Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Taha 20:66–80
20:66Page 316
قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦
He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ ناشِئٌ مِن حِكايَةِ تَخْيِيرِ السحرةِ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أنْتُمْ أوَّلًا، مُقابَلَةً لِلْأدَبِ بِأحْسَنَ مِن أدَبِهِمْ، حَيْثُ بِتَّ القَوْلَ بِإلْقائِهِمْ أوَّلًا، وإظْهارًا لِعَدَمِ المُبالاةِ بِسِحْرِهِمْ، ومُساعِدَةً لِما أوْهَمُوا مِنَ المَيْلِ إلى البَدْءِ، وليُبْرِزُوا ما مَعَهم، ويَسْتَفْرِغُوا أقْصى جُهْدِهِمْ، ويَسْتَنْفِدُوا قُصارى وُسْعِهِمْ، ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ سُلْطانَهُ فَيَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، لَمّا عَلِمَ أنَّ ما سَيَظْهَرُ بِيَدِهِ سَيَلْقَفُ ما يَصْنَعُونَ مِن مَكايِدِ السحر.
﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُسارَعَتِهِمْ إلى الإلْقاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى:" فَقُلْنا اضْرِبْ بّعَصاكَ البَحْر فانْفَلَقَ " أيْ: فَألْقَوْا، ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾ وهي لِلْمُفاجَأةِ والتَّحْقِيقِ، أنَّها أيْضًا ظَرْفِيَّةٌ تَسْتَدْعِي مُتَعِلَّقًا يَنْصِبُها وجُمْلَةً تُضافُ إلَيْها، لَكِنَّها خُصَّتْ بِكَوْنِ مُتَعَلِّقَها فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ، والمَعْنى: فَألْقَوْا، فَفاجَأ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقْتَ أنْ يُخَيَّلَ إلَيْهِ سَعْيُ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ مِن سِحْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لَطَّخُوها بِالزِّئْبَقِ، فَلَمّا ضَرَبَتْ عَلَيْها الشَّمْسُ اضْطَرَبَتْ واهْتَزَّتْ، فَخُيِّلَ إلَيْهِ أنَّها تَتَحَرَّكُ. وقُرِئَ: "تُخَيَّلُ" بِالتّاءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الحِبالِ والعِصِيِّ، وإبْدالِ "أنَّها تَسْعى" مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ. وقُرِئَ: "يُخَيَّلُ" بِإسْنادِهِ إلَيْهِ تَعالى. وقُرِئَ: "تَخَيَّلَ" بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن تَتَخَيَّلُ.
20:67Page 316
فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧
And he sensed within himself apprehension, did Moses.
﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أيْ: أضْمَرَ فِيها بَعْضَ خَوْفٍ مِن مُفاجَأتِهِ بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ المَجْبُولَةِ عَلى النَّفْرَةِ مِنَ الحَيّاتِ والِاحْتِرازِ مِن ضَرَرِها المُعْتادِ مِنَ اللَّسْعِ ونَحْوِهِ. وقِيلَ: مِن أنْ يُخالِجَ النّاسَ شَكٌّ فَلا يُتْبِعُوهُ، ولَيْسَ بِذاكَ كَما سَتَعْرِفُهُ وتَأْخِيرُ الفاعِلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
20:68Page 316
قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨
We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.
﴿قُلْنا لا تَخَفْ﴾ أيْ: ما تَوَهَّمْتَ ﴿إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ مِنَ الِانْتِهاءِ عَنِ الخَوْفِ، وتَقْرِيرٌ لِغَلَبَتِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآَكَدِهِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الِاسْتِئْنافُ، وحَرْفُ التَّحْقِيقِ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ، وتَعْرِيفُ الخَبَرِ، ولَفْظُ العُلُوِّ المُنْبِئِ عَنِ الغَلَبَةِ الظّاهِرَةِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ.
20:69Page 316
وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩
And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."
﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ أيْ: عَصاكَ، كَما وقَعَ في (سُورَةِ الأعْرافِ )، وإمّا أُوثِرَ الإبْهامُ تَهْوِيلًا لِأمْرِها، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وإيذانًا بِأنَّها لَيْسَتْ مِن جِنْسِ العِصِيِّ المَعْهُودَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْآَثارِ المُعْتادَةِ، بَلْ خارِجَةٌ عَنْ حُدُودِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ، مُبْهَمَةُ الكُنْهِ، مُسْتَتْبِعَةٌ لِآَثارٍ غَرِيبَةٍ، وعَدَمُ مُراعاةِ هَذِهِ النُّكْتَةِ عِنْدَ حِكايَةِ الأمْرِ في مَوْضِعٍ آَخَرَ لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ مُراعاتِها عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ هَذا، وحَمْلُ الإبْهامِ عَلى التَّحْقِيرِ بِأنْ يُرادَ لا تُبالِ بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ (p-28)وَعِصِيِّهِمْ، وألْقِ العُوَيْدَ الَّذِي في يَدِكَ فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَلْقَفُها مَعَ وحْدَتِهِ وكَثْرَتِها، وصِغَرِهِ وعِظَمِها، يَأْباهُ ظُهُورُ حالِها فِيما مَرَّ مَرَّتَيْنِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما يَلِيقُ بِما لَوْ فَعَلَتِ العَصا ما فَعَلَتْ وهي عَلى هَيْئَتِها الأصْلِيَّةِ، وقَدْ كانَ مِنها ما كانَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ مِن لَقِفَهُ: إذا ابْتَلَعَهُ، والتَقَمَهُ بِسُرْعَةٍ. والتَّأْنِيثُ لِكَوْنِ "ما" عِبارَةً عَنِ العَصا، أيْ: تَبْتَلِعُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ الَّتِي خُيِّلَ إلَيْكَ سَعْيُها وخِفَّتُها. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما صَنَعُوا لِلتَّحْقِيرِ، والإيذانِ بِالتَّمْوِيهِ والتَّزْوِيرِ. وقُرِئَ "تَلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ القافِ، وإسْقاطِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن "تَتَلَقَّفُ" . وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الحالِ، أوِ الِاسْتِئْنافِ. والجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى النَّهْيِ مُتَمِّمَةٌ بِما في حَيِّزِها، لِتَعْلِيلِ مُوجِبِهِ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعُلُوِّهِ، فَإنَّ ابْتِلاعَ عَصاهُ لِأباطِيلِهِمُ الَّتِي مِنها أوْجَسَ في نَفْسِهِ ما أوْجَسَ مِمّا يَقْلَعُ مادَّتَهُ بِالكُلِّيَّةِ. وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ خَوْفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِمّا ذُكِرَ مِن مُخالَجَةِ الشَّكِّ لِلنّاسِ، وعَدَمِ اتِّباعِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإلّا لَعُلِّلَ بِما يُزِيلُهُ مِنَ الوَعْدِ، بِما يُوجِبُ إيمانُهم واتِّباعُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما صَنَعُوا﴾ إلَخِ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ . و"ما" إمّا مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: إنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ أوْ إنَّ شَيْئًا صَنَعُوهُ ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ، لِأنَّ أيْ كَيْدُ جِنْسِ السّاحِرِ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى تَنْكِيرِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلتَّحْقِيرِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ "صَنَعُوا" و"ما" كافَّةٌ. وقُرِئَ: "كَيْدُ سِحْرٍ" عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلْبَيانِ، كَما في "عِلْمُ فِقَةٍ "، أوْ عَلى مَعْنى: ذِي سِحْرٍ، أوْ عَلى تَسْمِيَةِ السّاحِرِ سِحْرًا مُبالَغَةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسُ ﴿حَيْثُ أتى﴾ أيْ: حَيْثُ كانَ، وأيْنَ أقْبَلَ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِشَأْنِ العَصا، وكَوْنِها مُعْجِزَةً إلَهِيَّةً مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَقْوِيَةِ التَّعْلِيلِ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أمْرِها.
20:70Page 316
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠
So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السحرةُ سُجَّدًا﴾ كَما سَلَفَ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مَحْذُوفَيْنِ يَنْساقُ إلَيْهِما النَّظْمُ الكَرِيمُ، غَنِيَّيْنِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِما، لِعَدَمِ احْتِمالِ تَرَدُّدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، واسْتِحالَةِ عَدَمِ وُقُوعِ اللَّقْفِ المَوْعُودِ، أيْ: فَألْقاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَقَعَ ما وقَعَ مِنَ اللَّقْفِ، فَأُلْقِيَ السحرةُ سُجَّدًا لَمّا تَيَقَّنُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ السحر، وإنَّما هي آَيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. رُوِيَ أنَّ رَئِيسَهم قالَ: كُنّا نَغْلِبُ النّاسَ، وكانَتِ الآَلاتُ تُبْقِي عَلَيْنا، فَلَوْ كانَ هَذا سِحْرًا فَأيْنَ ما ألْقَيْناهُ مِنَ الآَلاتِ ؟ فاسْتَدَلَّ بِتَغَيُّرِ أحْوالِ الأجْسامِ عَلى الصّانِعِ القادِرِ العالِمِ، وبِظُهُورِ ذَلِكَ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، لا جَرَمَ ألْقاهم ما شاهَدُوهُ عَلى وُجُوهِهِمْ، وتابُوا وآَمَنُوا وأتَوْا بِما هو غايَةُ الخُضُوعِ. قِيلَ: لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهم حَتّى رَأوُا الجَنَّةَ والنّارَ، والثَّوابَ والعِقابَ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمّا خَرُّوا سُجَّدًا أراهُمُ اللَّهَ تَعالى في سُجُودِهِمْ مَنازِلَهم في الجَنَّةِ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهم: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ إلَخِ، لِأنَّ كَوْنَ تِلْكَ المَنازِلِ مَنازِلَهم بِاعْتِبارِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ عَنْهم.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ تَأْخِيرُ مُوسى عِنْدَ حِكايَةِ كَلامِهِمْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ كَلامِهِمْ أيْضًا هَكَذا، إمّا لِكِبَرِ سِنِّ هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنِ التَّوَهُّمِ الباطِلِ مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ كانَ فِرْعَوْنُ ربي مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ قَدِمُوا مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَرُبَّما تَوَهَّمَ اللَّعِينُ وقَوْمُهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ (p-29)أنَّ مُرادَهم فِرْعَوْنُ
20:71Page 316
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."
﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ أيْ: لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللّامُ لِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى الِاتِّباعِ. وقُرِئَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِي.
﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنَّ آَذَنَ لَكم في الإيمانِ لَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ لا أنَّ إذْنَهُ لَهم في ذَلِكَ واقِعٌ بَعْدَهِ أوْ مُتَوَقَّعٌ.
﴿إنَّهُ﴾ يَعْنِي: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾ أيْ: في فَنِّكم، وأعْلَمُكم بِهِ، وأُسْتاذِكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ فَتَواطَأْتُمْ عَلى ما فَعَلْتُمْ، أوْ فَعَلَّمَكم شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، فَلِذَلِكَ غَلَبَكم. وهَذِهِ شَهادَةٌ زَوَّرَها اللَّعِينُ، وألْقاها عَلى قَوْمِهِ، وأراهم أنَّ أمْرَ الإيمانِ مَنُوطٌ بِإذْنِهِ، فَلَمّا كانَ إيمانُهم بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ مُعْتَدًّا بِهِ، وأنَّهم مِن تَلامِذَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلا عِبْرَةَ بِما أظْهَرَهُ كَما لا عِبْرَةَ بِما أظْهَرُوهُ، وذَلِكَ لِما اعْتَراهُ مِنَ الخَوْفِ مِنِ اقْتِداءِ النّاسِ بِالسحرةِ في الإيمان باللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ المُؤَكَّدِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ﴾ أيْ: فَوَ اللَّهِ لَأُقَطِّعَنَّ ﴿أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ: اليَدَ اليُمْنى والرِّجْلَ اليُسْرى. و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ، كَأنَّ القَطْعَ ابْتِداءٌ مِن مُخالَفَةِ العُضْوِ العُضْوَ، فَإنَّ المُبْتَدِئَ مِنَ المَعْرُوضِ مُبْتَدِئٌ مِنَ العارِضِ أيْضًا، وهي مَعَ مَجْرُورِها في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: لَأقْطَعَنَّها مُخَلِفاتٍ، وتَعْيِينُ تِلْكَ الحالِ لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ الأمْرِ، وإيقاعِهِ لا مَحالَةَ بِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ المَعْهُودَةِ في بابِ السِّياسَةِ لا لِأنَّها أفْظَعُ مِن غَيْرِها.
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أيْ: عَلَيْها. وإيثارُ كَلِمَةِ "فِي" لِلدَّلالَةِ عَلى إبْقائِهِمْ عَلَيْها زَمانًا مَدِيدًا، تَشْبِيهًا لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْها بِاسْتِقْرارِ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ، قالُوا: وهو أوَّلُ مَن صَلَبَ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الفِعْلَيْنِ لِلتَّكْثِيرِ. وقَدْ قُرِئا بِالتَّخْفِيفِ.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾ يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ، ومُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، واللّامُ مَعَ الإيمانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لِغَيْرِهِ تَعالى، وهَذا إمّا لِقَصْدِ تَوْضِيعِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهُزْءِ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ، وإمّا لِإراءَةِ أنَّ إيمانَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ مُشاهَدَةِ المُعْجِزَةِ ومُعايَنَةِ البُرْهانِ، بَلْ كانَ عَنْ خَوْفٍ مِن قِبَلِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَيْثُ رَأوُا ابْتِلاعَ عَصاهُ لِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أيْضًا، وقِيلَ: يُرِيدُ بِهِ: رَبَّ مُوسى الَّذِي آَمَنُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ .
﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ أيْ: أدْوَمُ.
20:72Page 316
قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢
They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.
﴿قالُوا﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِوَعِيدِهِ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ لَنْ نَخْتارَكَ بِالإيمانِ والِاتِّباعِ ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ مِنَ اللَّهِ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ، فَإنَّ ما ظَهَرَ بِيَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العَصا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى مُعْجِزاتِهِ جَمَّةً كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ فِيما سَلَفَ، فَإنَّهم كانُوا عارِفِينَ بِجَلائِلِها ودَقائِقِها.
﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ أيْ: خَلَقَنا وسائِرَ المَخْلُوقاتِ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾، وتَأْخِيرُهُ لِأنَّ ما في ضِمْنِهِ آَيَةٌ عَقْلِيَّةٌ نَظَرِيَّةٌ، وما شاهَدُوهُ آَيَةٌ حِسِّيَّةٌ ظاهِرَةٌ، وإيرادُهُ تَعالى بِعُنْوانِ فاطِرِيَّتِهِ تَعالى لَهم لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ خالِقِيَّتَهُ تَعالى لَهم وكَوْنَ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ إيثارِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ (p-30)سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا جَوابٌ مِنهم لِتَوْبِيخِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، وقِيلَ: هو قَسَمٌ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، أيْ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا لا نُؤْثِرُكَ .. إلَخِ. ولا مُساغَ لِكَوْنِ المَذْكُورِ جَوابًا لَهُ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الجَوابِ أيْضًا، لِما أنَّ القَسَمَ لا يُجابُ بِلَنْ إلّا عَلى شُذُوذٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ جَوابٌ عَنْ تَهْدِيدِهِ بِقَوْلِهِ: "لِأُقَطِّعَنَّ .." إلَخِ، أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعُهُ، أوْ فاحْكم ما أنْتَ حاكِمٌ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ المُسْتَفادِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالقَضاءِ، أيْ: إنَّما تَصْنَعُ ما تَهْواهُ، أوْ تَحْكُمُ بِما تَراهُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا فَحَسْبُ، وما لَنا مِن رَغْبَةٍ في عَذْبِها ولا رَهْبَةٍ مِن عَذابِها.
20:73Page 316
إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣
Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1
﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ الَّتِي اقْتَرَفْنا فِيها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولا يُؤاخِذُنا بِها في الدّارِ الآَخِرَةِ، لا لِيُمَتِّعْنا بِتِلْكَ الحَياةِ الفانِيَةِ حَتّى نَتَأثَّرَ بِما أوْعَدْتَنا بِهِ مِنَ القَطْعِ والصَّلْبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾ عَطْفٌ عَلى "خَطايانا"، أيْ: ويَغْفِرَ لَنا السحر الَّذِي عَلِمْناهُ في مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإكْراهِكَ وحَشْرِكَ إيّانا مِنَ المَدائِنِ القاصِيَةِ. خَصُّوهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في خَطاياهم إظْهارًا لِغايَةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْهُ، ورَغْبَتِهِمْ في مَغْفِرَتِهِ. وذَكَرَ الإكْراهَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالِاسْتِغْفارِ مِنهُ مَعَ صُدُورِهِ عَنْهم بِالإكْراهِ، وفِيهِ نَوْعُ اعْتِذارٍ لِاسْتِجْلابِ المَغْفِرَةِ، وقِيلَ: أرادُوا الإكْراهَ عَلى تَعَلُّمِ السحر، حَيْثُ رُوِيَ أنَّ رُؤَساءَهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، اثْنانِ مِنهم مَنَ القِبْطِ، والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ فِرْعَوْنُ أكْرَهَهم عَلى تَعَلُّمِ السحر. وقِيلَ: إنَّهُ أكْرَهَهم عَلى المُعارَضَةِ، حَيْثُ رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ، فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ، فَإنَّ السّاحِرَ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ، فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَأْباهُ تَصَدِّيهِمْ لِلْمُعارَضَةِ عَلى الرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهم: ﴿أإنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ وقَوْلُهم: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾
﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ أيْ: في حَدِّ ذاتِهِ، وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِمْ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ .
﴿وَأبْقى﴾ أيْ: جَزاءً، ثَوابًا كانَ أوْ عَذابًا، خَيْرٌ ثَوابًا وأبْقى عَذابًا.
20:74Page 316
إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤
Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ إلى آَخِرِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ تَعْلِيلٌ مِن جِهَتِهِمْ، لِكَوْنِهِ تَعالى خَيْرًا وأبْقى جَزاءٌ وتَحْقِيقٌ لَهُ، وإبْطالٌ لِما ادَّعاهُ فِرْعَوْنُ، وتَصْدِيرُهُما بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَخامَةِ مَضْمُونِهِما، لِأنَّ مَناطَ وضْعِ الضَّمِيرِ مَوْضِعَهُ ادِّعاءُ شُهْرَتِهِ المُغْنِيَةِ عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّقْرِيرِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ، فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَهُ فَضْلُ تَمَكُّنٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا، أيْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَنْتَهِيَ عَذابُهُ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ عَذابِهِ أبْقى ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً يَنْتَفِعُ بِها.
20:75Page 316
وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥
But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:
﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ بِهِ تَعالى، وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شاهَدْناهُ ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ الصّالِحَةُ: كالحَسَنَةِ، جارِيَةٌ مَجْرى الِاسْمِ، ولِذَلِكَ لا تُذْكَرُ غالِبًا مَعَ (p-31)المَوْصُوفِ، وهي كُلُّ ما اسْتَقامَ مِنَ الأعْمالِ بِدَلِيلِ العَقْلِ والنَّقْلِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن"، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها. كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ، أيْ: فَأُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ لِلصّالِحاتِ ﴿لَهُمُ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ ﴿الدَّرَجاتُ العُلا﴾ أيِ: المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ الإيمانِ المُجَرَّدِ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ في اسْتِتْباعِ الثَّوابِ، لِأنَّ ما نِيطَ بِالإيمانِ المَقْرُونِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ هو الفَوْزُ بِالدَّرَجاتِ العُلى لا بِالثَّوابِ مُطْلَقًا، وهَلِ التَّشاجُرُ إلّا فِيهِ ؟
20:76Page 316
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦
Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الدَّرَجاتِ العُلى، أوْ بَيانٌ، وقَدْ مَرَّ أنَّ عَدْنًا عَلَمٌ لِمَعْنى الإقامَةِ، أوْ لِأرْضِ الجَنَّةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ حالٌ مِنَ الجَنّاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَهُمْ" والعامِلُ: مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أوِ الإشارَةِ.
﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما أُتِيحَ لَهم مِنَ الفَوْزِ بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّرَجاتِ العُلى، ومَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِنَ التَّفْخِيمِ.
﴿جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ ثَوابِهِ تَعالى أبْقى. وتَقْدِيمُ ذِكْرِ حالِ المُجْرِمِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أشَدِّيَّةِ عَذابِهِ ودَوامِهِ، رَدًّا عَلى ما ادَّعاهُ فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . هَذا وقَدْ قِيلَ هَذِهِ الآَياتُ الثَّلاثُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالُوا: لَيْسَ في القرآن أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَمْ يَثْبُتْ في الأخْبارِ.
20:77Page 317
وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧
And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."
﴿وَلَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وقَدْ طُوِيَ في البَيْنِ ذِكْرُ ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الآَياتِ المُفَصَّلاتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَعْدَ ما غَلَبَ السحرةَ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً حَسْبَما فُصِّلَ في (سُورَةِ الأعْرافِ ) . وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها. و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ إمّا مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ الوَحْيَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ عِبادًا لَهُ تَعالى لِإظْهارِ المَرْحَمَةِ والِاعْتِناءِ بِأمْرِهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ قُبْحِ صَنِيعِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ، حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم وهم عِبادُهُ عَزَّ وجَلَّ وفَعَلَ بِهِمْ مِن فُنُونِ الظُّلْمِ ما فَعَلَ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أوْحَيْنا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ أسْرِ بِعِبادِي الَّذِينَ أرْسَلْتُكَ لِإنْقاذِهِمْ مِن مَلَكَةِ فِرْعَوْنَ، أيْ: سِرْ بِهِمْ مِن مِصْرَ لَيْلًا.
﴿فاضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ: فاجْعَلْ، أوْ فاتَّخِذْ لَهم ﴿طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ أيْ: يابِسًا، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً. وقُرِئَ: "يَبْسًا" وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنهُ، أوْ وصْفٌ كَصَعْبٍ، أوْ جَمْعُ يابِسٍ كَصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِتَعَدُّدِهِ حَسْبَ تَعَدُّدِ الأسْباطِ.
﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ حالٌ مِنَ المَأْمُورِ، أيْ: آَمِنًا مِن أنْ يُدْرِكَكُمُ العَدُوُّ، أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِطَرِيقًا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وقُرِئَ: "لا تَخَفْ" جَوابًا لِلْأمْرِ.
﴿وَلا تَخْشى﴾ عَطْفٌ عَلى لا تَخافُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، أيْ: ولا تَخْشى الغَرَقَ. وعَلى قِراءَةِ الجَزْمِ اسْتِئْنافٌ، أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، أوْ عَطْفٌ عَلَيْهِ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ وتَقْدِيمُ نَفْيِ الخَوْفِ المَذْكُورِ لِلْمُسارَعَةِ إلى إزاحَةِ (p-32)ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ العَظِيمِ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾
20:78Page 317
فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨
So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1
﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أيْ: تَبِعَهم ومَعَهُ جُنُودُهُ حَتّى لَحِقُوهم، يُقالُ: أتْبَعْتُهم أيْ تَبِعْتُهم، وذَلِكَ إذا كانُوا سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهم، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: "فَأتْبَعَهُمْ" مِنَ الِافْتِعالِ. وقِيلَ: المَعْنى: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنُودَهُ، أيْ: ساقَهم خَلْفَهم. وأيًّا ما كانَ فالفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُضْمَرٍ قَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ ثِقَةً بِغايَةِ ظُهُورِهِ وِإيذانًا بِكَمالِ مُسارِعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِامْتِثالِ بِالأمْرِ: أيْ: فَفَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الإسْراءِ بِهِمْ، وضَرْبِ الطَّرِيقِ وسُلُوكِهِ، فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ بَرًّا وبَحْرًّا. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ بِهِمْ أوَّلَ اللَّيْلِ، وكانُوا سِتَّمائَةٍ وسَبْعِينَ ألْفًا، فَأُخْبِرَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ فَأتْبَعَهم بِعَساكِرِهِ، وكانَتْ مُقَدِّمَتُهُ سَبْعُمِائَةِ ألْفٍ، فَقَصَّ أثَرَهم فَلَحِقَهم بِحَيْثُ تَراءى الجَمْعانِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ضَرَبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعَصاهُ البَحْرَ فانْفَلَقَ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ فَرْقًا كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ، فَعَبَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَن مَعَهُ مِنَ الأسْباطِ سالِمِينَ وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ.
﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أيْ: عَلاهم مِنهُ، وغَمَرَهم ما غَمَرَهم مِنَ الأمْرِ الهائِلِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ولا يُبْلَغُ كُنْهُهُ. وقِيلَ: غَشِيَهم ما سُمِعَتْ قِصَّتُهُ ولَيْسَ بِذاكَ، فَإنَّ مَدارَ التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ خُرُوجُهُ عَنْ حُدُودِ الفَهْمِ والوَصْفِ لا سَماعُ قِصَّتِهِ. وقُرِئَ: "فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهُمْ" أيْ: غَطّاهم ما غَطّاهم، والفاعِلُ هو اللَّهُ عَزَّ وعُلا، أوْ ما غَشّاهم. وقِيلَ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَهم لِلْهِلْكَةِ.
20:79Page 317
وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩
And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].
وَيَأْباهُ الإظْهارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ: سَلَكَ بِهِمْ مَسْلَكًا أدّاهم إلى الخَيْبَةِ والخُسْرانِ في الدِّينِ والدُّنْيا مَعًا، حَيْثُ ماتُوا عَلى الكُفْرِ بِالعَذابِ الهائِلِ الدُّنْيَوِيِّ المُتَّصِلِ بِالعَذابِ الخالِدِ الأُخْرَوِيِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هَدى﴾ أيْ: ما أرْشَدَهم قَطُّ إلى طَرِيقٍ مُوصِلٍ إلى مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، تَقْرِيرٌ لِإضْلالِهِ وتَأْكِيدٌ لَهُ، إذْ رُبَّ مُضَلٍّ قَدْ يُرْشِدُ مَن يُضِلُّهُ إلى بَعْضِ مَطالِبِهِ، وفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ . فَإنَّ نَفْيَ الهِدايَةِ عَنْ شَخْصٍ مُشْعِرٍ بِكَوْنِهِ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الهِدايَةُ في الجُمْلَةِ، وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ وحَمَلَ الإضْلالَ، والهِدايَةَ عَلى ما يَخْتَصُّ بِالدِّينِيِّ مِنهُما يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ سَوْقِهِ بِجُنُودِهِ إلى مَساقِ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ وجَعَلَهُما عِبارَةً عَنِ الإضْلالِ في البَحْرِ والإنْجاءِ مِنهُ مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ السَّلِيمُ.
20:80Page 317
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠
O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ حِكايَةٌ لِما خاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وإنْجائِهِمْ مِنهم، لَكِنْ لا عَقِيبَ ذَلِكَ، بَلْ بَعْدَ ما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ما أفاضَ. وقِيلَ: هو إنْشاءُ خِطابٍ لِلَّذِينِ كانُوا مِنهم في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى قَدْ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلَ بِآَبائِهِمْ أصالَةً وبِهِمْ تَبَعًا، ويَرُدُّهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ...﴾ الآَيَةُ، ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ حَمْلِهِ عَلى الإنْشاءِ، فالوَجْهُ (p-33)هُوَ الحِكايَةُ بِتَقْدِيرِ: "قُلْنا" عَطْفًا عَلى "أوْحَيْنا" أيْ: وقُلْنا يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ كانُوا يَبْغُونَكُمُ الغَوائِلَ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ . وقُرِئَ: "نَجَّيْناكُمْ" و "نَجَّيْتُكُمْ" .
﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُضافِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ لِلْجِوارِ، أيْ: واعَدْناكم بِواسِطَةِ نَبِيِّكم إتْيانَ جانِبِهِ الأيْمَنِ نَظَرًا إلى السّالِكِ مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، أيْ: إتْيانُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمُناجاةِ، وإنْزالَ التَّوْراةِ عَلَيْهِ. ونُسِبَتِ المُواعَدَةُ إلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِها لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، نَظَرًا إلى مُلابَسَتِها إيّاهم وسِرايَةِ مَنفَعَتِها إلَيْهِمْ وإيفاءً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ حَيْثُ نُسِبَ الخَلْقُ والتَّصْوِيرُ إلى المُخاطَبِينَ، مَعَ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ بِالذّاتِ هو آَدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقُرِئَ: "واعَدْتُكُمْ" و " وعَدْناكُمْ" .
﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسُّمانى، حَيْثُ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ وهم في التِّيهِ مِثْلُ الثَّلْجِ مِنَ الفَجْرِ إلى الطُّلُوعِ، لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ، وتَبْعَثُ الجَنُوبُ عَلَيْهِمُ السُّمانى، فَيَذْبَحُ الرَّجُلُ مِنهُ ما يَكْفِيهِ كَما مَرَّ مِرارًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences