Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:11–27
22:11Page 333
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١
And of the people is he who worships Allāh on an edge.1 If he is touched by good, he is reassured by it; but if he is struck by trial, he turns on his face [to unbelief]. He has lost [this] world and the Hereafter. That is what is the manifest loss.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُذَبْذَبِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ المُجاهِرِينَ، أيْ: ومِنهم مَن يَعْبُدُهُ تَعالى عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ لِإثْباتٍ لَهُ فِيهِ، كالَّذِي يَنْحَرِفُ إلى طَرَفِ الجَيْشِ فَإنْ أحَسَّ بِظَفَرٍ كَرَّ وإلّا فَرَّ.
﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ﴾ أيْ: دُنْيَوِيٌّ مِنَ الصِّحَّةِ والسَّعَةِ ﴿اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ظاهِرًا، لا أنَّهُ اطْمَأنَّ بِهِ اطْمِئْنانَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَلْوِيهِمْ عَنْهُ صارِفٌ ولا يَثْنِيهِمْ عاطِفٌ.
﴿وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ يُفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يَعْتَرِيهِ في نَفْسِهِ أوْ أهْلِهِ أوْ مالِهِ.
﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أعارِيبَ قَدِمُوا المَدِينَةَ، وكانَ أحَدُهم إذا صَحَّ بَدَنُهُ ونَتَجَتْ فَرَسُهُ مُهْرًا سَرِيًّا ووَلَدَتِ امْرَأتُهُ ولَدًا سَوِيًّا وكَثُرَ مالُهُ وماشِيَتُهُ قالَ: ما أصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِي هَذا إلّا خَيْرًا واطْمَأنَّ، وإنْ كانَ الأمْرُ بِخِلافِهِ قالَ: ما أصَبْتُ إلّا شَرًّا وانْقَلَبَ. وعَنْأبِي سَعِيدٍ الخَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ يَهُودِيًّا أسْلَمَ فَأصابَتْهُ مَصائِبُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أقِلْنِي، فَقالَ ﷺ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ فَنَـزَلَتْ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم.
﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ فَقْدَهُما وضَيَّعَهُما بِذَهابِ عِصْمَتِهِ وحُبُوطِ عَمَلِهِ بِالِارْتِدادِ. وقُرِئَ: "خاسِرَ" بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، والرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ووَضَعَ مَوْضِعِ الضَّمِيرِ (p-98)تَنْصِيصًا عَلى خُسْرانِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الخُسْرانِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ.
﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ الواضِحُ كَوْنُهُ خُسْرانًا إذْ لا خُسْرانَ مِثْلُهُ.
22:12Page 333
يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٢
He invokes instead of Allāh that which neither harms him nor benefits him. That is what is the extreme error.
﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِعِظَمِ الخُسْرانِ، أيْ: يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى ﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾ إذا لَمْ يَعْبُدْهُ ﴿وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ إنْ عَبَدَهُ، أيْ: جَمادًا لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضُّرُّ والنَّفْعُ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَكْرِيرُ كَلِمَةِ "ما" .
﴿ذَلِكَ﴾ الدُّعاءُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ عَنِ الحَقِّ والهُدى. مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَنِ اُبْعِدَ في التِّيهِ ضالًّا عَنِ الطَّرِيقِ.
22:13Page 333
يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ ١٣
He invokes one whose harm is closer than his benefit - how wretched the protector and how wretched the associate.
﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَآلِ دُعائِهِ المَذْكُورِ وتَقْرِيرِ كَوْنِهِ ضَلالًا بَعِيدًا مَعَ إزاحَةِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن نَفْيِ الضَّرَرِ عَنْ مَعْبُودِهِ بِطَرِيقِ المُباشَرَةِ نَفْيُهُ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ أيْضًا، فالدُّعاءُ بِمَعْنى القَوْلِ واللّامُ داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ مَقُولًا لَهُ، و"مَن" مُبْتَدَأٌ، و"ضَرُّهُ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ خَبَرُهُ "أقْرَبُ" والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ هو وجَوابُهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ، وإيثارُ "مَن" عَلى "ما" مَعَ كَوْنِ مَعْبُودِهِ جَمادًا وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِ والإمْعانِ في ذَمِّهِ، أيْ: يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِدُعاءٍ وصُراخٍ حِينَ يَرى تَضَرُّرَهُ بِمَعْبُودِهِ ودُخُولَهُ النّارَ بِسَبَبِهِ ولا يُرى مِنهُ أثَرُ النَّفْعِ أصْلًا لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مَن نَفْعِهِ: واللَّهِ لَبِئْسَ النّاصِرُ هو ولَبِئْسَ الصّاحِبُ هو، فَكَيْفَ بِما هو ضَرَرٌ مَحْضٌ عارٍ عَنِ النَّفْعِ بِالكُلِّيَّةِ ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَدْعُو" الثّانِي إعادَةً لِلْأوَّلِ لا تَأْكِيدَ لَهُ فَقَطْ، بَلْ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن بَيانِ سُوءِ حالِ مَعْبُودِهِ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ عِبادَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ" كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ عِبادَتِهِ لِما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو ذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: واللَّهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ، فَكَلِمَةُ "مَن" وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لِلتَّهَكُّمِ بِهِ، وقِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ، و"مَن" مَفْعُولُ يَدْعُو. ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِغَيْرِ لامٍ، أيْ: يَعْبُدُ مَن ضَرَّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وإيرادُ كَلِمَةِ "مَن" وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ تَهَكُّمٌ بِهِ أيْضًا، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
22:14Page 333
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤
Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. Indeed, Allāh does what He intends.
﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ كَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ العابِدِينَ لَهُ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِما لا غايَةَ وراءَهُ مِن أجَلِ المَنافِعِ وأعْظَمِ الخَيْراتِ إثْرَ بَيانِ غايَةِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ ومَآلِهِمْ مِن فَرِيقَيِ المُجاهِرِينَ والمُذَبْذَبِينَ، وأنَّ مَعْبُودَهم لا يُجْدِيهِمْ شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ بَلْ يَضُرُّهم مَضَرَّةً عَظِيمَةً وأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِسُوءِ وِلايَتِهِ وعِشْرَتِهِ ويَذُمُّونَهُ مَذَمَّةً عامَّةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِها الأشْجارُ المُتَكاثِفَةُ السّائِرَةُ لِما تَحْتَها فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، (p-99)أيْ: مِن تَحْتِ أشْجارِها، وإنْ جُعِلْتْ عِبارَةً عَنْ مَجْمُوعِ الأرْضِ والأشْجارِ فاعْتِبارُ التَّحْتِيَّةِ بِالنَّظَرِ إلى الجُزْءِ الظّاهِرِ المُصَحِّحِ لِإطْلاقِ اسْمِ الجَنَّةِ عَلى الكُلِّ كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في أوائِلِ (سُورَةِ البَقَرَةِ ) .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَقْرِيرٌ لَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، أيْ: يَفْعَلُ البَتَّةَ كُلَّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ المُتْقَنَةِ اللّائِقَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الرّائِفَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إثابَةُ مَنِ امَنَ بِهِ وصَدَّقَ رَسُولَهُ ﷺ وعِقابُ مَن أشْرَكَ بِهِ وكَذَّبَ بِرَسُولِهِ ﷺ .
22:15Page 333
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥
Whoever should think that Allāh will not support him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] in this world and the Hereafter - let him extend a rope to the ceiling, then cut off [his breath],1 and let him see: will his effort remove that which enrages [him]?
وَلَمّا كانَ هَذا مِنَ اثارِ نُصْرَتِهِ تَعالى لَهُ ﷺ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَحْقِيقًا لَها وتَقْرِيرًا لِثُبُوتِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وفِيهِ إيجازٌ بارِعٌ واخْتِصارٌ رائِعٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى ناصِرٌ لِرَسُولِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ، فَمَن كانَ يَغِيظُهُ ذَلِكَ مِن أعادِيهِ وحُسّادِهِ ويَظُنُّ أنْ لَنْ يَفْعَلَهُ تَعالى بِسَبَبِ مُدافَعَتِهِ بِبَعْضِ الأُمُورِ ومُباشَرَةِ ما يَرُدُّهُ مِنَ المَكايِدِ فَلْيُبالِغْ في اسْتِفْراغِ المَجْهُودِ ولِيُجاوِزْ في الجِدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ، فَقُصارى أمْرِهِ وعاقِبَةُ مَكْرِهِ أنْ يَخْتَنِقَ حَنَقًا مِمّا يَرى مِن ضَلالِ مَساعِيهِ وعَدَمِ إنْتاجِ مُقَدِّماتِهِ ومَبادِئِهِ.
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ: لَيَخْتَنِقَ مَن قَطَعَ إذا اخْتَنَقَ، لِأنَّهُ يَقْطَعُ نَفَسَهُ بِحَبْسِ مَجارِيهِ. وقِيلَ: لَيَقْطَعَ الحَبْلَ بَعْدَ الِاخْتِناقِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: فَرْضُ القَطْعِ وتَقْدِيرُهُ، كَما أنَّ المُرادَ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾: تَقْدِيرُ النَّظَرِ وتَصْوِيرُهُ، أيْ: فَلْيُصَوِّرْ في نَفْسِهِ النَّظَرَ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ذَلِكَ الَّذِي هو أقْصى ما انْتَهَتْ إلَيْهِ قدرته في بابِ المُضادَّةِ والمُضارَّةِ ما يَغِيظُهُ مِنَ النُّصْرَةِ كُلًّا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلْيَنْظُرِ الآنَ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يُذْهِبُ ما يَغِيظُهُ ؟ وقِيلَ: المَعْنى فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى السَّماءِ المُظِلَّةِ، ولِيَصْعَدْ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَيَقْطَعِ الوَحْيَ، وقِيلَ: لَيَقْطَعَ المَسافَةَ حَتّى يَبْلُغَ عِنانَها فَيَجْتَهِدَ في دَفْعِ نَصْرِهِ. ويَأْباهُ أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيانُ أنَّ الأُمُورَ المَفْرُوضَةَ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها وتَحَقُّقِها بِمَعْزِلٍ مِنَ اِذْهابِ ما يَغِيظُ، ومِنَ البَيِّنِ أنْ لا مَعْنى لِفَرْضِ وُقُوعِ الأُمُورِ المُمْتَنِعَةِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ عَلَيْهِ لاسِيَّما قَطْعُ الوَحْيِ فَإنَّ فَرْضَ وُقُوعِهِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ قَطْعًا. وقِيلَ: كانَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ غَيْظِهِمْ وحَنَقِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ مِنَ النَّصْرِ، وآخَرُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ اتِّباعَهُ ﷺ ويَخْشَوْنَ أنْ لا يَثْبُتَ أمْرُهُ فَنَـزَلَتْ. وقَدْ فُسِّرَ النَّصْرُ بِالرِّزْقِ، فالمَعْنى: أنَّ الأرْزاقَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا تُنالُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى فَلا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنَ الرِّضا بِقِسْمَتِهِ، فَمَن ظَنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ رازِقِهِ ولَمْ يَصْبِرْ ولَمْ يَسْتَسْلِمْ فَلْيَبْلُغْ غايَةَ الجَزَعِ وهو الِاخْتِناقُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَغْلِبُ القِسْمَةَ ولا يَرُدُّهُ مَرْزُوقًا.
22:16Page 334
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦
And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ أيِ: القرآن الكَرِيمُ كُلُّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ:واضِحاتُ الدَّلالَةِ عَلى مَعانِيها الرّائِقَةِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ مُبَيِّنَةٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ.
﴿وَأنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾ بِهِ ابْتِداءً، أوْ يُثَبِّتُ عَلى الهُدى، أوْ يَزِيدُ فِيهِ، ﴿مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتَهُ (p-100)أوْ تَثْبِيتَهُ أوْ زِيادَتَهُ فِيها. ومَحَلُّ الجُمْلَةِ إمّا الجَرُّ عَلى حَذْفِ الجارِّ المُتَعَلِّقِ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، أيْ: ولِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ أنْزَلَهُ كَذَلِكَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: والأمْرُ أنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ هِدايَتَهُ.
22:17Page 334
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧
Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ﴾ قِيلَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النّارَ، وقِيلَ: الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوا عَنْهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: أخَذُوا مِن دِينِ النَّصارى شَيْئًا ومِن دِينِ اليَهُودِ شَيْئًا، وهُمُ القائِلُونَ بِأنَّ لِلْعالَمِ أصْلَيْنِ نُورًا وظُلْمَةً.
﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لـ "إنَّ" السّابِقَةِ، وتَصْدِيرُ طَرَفَيِ الجُمْلَتَيْنِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الفِرَقِ الخَمْسِ المُنْفِقَةِ عَلى مِلَّةِ الكُفْرِ بِإظْهارٍ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ وتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنهُما حَقَّهُ مِنَ الجَزاءِ بِإثابَةِ الأوَّلِ وعِقابِ الثّانِي بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِ أفْرادِ كُلٍّ مِنهُما.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الفَصْلِ، أيْ: عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ومُراقِبٌ لِأحْوالِهِ، ومِن قَضِيَّتِهِ الإحاطَةُ بِتَفاصِيلَ ما صَدَرَ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ وإجْراءُ جَزائِهِ اللّائِقِ بِهِ عَلَيْهِ.
22:18Page 334
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨
Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ إلَخِ بَيانٌ لِما يُوجِبُ الفَصْلَ المَذْكُورَ مِن أعْمالِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ مَعَ الإشارَةِ إلى كَيْفِيَّتِهِ وكَوْنِهِ بِطَرِيقِ التَّعْذِيبِ والإثابَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ إثْرَ بَيانِ ما يُوجِبُهُ مِن كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُهم وأفْعالُهم. والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ: العِلْمُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِها إشْعارٌ بِظُهُورِ المَعْلُومِ والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ بِناءً عَلى أنَّهُ مِنَ الجَلاءِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ. والمُرادُ بِالسُّجُودِ: هو الِانْقِيادُ التّامُّ لِتَدْبِيرِهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشَبُّهِهِ بِأكْمَلِ أفْعالِ المُكَلَّفِ في بابِ الطّاعَةِ إيذانًا بِكَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ التَّسَخُّرِ والتَّذَلُّلِ لا سُجُودِ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءٌ جُعِلَتْ كَلِمَةُ "مِن" عامَّةً لِغَيْرِهِمْ أيْضًا وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِإفادَتِهِ شُمُولَ الحِكَمِ لِكُلِّ ما فِيهِما بِطَرِيقِ القَرارِ فِيهِما أوْ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ إفْرادًا لَها بِالذِّكْرِ لِشُهْرَتِها واسْتِبْعادِ ذَلِكَ مِنها عادَةً، أوْ جُعِلَتْ خاصَّةً بِالعُقَلاءِ لِعَدَمِ شُمُولِ سُجُودِ الطّاعَةِ لِكُلِّهِمْ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ سُجُودَ (p-101)طاعَةٍ وعِبادَةٍ، ومِن قَضِيَّتِهِ انْتِفاءُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ حُذِفَ خَبَرُهُ ثِقَةً بِدَلالَةِ خَبَرِ قَسِيمِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ حُقَّ لَهُ الثَّوابُ، والأوَّلُ هو الأوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في السُّجُودِ والطّاعَةِ. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ النّاسِ﴾ خَبَرًا لَهُ، أيْ: مِنَ النّاسِ الَّذِينَ هُمُ النّاسُ عَلى الحَقِيقَةِ وهُمُ الصّالِحُونَ والمُتَّقُونَ، وأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَثِيرٌ﴾ مَعْطُوفًا عَلى كَثِيرٌ الأوَّلُ لِلْإيذانِ بِغايَةِ الكَثْرَةِ ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْهم بِاسْتِحْقاقِ العَذابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.
﴿حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ أيْ: بِكُفْرِهِ واسْتِعْصائِهِ. وقُرِئَ: حُقَّ بِالضَّمِّ، و"حَقًّا" أيْ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ حَقًّا.
﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ بِأنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقاوَةَ حَسَبَما عَلِمَهُ مِن صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى الشَّرِّ ﴿فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ يُكْرِمُهُ بِالسَّعادَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإكْرامُ والإهانَةُ.
22:19Page 334
۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩
These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water
﴿هَذانِ﴾ تَعْيِينٌ لِطَرَفَيِ الخِصامِ وإزاحَةٌ لِما عَسى يَتَبادَرُ إلى الوَهْمِ مِن كَوْنِهِ بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الفِرَقِ السِّتِّ وبَيْنَ البَواقِي وتَحْرِيرٌ لِمَحَلِّهِ، أيْ: فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ الكَفَرَةِ المُقَسَّمُ إلى الفِرَقِ الخَمْسِ. 50 ﴿خَصْمانِ﴾ أيْ: فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى، أيِ: اخْتَصَمُوا في شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: في دِينِهِ، وقِيلَ: في ذاتِهِ وصِفاتِهِ، والكُلُّ مِن شُئُونِهِ تَعالى، فَإنَّ اعْتِقادَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِحَقِّيَّةِ ما هو عَلَيْهِ وبُطْلانِ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ وبِناءُ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ عَلَيْهِ خُصُومَةٌ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ وإنْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُما التَّحاوُرُ والخِصامُ. وقِيلَ: تَخاصَمَتِ اليَهُودُ والمُؤْمِنُونَ فَقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ مِنكم آمَنّابِمُحَمَّدٍ ونَبِيِّكم وبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأنْتُمُ تَعْرِفُونَ كَتابَنا ونَبِيَّنا ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا فَنَـزَلَتْ.
﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ .
﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ﴾ أيْ: قُدِّرَتْ عَلى مَقادِيرِ جُثَثِهِمْ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ أيْ: نِيرانٌ هائِلَةٌ تُحِيطُ بِهِمْ إحاطَةَ الثِّيابِ بِلابِسِها ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ أيِ: الماءُ الحارُّ الَّذِي انْتَهَتْ حَرارَتُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ قُطِّرَتْ قَطْرَةٌ مِنها عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَأذابَتْها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لَهُمْ" .
22:20Page 334
يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠
By which is melted that within their bellies and [their] skins.
﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ أيْ: يُذابُ ﴿ما في بُطُونِهِمْ﴾ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ، وقُرِئَ: "يُصْهَّرُ" بِالتَّشْدِيدِ.
﴿والجُلُودُ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما" وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ إمّا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ شِدَّةِ الحَرارَةِ بِإيهامِ أنَّ تَأْثِيرَها في الباطِنِ أقْدَمُ مِن تَأْثِيرِها في الظّاهِرِ مَعَ أنَّ مُلابَسَتَها عَلى العَكْسِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الحَمِيمِ.
﴿وَلَهُمْ﴾ لِلْكَفَرَةِ، أيْ: لِتَعْذِيبِهِمْ وأجَلِهِمْ ﴿مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ، وهي: آلَةُ القَمْعِ.
22:22Page 334
كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢
Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"
﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ: أشْرَفُوا عَلى (p-102)الخُرُوجِ مِنَ النّارِ ودَنَوا مِنهُ حَسَبَما يُرْوى أنَّها تَضْرِبُهم بِلَهِيبِها فَتَرْفَعُهم حَتّى إذا كانُوا في أعْلاها ضُرِبُوا بِالمَقامِعِ فَهَرُّوا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا.
﴿مِن غَمٍّ﴾ أيْ: مِن غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومِها، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الهاءِ بِإعادَةِ الجارِّ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ لِلْخُرُوجِ.
﴿أُعِيدُوا فِيها﴾ أيْ: في قَعْرِها بِأنْ رُدُّوا مِن أعالِيها إلى أسافِلِها مِن غَيْرِ أنْ يَخْرُجُوا مِنها.
﴿وَذُوقُوا﴾ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى أُعِيدُوا، أيْ: وقِيلَ لَهم ذُوقُوا ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيِ: الغَلِيظِ مِنَ النّارِ المُنْتَشِرِ العَظِيمِ الإهْلاكِ.
22:23Page 334
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣
Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.
﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَيانٌ لِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، وقَدْ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِيها بِإسْنادِ الإدْخالِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ إيذانًا بِكَمالِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِحالِ الكَفَرَةِ وإظْهارًا لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأمْرِ المُؤْمِنِينَ ودَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الكَلامِ.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّحْلِيَةِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإحْلاءِ بِمَعْنى الإلْباسِ، أيْ: يُحَلِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ تَعالى. وقُرِئَ "يُحَلَّوُنَّ" مِن حِلْيَةِ المَرْأةِ إذا لَبِسَتْ حِلْيَتَها. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أساوِرَ﴾ إمّا لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ أساوِرَ وهي جَمْعُ أسْوِرَةٍ جَمْعُ سِوارٍ، أوْ لِلْبَيانِ لِما أنَّ ذِكْرَ التَّحْلِيَةِ مِمّا يُنْبِئُ عَنِ الحَلى المُبْهَمِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وقِيلَ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِيُحَلَّوْنَ فَإنَّهُ بِمَعْنى يَلْبَسُونَ.
﴿مِن ذَهَبٍ﴾ بَيانٌ لِلْأساوِرِ ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلٍ مِن أساوِرَ، أوْ عَلى المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يُحَلَّوْنَ"، أيْ: يُؤْتُونَ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ، وقُرِئَ "لُؤْلُوًا" بِقَلْبِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا، و"لُولِيًا" بِقَلْبِها ياءً بَعْدَ قَلْبِهِما واوًا، ولَيْلِيا بِقَلْبِهِما ياءً.
﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ويَلْبَسُونَ فِيها حَرِيرًا، لَكِنْ لا لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الحَرِيرَ ثِيابُهُمُ المُعْتادَةُ أوْ لِمُجَرَّدِ المُحافَظَةِ عَلى هَيْئَةِ الفَواصِلِ، بَلْ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَ اللِّباسِ لَهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ عَرّاؤُهم عَنْهُ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ أنَّ لِباسَهم ماذا بِخِلافِ الأساوِرِ واللُّؤْلُؤِ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ اللَّوازِمِ الضَّرُورِيَّةِ، فَجُعِلَ بَيانُ تَحْلِيَتِهِمْ بِها مَقْصُودًا بِالذّاتِ ولَعَلَّ هَذا هو الباعِثُ لِي تَقْدِيمُ بَيانِ التَّحْلِيَةِ عَلى بَيانِ حالِ اللِّباسِ.
22:24Page 335
وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤
And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.
﴿وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو قَوْلُهم: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ ..﴾ الآيَةِ.
﴿وَهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أيِ: المَحْمُودُ نَفْسُهُ أوْ عاقِبَتُهُ وهو الجَنَّةُ، ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ عَنْ ذِكْرِ الهِدايَةِ إلى القَوْلِ المَذْكُورِ المُتَأخِّرِ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ المُتَأخِّرِ عَنِ الهِدايَةِ إلى طَرِيقِها لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالحَمِيدِ: الحَقُّ المُسْتَحِقُّ لِذاتِهِ لِغايَةِ الحَمْدِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وصِراطُهُ الإسْلامُ، ووَجْهُ التَّأْخِيرِ حِينَئِذٍ أنَّ ذِكْرَ الحَمْدِ يَسْتَدْعِي ذِكْرَ المَحْمُودِ.
22:25Page 335
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥
Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (p-103)وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ المُرادُ بِهِ حالًا ولا اسْتِقْبالًا، وإنَّما هو اسْتِمْرارُ الصَّدِّ ولِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو حالٌ مِن فاعِلِ "كَفَرُوا" أيْ: وهم يَصُدُّونَ، وخَبَرُ "إنَّ" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ آخِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن ألْحَدَ في الحَرَمِ حَيْثُ عُوقِبَ بِالعَذابِ الألِيمِ، فِلَأنْ يُعاقِبَ مَن جَمَعَ إلَيْهِ الكُفْرَ والصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِأشَدِّ مِن ذَلِكَ أحَقُّ وأوْلى.
﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عُطِفَ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ: مَكَّةُ بِدَلِيلِ وصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ أيْ: كائِنًا مَن كانَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَكِّيٍّ وآفاقِيٍّ.
﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ أيِ: المُقِيمُ والطّارِئِ، وسَواءٌ أيْ: مَسْتَوِيًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلْناهُ والعاكِفُ مُرْتَفِعٌ بِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ظَرْفٌ لَهُ، وفائِدَةُ وصْفِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِذَلِكَ زِيادَةُ تَشْنِيعِ الصّادِّينَ عَنْهُ. وقُرِئَ: "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والعاكِفُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ ثانٍ لِلْجَعْلِ. وقُرِئَ: العاكِفِ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ.
﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ﴾ مِمّا تُرِكَ مَفْعُولُهُ لَيَتَناوَلَ كُلُّ مُتَناوِلٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا ما.
﴿بِإلْحادٍ﴾ بِعُدُولٍ عَنِ القَصْدِ ﴿بِظُلْمٍ﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ وهُما حالانِ مُتَرادِفانِ، أوِ الثّانِي بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ بِإعادَةِ الجارِّ أوْ صِلَةٌ، أيْ: مُلْحِدًا بِسَبَبِ الظُّلْمِ كالإشْراكِ واقْتِرافِ الآثامِ.
﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ جَوابٌ لـِ "مِن" .
22:26Page 335
وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦
And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.
﴿وَإذْ بَوَّأْنا﴾ يُقالُ: بَوَّأهُ مَنـزِلًا، أيْ: أنْزِلَهُ فِيهِ، ولَمّا لَزِمَهُ جَعَلَ الثّانِي مَباءَةً لِلْأوَّلِ قِيلَ: ﴿لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ وعَلَيْهِ مَبْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: "جَعَلْناهُ" أيِ: اذْكُرْ وقْتَ جَعْلَنا مَكانَ البَيْتِ مَباءَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مَرْجِعًا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِلْعِمارَةِ والعِبادَةِ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ قَدْ مَرَّ بَيانُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ، و"مَكانَ" ظَرْفٌ كَما في أصْلِ الِاسْتِعْمالِ، أيْ: أنْزَلْناهُ فِيهِ. قِيلَ: رَفَعَ البَيْتَ إلى السَّماءِ أيّامَ الطُّوفانِ وكانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكانَهُ بِرِيحٍ أرْسَلَها يُقالُ لَها: الخُجُوجُ، كَنَسَتْ ما حَوْلَهُ فَبَناهُ عَلى رَأْسِهِ القَدِيمِ. رُوِيَ أنَّ الكَعْبَةَ الكَرِيمَةَ بُنِيَتْ خَمْسَ مَرّاتٍ، إحْداها: بِناءُ المَلائِكَةِ وكانَتْ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ ثُمَّ رُفِعَتْ أيّامَ الطُّوفانِ. والثّانِيَةُ: بِناءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّالِثَةُ: بِناءُ قُرَيْشٍ في الجاهِلِيَّةِ. وقَدْ حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذا البِناءَ. والرّابِعَةُ: بِناءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ. والخامِسَةُ: بِناءُ الحَجّاجِ. وقَدْ أوْرَدْنا ما في هَذا الشَّأْنِ مِنَ الأقاوِيلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ .
وَ"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ مُفَسِّرَةٌ لَبَوَّأْنا مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى تَعْبُدُنا لِأنَّ التَّبْوِئَةَ لِلْعِبادَةِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ مَوْصُولَةٌ بِالنَّهْيِ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في أوِائِلِ (سُورَةِ هُودٍ ) أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تُشْرِكَ بِي في العِبادَةِ شَيْئًا.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أيْ: وطَهِّرْ بَيْتِيَ مِنَ الأوْثانِ والأقْذارِ لِمَن يَطُوفُ بِهِ ويُصَلِّي فِيهِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الصَّلاةِ بِأرْكانِها للدِّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ فَكَيْفَ وقَدِ اجْتَمَعَتْ. وقُرِئَ: "يُشْرِكُ" بِالياءِ.
22:27Page 335
وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧
And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -
﴿وَأذِّنْ في النّاسِ﴾ أيْ: نادِ فِيهِمْ، وقُرِئَ: "أذانٌ" .
﴿بِالحَجِّ﴾ بِدَعْوَةِ (p-104)الحَجِّ والأمْرِ بِهِ. «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَعِدَ أبا قُبَيْسٍ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ حُجُّوا بَيْتَ رَبِّكم، فَأسْمَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَن في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ فِيما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مِمَّنْ سَبَقَ في علمه تعالى أنْ يَحُجَّ» . وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ، ويَأْباهُ كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً.
﴿يَأْتُوكَ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ ﴿رِجالا﴾ أيْ: مُشاةً جَمْعُ راجِلٍ، كَقِيامٍ جَمْعُ قائِمٍ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ وتَشْدِيدِهِ، ورَجالى كَعَجالى.
﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ عُطِفَ عَلى "رِجالًا" أيْ: ورُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ مَهْزُولٍ أتْعَبَهُ بَعْدَ الشُّقَّةِ فَهَزَلَهُ أوْ زادَ هُزالُهُ.
﴿يَأْتِينَ﴾ صِفَةٌ لِضامِرٍ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، وقُرِئَ: "يَأْتُونَ" عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلرِّجالِ والرُّكْبانِ، أوِ اسْتِئْنافٌ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ.
﴿مِن كُلِّ فَجٍّ﴾ طَرِيقٍ واسِعٍ ﴿عَمِيقٍ﴾ بِعِيدٍ. وقُرِئَ: "مَعِيقٍ" يُقالُ: بِئْرٌ بَعِيدَةُ العُمْقِ وبَعِيدَةُ المُعْقِ بِمَعْنى كالجَذْبِ والجَبْذِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences