Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Taha 20:97–117
20:97Page 318
قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا ٩٧
[Moses] said, "Then go. And indeed, it is [decreed] for you in [this] life to say, 'No contact.'1 And indeed, you have an appointment [in the Hereafter] you will not fail to keep. And look at your 'god' to which you remained devoted. We will surely burn it and blow it [i.e., its ashes] into the sea with a blast.
فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فاذْهَبْ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ النّاسِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾ إلَخِ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ الأمْرِ، و"فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ في لَكَ، أيْ: ثابِتٌ لَكَ في الحَياةِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكافِ، والعامِلُ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ المَذْكُورِ لِاعْتِمادِهِ عَلى ما هو مُبْتَدَأٌ مَعْنى، لا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ لِمَكانِ أنَّ أيْ: ثابِتٌ لَكَ كائِنًا في الحَياةِ أيْ مُدَّةَ حَياتِكَ أنْ تُفارِقَهم مُفارَقَةً كُلِّيَّةً لَكِنْ لا بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ بِمُوجِبِ التَّكْلِيفِ، بَلْ بِحَسَبِ الِاضْطِرارِ المُلْجِئِ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى رَماهُ بِداءٍ عُقامٍ لا يَكادُ يَمَسُّ أحَدًا أوْ بِمَسِّهِ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ إلّا حَما مِن ساعَتِهِ حُمّى شَدِيدَةً، فَتَحامى النّاسُ وتَحامَوْهُ، وكانَ يَصِيحُ بِأقْصى طَوْقِهِ لا مِساسَ، وحَرُمَ عَلَيْهِمْ مُلاقاتُهُ ومُواجَهَتُهُ ومُكالَمَتُهُ ومُبايَعَتُهُ وغَيْرُها مِمّا يُعْتادُ جَرَيانُهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُعامَلاتِ، وصارَ بَيْنَ النّاسِ أوْحَشَ مِنَ القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ، ومِنَ الوَحْشِ النّافِرِ في البَرِّيَّةِ، ويُقالُ: إنَّ قَوْمَهُ باقٍ فِيهِمْ تِلْكَ الحالَةُ إلى اليَوْمِ. وقُرِئَ: "لا مِساسَ" كَفِجارِ، وهو عَلَمٌ لِلْمَسَّةِ. ولَعَلَّ السِّرَّ في مُقابَلَةِ جِنايَتِهِ بِتِلْكَ العُقُوبَةِ خاصَّةً ما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ التَّضادِّ، فَإنَّهُ لَمّا أنْشَأ الفِتْنَةَ بِما كانَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِحَياةِ المَواتِ عُوقِبَ مِمّا يُضادُّهُ، حَيْثُ جُعِلَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِلْحُمّى الَّتِي هي مِن أسْبابِ مَوْتِ الأحْياءِ.
﴿وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ: في الآَخِرَةِ ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أيْ: لَنْ يُخْلِفَكَ اللَّهُ ذَلِكَ الوَعْدَ، بَلْ يُنْجِزُهُ لَكَ البَتَّةَ بَعْدَ ما عاقَبَكَ في الدُّنْيا. وقُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ أيْ: وجَدَتْهُ خَلَفًا. وقُرِئَ (p-40)بِالنُّونِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ أيْ: ظَلَلْتُ مُقِيمًا عَلى عِبادَتِهِ، فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى تَخْفِيفًا. وقُرِئَ بِكَسْرِ الظّاءِ بِنَقْلِ حَرَكَةِ اللّامِ إلَيْها،
﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: بِالنّارِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ لَنُحْرِّقَنَّهُ مِنَ الإحْراقِ، وقِيلَ بِالمِبْرَدِ عَلى أنَّهُ مُبالَغَةٌ في حَرْقٍ إذا بُرِّدَ بِالمِبْرَدِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ لَنُحَرِّقَنَّهُ.
﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ أيْ: لِنُذْرِيَنَّهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ رَمادًا أوْ مَبْرُودًا كَأنَّهُ هَباءٌ.
﴿نَسْفًا﴾ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ، ولَقَدْ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ كُلَّهُ يَشْهَدُ بِهِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ المُؤَكَّدِ بِاليَمِينِ.
20:98Page 318
إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا ٩٨
Your god is only Allāh, except for whom there is no deity. He has encompassed all things in knowledge."
﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ إثْرَ إبْطالِ الباطِلِ بِتَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهٍ إلى الكُلِّ، أيْ: إنَّما مَعْبُودُكُمُ المُسْتَحَقُّ لِلْعِبادَةِ اللَّهُ ﴿الَّذِي لا إلَهَ﴾ في الوُجُودِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْكامُ الأُلُوهِيَّةِ. وقُرِئَ: "اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ رَبُّ العَرْشِ" .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا لا غَيْرُهُ كائِنًا ما كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ العِجْلُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقُرِئَ: "وَسَّعَ" بِالتَّشْدِيدِ، فَيَكُونُ انْتِصابُ "عِلْمًا" عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأنَّهُ عَلى القِراءَةِ الأوْلى فاعِلٌ حَقِيقَةً، وبِنَقْلِ الفِعْلِ إلى التَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولَيْنِ صارَ الفاعِلُ مَفْعُولًا أوَّلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وبِهِ تَمَّ حَدِيثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَذْكُورُ لِتَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ خاتِمَتُهُ.
20:99Page 319
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩
Thus, [O Muḥammad], We relate to you from the news of what has preceded. And We have certainly given you from Us a message [i.e., the Qur’ān].
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ الوَعْدِ الجَمِيلِ بِتَنْزِيلِ أمْثالِ ما مَرَّ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى اقْتِصاصِ حَدِيثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءٍ ما قَدْ سَبَقَ مِنَ الحَوادِثِ الماضِيَةِ الجارِيَةِ عَلى الأُمَمِ الخالِيَةِ قَصًّا مِثْلَ ذَلِكَ القَصِّ المارِّ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ، إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ نَقُصُّ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ، وإمّا عَلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: جَمْعٌ دُونَ ذَلِكَ، والمَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضًا مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ، أوْ بَعْضًا كائِنًا مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ ...﴾ إلَخِ وتَأْخِيرُهُ عَنْ "عَلَيْكَ" لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ القَصِّ البَدِيعِ الَّذِي سَمِعْتَهُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ما ذُكِرَ مِنَ الأنْباءِ، لا قَصًّا ناقِصًا عَنْهُ تَبْصِرَةً لَكَ وتَوْفِيرًا لِعِلْمِكَ وتَكْثِيرًا لِمُعْجِزاتِكَ وتَذَكُّرًا لِلْمُسْتَبْصِرِينَ مَنِ اُمَّتِكَ.
﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ أيْ: كَتِابًا مُنْطَوِيًا عَلى هَذِهِ الأقاصِيصِ والأخْبارِ حَقِيقًا بِالتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ، وكَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "آَتَيْناكَ" . وتَنْكِيرُ "ذِكْرا" لِلتَّفْخِيمِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما أنَّ مَرْجِعَ الإفادَةِ في الجُمْلَةِ كَوْنُ المُؤْتى مِن لَدُنْهُ تَعالى ذِكْرًا عَظِيمًا وقُرْآَنًا كَرِيمًا جامِعًا لِكُلِّ كَمالٍ، لا كَوْنَ ذَلِكَ الذِّكْرَ مُؤْتًى مِن لَدُنْهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولِ بِما بَعْدَهُ مِنَ (p-41)الصِّفَةِ فَتَقْدِيمُهُ يَذْهَبُ بِرَوْنَقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
20:100Page 319
مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠
Whoever turns away from it - then indeed, he will bear on the Day of Resurrection a burden [i.e., great sin],
﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُسْتَتْبِعِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، وقِيلَ: عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. و"مَن" إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، وأيًّا ما كانَتْ فالجُمْلَةُ صِفَةٌ لِذِكْرا.
﴿فَإنَّهُ﴾ أيِ: المُعْرِضُ عَنْهُ ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ أيْ: عُقُوبَةً ثَقِيلَةً فادِحَةً عَلى كُفْرِهِ وسائِرِ ذُنُوبِهِ، وتَسْمِيَتُها "وِزْرًا" إمّا لِتَشْبِيهِها في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها بِالحَمْلِ الَّذِي يَفْدَحُ الحامِلَ ويَنْقُضُ ظَهْرَهُ، أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ. والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِما سَيَأْتِي مِن تَسْمِيَتِها حِمْلًا.
20:101Page 319
خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا ١٠١
[Abiding] eternally therein,1 and evil it is for them on the Day of Resurrection as a load -
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ - أيْ: في الوِزْرِ أوْ في احْتِمالِهِ المُسْتَمِرِّ - حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في "يَحْمِلُ"، والجَمْعُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى مَن لِما أنَّ الخُلُودَ في النّارِ مِمّا يَتَحَقَّقُ حالَ اجْتِماعِ أهْلِها، كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ مِنَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها.
﴿وَساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾ أيْ: بِئْسَ لَهم. فَفِيهِ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ حِمْلًا، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: ساءَ حِمْلًا وِزْرُهم، واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: "ساءَ"، قِيلَ: لِمَن يُقالُ هَذا ؟ فَأُجِيبُ لَهم. وإعادَةُ يَوْمِ القِيامَةِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَهْوِيلِ الأمْرِ.
20:102Page 319
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢
The Day the Horn will be blown. And We will gather the criminals, that Day, blue-eyed.1
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ قَدْ حُذِفَ لِلْإيذانِ بِضِيقِ العِبارَةِ عَنْ حَصْرِهِ وبَيانٍ حَسْبَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ . وقُرِئَ: "نَنْفُخُ" بِالنُّونِ عَلى إسْنادِ النَّفْخِ إلى الأمْرِ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وبِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى أنَّ ضَمِيرَهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ لِشُهْرَتِهِ.
﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، وذِكْرُهُ صَرِيحًا مَعَ تَعَيُّنِ أنَّ الحَشْرَ لا يَكُونُ إلّا يَوْمَئِذٍ لِلتَّهْوِيلِ. وقُرِئَ: "وَيُحْشَرُ المُجْرِمُونَ" .
﴿زُرْقًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ زُرْقَ العُيُونِ، وإنَّما جُعِلُوا كَذَلِكَ لِأنَّ الزُّرْقَةَ أسْوَأُ ألْوانِ العَيْنِ وأبْغَضُها إلى العَرَبِ، فَإنَّ الرُّومَ الَّذِينَ كانُوا أعْدى عَدُوِّهِمْ زُرْقٌ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكِبْدِ، وأصْهَبُ السِّبالِ، وأزْرَقُ العَيْنِ، أوْ عُمْيًا لِأنَّ حَدَقَةَ الأعْمى تَزْرَقُّ.
20:103Page 319
يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣
They will murmur among themselves, "You remained not but ten [days in the world]."
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: يَخْفِضُونَ أصْواتَهم ويُخْفُونَها لِما يَمْلَأُ صُدُورَهم مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما يَأْتُونَ وما يَذْرُوَنَ حِينَئِذٍ، أوْ حالٌ أُخْرى مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِ بِطْرِيقِ المُخافَتَةِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في الدُّنْيا ﴿إلا عَشْرًا﴾ أيْ: عَشْرَ لَيالٍ، اسْتِقْصارًا لِمُدَّةٍ لُبْثِهِمْ فِيها لِزَوالِها، أوِ اسْتِطالَتِهِمْ مُدَّةَ الآَخِرَةِ، أوْ لِتَأسُّفِهِمْ عَلَيْها لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ، وأيْقَنُوا أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوها عَلى إضاعَتِها في قَضاءِ الأوْطارِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ، أوْ في القَمَرِ وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ، فَإنَّهم حِينَ يُشاهِدُونَ البَعْثَ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا ويَعُدُّونَهُ مِن قَبِيلِ المُحالاتِ لا يَتَمالَكُونَ مِن أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ اعْتَرافًا بِهِ وتَحْقِيقًا لِسُرْعَةِ وُقُوعِهِ، كَأنَّهم قالُوا: قَدْ بُعِثْتُمْ وما لَبِثْتُمْ في القَبْرِ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً، (p-42)وَإلّا فَحالُهم أفْظَعُ مِن أنْ تُمَكِّنَهم مِنَ الاشْتِغالِ بِتَذَكُّرِ أيّامِ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ واسْتِقْصارِها والتَّأسُّفِ عَلَيْها.
20:104Page 319
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤
We are most knowing of what they say when the best of them in manner [i.e., wisdom or speech] will say, "You remained not but one day."
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ وهو مُدَّةُ لُبْثِهِمْ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾ أيْ: أعْدَلُهم رَأْيًا أوْ عَمَلًا ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ ونِسْبَةُ هَذا القَوْلِ إلى أمْثَلِهِمُ اسْتِرْجاعٌ مِنهُ تَعالى لَهُ، لَكِنْ لا لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى الصِّدْقِ، بَلْ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى شِدَّةِ الهَوْلِ.
20:105Page 319
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥
And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1
﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ أيْ: عَنْ مَآَلِ أمْرِها. وقَدْ سَألَ عَنْهُ رَجُلٌ مِن ثَقِيفٍ، وقِيلَ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ.
﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ أيْ: يَجْعَلُها كالرَّمْلِ، ثُمَّ يُرْسِلُ عَلَيْها الرِّياحَ فَتُفَرِّقُها، والفاءُ لِلْمُسارَعَةِ إلى إلْزامِ السّائِلِينَ.
﴿فَيَذَرُها﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْجِبالِ بِاعْتِبارِ أجْزائِها السّالِفَةِ الباقِيَةِ بَعْدَ النَّسْفِ وهي مَقارُّها ومَراكِزُها، أيْ: فَيَذْرُ ما انْبَسَطَ مِنها وساوى سَطْحَهُ سُطُوحَ سائِرِ أجْزاءِ الأرْضِ بَعْدَ نَسْفِ ما نَتَأ مِنها ونَشَزَ، وإمّا لِلْأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَرِينَةِ الحالِ لِأنَّها الباقِيَةُ بَعْدَ نَسْفِ الجِبالِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: يَذَرُ الكُلَّ.
﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ لِأنَّ الجِبالَ إذا سُوِّيَتْ وجُعِلَ سَطْحُها مُساوِيًا لِسُطُوحِ سائِرِ أجْزاءِ الأرْضِ فَقَدْ جُعِلَ الكُلُّ سَطْحًا واحِدًا، والقاعُ: قِيلَ: السَّهْلُ، وقِيلَ: المُنْكَشِفُ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ: المُسْتَوى الصُّلْبُ مِنها، وقِيلَ: ما لا نَباتَ فِيهِ ولا بِناءَ. والصَّفْصَفُ: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ المَلْساءُ، كَأنَّ أجْزاءَهُ صَفٌّ واحِدٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ، وانْتِصابُ "قاعًا" عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "يَذَرُ" عَلى تَضْمِينِ مَعْنى التَّصْيِيرِ. وصَفْصَفًا إمّا حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي.
20:107Page 319
لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧
You will not see therein a depression or an elevation."
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها﴾ أيْ: مَقارُّ الجِبالِ، أوْ في الأرْضِ عَلى ما مَرَّ مِنَ التَّفْصِيلِ ﴿عِوَجًا﴾ بِكَسْرِ العَيْنِ، أيِ: اعْوِجاجًا ما كَأنَّهُ لِغايَةِ خَفائِهِ مِن قَبِيلِ ما في المَعانِي، أيْ: لا تُدْرِكُهُ إنْ تَأمَّلْتَ بِالمَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ.
﴿وَلا أمْتًا﴾ أيْ: نُتُوءًا يَسِيرًا. اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ ما سَبَقَ مِنَ القاعِ الصَّفْصَفِ، أوْ حالٌ أُخْرى، أوْ صِفَةٌ لِقاعًا، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ تَأْتِي مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ ما فِيهِ مِن طُولٍ رُبَّما يَخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
20:108Page 319
يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨
That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ نُسِفَتِ الجِبالُ، عَلى إضافَةِ اليَوْمِ إلى وقْتِ النَّسْفِ، وهو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقِيلَ: بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، أيْ: يَتْبَعُ النّاسُ داعِيَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى المَحْشَرِ وهو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَدْعُو النّاسَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ قائِمًا عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والأوْصالُ المُتَفَرِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ قَوْمِي إلى (p-43)عَرْضِ الرَّحْمَنِ، فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ أوْبٍ إلى صَوْبِهِ.
﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ لا يَعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ.
﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيْ: خَضَعَتْ لِهَيْبَتِهِ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ أيْ: صَوْتًا خَفِيًّا، ومِنهُ الهَمِيسُ لِصَوْتِ أخْفافِ الإبِلِ، وقَدْ فُسِّرَ الهَمْسُ بِخَفْقِ أقْدامِهِمْ ونَقْلِها إلى المَحْشَرِ.
20:109Page 319
يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩
That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ مِنَ الشُّفَعاءِ أحَدًا ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أنْ يَشْفَعَ لَهُ ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ أيْ: ورَضِيَ لِأجْلِهِ قَوْلَ الشّافِعِ في شَأْنِهِ، أوْ رَضِيَ قَوْلَهُ لِأجْلِهِ وفي شَأْنِهِ، وأمّا مَن عَداهُ فَلا تَكادُ تَنْفَعُهُ وإنْ فُرِضَ صُدُورُها عَنِ الشُّفَعاءِ المُتَصَدِّينَ لِلشَّفاعَةِ لِلنّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ فالِاسْتِثْناءُ كَما تَرى مِن أعَمَّ المَفاعِيلِ، وأمّا كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى مَعْنى لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا شَفاعَةُ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ أنْ يَشْفَعَ لِغَيْرِهِ كَما جَوَّزُوهُ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ لِما أنَّ حُكْمَ الشَّفاعَةِ مِمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أنْ لا يَمْلِكَها ولا تَصْدُرُ هي عَنْهُ أصْلًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ فالإخْبارُ عَنْها بِمُجَرَّدِ عَدَمِ نَفْعِها لِلْمَشْفُوعِ لَهُ رُبَّما يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِها عَمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ مَعَ إخْلالِهِ بِمُقْتَضى مَقامِ تَهْوِيلِ اليَوْمِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ فَمَعْناهُ: عَدَمُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ، لا عَدَمُ قَبُولِها بَعْدَ وُقُوعِها.
20:110Page 319
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠
He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: ما تَقَدَّمَهم مِنَ الأحْوالِ، وقِيلَ: مِن أمْرِ الدُّنْيا.
﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ وما بَعْدَهم مِمّا يَسْتَقْبِلُونَهُ، وقِيلَ: مِن أمْرِ الآَخِرَةِ.
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أيْ: لا تُحِيطُ عُلُومُهم بِمَعْلُوماتِهِ تَعالى، وقِيلَ: بِذاتِهِ، أيْ: مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ الشّامِلُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأحَدِ المَوْصُولَيْنِ أوْ لِمَجْمُوعِها، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ ولا تَفْصِيلَ ما عَلِمُوا مِنهُ.
20:111Page 319
۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا ١١١
And [all] faces will be humbled before the Ever-Living, the Self-Sustaining.1 And he will have failed who carries injustice.2
﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ أيْ: ذَلَّتْ وخَضَعَتْ خُضُوعَ العُتاةِ، أيِ: الأُسارى في يَدِ المَلِكِ القَهّارِ، ولَعَلَّها وُجُوهُ المُجْرِمِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ ولَمْ يَتُبْ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ عَنَتْ وُجُوهُهم، أوِ اعْتِراضٌ كَأنَّهُ قِيلَ: خابُوا وخَسِرُوا، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوُجُوهِ. و"مَن" عِبارَةٌ عَنْها مُغْنِيَةٌ عَنْ ضَمِيرِها، وقِيلَ: الوُجُوهُ عَلى العُمُومِ، فالمَعْنى حِينَئِذٍ: وقَدْ خابَ مِن حَمَلَ مِنهم ظُلْمًا.
20:112Page 319
وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا ١١٢
But he who does of righteous deeds while he is a believer - he will neither fear injustice nor deprivation.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ إلَخِ قَسَمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا" لا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ إلَخِ. كَما أنَّهُ كَذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ: ومَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ، أوْ بَعْضًا مِنَ الصّالِحاتِ، عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فَإنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الطّاعاتِ وقَبُولِ الحَسَناتِ ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾ أيْ: مَنعَ ثَوابَ مُسْتَحِقٍّ بِمُوجِبِ الوَعْدِ.
﴿وَلا﴾ (p-44)﴿هَضْمًا﴾ ولا كَسْرًا مِنهُ يَنْقُصُ، أوْ لا يَخافُ جَزاءَ ظُلْمٍ وهَضْمٍ، إذا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ظُلْمٌ ولا هَضْمٌ حَتّى يَخافَهُما. وقُرِئَ: "فَلا يَخَفْ" عَلى النَّهْيِ.
20:113Page 319
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا ١١٣
And thus We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 and have diversified therein the warnings that perhaps they will avoid [sin] or it would cause them remembrance.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾، و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى إنْزالِ ما سَبَقَ مِنَ الآَياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْوَعِيدِ المُنْبَثَّةِ عَمّا سَيَقَعُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ.
﴿أنْزَلْناهُ﴾ أيِ: القرآن كُلُّهُ، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ سَبْقِ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِنَباهَةِ شَأْنِهِ، وكَوْنِهِ مَرْكُوزًا في العُقُولِ حاضِرًا في الأذْهانِ.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِيَفْهَمَهُ العَرَبُ ويَقِفُوا عَلى ما فِيهِ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ خارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ نازِلًا مِن عِنْدِ خَلّاقِ القُوى والقَدَرِ.
﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ أيْ: كَرَّرْنا فِيهِ بَعْضَ الوَعِيدِ، أوْ بَعْضًا مِنَ الوَعِيدِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ آَنِفًا.
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: كَيْ يَتَقَوَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ بِالفِعْلِ.
﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ اتِّعاظًا واعْتِبارًا مُؤَدِّيًا بِالآَخِرَةِ إلى الِاتِّقاءِ.
20:114Page 320
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ١١٤
So high [above all] is Allāh, the Sovereign,1 the Truth.2 And, [O Muḥammad], do not hasten with [recitation of] the Qur’ān before its revelation is completed to you, and say, "My Lord, increase me in knowledge."
﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ اسْتِعْظامٌ لَهُ تَعالى ولِشُئُونِهِ الَّتِي يُصَرِّفُ عَلَيْها عِبادَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والوَعْدِ والوَعِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، أيِ: ارْتَفَعَ بِذاتِهِ وتَنَـزَّهَ عَنْ مُماثَلَةِ المَخْلُوقِينَ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْوالِهِ.
﴿المَلِكُ﴾ النّافِذُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْجى وعْدُهُ ويُخْشى وعِيدُهُ.
﴿الحَقُّ﴾ في مَلَكُوتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ لِذاتِهِ، أوِ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ.
﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقرآن مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ﴾ أيْ: يَتِمَّ ﴿وَحْيُهُ﴾ . كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا ألْقى إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ الوَحْيَ يَتْبَعُهُ عِنْدَ تَلَفُّظِ كُلِّ حَرْفٍ وكُلِّ كَلِمَةٍ لِكَمالِ اعْتِنائِهِ بِالتَّلَقِّي والحِفْظِ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ إثْرَ ذِكْرِ الإنْزالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ لِما أنَّ اسْتِقْرارَ الألْفاظِ في الأذْهانِ تابِعٌ لِاسْتِقْرارِ مَعانِيها فِيها، ورُبَّما يَشْغَلُ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةٍ عَنْ سَماعِ ما بَعْدَها، وأُمِرَ بِاسْتِفاضَةِ العِلْمِ واسْتِزادَتِهِ مِنهُ تَعالى فَقِيلَ: ﴿وَقُلْ﴾ أيْ في نَفْسِكَ ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أيْ: سَلِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ زِيادَةَ العِلْمِ، فَإنَّهُ المُوصِلُ إلى طِلْبَتِكَ دُونَ الِاسْتِعْجالِ، وقِيلَ: إنَّهُ نُهِيَ عَنْ تَبْلِيغِ ما كانَ مُجْمَلًا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَيانُهُ، ولَيْسَ بِذَلِكَ فَإنَّ تَبْلِيغَ المُجْمَلِ وتِلاوَتِهِ قَبْلَ البَيانِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ ومَشْرُوعِيَّتِهِ.
20:115Page 320
وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا ١١٥
And We had already taken a promise from Adam before, but he forgot; and We found not in him determination.1
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن تَصْرِيفِ الوَعِيدِ في القرآن، وبَيانِ أنَّ أساسَ بَنِي آَدَمَ عَلى العِصْيانِ وعِرْقُهُ راسِخٌ في النِّسْيانِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ اِنْجازِ المَوْعُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ يُقالُ: عَهِدَ إلَيْهِ المَلِكُ وعَزَمَ عَلَيْهِ وتَقَدَّمَ إلَيْهِ: إذا أمَرَهُ ووَصّاهُ، والمَعْهُودُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأُقْسِمُ أوْ وبِاللَّهِ أوْ تاللَّهِ لَقَدْ أمَرْناهُ ووَصَّيْناهُ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الزَّمانِ ﴿فَنَسِيَ﴾ أيِ: العَهْدِ، ولَمْ يَعْتَنِ بِهِ حَتّى غَفَلَ عَنْهُ، أوْ تَرَكَهُ تَرْكَ المَنسِيِّ عَنْهُ. وقُرِئَ: "فَنُسِّيَ" أيْ: نَسّاهُ الشَّيْطانُ.
﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (p-45)تَصْمِيمُ رَأْيٍ وثَباتِ قَدَمٍ في الأُمُورِ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما أزَلَّهُ الشَّيْطانُ، ولَما اسْتَطاعَ أنْ يَغُرَّهُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَدْءِ أمْرِهِ مِن قَبْلِ أنْ يُجَرِّبَ الأُمُورَ ويَتَوَلّى حارَّها وقارَّها ويَذُوقَ شَرْيَها وأُرْيِها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "لَوْ وُزِنَتْ أحْلامُ بَنِي آَدَمَ بِحِلْمِ آَدَمَ لَرَجَحَ حِلْمُهُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾» وقِيلَ: عَزْمًا عَلى الذَّنْبِ فَإنَّهُ أخْطَأ ولَمْ يَتَعَمَّدْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ﴾ إنْ كانَ مِنَ الوُجُودِ العِلْمِيِّ فَلَهُ عَزْمًا مَفْعُولًا قُدِّمَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا، وإنْ كانَ مِنَ الوُجُودِ المُقابِلِ لِلْعَدَمِ وهو الأنْسَبُ لِأنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ هو المَفْعُولُ ولَيْسَ في الإخْبارِ بِكَوْنِ العَزْمِ المَعْدُومِ لَهُ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ فَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلى مَفْعُولِهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ المُنَكَّرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمْ نُصادِفْ لَهُ عَزْمًا.
20:116Page 320
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ ١١٦
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except Iblees;1 he refused.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المَعْهُودِ وكَيْفِيَّةِ ظُهُورِ نِسْيانِهِ وفُقْدانِ عَزْمِهِ. و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهم، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها، فَإنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلى تَفاصِيلِ الأُمُورِ الواقِعَةِ فِيهِ، فالأمْرُ بِذِكْرِهِ أمْرٌ بِذِكْرِ تَفاصِيلِ ما وقَعَ فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْيانِ الحَوادِثِ فَإذا ذُكِرَ صارَتِ الحَوادِثُ كَأنَّها مَوْجُودَةٌ في ذِهْنِ المُخاطَبِ بِوُجُوداتِها العَيْنِيَّةِ، أيِ: اذْكُرْ ما وقَعَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنّا ومِنهُ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ نِسْيانُهُ وفِقْدانُ عَزْمِهِ.
﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ قَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ مِرارًا.
﴿أبى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَنِ الإخْبارِ بِعَدَمِ سُجُودِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُ لَمْ يَسْجُدْ ؟ فَقِيلَ: أبى واسْتَكْبَرَ، ومَفْعُولُ "أبى" إمّا مَحْذُوفٌ، أيْ: أبى السُّجُودَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾، أوْ غَيْرُ مَنوِيٍّ رَأْسًا بِتَنْـزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: فَعَلَ الإباءَ وأظْهَرَهُ.
20:117Page 320
فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ ١١٧
So We said, "O Adam, indeed this is an enemy to you and to your wife. Then let him not remove you from Paradise so you would suffer.
﴿فَقُلْنا﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ اعْتِناءً بِنُصْحِهِ ﴿يا آدَمُ إنَّ هَذا﴾ الَّذِي رَأيْتَ ما فَعَلَ ﴿عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ أيْ: لا يَكُونَنَّ سَبَبًا لِإخْراجِكُما ﴿مِنَ الجَنَّةِ﴾ والمُرادُ: نَهْيُهُما عَنْ أنْ يَكُونا بِحَيْثُ يَسْتَبِبِ الشَّيْطانُ إلى إخْراجِهِما مِنها بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، كَما في قَوْلِكَ: لا أرَيْنَكَ هَهُنا، والفاءُ لِتَرْتِيبٍ مُوجِبِ النَّهْيِ عَلى عَداوَتِهِ لَهُما، أوْ عَلى الإخْبارِ بِها ﴿فَتَشْقى﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وإسْنادُ الشَّقاءِ إلَيْهِ خاصَّةً بَعْدَ تَعْلِيقِ الإخْراجِ المُوجِبِ لَهُ بِهِما مَعًا لِأصالَتِهِ في الأُمُورِ، واسْتِلْزامِ شَقائِهِ لِشَقائِها مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في تَحْصِيلِ مَبادِئِ المَعاشِ وذَلِكَ مِن وظائِفِ الرِّجالِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences