Abu as-Su'udAl‑Anbya · 21:78–95

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:78–95

21:78Page 328

وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ ٧٨

And [mention] David and Solomon, when they judged concerning the field - when the sheep of a people overran it [at night],1 and We were witness to their judgement.

﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى نُوحًا مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ، وإمّا لِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ذَلِكَ العامِلِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَحْكُمانِ﴾ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ حِكايَةٌ لِلْحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، أيِ: اذْكُرْ خَبَرَهُما وقْتَ حُكْمِهِما ﴿فِي الحَرْثِ﴾ أيْ: في حَقِّ الزَّرْعِ، أوِ الكَرَمِ المُتَدَلِّي عَنّا قَيْدُهُ كَما قِيلَ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُما.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نَفَشَتْ﴾ أيْ: تَفَرَّقَتْ وانْتَشَرَتْ ﴿فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ﴾ لَيْلًا بِلا راعٍ فَرَعَتْهُ وأفْسَدَتْهُ، ظَرْفٌ لِلْحُكْمِ.

﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ﴾ أيْ: لِحُكْمِ الحاكِمِينَ والمُتَحاكِمِينَ إلَيْهِما، فَإنَّ الإضافَةَ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصاصِ المُنْتَظِمِ لِاخْتِصاصِ القِيامِ واخْتِصاصِ الوُقُوعِ. وقُرِئَ: "لِحُكْمِهِما" .

﴿شاهِدِينَ﴾ حاضِرِينَ عِلْمًا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِلْحُكْمِ ومُفِيدٌ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ.

21:79Page 328

فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩

And We gave understanding of it [i.e., the case] to Solomon, and to each [of them] We gave judgement and knowledge. And We subjected the mountains to exalt [Us], along with David and [also] the birds. And We were doing [that].1

(p-79)﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَحْكُمانِ" فَإنَّهُ في حُكْمِ الماضِي، وقُرِئَ: "فَأفْهَمْناها"، والضَّمِيرُ لِلْحُكُومَةِ أوِ الفُتْيا. رُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلانِ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ غَنَمَ هَذا دَخَلَتْ في حَرْثِي لَيْلًا فَأفْسَدَتْهُ فَقَضى لَهُ بِالغَنَمِ، فَخَرَجا فَمَرّا عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَراهُ بِذَلِكَ، فَقالَ: غَيْرُ هَذا أرْفَقُ بِالفَرِيقَيْنِ، فَسَمِعَهُ داوُدُ فَدَعاهُ، فَقالَ لَهُ: بِحَقِّ البُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ إلّا أخْبَرْتِنِي بِالَّذِي أرْفُقُ بِالفَرِيقَيْنِ. فَقالَ: أرى أنْ تُدْفَعَ الغَنَمُ إلى صاحِبِ الأرْضِ لَيَنْتَفِعَ بَدَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها، والحَرْثُ إلى أرْبابِ الغَنَمِ لَيَقُومُوا عَلَيْهِ حَتّى يَعُودَ إلى ما كانَ ثُمَّ يَتَرادّا، فَقالَ: القَضاءُ ما قَضَيْتَ وأمْضى الحُكْمَ بِذَلِكَ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ حُكْمَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانَ بِالِاجْتِهادِ، فَإنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ هَذا أرْفَقُ بِالفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أرى أنْ تُدْفَعَ ... إلَخِ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، وإلّا لَبَتَّ القَوْلَ بِذَلِكَ، ولَما ناشَدَهُ داوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ لِإظْهارِ ما عِنْدَهُ بَلْ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَظْهَرَهُ بَدْءٌ أوْ حَرُمَ عَلَيْهِ كَتْمُهُ، ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ القَضاءُ السّابِقُ أيْضًا كَذَلِكَ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ نَقْضِ حُكْمِ النَّصِّ بِالِاجْتِهادِ، بَلْ أقُولُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: إنَّ رَأْيَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِحْسانٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: أرْفَقُ بِالفَرِيقَيْنِ، ورَأْيُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِياسٌ، كَما أنَّ العَبْدَ إذا جَنى عَلى النَّفْسِ يَدْفَعُهُ المَوْلى عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أوْ يَفْدِيهِ ويَبِيعُهُ في ذَلِكَ أوْ يَفْدِيهِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قِيمَةِ الحَرْثِ وقِيمَةِ الغَنَمِ تَفاوُتٌ. وأمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اسْتَحْسَنَ حَيْثُ جَعَلَ الِانْتِفاعَ بِالغَنَمِ بِإزاءِ ما فاتَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالحَرْثِ مِن غَيْرِ أنْ يَزُولَ مُلْكُ المالِكِ عَنِ الغَنَمِ، وأوْجَبَ عَلى صاحِبِ الغَنَمِ أنْ يَعْمَلَ في الحَرْثِ إلى أنْ يَزُولَ الضَّرَرُ الَّذِي أتاهُ مِن قِبَلِهِ، كَما قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ فِيمَن عَصَبَ عَبْدًا فَأبِقَ مِنهُ أنَّهُ يَضْمَنُ القِيمَةَ فَيَنْتَفِعُ بِها المَغْصُوبُ مِنهُ بِإزاءِ ما فَوَّتَهُ الغاصِبُ مِنَ المَنافِعِ، فَإذا ظَهَرَ الآَبِقُ تَرادًّا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ دَلِيلٌ عَلى رُجْحانِ قَوْلِهِ، ورُجُوعُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ مَعَ أنَّ الحُكْمَ المَبْنِيَّ عَلى الِاجْتِهادِ يَنْقُضُ بِاجْتِهادٍ آَخَرَ وإنْ كانَ أقْوى مِنهُ لِما أنَّ ذَلِكَ مِن خَصائِصِ شَرِيعَتِنا، عَلى أنَّهُ ورَدَ في الأخْبارِ أنْ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بَتَّ الحُكْمَ في ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ مِن سُلَيْمانَ ما سَمِعَ. وأمّا حُكْمُ المَسْألَةِ في شَرِيعَتِنا فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لا ضَمانَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَها سائِقٌ أوْ قائِدٌ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَجِبُ الضَّمانُ لَيْلًا لا نَهارًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ لِدَفْعِ ما عَسى يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْهِيمِ مِن عَدَمِ كَوْنِ حُكْمِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما آَتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا كَثِيرًا لا سُلَيْمانَ وحْدَهُ، وهَذا إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ خَطَأ المُجْتَهِدِ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا، وقِيلَ: بَلْ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وهو مُخالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾، ولَوْلا النَّقْلُ لاحْتُمِلَ تَوافُقُهُما عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ لِإظْهارِ ما تَفَضَّلَ عَلَيْهِ في صِغَرِهِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حِينَئِذٍ ابْنُ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً.

﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يَخْتَصُّ بِكُلٍّ مِنهُما مِن كَرامَتِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ كَرامَتِهِ العامَّةِ لَهُما ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَعَهُ بِصَوْتٍ يَتَمَثَّلُ لَهُ، أوْ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيها الكَلامَ. وقِيلَ: يَسِرْنَ مَعَهُ مِنَ السِّباحَةِ، (p-80)وَهُوَ حالٌ مِنَ الجِبالِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّسْخِيرِ، ومَعَ "مُتَعَلِّقَةٌ" بِالتَّسْخِيرِ، وقِيلَ: بِالتَّسْبِيحِ وهو بَعِيدٌ.

﴿والطَّيْرَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجِبالِ أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: والطَّيْرُ مُسَخَّراتٌ، وقِيلَ: عَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في "يَسْبَحْنَ" وفِيهِ ضَعْفٌ لِعَدَمِ التَّأْكِيدِ والفَصْلِ.

﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ: مِن شَأْنِنا أنْ نَفْعَلَ أمْثالَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنّا وإنْ كانَ بَدِيعًا عِنْدَكم.

21:80Page 328

وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠

And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?

﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ أيْ: عَمَلَ الدِّرْعِ وهو في الأصْلِ اللِّباسُ.

قالَ قائِلُهم:

؎ البِسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها ∗∗∗ إمّا نَعِيمَها وإمّا بُؤْسَها

وَقِيلَ: كانَتْ صَفائِحُ فَحَلَقَها وسَرَدَها ﴿لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَّمْنا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةُ لَبُوسٍ.

﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أيِ: اللَّبُوسُ بِتَأْوِيلِ الدِّرْعِ. وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ "لِلَّبُوسِ" . وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "لَكُمْ" بِإعادَةِ الجارِّ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الِاخْتِصاصِ والمَنفَعَةِ المُسْتَفادَةِ مِن لامِ "لَكُمْ" .

﴿مِن بَأْسِكُمْ﴾ قِيلَ: مِن حَرْبِ عَدُوِّكم، وقِيلَ: مِن وقْعِ السِّلاحِ فِيكم.

﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أمْرٌ وارِدٌ عَلى صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلْمُبالَغَةِ أوِ التَّقْرِيعِ.

21:81Page 328

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١

And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.

﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ: وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وإيرادُ اللّامِ هَهُنا دُونَ الأوَّلِ للدَّلالَةِ عَلى ما بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ تَسْخِيرَ ما سَخَّرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرِّيحِ وغَيْرِها كانَ بِطَرِيقِ الِانْقِيادِ الكُلِّيِّ لَهُ، والِامْتِثالِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ والمَقْهُورِيَّةِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ، وأمّا تَسْخِيرُ الجِبالِ والطَّيْرِ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ بَلْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاقْتِداءِ بِهِ في عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وعَلا.

﴿عاصِفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّيحِ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ المُقَدَّرُ، أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ حالَ كَوْنِها شَدِيدَةَ الهُبُوبِ مِن حَيْثُ أنَّها كانَتْ تَبْعُدُ بِكُرْسِيِّهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الزَّمانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ وكانَتْ رُخاءً في نَفْسِها طَيِّبَةً، وقِيلَ: كانَتْ رُخاءً تارَةً وعاصِفَةً أُخْرى حَسْبَ إرادَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقُرِئَ: "الرِّيحُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ وعاصِفَةً حِينَئِذٍ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ، والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقُرِئَ: "الرِّياحُ" نَصْبًا ورَفْعًا.

﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ، حالٌ ثانِيَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأُولى أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها.

﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي الشّامُ رَواحًا بَعْدَ ما سارَ بِهِ مِنهُ بُكْرَةً. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ يَرْكَبُونَ عَلَيْها مِنِ اصْطَخَرَ إلى الشّامِ، وإلى حَيْثُ شاءَ ثُمَّ يَعُودُ إلى مَنزِلِهِ.

﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ فَنَجْزِيهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.

21:82Page 329

وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢

And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1

﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البِحارِ ويَسْتَخْرِجُونَ لَهُ مِن نَفائِسِها. وقِيلَ: "مَن" رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما قَبْلَهُ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ.

﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ واخْتِراعِ الصَّنائِعِ الغَرِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ ...﴾ الآَيَةِ. وهَؤُلاءِ أمّا الفِرْقَةُ الأُولى أوْ غَيْرُها لِعُمُومِ كَلِمَةِ "مَن"، كَأنَّهُ قِيلَ: "وَمَن يَعْمَلُونَ" وجَمْعُ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْها بِاعْتِبارِ مَعْناها بَعْدَ ما رُشِّحَ جانِبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ رُوِيَ أنَّ المُسَخَّرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كُفّارُهم (p-81)لا مُؤْمِنُوهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أيْ: مِن أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ أوْ يُفْسِدُوا عَلى ما هو مُقْتَضى جِبِلَّتِهِمْ. قِيلَ: وكَّلَ بِهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ وجَمْعًا مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوا، وكانَ دَأْبُهم أنْ يُفْسِدُوا بِاللَّيْلِ ما عَمِلُوهُ بِالنَّهارِ.

21:83Page 329

۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣

And [mention] Job, when he called to his Lord, "Indeed, adversity has touched me, and You are the most merciful of the merciful."

﴿وَأيُّوبَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ أيْ: واذْكُرْ خَبَرَ أيُّوبَ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي﴾ أيْ: بِأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ، والضُّرُّ شائِعٌ في كُلِّ ضَرَرٍ، وبِالضَّمِّ خاصٌّ بِما في النَّفْسِ مِن مَرَضٍ وهُزالٍ ونَحْوِهِما.

﴿وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وصَفَهُ تَعالى بِغايَةِ الرَّحْمَةِ بَعْدَ ما ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُها واكْتَفى بِهِ عَنْ عَرْضِ المَطْلَبِ لُطْفًا في السُّؤالِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ رُومِيًّا مِن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، اسْتَسْبَأهُ اللَّهُ تَعالى وكَثُرَ أهْلُهُ ومالُهُ، فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَلاكِ أوْلادِهِ بِهَدْمِ بَيْتٍ عَلَيْهِمْ وذَهابِ أمْوالِهِ، والمَرَضُ في بَدَنِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعًا وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وسَبْعَةَ أيّامٍ وسَبْعَ ساعاتٍ. رُوِيَ أنَّ امْرَأتَهُ ماخِيرَ بِنْتُ مِيشا بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ رَحْمَةُ بِنْتُ إفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ قالَتْ لَهُ يَوْمًا: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ: كَمْ كانَتْ مُدَّةُ الرَّخاءَ ؟ فَقالَتْ: ثَمانِينَ سَنَةً، فَقالَ: اسْتَحِي مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ أدْعُوَهُ وما بَلَغَتْ مُدَّةُ بَلائِي مُدَّةَ رَخائِي. ورُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ أتاها عَلى هَيْئَةٍ عَظِيمَةٍ فَقالَ: أنا إلَهُ الأرْضِ فَعَلْتُ بِزَوْجِكَ ما فَعَلْتُ لِأنَّهُ تَرَكَنِي وعَبَدَ إلَهَ السَّماءِ فَلَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ وعَلَيْكَ جَمِيعَ ما أخَذْتُ مِنكُما. وفي رِوايَةٍ لَوْ سَجَدْتَ لِي سَجْدَةً لَرَجَّعْتُ المالَ والوَلَدَ وعافَيْتُ زَوْجَكَ، فَرَجَعَتْ إلى أيُّوبَ وكانَ مُلْقًى في الكُناسَةِ لا يَقْرُبُ مِنهُ أحَدٌ فَأخْبَرَتْهُ بِالقِصَّةِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَأنَّكَ افْتُتِنْتَ بِقَوْلِ اللَّعِينِ، لَئِنْ عافانِيَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأضْرِبَنَّكَ مِائَةَ سَوْطٍ وحَرامٌ عَلَيَّ أنَّ أذُوقَ بَعْدَ هَذا شَيْئًا مِن طَعامِكَ وشَرابِكَ فَطَرَدَها، فَبَقِيَ طَرِيحًا عَلى الكُناسَةِ لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَّ ساجِدًا فَقالَ: "رَبِّ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ " فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ مِن تَحْتِهِ عَيْنُ ماءٍ فاغْتَسَلَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ دابَّةٌ إلّا سَقَطَتْ، ولا جِراحَةٌ إلّا بَرِئَتْ، ثُمَّ رَكَضَ مَرَّةً أُخْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها، فَلَمْ يَبْقَ في جَوْفِهِ داءٌ إلّا خَرَجَ وعادَ صَحِيحًا.

21:84Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤

So We responded to him and removed what afflicted him of adversity. And We gave him [back] his family and the like thereof with them as mercy from Us and a reminder for the worshippers [of Allāh].

وَرَجَعَ إلَيْهِ شَبابُهُ وجَمالُهُ ثُمَّ كُسِيَ حُلَّةً وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ فَلَمّا قامَ جَعَلَ يَلْتَفِتُ فَلا يَرى شَيْئًا مِمّا كانَ لَهُ مِنَ الأهْلِ والمالِ إلّا وقَدْ ضاعَفَهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ بِأنْ وُلِدَ لَهُ ضِعْفُ ما كانَ، ثُمَّ إنَّ امْرَأتَهُ قالَتْ في نَفْسِها هَبْ أنَّهُ طَرَدَنِي أفَأتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا ويَأْكُلَهُ السِّباعُ لَأرْجِعَنَّ إلَيْهِ، فَلَمّا رَجَعَتْ ما رَأتْ تِلْكَ الكُناسَةَ ولا تِلْكَ الحالَ وقَدْ تَغَيَّرَتِ الأُمُورُ فَجَعَلَتْ تَطُوفُ حَيْثُ كانَتِ الكُناسَةُ وتَبْكِي وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أنْ (p-82)تَأْتِيَهُ وتَسْألَ عَنْهُ، فَأرْسَلَ إلَيْها أيُّوبُ ودَعاها فَقالَ: ما تُرِيدِينَ يا أمَةَ اللَّهِ ؟ فَبَكَتْ وقالَتْ: أُرِيدُ ذَلِكَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ مُلْقًى عَلى الكُناسَةِ، قالَ لَها: ما كانَ مِنكِ، فَبَكَتْ وقالَتْ: بَعْلِي، قالَ: أتَعْرِفِينَهُ إذا رَأيْتِهِ، قالَتْ: وهَلْ يَخْفى عَلَيَّ ؟ فَتَبَسَّمَ فَقالَ: أنا ذَلِكَ، فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ فاعْتَنَقَتْهُ.

﴿رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أيْ: آَتَيْناهُ ما ذَكَرَ لِرَحْمَتِنا أيُّوبَ وتَذْكِرَةً لِغَيْرِهِ مِنَ العابِدِينَ لَيَصْبِرُوا كَما صَبَرَ فَيُثابُوا كَما أُثِيبَ، أوْ لِرَحْمَتِنا العابِدِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أيُّوبُ وذِكْرِنا إيّاهم بِالإحْسانِ وعَدَمِ نِسْيانِنا لَهم.

21:85Page 329

وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٨٥

And [mention] Ishmael and Idrees and Dhul-Kifl; all were of the patient.

﴿وَإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ﴾ أيْ: واذْكُرْهم، وذُو الكِفْلِ: إلْياسُ، وقِيلَ: يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وقِيلَ: زَكَرِيّا، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ كانَ ذا حَظٍّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ تَكَفَّلَ مِنهُ أوْ ضِعْفِ عَمَلِ أنْبِياءِ زَمانِهِ وثَوابِهِمْ، فَإنَّ الكِفْلَ يَجِيءُ بِمَعْنى النَّصِيبِ والكَفالَةِ والضِّعْفِ.

﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ وشَدائِدِ النُّوَبِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِهِمْ.

21:86Page 329

وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٦

And We admitted them into Our mercy. Indeed, they were of the righteous.

﴿وَأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا﴾ أيْ: في النُّبُوَّةِ، أوْ في نِعْمَةِ الآَخِرَةِ ﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الصَّلاحِ الكامِلِ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ الفَسادِ، وهُمُ الأنْبِياءُ فَإنَّ صَلاحَهم مَعْصُومٌ مِن كَدَرِ الفَسادِ.

21:87Page 329

وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧

And [mention] the man of the fish [i.e., Jonah], when he went off in anger1 and thought that We would not decree [anything] upon him.2 And he called out within the darknesses,3 "There is no deity except You; exalted are You. Indeed, I have been of the wrongdoers."

﴿وَذا النُّونِ﴾ أيْ: واذْكُرْ صاحِبَ الحُوتِ، وهو يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ أيْ: مُراغِمًا لِقَوْمِهِ لَمّا بَرَمَ مِن طُولِ دَعْوَتِهِ إيّاهم وشَدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَمادِي إصْرارِهِمْ مُهاجِرًا عَنْهم قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ. وقِيلَ: وعَدَهم بِالعَذابِ فَلَمْ يَأْتِهِمْ لِمِيعادِهِمْ بِتَوْبَتِهِمْ، ولَمْ يَعْرِفِ الحالَ فَظَنَّ أنَّهُ كَذَّبَهم فَغَضِبَ مِن ذَلِكَ، وهو مِن بِناءِ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّهُ أغْضَبَهم بِالمُهاجَرَةِ لِخَوْفِهِمْ لُحُوقُ العَذابِ عِنْدَها. وقُرِئَ: "مُغْضَبًا" .

﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ، أوْ لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالعُقُوبَةِ مِنَ القَدْرِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ مُشَدَّدًا، أوْ لَنْ نُعْمِلَ فِيهِ قُدْرَتَنا، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِحالِهِ بِحالِ مَن يَظُنُّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، أيْ: نُعامِلُهُ مُعامَلَةَ مَن يَظُنُّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في مُراغَمَتِهِ قَوْمَهُ مِن غَيْرِ انْتِظارٍ لِأمْرِنا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أيْ: نُعامِلُهُ مُعامَلَةَ مَن يَحْسَبُ ذَلِكَ، وقِيلَ: خَطِرَةٌ شَيْطانِيَّةٌ سَبَقَتْ إلى وهْمِهِ فَسُمِّيَتْ ظَنًّا لِلْمُبالَغَةِ. وقُرِئَ بِالياءِ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

﴿فَنادى﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَكانَ ما كانَ مِنَ المُساهَمَةِ والتِقامِ الحُوتِ فَنادى ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ: في الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ، أوْ في ظُلُماتِ بَطْنِ الحُوتِ والبَحْرِ واللَّيْلِ. وقِيلَ: ابْتَلَعَ حُوتَهُ حُوتٌ أكْبَرُ مِنهُ فَحَصَلَ في ظُلْمَتَيْ بَطْنَيِ الحُوتَيْنِ وظُلْمَتَيِ البَحْرِ واللَّيْلِ.

﴿أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ﴾ أيْ: بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّ "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن "أنَّ" وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أوْ أيْ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ.

﴿سُبْحانَكَ﴾ أُنَزِّهُكَ تَنْـزِيهًا لائِقًا بِكَ مِن أنْ يُعْجِزَكَ شَيْءٌ، أوْ أنْ يَكُونَ ابْتِلائِي بِهَذا بِغَيْرِ سَبَبٍ (p-83)مِن جِهَتِي ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْهِلْكَةِ حَيْثُ بادَرَتْ إلى المُهاجَرَةِ.

21:88Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨

So We responded to him and saved him from the distress. And thus do We save the believers.

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ الَّذِي دَعاهُ في ضِمْنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿ما مِن مَكْرُوبٍ يَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ .

﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ بِأنَّ قَذْفَهُ الحُوتَ إلى السّاحِلِ بَعْدَ أرْبَعِ ساعاتٍ كانَ فِيها في بَطْنِهِ، وقِيلَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ. وقِيلَ: الغَمُّ غَمُّ الِالتِقامِ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ.

﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْجاءِ الكامِلِ ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ مِن غُمُومٍ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى فِيها بِالإخْلاصِ لا إنْجاءَ أدْنى مِنهُ. وفي الإمامِ "نَجّى"، فَلِذَلِكَ أخْفى الجَماعَةُ النُّونَ الثّانِيَةَ فَإنَّها تَخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِّ. وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ "نُنَجِّي" فَحُذِفَتِ الثّانِيَةُ كَما حُذِفَتِ التّاءُ في تَظاهَرُونَ، وهي وإنْ كانَتْ فاءً فَحَذْفُها أوْقَعُ مِن حَذْفِ حَرْفِ المُضارَعَةِ الَّتِي لِمَعْنًى ولا يَقْدَحُ فِيهِ اخْتِلافُ حَرَكَتَيِ النُّونَيْنِ، فَإنَّ الدّاعِيَ إلى الحَذْفِ اجْتِماعُ المِثْلَيْنِ مَعَ تَعَذُّرِ الإدْغامِ وامْتِناعُ الحَذْفِ في تَتَجافى لِخَوْفِ اللَّبْسِ، وقِيلَ: هو ماضٍ مَجْهُولٌ أُسْنِدَ إلى ضَمِيرِ المَصْدَرِ وسُكِّنَ آَخِرُهُ تَخْفِيفًا، ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُسْنَدُ إلى المَصْدَرِ والمَفْعُولِ مَذْكُورٌ والماضِي لا يَسْكُنُ آَخِرُهُ.

21:89Page 329

وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩

And [mention] Zechariah, when he called to his Lord, "My Lord, do not leave me alone [with no heir], while You are the best of inheritors."

﴿وَزَكَرِيّا﴾ أيْ: واذْكُرْ خَبَرَهُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ وقالَ ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أيْ: وحِيدًا بِلا ولَدٍ يَرِثُنِي ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ فَحَسْبِي أنْتَ إنْ لَمْ تَرْزُقْنِي وارِثًا.

21:90Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠

So We responded to him, and We gave to him John, and amended for him his wife. Indeed, they used to hasten to good deeds and supplicate1 Us in hope and fear, and they were to Us humbly submissive.

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِجابَةِ والهِبَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ.

﴿وَأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أيْ: أصْلَحْناها لِلْوِلادَةِ بَعْدَ عُقْرِها، أوْ أصْلَحْناها لِلْمُعاشَرَةِ بِتَحْسِينِ خُلُقِها وكانَتْ حَرِدَةً.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فَصَلَ مِن فُنُونِ إحْسانِهِ تَعالى المُتَعَلِّقَةِ بِالأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، أيْ: كانُوا يُبادِرُونَ في وُجُوهِ الخَيْراتِ مَعَ ثَباتِهِمْ واسْتِقْرارِهِمْ في أصْلِ الخَيْرِ، وهو السِّرُّ في إيثارِ كَلِمَةِ "فِي" عَلى كَلِمَةِ "إلى" المُشْعِرَةِ بِخِلافِ المَقْصُودِ مِن كَوْنِهِمْ خارِجِينَ عَنْ أصْلِ الخَيْراتِ مُتَوَجِّهِينَ إلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ .

﴿وَيَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ ذَوِي رَغَبٍ ورَهَبٍ أوْ راغِبِينَ في الثَّوابِ راجِينَ لِلْإجابَةِ، أوْ في الطّاعَةِ وخائِفِينَ العِقابَ، أوِ المَعْصِيَةَ أوْ لِلرَّغَبِ والرَّهَبِ.

﴿وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ أيْ: مُخْبِتِينَ مُتَضَرِّعِينَ أوْ دائِمِي الوَجَلِ، والمَعْنى: أنَّهم نالُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى ما نالُوا بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ.

21:91Page 330

وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١

And [mention] the one who guarded her chastity [i.e., Mary], so We blew into her [garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and We made her and her son a sign for the worlds.

﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أيِ: اذْكُرْ خَبَرَ الَّتِي أحْصَنَتْهُ عَلى الإطْلاقِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالمَوْصُولِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها وتَنْـزِيهِها عَمّا زَعَمُوهُ في حَقِّها آَثَرَ ذِي أثِيرٍ ﴿فَنَفَخْنا فِيها﴾ أيْ: أحْيَيْنا عِيسى في جَوْفِها ﴿مِن رُوحِنا﴾ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي هو مِن أمْرِنا، وقِيلَ: فَعَلْنا النَّفْخَ فِيها مِن جِهَةِ رُوحِنا جِبْرِيلَ (p-84)عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وَجَعَلْناها وابْنَها﴾ أيْ: قِصَّتُهُما أوْ حالُهُما ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَإنَّ مَن تَأْمَّلَ حالَهُما تَحَقَّقَ كَمالَ قدرته عَزَّ وجَلَّ. فالمُرادُ بِالآَيَةِ ما حَصَلَ بِهِما مِنَ الآَيَةِ التّامَّةِ مَعَ تَكاثُرِ آَياتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالآَيَةِ الجِنْسَ الشّامِلَ لِما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الآَياتِ المُسْتَقِلَّةِ، وقِيلَ: المَعْنى: وجَعَلْناها آَيَةً وابْنَها آَيَةً فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها.

21:92Page 330

إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢

Indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so worship Me.

﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيْ: مِلَّةَ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، أُشِيرَ إلَيْها بِهَذِهِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ظُهُورِ أمْرِها في الصِّحَّةِ والسَّدادِ.

﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ: مِلَّتُكُمُ الَّتِي يَجِبُ أنْ تُحافِظُوا عَلى حُدُودِها وتُراعُوا حُقُوقَها ولا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها، والخِطابُ لِلنّاسِ قاطِبَةً.

﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِن "أُمَّتِكُمْ"، أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذْ لا مُشارَكَةَ لِغَيْرِها في صِحَّةِ الِاتِّباعِ ولا احْتِمالَ لِتَبَدُّلِها وتَغَيُّرِها كَفُرُوعِ الشَّرائِعِ المُتَبَدِّلَةِ حَسْبَ تَبَدُّلِ الأُمَمِ والأعْصارِ. وقُرِئَ: "أُمَّتَكُمْ" بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنِ اسْمِ "إنَّ"، و"أُمَّةٌ واحِدَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ. وقُرِئَتا بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ.

﴿وَأنا رَبُّكُمْ﴾ لا إلَهَ لَكم غَيْرِي ﴿فاعْبُدُونِ﴾ خاصَّةً لا غَيْرُ.

21:93Page 330

وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣

And [yet] they divided their affair [i.e., that of their religion] among themselves,1 [but] all to Us will return.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لَيَنْعى عَلَيْهِمْ ما أفْسَدُوهُ مِنَ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ، وجَعْلِ أمْرِهِ قِطَعًا مُوَزَّعَةً ويَنْهى قَبائِحَ أفْعالِهِمْ إلى الآَخَرِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألا تَرَوْنَ إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ في دِينِ اللَّهِ الَّذِي أجْمَعَتْ عَلَيْهِ كافَّةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ؟ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الفِرَقِ المُتَقَطِّعَةِ، أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن آحادِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الفِرَقِ.

﴿إلَيْنا راجِعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِنا، فَنُجازِيهِمْ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، وإيرادُ اسْمِ الفاعِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والتَّحَقُّقِ.

21:94Page 330

فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤

So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort,1 and indeed We [i.e., Our angels], of it, are recorders.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ إلَخِ تَفْصِيلٌ لِلْجَزاءِ، أيْ: فَمَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ أوْ بَعْضًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ: لا حِرْمانَ لِثَوابِ عَمَلِهِ ذَلِكَ. عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالكُفْرانِ الَّذِي هو سَتْرُ النِّعْمَةِ وجُحُودُها لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْهُ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ القَبائِحِ وإبْرازِ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ تَعالى. ونَفى نَفْيِ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْـزِيهِ، وعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ بِالسَّعْيِ لِإظْهارِ الِاعْتِدادِ بِهِ.

﴿وَإنّا لَهُ﴾ أيْ: لِسَعْيِهِ ﴿كاتِبُونَ﴾ أيْ: مُثْبِتُونَ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لا نُغادِرُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا.

21:95Page 330

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥

And it is prohibited to [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return1

﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ أيْ: مُمْتَنِعٌ عَلى أهْلِها غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ مِنهم. وقُرِئَ: "حِرْمٌ" وهي لُغَةٌ كالحِلِّ والحَلالِ.

﴿أهْلَكْناها﴾ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حُكْمَنا بِهِ لِغايَةِ طُغْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ حَرامٌ، أوْ فاعِلٌ لَهُ سادَّ مَسَدَّ خَبَرِهِ، والجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ . وما في "أنَّ" مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ مُعْتَبَرٌ في النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن حَرامٍ لا في المَنفِيِّ، أيْ: مُمْتَنَعٌ البَتَّةَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا لِلْجَزاءِ لا أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمُ المُحَقِّقِ مُمْتَنِعٌ، وتَخْصِيصُ امْتِناعِ عَدَمِ رُجُوعِها بِالذِّكْرِ مَعَ شُمُولِ (p-85)الِامْتِناعِ لِعَدَمِ رُجُوعِ الكُلِّ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ والرُّجُوعِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: مُمْتَنَعٌ رُجُوعُهم إلى التَّوْبَةِ عَلى أنَّ "لا" صِلَةٌ. وقُرِئَ: "إنَّهم لا يَرْجِعُونَ" بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما قَبْلَهُ، فَحَرامٌ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: حَرامٌ عَلَيْها ذَلِكَ، وهو ما ذُكِرَ في الآَيَةِ السّابِقَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ المَشْفُوعِ بِالإيمانِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ، ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، فَكَيْفَ لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ ؟ ويَجُوزُ حَمْلُ المَفْتُوحَةِ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى بِحَذْفِ اللّامِ عَنْها، أيْ: لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском