهِمْ؛ لِما يَعُودُ إلَيْهِمْ مِنهم مِن بَعْضِ المَنافِعِ الدَّنِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾؛ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا؛ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾؛ بِدَفْعِهِ عَنْهُمْ؛ شَفاعَةً أوْ جَبْرًا؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ عَطْفَ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ أوْ "يُنْصَرُونَ" مُفَسِّرٌ لِمَحْذُوفٍ قَبْلَ الضَّمِيرِ؛ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الفِعْلِيَّةِ عَلى مِثْلِها.

2:87Page 13

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧

And We did certainly give Moses the Scripture [i.e., the Torah] and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel]. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ؛ وتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ: التَّوْراةُ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - أنَّ التَّوْراةَ لَمّا نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَمْلِها؛ فَلَمْ يُطِقْ بِذَلِكَ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا؛ فَلَمْ يُطِيقُوا بِحَمْلِها؛ فَخَفَّفَها اللَّهُ (تَعالى) لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَحَمَلَها.

﴿وَقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾: يُقالُ: "قَفّاهُ بِهِ"؛ إذا (p-127)

أتْبَعَهُ إيّاهُ؛ أيْ: أرْسَلْناهم عَلى أثَرِهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾؛ وهُمْ: يُوشَعُ؛ وأشْمَوِيلُ؛ وشَمْعُونُ؛ وداوُدُ؛ وسُلَيْمانُ؛ وشَعْيا؛ وأرْمَيا؛ وعُزَيْرٌ؛ وحَزْقِيلُ؛ وإلْياسُ؛ واليَسَعُ؛ ويُونُسُ؛ وزَكَرِيّا؛ ويَحْيى؛ وغَيْرُهم - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾؛ المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ مِن إحْياءِ المَوْتى؛ وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ؛ والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ؛ أوِ الإنْجِيلَ؛ و"عِيسى" بِالسِّرْيانِيَّةِ: "إيشُوعُ"؛ ومَعْناهُ: المُبارَكُ؛ و"مَرْيَمُ": بِمَعْنى "الخادِمُ"؛ وهو بِالعِبْرِيَّةِ مِنَ النِّساءِ كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ؛ وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎ قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ∗∗∗ ضِلِّيلِ أهْواءِ الصِّبا تَنَدُّمُهْ

وَوَزْنُهُ "مَفْعَلُ"؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ "فَعْيَلُ"؛ ﴿وَأيَّدْناهُ﴾؛ أيْ: قَوَّيْناهُ؛ وقُرِئَ: "وَآيَدْناهُ"؛ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾؛ بِضَمِّ الدّالِّ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِها؛ أيْ: بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ؛ وهي رُوحُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَقَوْلِكَ: "حاتِمُ الجُودِ"؛ و"رَجُلُ صِدْقٍ"؛ وإنَّما وُصِفَتْ بِالقُدْسِ لِكَرامَتِهِ؛ أوْ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَضُمَّهُ الأصْلابُ؛ ولا أرْحامُ الطَّوامِثِ؛ وقِيلَ: بِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: بِالإنْجِيلِ؛ كَما قِيلَ في القرآن: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾؛ وقِيلَ: بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى بِذِكْرِهِ. وتَخْصِيصُهُ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالذِّكْرِ؛ ووَصْفُهُ بِما ذُكِرَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ؛ والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ؛ لِما أنَّ بِعْثَتَهم كانَتْ لِتَنْفِيذِ أحْكامِ التَّوْراةِ؛ وتَقْرِيرِها؛ وأمّا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ نُسِخَ بِشَرْعِهِ كَثِيرٌ مِن أحْكامِها؛ ولِحَسْمِ مادَّةِ اعْتِقادِهِمُ الباطِلَ في حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِبَيانِ حَقِّيَّتِهِ؛ وإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلُوا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾؛ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ؛ ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾؛ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ؛ أيْ: لا تُحِبُّهُ؛ مِن "هَوِيَ"؛ كَـ "فَرِحَ"؛ إذا أحَبَّ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الرَّدِّ والقَبُولِ عِنْدَهم هو المُخالَفَةُ لِأهْواءِ أنْفُسِهِمْ؛ والمُوافَقَةُ لَها؛ لا شَيْءَ آخَرَ؛ وتَوْسِيطُ الهَمْزَةِ بَيْنَ الفاءِ؛ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ؛ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَعْقِيبِهِمْ ذَلِكَ بِهَذا؛ ولِلتَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمْ؛ ويَجُوزُ كَوْنُ الفاءِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُناسِبُ المَقامَ؛ أيْ: ألَمْ تُطِيعُوهُمْ؛ فَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ مِنهم بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ؛ ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنْ الِاتِّباعِ لَهُ؛ والإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؟ ﴿فَفَرِيقًا﴾؛ مِنهُمْ؛ ﴿كَذَّبْتُمْ﴾؛ مِن غَيْرِ أنْ تَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ المَضارِّ؛ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أوْ لِلتَّعْقِيبِ؛ ﴿وَفَرِيقًا﴾؛ آخَرَ مِنهُمْ؛ ﴿تَقْتُلُونَ﴾؛ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ؛ كَزَكَرِيّا ويَحْيى؛ وغَيْرِهِما - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وتَقْدِيمُ "فَرِيقًا" في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ؛ وتَشْوِيقِ السّامِعِ إلى ما فَعَلُوا بِهِمْ؛ لا لِلْقَصْرِ؛ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في القَتْلِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِهِ الهائِلَةِ؛ أوْ لِلْإيماءِ إلى أنَّهم بَعْدُ عَلى تِلْكَ النِّيَّةِ؛ حَيْثُ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوهُ مِن جِهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وسَحَرُوهُ؛ وسَمَّمُوا لَهُ الشّاةَ؛ حَتّى قالَ ﷺ: « "ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي؛ فَهَذا أوانُ قَطَعَتْ أبْهَرِي".»

2:88Page 13

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨

And they said, "Our hearts are wrapped."1 But, [in fact], Allāh has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.

﴿وَقالُوا﴾: بَيانٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ؛ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ؛ إشْعارًا بِإبْعادِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ؛ لِما فُصِّلَ مِن مَخازِيهِمُ المُوجِبَةِ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ؛ وحِكايَةِ نَظائِرِها لِكُلِّ مَن يَفْهَمُ بُطْلانَها وقَباحَتَها مِن أهْلِ الحَقِّ؛ والقائِلُونَ هُمُ المَوْجُودُونَ في عَصْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ -؛ ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾: جَمْعُ "أغْلَفُ"؛ مُسْتَعارٌ مِن "الأغْلَفُ"؛ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ؛ أيْ: مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ جِبِلِّيَّةٍ؛ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ ولا تَفْقَهُهُ؛ كَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾؛ وقِيلَ: هو تَخْفِيفُ "غُلُفٌ"؛ جَمْعُ "غِلافٌ"؛ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِنَ القِراءَةِ بِضَمَّتَيْنِ؛ يَعْنُونَ: إنَّ قُلُوبَنا أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ؛ فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا عَنْ (p-128)

غَيْرِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَطاءٌ؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنُونَ: إنَّ قُلُوبَنا لا يَصِلُ إلَيْها حَدِيثٌ إلّا وعَتْهُ؛ ولَوْ كانَ في حَدِيثِكَ خَيْرٌ لَوْعَتْهُ أيْضًا؛ ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾: رَدٌّ لِما قالُوهُ؛ وتَكْذِيبٌ لَهم في ذَلِكَ؛ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: بَلْ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ رَحْمَتِهِ؛ بِأنْ خَذَلَهُمْ؛ وخَلّاهم وشَأْنَهُمْ؛ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ العارِضِ؛ وإبْطالِهِمْ لِاسْتِعْدادِهِمْ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ بِالمَرَّةِ؛ وكَوْنِهِمْ بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الإلْطافُ أصْلًا؛ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ؛ والتَّمَكُّنِ مِن قَبُولِ الحَقِّ؛ وعَلى الثّانِي: بَلْ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ فَأنّى لَهُمُ ادِّعاءُ العِلْمِ الَّذِي هو أجَلُّ آثارِها؟ وعَلى الثّالِثِ: بَلْ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا يَقْبَلُونَ الحَقَّ المُؤَدِّيَ إلَيْها؛ ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾: "ما" مَزِيدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ؛ وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: فَزَمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ؛ وهو ما قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾؛ وكِلاهُما لَيْسَ بِإيمانٍ حَقِيقَةً؛ وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ؛ والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ اللَّعْنِ لِعَدَمِ الإيمانِ.

2:89Page 14

وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩

And when there came to them a Book [i.e., the Qur’ān] from Allāh confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allāh will be upon the disbelievers.

﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ﴾: هو القرآن؛ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ؛ ووَصْفُهُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: كائِنٌ مِن عِنْدِهِ (تَعالى)؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مِنَ التَّوْراةِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِما أنَّ المَعِيَّةَ مِن مُوجِباتِ الوُقُوفِ عَلى ما في تَضاعِيفِها المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها؛ وقُرِئَ: "مُصَدِّقًا"؛ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن "كِتابٌ"؛ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ؛ ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ؛ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: وقَدْ كانُوا قَبْلَ مَجِيئِهِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ؛ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ؛ ويَقُولُونَ لَهُمْ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا؛ فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ؛ والنَّضِيرِ؛ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وقِيلَ: مَعْنى يَسْتَفْتِحُونَ: يَفْتَتِحُونَ عَلَيْهِمْ؛ ويُعَرِّفُونَهم بِأنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهم قَدْ قَرُبَ أوانُهُ؛ والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في "اسْتَعْجَبَ"؛ أيْ: يَسْألُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الفَتْحَ عَلَيْهِمْ؛ أوْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِكَمال مُكابَرَتِهِمْ؛ وعِنادِهِمْ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾: تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ؛ لِطُولِ العَهْدِ بِتَوَسُّطِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما عَرَفُوا﴾: عِبارَةٌ عَمّا سَلَفَ مِنَ الكِتابِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ مَن أُنْزِلَ هو عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ لَهُ؛ والِاسْتِفْتاحُ بِهِ اسْتِفْتاحٌ بِهِ؛ وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِالإضْمارِ؛ لِبَيانِ كَمالِ مُكابَرَتِهِمْ؛ فَإنَّ مَعْرِفَةَ ما جاءَهم مِن مَبادِي الإيمانِ بِهِ ودَواعِيهِ لا مَحالَةَ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْقِيبِ مَجِيئِهِ لِلِاسْتِفْتاحِ بِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُما مُدَّةٌ مُنْسِيَةٌ لَهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾: جَوابٌ لِـ "ما" الأُولى؛ كَما هو رَأْيُ المُبَرِّدِ؛ أوْ جَوابُهُما مَعًا؛ كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ؛ وقِيلَ: جَوابُ الأُولى مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَكانُوا﴾؛ إلَخْ.. جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى الشَّرْطِيَّةِ؛ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ والمُرادُ بِـ "ما عَرَفُوا": النَّبِيُّ ﷺ؛ كَما هو المُرادُ بِـ "ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ"؛ فالمَعْنى: ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِكِتابِهِمْ كَذَّبُوهُ؛ وكانُوا مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ يَسْتَفْتِحُونَ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الكِتابُ؛ فَلَمّا جاءَهُمُ النَّبِيُّ الَّذِي عَرَفُوهُ كَفَرُوا بِهِ؛ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾: اللّامُ لِلْعَهْدِ؛ (p-129)أيْ: عَلَيْهِمْ؛ ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُلُولَ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ كَما أنَّ الفاءَ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِها عَلَيْهِ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ؛ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فَهو مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ .

2:90Page 14

بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allāh has revealed through [their] outrage that Allāh would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾: "ما" نَكِرَةٌ؛ بِمَعْنى "شَيْءٌ"؛ مَنصُوبَةٌ؛ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ "بِئْسَ"؛ و"اشْتَرَوْا": صِفَتُهُ؛ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا باعُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ؛ وقِيلَ: اشْتَرَوْها بِهِ في زَعْمِهِمْ؛ حَيْثُ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم بِما فَعَلُوا خَلَّصُوها مِنَ العِقابِ؛ ويَأْباهُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ ما كانَ حاصِلًا لَهُمْ؛ لا ما كانَ زائِلًا عَنْهُمْ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: أيْ: بِالكِتابِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهُمْ؛ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وتَبْدِيلُ الإنْزالِ بِالمَجِيءِ لِلْإيذانِ بِهِ؛ ﴿بَغْيًا﴾: حَسَدًا؛ وطَلَبًا لِما لَيْسَ لَهُمْ؛ وهو عِلَّةٌ لِـ "أنْ يَكْفُرُوا"؛ حَتْمًا؛ دُونَ "اشْتَرَوْا"؛ لِما قِيلَ مِنَ الفَصْلِ بِما هو أجْنَبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ أجْنَبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ الذَّمِّ؛ وفاعِلِهِ؛ ولِأنَّ البَغْيَ مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِعُنْوانِ البَيْعِ قَطْعًا؛ لا سِيَّما وهو مُعَلَّلٌ بِما سَيَأْتِي مِن تَنْزِيلِ اللَّهِ (تَعالى) مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاؤُهُ؛ وإنَّما الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عَلاقَةٌ هو كُفْرُهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى)؛ والمَعْنى: بِئْسَ شَيْئًا باعُوا بِهِ أنْفُسَهم كُفْرُهُمُ المُعَلَّلُ بِالبَغْيِ الكائِنِ؛ لِأجْلِ: ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾؛ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: يَشاؤُهُ؛ ويَصْطَفِيهِ؛ ﴿مِن عِبادِهِ﴾؛ المُسْتَأْهِلِينَ لِتَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ؛ ومَآلُهُ تَعْلِيلُ كُفْرِهِمْ بِالمُنْزَلِ؛ بِحَسَدِهِمْ لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ؛ وإيثارُ صِيغَةِ التَّفْعِيلِ هَهُنا لِلْإيذانِ بِتَجَدُّدِ بَغْيِهِمْ؛ حَسَبَ تَجَدُّدِ الإنْزالِ؛ وتَكَثُّرِهِ؛ حَسَبَ تَكَثُّرِهِ.

﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾: أيْ رَجَعُوا مُلْتَبِسِينَ بِغَضَبٍ كائِنٍ عَلى غَضَبٍ؛ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ حَسَبَ ما اقْتَرَفُوا مِن كُفْرٍ عَلى كُفْرٍ؛ فَإنَّهم كَفَرُوا بِنَبِيِّ الحَقِّ؛ وبَغَوْا عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ بَعْدَ عِيسى؛ وقِيلَ: بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ؛ ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾: أيْ: لَهُمْ؛ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لِما حاقَ بِهِمْ؛ ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾: يُرادُ بِهِ إهانَتُهُمْ؛ وإذْلالُهُمْ؛ لِما أنَّ كُفْرَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) كانَ مَبْنِيًّا عَلى الحَسَدِ المَبْنِيِّ عَلى طَمَعِ النُّزُولِ عَلَيْهِمْ؛ وادِّعاءِ الفَضْلِ عَلى النّاسِ؛ والِاسْتِهانَةِ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском