Abu as-Su'udAl‑Hajj · 22:28–44

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:28–44

22:28Page 335

لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨

That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.

﴿لِيَشْهَدُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوكَ لا بِأذِّنْ، أيْ: لَيَحْضُرُوا ﴿مَنافِعَ﴾ عَظِيمَةَ الخَطَرِ كَثِيرَةَ العَدَدِ، أوْ نَوْعًا مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ المُخْتَصَّةِ بِهَذِهِ العِبادَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِمَنافِعَ، أيْ: مَنافِعُ كائِنَةٌ لَهم.

﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عِنْدَ إعْدادِ الهَدايا والضَّحايا وذَبْحِها، وفي جَعْلِهِ غايَةً لِلْإتْيانِ إيذانٌ بِأنَّهُ الغايَةُ القُصْوى دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الذَّبْحِ لِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ.

﴿فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ هي أيّامُ النَّحْرِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ: ما وقَعَ عِنْدَ الذَّبْحِ، وقِيلَ: هي عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ. وقَدْ عُلِّقَ الفِعْلُ بِالمَرْزُوقِ وبُيِّنَ بِالبَهِيمَةِ تَحْرِيضًا عَلى التَّقَرُّبِ وتَنْبِيهًا عَلى الذِّكْرِ.

﴿فَكُلُوا مِنها﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابُ، والفاءُ فَصِيحَةٌ عاطِفَةٌ لِمَدْخُولِها عَلى مُقَدَّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ أيْ: فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ضَحاياكم فَكُلُوا مِن لُحُومِها، والأمْرُ لِلْإباحَةِ وإزاحَةِ ما كانَتْ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّحَرُّجِ فِيهِ أوْ لِلنَّدْبِ إلى مُواساةِ الفُقَراءِ ومُساواتِهِمْ.

﴿وَأطْعِمُوا البائِسَ﴾ أيِ: الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٍ وشِدَّةٍ.

﴿الفَقِيرَ﴾ المُحْتاجَ وهَذا الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وقَدْ قِيلَ بِهِ في الأوَّلِ أيْضًا.

22:29Page 335

ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩

Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أيْ لِيُؤْذُوا إزالَةَ وسَخِهِمْ أوْ لَيَحْكُمُوها بِقَصِّ الشّارِبِ والأظْفارِ ونَتْفِ الإبْطِ والِاسْتِحْدادِ عِنْدَ الإحْلالِ.

﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما يُنْذِرُونَ مِنَ البِرِّ في حَجِّهِمْ، وقِيلَ: مُواجِبُ الحَجِّ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.

﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طَوافَ الرُّكْنِ الَّذِي بِهِ يَتِمُّ التَّحَلُّلُ فَإنَّهُ قَرِينَةُ قَضاءِ التَّفَثِ، وقِيلَ: طَوافُ الوَداعِ.

﴿بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيِ: القَدِيمِ فَإنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، أوِ المُعْتَقِ مِن تَسَلُّطِ الجَبابِرَةِ فَكَأيِّنْ مِن جَبّارٍ سارَ إلَيْهِ لَيَهْدِمَهُ فَقَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا الحَجّاجُ الثَّقَفِيُّ فَإنَّما قَصَدَ إخْراجَ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِنهُ لا التَّسَلُّطَ عَلَيْهِ.

22:30Page 335

ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠

That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ وهَذا وأمْثالُهُ (p-105)يُطْلِقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ وجْهَيْ كَلامٍ واحِدٍ ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ أيْ: أحْكامَهُ وسائِرُ ما لا يَحِلُّ هَتْكُهُ بِالعِلْمِ بِوُجُوبِ مُراعاتِها والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ. وقِيلَ: الحَرَمُ وما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ مِنَ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: الكَعْبَةُ والمَسْجِدُ الحَرامُ والبَلَدُ الحَرامُ والشَّهْرُ الحَرامُ.

﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أيْ: فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ ثَوابًا ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ "مَن" لِتَشْرِيفِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ عَلى الإطْلاقِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم آيَةُ تَحْرِيمِهِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنها عَلى أنَّ "ما" عِبارَةٌ عَمّا حُرِّمَ مِنها لِعارِضٍ كالمَيْتَةِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ والإطْعامِ ودَفْعًا لِما عَسى بِتَوَهُّمٍ أنَّ الإحْرامَ يُحَرِّمُهُ كَما يَحْرُمُ الصَّيْدُ، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِبَيانِ عَدَمِ كَوْنِها مِن ذَلِكَ القَبِيلِ بِحَمْلِ الأنْعامِ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ الضَّحايا والهَدايا المَعْهُودَةِ خاصَّةً لِئَلّا يَحْتاجَ إلى الِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ إذْ لَيْسَ فِيها ما حُرِّمَ لِعارِضٍ قَطْعًا لِمُراعاةِ حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ فَإنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ مِن وُجُوبِ مُراعاتِها والِاجْتِنابِ عَنْ هَتْكِها، ولَمّا كانَ بَيانُ حِلِّ الأنْعامِ مِن دَواعِي التَّعاطِي لا مِن مَبادِئِ الِاجْتِنابِ عَقَّبَ بِما يُوجِبُ الِاجْتِنابَ عَنْهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، ثُمَّ أمَرَ بِالِاجْتِنابِ عَمّا هو أقْصى الحُرُماتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ والأنْعامُ لَيْسَتْ مِنَ الحُرُماتِ فَإنَّها مُحَلَّلَةٌ لَكم إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم آيَةَ تَحْرِيمِهِ فَإنَّهُ مِمّا يَجِبُ الِاجْتِنابُ عَنْهُ، فاجْتَنِبُوا ما هو مُعْظِّمُ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الِاجْتِنابُ عَنْها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، فَإنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ رَأسُ الزُّورِ، كَأنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ الحُرُماتِ أتْبَعَ ذَلِكَ رَدًّا لَمّا كانَتِ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِهِما والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: شَهادَةُ الزُّورِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الإشْراكَ بِاللَّهِ تَعالى ثَلاثًا وتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . والزُّورُ مِنَ الزَّوْرِ وهو الِانْحِرافُ، كالإفْكِ المَأْخُوذِ مِنَ الإفْكِ الَّذِي هو القَلْبُ والصَّرْفُ، فَإنَّ الكَذِبَ مُنْحَرِفٌ مَصْرُوفٌ عَنِ الواقِعِ. وقِيلَ: هو قَوْلُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في تَلْبِيَتِهِمْ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.

22:31Page 336

حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١

Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.

﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ مائِلِينَ عَنْ كُلِّ دِينٍ زائِغٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُخْلِصِينَ لَهُ تَعالى ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأوْثانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهُما حالانِ مِن واوِ فاجْتَنِبُوا.

﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاجْتِنابِ عَنِ الإشْراكِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإظْهارِ حالِ قُبْحِ الإشْراكِ.

﴿فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ مُسْقِطٌ مِن أوْجِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ.

﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ فَإنَّ الأهْواءَ المُرْدِيَةَ تُوَزِّعُ أفْكارَهُ. وقُرِئَ: "فَتَخَطَّفَهُ" بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وبِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ، وبِكَسْرِ التّاءِ مَعَ كَسْرِهِما وأصْلُهُما "تَخْتَطِفُهُ" .

﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ: تُسْقِطُهُ وتَقْذِفُهُ ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ بَعِيدٍ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ طَوَّحَ بِهِ في الضَّلالَةِ، (p-106)وَ"أوْ" لِلتَّخْيِيرِ كَما في أوْ كَصَيِّبٍ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ فَيَكُونُ المَعْنى: ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ هَلَكَتْ نَفْسُهُ هَلاكًا شَبِيهًا بِهَلاكِ أحَدِ الهالِكِينَ.

22:32Page 336

ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢

That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ.

﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيِ: الهَدايا فَإنَّها مِن مَعالِمِ الحَجِّ وشَعائِرِهِ تَعالى كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ وهو الأوْفَقُ لِما بَعْدَهُ، وتَعْظِيمُها اعْتِقادُ أنَّ التَّقَرُّبَ بِها مِن أجَلِ القُرُباتِ وأنْ يَخْتارَها حِسانًا سِمانًا غالِيَةَ الأثْمانِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ أهْدى مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيها جُمَلٌ لِأبِي جَهْلٍ في أنْفِهِ بُرَّةٌ مِن ذَهَبٍ، وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أهْدى نَجِيبَةً طُلِبَتْ مِنهُ بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ» .

﴿فَإنَّها﴾ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها ﴿مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ أيْ: مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ والعائِدُ إلى "مَن"، أوْ فَإنَّ تَعْظِيمَها ناشِئِ مِن تَقْوى القُلُوبِ وتَخْصِيصُها بِالإضافَةِ لِأنَّها مَراكِزُ التَّقْوى الَّتِي إذا ثَبَتَتْ فِيها وتَمَكَّنَتْ ظَهَرَ أثَرُها في سائِرِ الأعْضاءِ.

22:33Page 336

لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣

For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2

﴿لَكم فِيها﴾ أيْ: في الهَدايا ﴿مَنافِعُ﴾ هي دُرُّها ونَسْلُها وصُوفُها وظَهْرُها ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو وقْتُ نَحْرِها والتَّصَدُّقُ بِلَحْمِها والأكْلُ مِنهُ ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ: وُجُوبُ نَحْرِها أوْ وقْتُ نَحْرِها مُنْتَهِيَةً ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ: إلى ما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتْبِيِّ، أيْ: لَكم فِيها مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ إلى وقْتِ نَحْرِها، ثُمَّ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ أعْظَمُها في النَّفْعِ مَحَلُّها، أيْ: وُجُوبُ نَحْرِها أوْ وقْتُ وُجُوبِ نَحْرِها إلى البَيْتِ العَتِيقِ، أيْ: مُنْتَهِيَةً إلَيْهِ. هَذا وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالشَّعائِرِ: مَناسِكُ الحَجِّ ومَعالِمُهُ، والمَعْنى: لَكم فِيها مَنافِعُ بِالأجْرِ والثَّوابِ في قَضاءِ المَناسِكِ وإقامَةِ شَعائِرِ الحَجَّ إلى أجَلٍ مُّسَمًّى هو انْقِضاءُ أيّامِ الحَجِّ، ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ: مَحِلُّ النّاسِ مِنَ اِحْرامِهِمْ إلى البَيْتِ العَتِيقِ، أيْ: مُنْتَهٍ إلَيْهِ بِأنْ يَطُوفُوا بِهِ طَوافَ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ قَضاءِ المَناسِكِ، فَإضافَةُ المَحَلِّ إلَيْها لِأدْنى مُلابَسَةٍ.

22:34Page 336

وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤

And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ ﴿جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ أيْ: مُتَعَبِّدًا وقُرْبانًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقُرِئَ بِكَسْرِ السِّينِ، أيْ: مَوْضِعُ نُسُكٍ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَعَلْنا مَنسَكًا لا لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ.

﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ ويَجْعَلُوا نَسِيكَتَهم لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، عُلِّلَ الجَعْلُ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ المَناسِكِ تَذَكُّرُ المَعْبُودِ.

﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ عِنْدَ ذَبْحِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْبانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِنَ الأنْعامِ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ لِلْكُلِّ تَغْلِيبًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ جَعْلَهُ تَعالى لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَنسَكًا مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى. وإنَّما قِيلَ: إلَهٌ واحِدٌ ولَمْ يُقَلْ: واحِدٌ، لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ تَعالى واحِدٌ في ذاتِهِ كَما أنَّهُ واحِدٌ في إلَهِيَّتِهِ لِلْكُلِّ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعَدَها مِنَ الأمْرِ بِالإسْلامِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى. وتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الأمْرِ (p-107)لِلْقَصْرِ، أيْ: فَإذا كانَ إلَهُكم إلَهًا واحِدًا فَأخْلِصُوا لَهُ التَّقَرُّبَ أوِ الذِّكْرَ واجْعَلُوهُ لِوَجْهِهِ خاصَّةً ولا تَشُوبُوهُ بِالشِّرْكِ.

﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: المُتَواضِعِينَ أوِ المُخْلِصِينَ، فَإنَّ الإخْباتَ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِمْ.

22:35Page 336

ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥

Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.

﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ مِنهُ تَعالى لِإشْراقِ أشِعَّةِ جَلالِهِ عَلَيْها.

﴿والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِن مَشاقِّ التَّكالِيفِ ومُؤْناتِ النَّوائِبِ ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ في أوْقاتِها. وقُرِئَ بِنَصْبِ الصَّلاةِ عَلى تَقْدِيرِ النُّونِ، وقُرِئَ "والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ" عَلى الأصْلِ.

﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ في وُجُوهِ الخَيْراتِ.

22:36Page 336

وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦

And the camels and cattle We have appointed for you as among the symbols [i.e., rites] of Allāh; for you therein is good. So mention the name of Allāh upon them when lined up [for sacrifice]; and when they are [lifeless] on their sides, then eat from them and feed the needy [who does not seek aid] and the beggar. Thus have We subjected them to you that you may be grateful.

﴿والبُدْنَ﴾ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الدّالِ، وقُرِئَ بِضَمِّها وهُما جَمْعا بَدَنَةٍ، وقِيلَ: الأصْلُ ضَمُّ الدّالِ كَخُشُبٍ وخَشَبَةٍ والتَّسْكِينُ تَخْفِيفٌ مِنهُ. وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِها الإبِلُ لِعِظَمِ بَدَنِها مَأْخُوذَةٌ مِن بَدَنَ بَدانَةً، وحَيْثُ شارَكَها البَقَرَةُ في الإجْزاءِ عَنْ سَبْعَةٍ بِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ جُعِلا في الشَّرِيعَةِ جِنْسًا واحِدًا﴾ وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ.

﴿جَعَلْناها لَكُمْ﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ خَبَرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أعْلامِ دِينِهِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ تَعالى مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ، ولَكم ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ أيْ: مَنافِعُ دِينِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرَّرَةٌ لِما قَبْلَها.

﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ بِأنْ تَقُولُوا عِنْدَ ذَبْحِها: اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ.

﴿صَوافَّ﴾ أيْ: قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ. وقُرِئَ: "صَوافِنَ" مِن صَفَنَ الفَرَسُ إذا قامَ عَلى ثَلاثٍ وعَلى طَرَفِ سُنْبُكِ الرّابِعَةِ لِأنَّ البَدَنَةَ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْها فَتَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، وقُرِئَ: "صَوافًا" بِإبْدالِ التَّنْوِينِ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ عِنْدَ الوَقْفِ. وقُرِئَ: "صَوافِي" أيْ: خَوالِصَ لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، و"صَوافْ" عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ عَلى الإطْلاقِ كَما في قَوْلِهِ:

لَعَلِّي أرى باقٍ عَلى الحَدَثانِ

﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ﴾ الرّاضِيَ بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ القُنْعَ أوِ السّائِلَ مَن قَنِعَ إلَيْهِ قُنُوعًا إذا خَضَعَ لَهُ في السُّؤالِ.

﴿والمُعْتَرَّ﴾ أيِ: المُتَعَرِّضَ لِلسُّؤالِ، وقُرِئَ: "المُعْتَرِي" يُقالُ: عَرَّهُ وعَراهُ واعْتَرَّهُ واعْتَراهُ.

﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ البَدِيعِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "صَوّافَّ" ﴿سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ مَعَ كَمالِ عِظَمِها ونِهايَةِ قُوَّتِها فَلا تَسْتَعْصِي عَلَيْكم حَتّى تَأْخُذُوها مُنْقادَةً فَتُقِلُّونَها وتَحْبِسُونَها صافَّةً قَوائِمُها ثُمَّ تَطْعَنُونَ في لَبّاتِها.

﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لِتَشْكُرُوا إنْعامَنا عَلَيْكم بِالتَّقَرُّبِ والإخْلاصِ.

22:37Page 336

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧

Their meat will not reach Allāh, nor will their blood, but what reaches Him is piety from you. Thus have We subjected them to you that you may glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and give good tidings to the doers of good.

﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ﴾ أيْ: لَنْ يَبْلُغَ مَرْضاتَهُ، ولَنْ يَقَعَ مِنهُ مَوْقِعَ القَبُولِ ﴿لُحُومُها﴾ (p-108)المُتَصَدَّقُ بِها ﴿وَلا دِماؤُها﴾ المُهْراقَةُ بِالنَّحْرِ مِن حَيْثُ إنَّها لُحُومٌ ودِماءٌ.

﴿وَلَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ ولَكِنْ يُصِيبُهُ تَقْوى قُلُوبِكُمُ الَّتِي تَدْعُوكم إلى الِامْتِثالِ بِأمْرِهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ. وقِيلَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُلَطِّخُونَ الكَعْبَةَ بِدِماءِ قَرابِينِهِمْ فَهَمَّ بِهِ المُسْلِمُونَ فَنَـزَلَتْ.

﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّذَكُّرِ والتَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: لِتَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ بِاقْتِدارِهِ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَتُوَحِّدُوهُ بِالكِبْرِياءِ، وقِيلَ: هو التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإحْلالِ أوِ الذَّبْحِ.

﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ أيْ: أرْشَدَكم إلى طَرِيقِ تَسْخِيرِها وكَيْفِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِها. و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، أيْ: عَلى هِدايَتِهِ إيّاكم أوْ عَلى ما هَداكم إلَيْهِ، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِتُكَبِّرُوا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشُّكْرِ.

﴿وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: المُخْلِصِينَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ في أُمُورِ دِينِهِمْ.

22:38Page 336

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨

Indeed, Allāh defends those who have believed. Indeed, Allāh does not like everyone treacherous and ungrateful.

﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَوْطِينِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِمْ عَنِ الحَجِّ لَيَتَفَرَّغُوا إلى أداءِ مَناسِكِهِ. وتَصْدِيرُهُ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ التّامِّ بِمَضْمُونِهِ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ إمّا لِلْمُبالَغَةِ أوِ الدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الدَّفْعِ، فَإنَّها قَدْ تُجَرَّدُ عَنْ وُقُوعِ الفِعْلِ المُتَكَرِّرِ مِنَ الجانِبَيْنِ فَيَبْقى تَكَرُّرُهُ كَما في المُمارَسَةِ، أيْ يُبالِغُ في دَفْعِ غائِلَةِ المُشْرِكِينَ وضَرَرِهِمُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مُبالَغَةَ مَن يُغالِبُ فِيهِ أوْ يَدْفَعُها عَنْهم مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَسَبَما تَجَدَّدَ مِنهُمُ القَصْدُ إلى الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ . وقُرِئَ: "يَدْفَعُ"، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما في ضِمْنِ الوَعْدِ الكَرِيمِ مِنَ الوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ، وإيذانٌ بِأنَّ دَفْعَهم بِطَرِيقِ القَهْرِ والخِزْيِ ونَفْيُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ، أيْ: أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ خَوّانٍ في أماناتِهِ تَعالى وهي أوِامِرُهُ ونَواهِيهِ، أوْ في جَمِيعِ الأماناتِ الَّتِي هي مُعْظَمُها كَفُورٌ لِنِعْمَتِهِ. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ فِيهِما لِبَيانِ أنَّهم كَذَلِكَ لا لِتَقْيِيدِ البُغْضِ بِغايَةِ الخِيانَةِ والكُفْرِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ المَحَبَّةِ عَلى اعْتِبارِ النَّفْيِ أوْ لا، وإيرادُ مَعْنى المُبالَغَةِ ثانِيًا.

22:39Page 337

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩

Permission [to fight] has been given to those who are being fought,1 because they were wronged. And indeed, Allāh is competent to give them victory.

﴿أُذِنَ﴾ أيْ: رُخِّصَ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أذِنَ اللَّهُ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أيْ: يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ، والمَأْذُونُ فِيهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مُقاتَلَةَ المُشْرِكِينَ إيّاهم دالَّةٌ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ إيّاهم دَلالَةً نَيِّرَةً. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ، أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ فِيما سَيَأْتِي ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ، فَدَلالَتُهُ عَلى المَحْذُوفِ أظْهَرُ.

﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا، وهم أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ ورَضِيَ عَنْهم كانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهم، وكانُوا يَأْتُونَهُ ﷺ بَيْنَ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ ويَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ، فَيَقُولُ ﷺ: اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ حَتّى هاجَرُوا فَأُنْزِلَتْ. وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بَعْدَ ما نُهِيَ عَنْهُ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ آيَةً.

﴿وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وعْدٌ لَهم بِالنَّصْرِ وتَأْكِيدٌ لِما مَرَّ مِنَ العِدَّةِ الكَرِيمَةِ بِالدَّفْعِ، وتَصْرِيحٌ بِأنَّ المُرادَ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَخْلِيصِهِمْ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ بَلْ تَغْلِيبُهم وإظْهارُهم عَلَيْهِمْ. والإخْبارُ بِقدرته تعالى عَلى نَصْرِهِمْ وارِدٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وتَأْكِيدُهُ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ، واللّامُ لِمَزِيدِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ وزِيادَةِ تَوْطِينِ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ.(p-109)

22:40Page 337

ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠

[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، والجُمْلَةُ مَرْفُوعَةٌ عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِدِيارِهِمْ: مَكَّةُ المُعَظَّمَةُ.

﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُخْرِجُوا، أيْ: أُخْرِجُوا بِغَيْرِ ما يُوجِبُ إخْراجَهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ بَدَلٌ مِن حَقٍّ، أيْ: بِغَيْرِ مُوجِبٍ سِوى التَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْإقْرارِ والتَّمْكِينِ دُونَ الإخْراجِ والتَّسْيِيرِ، لَكِنْ لا عَلى الظّاهِرِ بَلْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ النّابِغَةِ:

؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم .... بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وَقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ.

﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ بِتَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ في كُلِّ عَصْرٍ وزَمانٍ، وقُرِئَ: "دِفاعٌ" .

﴿لَهُدِّمَتْ﴾ لَخُرِّبَتْ بِاسْتِيلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى أهْلِ المِلَلِ، وقُرِئَ: "هُدِّمَتْ" بِالتَّخْفِيفِ.

﴿صَوامِعُ﴾ لِلرَّهْبانِيَّةِ ﴿وَبِيَعٌ﴾ لِلنَّصارى ﴿وَصَلَواتٌ﴾ أيْ: وكَنائِسٌ لِلْيَهُودِ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها يُصَلّى فِيها، وقِيلَ: أصْلُها صِلْوَتا بِالعِبْرِيَّةِ فَعُرِّبَتْ.

﴿وَمَساجِدُ﴾ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا أوْ وقْتًا كَثِيرًا، صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمَساجِدِ خُصَّتْ بِها دَلالَةً عَلى فَضْلِها وفَضْلِ أهْلِها، وقِيلَ: صِفَةٌ لِلْأرْبَعِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ بَيانَ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في الصَّوامِعِ والبِيَعِ والكَنائِسِ بَعْدَ انْتِساخِ شَرْعِيَّتِها مِمّا لا يَقْتَضِيهِ المَقامُ ولا يَرْتَضِيهِ الأفْهامُ.

﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ يَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ أوْ مَن يَنْصُرُ دِينَهُ، ولَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ وعْدَهُ حَيْثُ سَلَّطَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى صَنادِيدِ العَرَبِ وأكاسِرَةِ العَجَمِ وقَياصِرَةِ الرُّومِ وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم.

﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِن مُراداتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَصْرُهم.

﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُمانِعُهُ شَيْءٌ ولا يُدافِعُهُ.

22:41Page 337

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١

[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.

﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ وصْفٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلَّذِينِ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِما سَيَكُونُ مِنهم مِن حَسُنِ السِّيرَةِ عِنْدَ تَمْكِينِهِ تَعالى إيّاهم في الأرْضِ وإعْطائِهِ إيّاهم زِمامَ الأحْكامِ مُنْبِئِ عَنْ عِدَّةٍ كَرِيمَةٍ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِهِ. وعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا واللَّهِ ثَناءٌ قَبْلَ بَلاءٍ. يُرِيدُ: أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ قَبْلَ أنْ يُحْدِثُوا مِنَ الخَيْرِ ما أحْدَثُوا. قالُوا: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ أمْرِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُعْطِ التَّمْكِينَ ونَفاذَ الأمْرِ مَعَ السِّيرَةِ العادِلَةِ غَيْرَهم مِنَ المُهاجِرِينَ، لاحَظَ في ذَلِكَ لِلْأنْصارِ والطُّلَقاءِ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ مَن يَنْصُرُهُ.

﴿وَلِلَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ فَإنَّ مَراجِعَها إلى حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ فَقَطْ. وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ بِإظْهارِ أوْلِيائِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.

22:42Page 337

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢

And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],

(p-110)﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ الكَرِيمِ بِإهْلاكِ مَن يُعادِيهِ مِنَ الكَفَرَةِ، وتَعْيِينٌ لِكَيْفِيَّةِ نَصْرِهِ تَعالى لَهُ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ وبَيانٌ لِرُجُوعِ عاقِبَةِ الأُمُورِ إلَيْهِ تَعالى. وصِيغَةُ المُضارِعِ في الشَّرْطِ مَعَ تَحَقُّقِ التَّكْذِيبِ لِما أنَّ المَقْصُودَ تَسْلِيَتُهُ ﷺ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى التَّكْذِيبِ مِنَ الحُزْنِ المُتَوَقَّعِ، أيْ: وإنْ تَحْزَنْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ فاعْلَمْ أنَّكَ لَسْتَ بَأوْحَدِيٍّ في ذَلِكَ، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَ تَكْذِيبِ قَوْمِكَ إيّاكَ قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ.

22:43Page 337

وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣

And the people of Abraham and the people of Lot

﴿وَقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾

22:44Page 337

وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤

And the inhabitants of Madyan. And Moses was denied, so I prolonged enjoyment for the disbelievers; then I seized them, and how [terrible] was My reproach.

﴿وَأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ أيْ: رُسُلَهم مِمَّنْ ذُكِرَ ومَن لَمْ يُذْكَرْ، وإنَّما حُذِفَ لِكَمالِ ظُهُورِ المُرادِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ نَفْسُ الفِعْلِ، أيْ: فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ قَوْمُ نُوحٍ إلى آخِرِهِ.

﴿وَكُذِّبَ مُوسى﴾ غُيِّرَ النَّظْمُ الكَرِيمُ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وبِناءِ الفِعْلِ لَهُ لا لِأنَّ قَوْمَهُ بَنُو إسْرائِيلَ - وهم لَمْ يُكَذِّبُوهُ - وإنَّما كَذَّبَهُ القِبْطُ، لِما أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَقْتَضِي عَدَمَ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ قَوْمَ مُوسى لا بِعُنْوانٍ آخَرَ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا قَدْ كَذَّبُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ، بَلْ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَكْذِيبَهم لَهُ كانَ في غايَةِ الشَّناعَةِ لِكَوْنِ آياتِهِ في كَمالِ الوُضُوحِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: أمْهَلْتُهم حَتّى انْصَرَمَتْ حِبالُ آجالِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إمْهالِ كُلِّ فَرِيقٍ مِن فِرَقِ المُكَذِّبِينَ عَلى تَكْذِيبِ ذَلِكَ الفَرِيقِ لا لِتَرْتِيبِ إمْهالِ الكُلِّ عَلى تَكْذِيبِ الكُلِّ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى المُكَذِّبِينَ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ والتَّصْرِيحِ بِمُكَذِّبِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرُوا فِيما قَبْلُ صَرِيحًا.

﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ أيْ: أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِن فِرَقِ المُكَذِّبِينَ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ إمْلائِهِ وإمْهالِهِ.

﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: إنْكارِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ، أيْ: فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском