Abu as-Su'udAl‑Anbya · 21:16–31

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:16–31

21:16Page 323

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦

And We did not create the heaven and earth and that between them in play.

﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ﴾ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى أنَّ تَكْوِينَ العالِمِ وإبْداعَ بَنِي آَدَمَ مُؤَسَّسٌ عَلى قَواعِدِ الحِكَمِ البالِغَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْغاياتِ الجَلِيلَةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما حُكِيَ مِنَ العَذابِ الهائِلِ والعِقابِ النّازِلِ بِأهْلِ القُرى مِن مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الحِكَمِ ومُتَفَرِّعاتِها حَسَبَ اقْتِضاءِ أعْمالِهِمْ إيّاهُ، وأنَّ لِلْمُخاطَبِينَ المُقْتَدِرِينَ بِآَثارِهِمْ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِهِمْ أيْ: ما خَلَقْناهُما ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لا تُحْصى أجْناسُها وأفْرادُها ولا تُحْصَرُ أنْواعُها وآَحادُها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ والأُسْلُوبِ المَنِيعِ خالِيَةٌ عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ حَيْثُ قِيلَ: ﴿لاعِبِينَ﴾ لِبَيانِ كَمالِ تَنْـزُّهِهِ تَعالى عَنِ الخَلْقِ الخالِي عَنِ الحِكْمَةِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَرْتابُ أحَدٌ في اسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، بَلْ إنَّما خَلَقْناهُما وما بَيْنَهُما لِتُكُونَ مَبْدَأً لِوُجُودِ الإنْسانِ وسَبَبًا لِمَعاشِهِ ودَلِيلًا يَقُودُهُ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَتِنا الَّتِي هي الغايَةُ القُصْوى بِواسِطَةِ طاعَتِنا وعِبادَتِنا، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ .

21:17Page 323

لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧

Had We intended to take a diversion,1 We could have taken it from [what is] with Us - if [indeed] We were to do so.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنِ انْتِفاءِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ، أيْ: لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ ما يُتَلَهّى بِهِ ويُلْعَبُ ﴿لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ أيْ: مِن جِهَةِ قُدْرَتِنا، أوْ مِن عِنْدِنا مِمّا يَلِيقُ بِشَأْنِنا مِنَ المُجَرَّداتِ لا مِنَ الأجْسامِ المَرْفُوعَةِ والأجْرامِ المَوْضُوعَةِ، كَدَيْدَنِ الجَبابِرَةِ في رَفْعِ العُرُوشِ وتَحْسِينِها وتَسْوِيَةِ الفُرُوشِ وتَزْيِينِها، لَكِنْ يَسْتَحِيلُ إرادَتُنا لَهُ لِما فاتَهُ الحِكْمَةُ فَيَسْتَحِيلُ اتِّخاذُنا لَهُ قَطْعًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ جَرًّا بِهِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنّا فاعِلِينَ لاتَّخَذْناهُ، وقِيلَ: "إنَّ" نافِيَةٌ، أيْ: ما كُنّا فاعِلِينَ، أيْ: لِاتِّخاذِ اللَّهْوِ لِعَدَمِ إرادَتِنا إيّاهُ، فَيَكُونُ بَيانًا (p-60)لِانْتِفاءِ التّالِي لِانْتِفاءِ المُقَدَّمِ، أوْ لِإرادَةِ اتِّخاذِهِ فَيَكُونُ بَيانًا لِانْتِفاءِ المُقَدَّمِ المُسْتَلْزِمِ لِانْتِفاءِ التّالِي. وقِيلَ: اللَّهْوُ الوَلَدُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: الزَّوْجَةُ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى النَّصارى ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

21:18Page 323

بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨

Rather, We dash the truth upon falsehood, and it destroys it,1 and thereupon it departs. And for you is destruction from that which you describe.2

﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ﴾ إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ بَلْ عَنْ إرادَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَكُنّا لا نُرِيدُهُ بَلْ شَأْنُنا أنْ نُغَلِّبَ الحَقَّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الجِدُّ عَلى الباطِلِ الَّذِي مِن قَبِيلِهِ اللَّهْوُ، وتَخْصِيصُ شَأْنِهِ هَذا مِن بَيْنِ سائِرِ شُئُونِهِ تَعالى بِالذِّكْرِ لِلتَّخَلُّصِ إلى ما سَيَأْتِي مِنَ الوَعِيدِ.

﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أيْ: يَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما فَعَلْنا بِأهْلِ القُرى المَحْكِيَّةِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لِإيرادِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ القَذْفُ الَّذِي هو الرَّمْيُ الشَّدِيدُ بِالجِرْمِ الصُّلْبِ كالصَّخْرَةِ، ولِمَحْقِهِ لِلْباطِلِ الدَّمْغُ الَّذِي هو كَسْرُ الشَّيْءِ الرِّخْوِ الأجْوَفِ، وهو الدِّماغُ بِحَيْثُ يَشُقُّ غِشاءَهُ المُؤَدِّيَ إلى زُهُوقِ الرُّوحِ تَصْوِيرًا لَهُ بِذَلِكَ. وقُرِئَ: "فَيَدْمَغُهُ" بِالنَّصْبِ وهو ضَعِيفٌ. وقُرِئَ: "فَيَدْمَغُهُ" بِضَمِّ المِيمِ.

﴿فَإذا هو زاهِقٌ﴾ أيْ: ذاهِبٌ بِالكُلِّيَّةِ. وفي "إذا" الفُجائِيَّةِ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ المُسارَعَةِ في الذَّهابِ والبُطْلانِ ما لا يَخْفى، فَكَأنَّهُ زاهِقٌ مِنَ الأصْلِ.

﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ بِأنَّ لَهم أيْضًا مِثْلَ ما لِأُولَئِكَ مِنَ العَذابِ والعِقابِ. و"مِن" تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الوَيْلِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ. و"ما" إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: واسْتَقَرَّ لَكُمُ الوَيْلُ والهَلاكُ مِن أجْلِ وصْفِكم لَهُ سُبْحانَهُ بِما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، أوْ بِالَّذِي تَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ، أوْ كائِنًا مِمّا تَصِفُونَهُ تَعالى بِهِ.

21:19Page 323

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩

To Him belongs whoever is in the heavens and the earth. And those near Him [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, nor do they tire.

﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن خَلْقِهِ تَعالى لِجَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ونِظامٍ كامِلٍ، وأنَّهُ تَعالى يُحِقُّ الحَقَّ ويُزْهِقُ الباطِلَ، أيْ: لَهُ تَعالى خاصَّةً جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ خَلْقًا ومُلْكًا وتَدْبِيرًا وتَصْرُّفًا وإحْياءً وإماتَةً وتَعْذِيبًا وإثابَةً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ في ذَلِكَ دَخْلٌ ما اسْتِقْلالًا أوِ اسْتِتْباعًا.

﴿وَمَن عِنْدَهُ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ إثْرَ ما عَبَّرَ عَنْهم بِمَن في السَّمَواتِ تَنْـزِيلًا لَهم لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ عَزَّ وعَلا، وزُلْفاهم عِنْدَهُ مَنـزِلَةُ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ المُلُوكِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ أيْ: لا يَتَعَظَّمُونَ عَنْها ولا يُعِدُّونَ أنْفُسَهم كَبِيرًا.

﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ولا يَكِلُّونَ ولا يَعِبُونَ. وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ المُنْبِئَةِ عَنِ المُبالَغَةِ في الحُسُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عِباداتِهِمْ بِثِقَلِها ودَوامِها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُسْتَحْسَرَ مِنها ومَعَ ذَلِكَ لا يَسْتَحْسِرُونَ. "لا" لِإفادَةِ نَفْيِ المُبالِغَةِ في الحُسُورِ مَعَ ثُبُوتِ أصْلِهِ في الجُمْلَةِ. كَما أنَّ نَفْيِ الظَّلامِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِإفادَةِ كَثْرَةِ الظُّلْمِ المَفْرُوضِ تَعَلُّقُهُ بِالعَبِيدِ، لا لِإفادَةِ نَفْيِ المُبالِغَةِ في الظُّلْمِ مَعَ ثُبُوتِ أصْلِ الظُّلْمِ في الجُمْلَةِ. وقِيلَ: "مَن عِنْدَهُ" مَعْطُوفٌ عَلى "مَن" الأُولى، وإفْرادُهم بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمْ في مَن في السَّمَواتِ والأرْضِ لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ . فَقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَسْتَكْبِرُونَ" حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الثّانِيَةِ.

21:20Page 323

يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠

They exalt [Him] night and day [and] do not slacken.

﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: يُنَـزِّهُونَهُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ ويُعَظِّمُونَهُ ويُمَجِّدُونَهُ دائِمًا، وهو اسْتِئْنافٌ (p-61)وَقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَصْنَعُونَ في عِباداتِهِمْ ؟، أوْ كَيْفَ يَعْبُدُونَ ؟ . فَقِيلَ: "يُسَبِّحُونَ ..." إلَخَ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ "يَسْتَحْسِرُونَ" . وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ أيْ: لا يَتَخَلَّلُ تَسْبِيحُهم فَتْرَةً أصْلًا بِفَراغٍ أوْ بِشُغْلٍ آَخَرَ.

21:21Page 323

أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١

Or have they [i.e., men] taken for themselves gods from the earth who resurrect [the dead]?

﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ بِطَرِيقِ الإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن فَنٍّ إلى فَنٍّ آَخَرَ مِنَ التَّوْبِيخِ إثْرَ تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ عَلى مِنهاجِ الحِكْمَةِ، وأنَّهم قاطِبَةً تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وقَهْرِهِ، وأنَّ عِبادَهُ مُذْعِنُونَ لِطاعَتِهِ ومُثابِرُونَ عَلى عِبادَتِهِ مُنَـزِّهُونَ لَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأنْدادُ. ومَعْنى الهَمْزَةِ في "أمْ" المُنْقَطِعَةِ: إنْكارُ الواقِعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "اتَّخَذُوا"، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِآَلِهَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ هو التَّحْقِيرُ لا التَّخْصِيصُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم يُنْشِرُونَ﴾ أيْ: يَبْعَثُونَ المَوْتى صِفَةٌ لِآَلِهَةٍ، وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الإنْكارُ والتَّجْهِيلُ والتَّشْنِيعُ نَفْسُ الِاتِّخاذِ، فَإنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أيْ: بَلِ اتِّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم خاصَّةً مَعَ حَقارَتِهِمْ وجَمادِيَّتِهِمْ يُنْشِرُونَ المَوْتى، كُلًّا فَإنَّ ما اتَّخَذُوها آَلِهَةً بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، وهم وإنْ لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ صَرِيحًا لَكِنَّهم حَيْثُ ادَّعَوْا لَها الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَها الإنْشارَ ضَرُورَةً أنَّهُ مِنَ الخَصائِصِ الإلَهِيَّةِ حَتْمًا. ومَعْنى التَّخْصِيصِ في تَقْدِيمِ الضَّمِيرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِلْإنْشارِ المُوجِبَةِ لِمَزِيدِ الإنْكارِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، فَإنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ أمْرِهِ تَعالى لِأنَّ يُشَكَّ فِيهِ ويُسْتَهْزَأ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن مُسْتَتْبِعاتِ ادِّعائِهِمُ الباطِلَ، لِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلِاسْتِقْلالِ بِالإبْداءِ والإعادَةِ، فَحَيْثُ ادَّعَوْا لِلْأصْنامِ الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَها الِاسْتِقْلالَ بِالإنْشارِ، كَما أنَّهم جُعِلُوا بِذَلِكَ مُدَّعِينَ لِأصْلِ الإنْشارِ.

21:22Page 323

لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢

Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.

﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ﴾ إبْطالٌ لِتَعَدُّدِ الإلَهِ بِإقامَةِ البُرْهانِ عَلى انْتِفائِهِ بَلْ عَلى اسْتِحالَتِهِ، وإيرادُ الجَمْعِ لِوُرُودِهِ إثْرَ إنْكارِ اتِّخاذِ الآَلِهَةِ، لا لِأنَّ لِلْجَمْعِيَّةِ مَدْخَلًا في الِاسْتِدْلالِ، وكَذا فَرْضُ كَوْنِها فِيهِما. و"إلّا" بِمَعْنى "غَيْرِ" عَلى أنَّها صِفَةٌ لِآَلِهَةٍ، ولا مَساغَ لِلِاسْتِثْناءِ لِاسْتِحالَةِ شُمُولِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها وإفْضائِهِ إلى فَسادِ المَعْنى لِدَلالَتِهِ حِينَئِذٍ عَلى أنَّ الفَسادَ لِكَوْنِها فِيهِما بِدُونِهِ تَعالى، ولا لِلرَّفْعِ عَلى البَدَلِ لِأنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ ومَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ في كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ، أيْ: لَوْ كانَ في السَّماواتِ والأرْضِ آَلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ كَما هو اعْتِقادُهُمُ الباطِلُ ﴿لَفَسَدَتا﴾ أيْ: لَبَطَلَتا بِما فِيهِما جَمِيعًا، وحَيْثُ انْتَفى التّالِي عُلِمَ انْتِفاءُ المُقَدِّمِ قَطْعًا بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ الإلَهِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِبْدادِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِما عَلى الإطْلاقِ تَغْيِيرًا وتَبْدِيلًا وإيجادًا وإعْدامًا وإحْياءً وإماتَةً، فَبَقاؤُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ إمّا بِتَأْثِيرِ كُلٍّ مِنها وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ المَعْلُولِ المُعَيَّنِ بِعِلَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وإمّا بِتَأْثِيرٍ واحِدٍ مِنها، فالبَواقِي بِمَعْزِلٍ مِنَ الإلَهِيَّةِ قَطْعًا. واعْلَمْ أنَّ جَعْلَ التّالِي فَسادُهُما بَعْدَ وُجُودِهِما لِما أنَّهُ اعْتُبِرَ في المُقَدَّمِ تَعَدُّدُ الآَلِهَةِ فِيهِما، وإلّا فالبُرْهانُ يَقْضِي بِاسْتِحالَةِ التَّعَدُّدِ عَلى الإطْلاقِ فَإنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ فَإنْ تَوافَقَ الكُلُّ في المُرادِ تَطارَدَتْ عَلَيْهِ القَدْرُ، وإنْ تَخالَفَتْ (p-62)تَعاوَقَتْ فَلا يُوجَدُ مَوْجُودٌ أصْلًا وحَيْثُ انْتَفى التّالِي تَعَيَّنَ انْتِفاءُ المُقَدَّمِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ بِالبُرْهانِ، أيْ: فَسَبِّحُوهُ سُبْحانَهُ اللّائِقَ بِهِ ونَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ، وإيرادُ الجَلالَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مَناطٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ كَمالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَنَـزُّهُهُ تَعالى عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ ولِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ العَرْشِ﴾ صِفَةٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ مُؤَكِّدَةٌ لِتَنَـزُّهِهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ مُتَعِلِّقٌ بِالتَّسْبِيحِ، أيْ: فَسَبِّحُوهُ عَمّا يَصِفُونَهُ مِن أنْ يَكُونَ مِن دُونِهِ آَلِهَةٌ.

21:23Page 323

لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣

He is not questioned about what He does, but they will be questioned.

﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لِقُوَّةِ عَظْمَتِهِ وعِزَّةِ سُلْطانِهِ القاهِرِ بِحَيْثُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ أنْ يُناقِشَهُ ويَسْألَهُ عَمّا يَفْعَلُ مِن أفْعالِهِ إثْرَ بَيانِ أنْ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ في الإلَهِيَّةِ. "وَهْم" أيِ: العِبادُ "يَسْألُونَ" عَمًّا يَفْعَلُونَ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا، لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ تَعالى مُسْتَعْبَدُونَ. فَفِيهِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ.

21:24Page 323

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤

Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.

﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ اِظْهارِ بُطْلانِ كَوْنِ ما اتَّخَذُوهُ آَلِهَةً، آَلِهَةً حَقِيقَةً بِإظْهارِ خُلُوِّها عَنْ خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشارُ وإقامَةُ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الإلَهِ عَلى الإطْلاقِ، وتَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى إظْهارِ بُطْلانِ اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآَلِهَةِ مَعَ عَرائِها عَنْ تِلْكَ الخَصائِصِ بِالمَرَّةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ، وتَبْكِيتُهم بِإلْجائِهِمْ إلى إقامَةِ البُرْهانِ عَلى دَعْواهُمُ الباطِلَةِ وتَحْقِيقُ أنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ناطِقَةٌ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ واسْتِقْباحِهِ واسْتِعْظامِهِ. و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اتَّخَذُوا"، والمَعْنى: بَلِ اتَّخَذُوا مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ تَعالى مَعَ ظُهُورِ شُئُونِهِ الجَلِيلَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ آَلِهَةً مَعَ ظُهُورِ خُلُودِهِمْ عَنْ خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ.

﴿قُلْ﴾ لَهم بِطْرِيقِ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجْرِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى ما تَدَّعُونَهُ مِن جِهَةِ العَقْلِ والنَّقْلِ، فَإنَّهُ لا صِحَّةَ لِقَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا الشَّأْنِ الخَطِيرِ، وما في إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ لَهم بُرْهانًا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ إنارَةٌ لِبُرْهانِهِ، وإشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قاطِبَةً وشَهِدَتْ بِهِ ألْسِنَةُ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةُ كافَّةً، وزِيادَةُ تَهْيِيجٍ لَهم عَلى إقامَةِ البُرْهانِ لِإظْهارِ كَمالِ عَجْزِهِمْ، أيْ: هَذا الوَحْيُ الوارِدُ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ المُتَضَمِّنِ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ العَقْلِيِّ ذِكْرُ أُمَّتِي، أيْ: عِظَتُهم، وذِكْرُهُمُ الأُمَمَ السّالِفَةَ قَدْ أقَمْتُهُ فَأقِيمُوا أنْتُمْ أيْضًا بُرْهانَكم. وقِيلَ: المَعْنى: هَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَّتِي وهَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ والصُّحُفِ فَراجِعُوها وانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها غَيْرُ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ، فَفِيهِ تَبْكِيتٌ لَهم مُتَضَمِّنٌ لِإثْباتٍ نَقِيضِ مُدَّعاهم. وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾، وبِهِ وبِمِنِ الجارَّةِ عَلى أنْ مَعَ اسْمٌ هو ظَرْفٌ كَقَبْلٍ وبَعْدٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ﴾ (p-63)إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ، وانْتِقالٌ مِنَ الأمْرِ بِتَبْكِيتِهِمْ بِمُطالَبَةِ البُرْهانِ إلى بَيانِ أنَّهُ لا يَنْجَحُ فِيهِمُ المُحاجَّةُ بِإظْهارِ حَقِّيَّةِ الحَقِّ وبُطْلانِ الباطِلِ، فَإنَّ أكْثَرَهم لا يَفْهَمُونَ الحَقَّ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ.

﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّوْحِيدِ واتِّباعِ الرَّسُولِ لا يَرْعَوُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ وإنْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّناتُ والحُجَجُ، أوْ مُعْرِضُونَ عَمّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَراهِينِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ. وقُرِئَ: "الحَقُّ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وسَطٌ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ تَأْكِيدًا لِلسَّبَبِيَّةِ.

21:25Page 324

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥

And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما أُجْمِلَ فِيما قَبْلَهُ مِن كَوْنِ التَّوْحِيدِ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ وأجْمَعَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقُرِئَ: "يُوحى" عَلى صِيغَةِ الغائِبِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وأيًّا ما كانَ فَصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَةِ الوَحْيِ.

21:26Page 324

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦

And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.

﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ جِيءَ بِها لِإظْهارِ بُطْلانِها وبَيانِ تَنَـزُّهِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ تَنَـزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ، وهم حَيٌّ مِن خُزاعَةَ، يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى. ونَقَلَ الواحِدِيُّ أنَّ قُرَيْشًا وبَعْضَ أجْناسِ العَرَبِ جُهَيْنَةَ، وبَنِي سَلَمَةَ، وخُزاعَةَ، وبَنِي مَلِيحٍ، يَقُولُونَ ذَلِكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ كَوْنِ جَمِيعِ ما سِواهُ تَعالى مَرْبُوبًا لَهُ تَعالى نِعْمَةً أوْ مُنْعِمًا عَلَيْهِ لِإبْرازِ كَمالِ شَناعَةِ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ.

﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ تَنَـزَّهَ بِالذّاتِ تَنَـزُّهَهُ اللّائِقَ بِهِ، عَلى أنَّ السُّبْحانَ مَصْدَرٌ مِن سَبَحَ، أيْ: بَعُدَ أوْ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحَهُ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، أوْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ﴾ إضْرابٌ وإبْطالٌ لِما قالُوهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَتِ المَلائِكَةُ كَما قالُوا بَلْ هم عِبادٌ لَهُ تَعالى ﴿مُكْرَمُونَ﴾ مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ: "مُكَرَّمُونَ" بِالتَّشْدِيدِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى مَنشَإ غَلَطِ القَوْمِ.

21:27Page 324

لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧

They cannot precede Him in word, and they act by His command.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعِبادٍ مُنْبِئَةٌ عَنْ كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ لِأمْرِهِ تَعالى، أيْ: لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ تَعالى أوْ يَأْمُرَهم بِهِ، وأصْلُهُ لا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ تَعالى، فَأسْنَدَ السَّبْقَ إلَيْهِمْ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى تَنْـزِيلًا لَسَبْقِ قَوْلِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى مَنـزِلَةَ سَبْقِهِمْ إيّاهُ تَعالى لِمَزِيدِ تَنْـزِيهِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ اسْتِهْجانِ السَّبْقِ المُعَرَّضِ بِهِ لِلَّذِينِ يَقُولُونَ ما لا يَقُولُهُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَ القَوْلَ مَحَلًّا لِلسَّبْقِ وأداةً لَهُ، ثُمَّ أُنِيبَ اللّامُ عَنِ الإضافَةِ لِلِاخْتِصارِ والتَّجافِي عَنِ التَّكْرارِ. وقُرِئَ: "لا يَسْبِقُونَهُ" بِضَمِّ الباءِ مِن سابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ، وفِيهِ مَزِيدُ اسْتِهْجانٍ لِلسَّبْقِ وإشْعارٌ بِأنَّ مَن سَبَقَ قَوْلُهُ قَوْلَهُ تَعالى فَقَدْ تَصَدّى لِمُغالَبَتِهِ تَعالى في السَّبْقِ فَسَبَقَهُ فَغَلَبَهُ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى-، وزِيادَةُ تَنْـزِيهٍ لَهم عَمّا نُفِيَ عَنْهم بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ الغَلَبَةِ بَعْدَ المُغالَبَةِ فَأتى يَتَوَهَّمُ صُدُورَ عَنْهم.

﴿وَهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِتَبِيعَتِهِمْ لَهُ تَعالى في الأعْمالِ إثْرَ بَيانِ تَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ تَعالى في الأقْوالِ، فَإنَّ نَفْيَ سَبْقِهِمْ لَهُ تَعالى بِالقَوْلِ عِبارَةٌ عَنْ تَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ تَعالى فِيهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هم بِأمْرِهِ يَقُولُونَ وبِأمْرِهِ (p-64)يَعْمَلُونَ لا بِغَيْرِ أمْرِهِ أصْلًا، فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ أمْرِهِ لا إلى أمْرِ غَيْرِهِ.

21:28Page 324

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨

He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ، فَإنَّ لِعِلْمِهِمْ بِإحاطَتِهِ تَعالى بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ لايَزالُونَ يُراقِبُونَ أحْوالَهم فَلا يَقْدِرُونَ عَلى قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى.

﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أنْ يَشْفَعَ لَهُ مَهابَةً مِنهُ تَعالى ﴿وَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿مِن خَشْيَتِهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ مُرْتَعِدُونَ، وأصْلُ الخَشْيَةِ الخَوْفُ مَعَ التَّعْظِيمِ، ولِذَلِكَ خَصَّ بِها العُلَماءُ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مَعَ الِاعْتِناءِ فَعِنْدَ تَعْدِيَتِهِ بِمَن يَكُونُ مَعْنى الخَوْفِ فِيهِ أظْهَرَ، وعِنْدَ تَعْدِيَتِهِ بِعَلى يَنْعَكِسُ الأمْرُ.

21:29Page 324

۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.

﴿وَمَن يَقُلْ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ، الكَلامُ فِيهِمْ وفي كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِمّا قالُوا في حَقِّهِمْ ﴿إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ مُتَجاوِزًا إيّاهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ الَّذِي فُرِضَ قَوْلُهُ فَرْضَ مُحالٍ ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ كَسائِرِ المُجْرِمِينَ ولا يُغْنِي عَنْهم ما ذُكِرَ مِن صِفاتِهِمُ السُّنِّيَّةِ وأفْعالِهِمُ المَرْضِيَّةِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ مَلَكُوتِهِ تَعالى وعِزَّةِ جَبَرُوتِهِ واسْتِحالَةِ كَوْنِ المَلائِكَةِ بِحَيْثُ يَتَوَهَّمُ في حَقِّهِمْ ما تَوَهَّمَهُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ ما لا يَخْفى.

﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ويَتَعَدَّوْنَ أطْوارَهم، والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ التَّقْدِيمِ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّقْصانِ دُونَ الزِّيادَةِ، أيْ: لا جَزاءً أنْقَصَ مِنهُ.

21:30Page 324

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠

Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?

﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَجْهِيلٌ لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ في التَّدَبُّرِ في الآَياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى اسْتَقالِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ، وكَوْنُ جَمِيعِ ما سِواهُ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ. وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ، الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا﴾ أيْ: جُمِعَتا السَّمَواتِ والأرْضِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ .

﴿رَتْقًا﴾ الرَّتْقُ: الضَّمُّ والِالتِحامُ، والمَعْنى: إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ هو بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: كانَتا ذَواتَيْ رَتْقٍ، أوْ مَرْتُوقَتَيْنِ. وقُرِئَ: "رَتْقًا شَيْئًا رَتْقًا" أيْ: مَرْتُوقًا.

﴿فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وقَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزَمَيْنِ، فَفَصَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما، ورَفَعَ السَّماءَ إلى حَيْثُ هي، وأقَرَّ الأرْضَ. وقالَ كَعْبٌ: خَلْقَ اللَّهُ تَعالى السَّمَواتِ والأرْضِ مُلْتَصِقَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا فَتَوَسَّطَتْها فَفَتَقَتْها. وعَنِ الحَسَنِ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها، ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّمَواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها، وبَسَطَ مِنها الأرْضَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ وقالَ مُجاهِدٌ، والسَّدِّيُّ: كانَتِ السَّمَواتُ مُرْتَتِقَةً طَبْعَةً واحِدَةً، فَفَتْقَها فَجَعَلَها سَبْعَ سَماواتٍ، وكَذَلِكَ الأرْضُ كانَتْ مُرْتَفِعَةً طَبْعَةً واحِدَةً، فَفَتْقَها فَجَعَلَها سَبْعَ أرْضِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في (p-65)رِوايَةِ عَطاءٍ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ السَّمَواتِ كانَتْ رَتْقًا مُسْتَوِيَةً صُلْبَةً لا تُمْطِرُ، والأرْضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ السَّماءَ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِالنَّباتِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالسَّماواتِ: السَّماءَ الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الآَفاقِ أوِ السَّماواتِ جَمِيعًا عَلى أنَّ لَها مَدْخَلًا في الأمْطارِ، وعَلِمَ الكَفَرَةُ الرَّتْقَ والفَتْقَ بِهَذا المَعْنى مِمّا لا سِتْرَةَ بِهِ. وأمّا بِالمَعانِي الأُوَلِ فَهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوهُما لَكِنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مَن عِلْمِها إمّا بِطْرِيقِ النَّظَرِ والتَّفْكِيرِ فَإنَّ الفَتْقَ عارِضٌ مُفْتَرِقٌ إلى مُؤَثِّرٍ قَدِيمٍ، وإمّا بِالِاسْتِفْسارِ مِنَ العُلَماءِ ومُطالَعَةِ الكُتُبِ.

﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ: خَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ مَوادِّهِ أوْ لِفَرْطِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وانْتِفاعِهِ بِهِ أوْ صَيَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ مِنَ الماءِ، أيْ: بِسَبَبٍ مِنهُ لا بُدَّ لَهُ مِن ذَلِكَ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ بِهِ، لا لِمُجَرَّدِ أنَّ المَفْعُولَيْنِ في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وحَقُّ الخَبَرِ عِنْدَ كَوْنِهِ ظَرْفًا أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى المُبْتَدَإ، فَإنَّ ذَلِكَ مُصَحِّحٌ مَحْضٌ مُرَجِحٌ. وقُرِئَ: "حَيًّا" عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كُلِّ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، والظَّرْفُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ والتَّشَوُّقِ إلى المُؤَخَّرِ.

﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ إنْكارٌ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ وحْدَهُ مَعَ ظُهُورِ ما يُوجِبُهُ حَتْمًا مِنَ الآَياتِ الآَفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَفَرُّدِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالأُلُوهِيَّةِ، وعَلى كَوْنِ ما سِواهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ مَقْهُورَةً تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وقدرته. والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الإنْكارُ السّابِقُ، أيْ: أيَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يُؤْمِنُونَ ؟ .

21:31Page 324

وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١

And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.

﴿وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، جَمْعُ راسِيَةٍ مِن رَسا الشَّيْءُ: إذا ثَبَتَ ورَسَخَ، ووَصْفٌ جَمَعَ المُذَكَّرَ يَجْمَعُ المُؤَنَّثَ في غَيْرِ العُقَلاءِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: "أشْهُرٌ مَعْلُوماتٍ" و" أيّامًا مَعْدُودات " .

﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَتَحَرَّكَ وتَضْطَرِبَ بِهِمْ، أوْ لِئَلّا تَمِيدَ بِهِمْ بِحَذْفِ اللّامِ، ولا لِعَدَمِ الإلْباسِ.

﴿وَجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ: في الأرْضِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِاخْتِلافِ المَجْعُولِينَ ولِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، أوْ في الرَّواسِي لِأنَّها المُحْتاجَةُ إلى الطَّرُقِ.

﴿فِجاجًا﴾ مَسالِكَ واسِعَةً، وإنَّما قُدِّمَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبُلا﴾ وهو وصْفٌ لَهُ لِيَصِيرَ حالًا، فَيُفِيدُ أنَّهُ تَعالى حِينَ خَلَقَها كَذَلِكَ أوْ لِيُبْدِلَ مِنها سُبُلًا، فَيَدُلُّ ضِمْنًا عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَها ووُسَّعَها لِلسّابِلَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوْكِيدِ.

﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى مَصالِحِهِمْ ومَهَمّاتِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском