Abu as-Su'udAl‑Hajj · 22:45–60

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:45–60

22:45Page 337

فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥

And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ: فَأهْلَكْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى بِإهْلاكِ أهْلِها، والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ"، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ وأهْلَكْنا خَبَرُهُ، أيْ: فَكَثِيرٌ مِنَ القُرى أهْلَكْناها. وقُرِئَ: "أهْلَكْتُها" عَلى وفْقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .

﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ "أهْلَكْنا" . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى "أهْلَكْناها" عَلى "وَهِيَ ظالِمَةٌ" لِأنَّها حالٌ، والإهْلاكُ لَيْسَ في حالِ خَوائِها فَعَلى الأوَّلِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وعَلى الثّانِي في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِعِطْفِهِ عَلى الخَبَرِ. والخَواءُ: إمّا بِمَعْنى السُّقُوطِ مِن خَوى النَّجْمُ إذا سَقَطَ، فالمَعْنى: فَهي ساقِطَةٌ حِيطانُها.

(p-111)﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: سُقُوفِها بِأنْ تَعَطَّلَ بُنْيانُها فَخَرَّتْ سُقُوفُها ثُمَّ تَهَدَّمَتْ حِيطانُها فَسَقَطَتْ فَوْقَ السُّقُوفِ، وإسْنادُ السُّقُوطِ عَلى العُرُوشِ إلَيْها لِتَنْـزِيلِ الحِيطانِ مَنـزِلَةَ كُلِّ البُنْيانِ لِكَوْنِها عُمْدَةً فِيهِ، وإمّا بِمَعْنى الخُلُوِّ مِن خَوى المَنـزِلُ: إذا خَلا مِن أهْلِهِ، فالمَعْنى: فَهي خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها وسَلامَتِها، فَتَكُونُ "عَلى" بِمَعْنى "مَعَ" . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ: فَهي خالِيَةٌ وهي عَلى عُرُوشِها، أيْ: قائِمَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلى عُرُوشِها، عَلى مَعْنى أنَّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ إلى الأرْضِ وبَقِيَتِ الحِيطانُ قائِمَةً فَهي مُشْرِفَةٌ عَلى السُّقُوفِ السّاقِطَةِ. وإسْنادُ الإشْرافِ إلى الكُلِّ مَعَ كَوْنِهِ حالَ الحِيطانِ لِما مَرَّ آنِفًا.

﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "قَرْيَةٍ"، أيْ: وكَمْ بِئْرٍ عارَةٍ في البَوادِي تُرِكَتْ لا يُسْتَقى مِنها لِهَلاكِ أهْلِها. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِن أعْطَلَهُ بِمَعْنى: عَطَلَهُ.

﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ مَرْفُوعِ البُنْيانِ أوْ مُجَصَّصٍ أخْلَيْناهُ عَنْ ساكِنِيهِ، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ مَعْنى خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها خالِيَةً مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها. وقِيلَ: المُرادُ بِالبِئْرِ: بِئْرٌ بِسَفْحِ جَبَلٍ بِحَضْرَمَوْتَ، وبِالقَصْرِ: قَصْرٌ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّتِهِ، كانا لِقَوْمِ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ مِن بَقايا قَوْمِ صالِحٍ، فَلَمّا قَتَلُوهُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى وعَطَّلَهُما.

22:46Page 337

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦

So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثٌّ لَهم أنْ يُسافِرُوا لَيَرَوْا مَصارِعَ المُهْلَكِينَ فَيَعْتَبِرُوا وهُمُ وإنْ كانُوا قَدْ سافَرُوا فِيها ولَكِنَّهم حَيْثُ لَمْ يُسافِرُوا لِلِاعْتِبارِ جُعِلُوا غَيْرَ مُسافِرِينَ فَحَثُّوا عَلى ذَلِكَ، والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أُغْفِلُوا فَلَمْ يَسِيرُوا فِيها.

﴿فَتَكُونَ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما شاهَدُوهُ مِن مَوادِّ الِاعْتِبارِ ومَظانِّ الِاسْتِبْصارِ ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ ما يَجِبُ أنْ يُعْقَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ ما يَجِبُ أنْ يُسْمَعَ مِنَ الوَحْيِ أوْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ مِمَّنْ يُجاوِرُهم مِنَ النّاسِ فَإنَّهم أعْرَفُ مِنهم بِحالِهِمْ.

﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، أوْ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ الأبْصارُ. وفي "تَعْمى" ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ وقَدْ أُقِيمَ الظّاهِرُ مُقامَهُ.

﴿وَلَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ: لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ بِاتِّباعِ الهَوى والِانْهِماكِ في الغَفْلَةِ، وذِكْرِ الصُّدُورِ لِلتَّأْكِيدِ ونَفْيِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ. وفَضْلُ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَمى الحَقِيقِيَّ لَيْسَ المُتَعارَفَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالبَصَرِ. قِيلَ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ قالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا في الدُّنْيا أعْمى أفَأكُونُ في الآخِرَةِ أعْمى ؟ فَنَزَلَتْ.»

22:47Page 338

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧

And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيءِ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ أشَدَّ الإنْكارِ، وإنَّما كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْجِيزًا لَهُ عَلى زَعْمِهِمْ، فَحَكى عَنْهم ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّخْطِئَةِ والِاسْتِنْكارِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ إمّا جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ جِيءَ بِها لِبَيانِ بُطْلانِ إنْكارِهِمْ لِمَجِيئِهِ في ضِمْنِ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ وإظْهارِخَطَئِهِمْ فِيهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُنْكِرُونَ مَجِيءَ العَذابِ المَوْعُودِ والحالُ أنَّهُ تَعالى لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلابُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوِ اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما ذُكِرَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ إنْ كانَتِ الأُولى حالِيَّةً، ومَعْطُوفَةٌ عَلَيْها إنْ كانَتِ اعْتِراضِيَّةً سِيقَتْ لِبَيانِ (p-112)خَطَئِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ المَذْكُورِ بِبَيانِ كَمالِ سَعَةِ ساحَةِ حِلْمِهِ تَعالى ووَقارِهِ وإظْهارِ غايَةِ ضِيقِ عَطْفِهِمُ المُسْتَنْبَعِ لِكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ تَعالى مُدَدًا طُوالًا عِنْدَهم حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾، ولِذَلِكَ يَرَوْنَ مَجِيئَهُ بَعِيدًا ويَتَّخِذُونَهُ ذَرِيعَةً إلى إنْكارِهِ ويَجْتَرِئُونَ عَلى الِاسْتِعْجالِ بِهِ ولا يَدْرُونَ أنَّ مِعْيارَ تَقْدِيرِ الأُمُورِ كُلِّها وُقُوعًا وأخْبارًا ما عِنْدَهُ تَعالى مِنَ المِقْدارِ. وقِراءَةُ "يُعِدُّونَ" عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ، أيْ يُعِدُّهُ المُسْتَعْجِلُونَ أوْفَقُ لِهَذا المَعْنى، وقَدْ جَعَلَ الخِطابَ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لَهم أيْضًا بِطَرِيقِ الِالتِفافِ، لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لِلرَّسُولِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَعْدِهِ تَعالى ما جُعِلَ لِهَلاكِ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مَوْعِدٍ مُعَيَّنٍ وأجَلٌ مُسَمّى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الأُولى حالِيَّةً كانَتْ أوِ اعْتِراضِيَّةً مُبَيِّنَةً لِبُطْلانِ الِاسْتِعْجالِ بِهِ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ مَجِيئِهِ قَبْلَ وقْتِهِ المَوْعُودِ، والجُمْلَةُ الأخِيرَةُ بَيانًا لِبُطْلانِهِ بِبَيانِ ابْتِناءٍ عَلى اسْتِطالَةِ ما هو قَصِيرٌ عِنْدَهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ، فَلا يَكُونُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ حِينَئِذٍ تَعَرُّضٌ لِإنْكارِهِمُ الَّذِي دَسُّوهُ تَحْتَ الِاسْتِعْجالِ بَلْ يَكُونُ الجَوابُ مَبْنِيًّا عَلى ظاهِرِ مَقالِهِمْ، ويُكْتَفى في رَدِّ إنْكارِهِمْ بِبَيانِ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِن أمْثالِهِمْ هَذا وحَمْلُ المُسْتَعْجَلِ بِهِ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ وجَعَلَ اليَوْمَ عِبارَةً عَنْ يَوْمِ العَذابِ المُسْتَطالِ لِشِدَّتِهِ أوْ عَنْ أيّامِ الآخِرَةِ الطَّوِيلَةِ حَقِيقَةً أوِ المُسْتَطالَةِ لِشِدَّةِ عَذابِها مِمّا لا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الجَلِيلِ ولا سِياقُهُ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما ناطِقٌ بِأنَّ المُرادَ هو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ وأنَّ الزَّمانَ المُمْتَدَّ هو الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ حُلُولِهِ بِطَرِيقِ الإمْلاءِ والإمْهالِ لا الزَّمانِ المُقارَنِ لَهُ.

22:48Page 338

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨

And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.

ألّا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ إلَخِ فَإنَّهُ كَما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ: هو الأخْذُ العاجِلُ الشَّدِيدُ بَعْدَ الإمْلاءِ المَدِيدِ، أيْ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في الإعْرابِ ورَجَعَ الضَّمائِرَ والأحْكامَ مُبالَغَةً في التَّعْمِيمِ والتَّهْوِيلِ.

﴿أمْلَيْتُ لَها﴾ كَما أمْلَيْتُ لِهَؤُلاءِ حَتّى أنْكَرُوا مَجِيءَ ما وُعِدُوا مِنَ العَذابِ واسْتَعْجَلُوا بِهِ اسْتِهْزاءً بِرُسُلِهِمْ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ.

﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ حِلْمِهِ تَعالى ومُشْعِرَةٌ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِظُلْمِ المُسْتَعْجِلِينَ، أيْ: أمْلَيْتُ لَها، والحالُ أنَّها ظالِمَةٌ مُسْتَوْجِبَةٌ لِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ.

﴿ثُمَّ أخَذْتُها﴾ بِالعَذابِ والنَّكالِ بَعْدَ طُولِ الإمْلاءِ والإمْهالِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلَيَّ المَصِيرُ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُصَرِّحٌ بِما أفادَهُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ مِن أنَّ مَآلَ أمْرِ المُسْتَعْجِلِينَ أيْضًا ما ذُكِرَ مِنَ الأخْذِ الوَبِيلِ، أيْ: إلى حُكْمِي مَرْجِعُ الكُلِّ جَمِيعًا لا إلى أحَدٍ غَيْرِي لا اسْتِقْلالًا ولا شَرِكَةً فَأفْعَلُ بِهِمْ ما أفْعَلُ مِمّا يَلِيقُ بِأعْمالِهِمْ.

22:49Page 338

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩

Say, "O people, I am only to you a clear warner."

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم إنْذارًا بَيِّنًا بِما أُوحِيَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي دَخْلٌ في إتْيانِ ما تُوعِدُونَهُ مِنَ العَذابِ حَتّى تَسْتَعْجِلُونِي بِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى الإنْذارِ مَعَ بَيانِ حالِ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَهُ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّ مَساقَ الحَدِيثِ لِلْمُشْرِكِينَ وعِقابِهِمْ، وإنَّما ذُكِرَ المُؤْمِنُونَ وثَوابُهم زِيادَةً في غَيْظِهِمْ.

22:50Page 338

فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠

And those who have believed and done righteous deeds - for them is forgiveness and noble provision.

(p-113)﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِما نَدَرَ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هي الجَنَّةُ، والكَرِيمُ مِن كُلِّ نَوْعٍ ما يَجْمَعُ فَضائِلَهُ ويَحُوزُ كَمالاتِهِ.

22:51Page 338

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١

But the ones who strove against Our verses, [seeking] to cause failure1 - those are the companions of Hellfire.

﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سابِقِينَ أوْ مُسابِقِينَ في زَعْمِهِمْ وتَقْدِيرِهِمْ طامِعِينَ أنَّ كَيْدَهم لِلْإسْلامِ يَتِمُّ لَهم. وأصْلُهُ مَن عاجَزَهُ وعَجَّزَهُ فَأعْجَزَهُ: إذا سابَقَهُ فَسَبَقَهُ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَسابِقِينَ يُرِيدُ إعْجازَ الآخَرِ عَنِ اللَّحاقِ بِهِ. وقُرِئَ: "مُعَجِّزِينِ" أيْ: مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ السَّعْيِ والمُعاجَزَةِ ﴿أصْحابُ الجحيم﴾ أيْ: مُلازِمُو النّارَ المُوقَدَةَ، وقِيلَ: هو اسْمُ دَرْكَةٍ مِن دَرَكاتِها.

22:52Page 338

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٢

And We did not send before you any messenger or prophet except that when he spoke [or recited], Satan threw into it [some misunderstanding]. But Allāh abolishes that which Satan throws in; then Allāh makes precise His verses.1 And Allāh is Knowing and Wise.

﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ الرَّسُولُ مَن بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ يَدْعُو النّاسَ إلَيْها، والنَّبِيُّ يَعُمُّهُ ومَن بَعَثَهُ لِتَقْرِيرِ شَرِيعَةٍ سابِقَةٍ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذَلِكَ شَبَّهَ ﷺ عُلَماءَ أُمَّتِهِ بِهِمْ فالنَّبِيُّ أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأنْبِياءِ فَقالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. قِيلَ: فَكَمِ الرُّسُلُ مِنهم ؟ فَقالَ: ثَلَثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا.» وقِيلَ: الرَّسُولُ مَن جَمَعَ إلى المُعْجِزَةِ كِتابًا مُنَـَزَّلًا عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ مَن لا كِتابَ لَهُ. وقِيلَ: الرَّسُولُ مَن يَأْتِيهِ المَلَكُ بِالوَحْيِ، والنَّبِيُّ يُقالُ لَهُ ولِمَن يُوحى إلَيْهِ في المَنامِ.

﴿إلا إذا تَمَنّى﴾ أيْ: هَيَّأ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ ﴿ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ في تَشَهِّيهِ ما يُوجِبُ اشْتِغالَهُ بِالدُّنْيا كَما قالَ ﷺ: ﴿وَإنَّهُ ليُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ .

﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ فَيُبْطِلُهُ ويَذْهَبُ بِهِ بِعِصْمَتِهِ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِ وإرْشادِهِ إلى ما يُزِيحُهُ.

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ أيْ: يُثْبِتُ آياتِهِ الدّاعِيَةَ إلى الِاسْتِغْراقِ في شُئُونِ الحَقِّ، وصِيغَةِ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي، وإظْهارِ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإيذانِ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ أحْكامِ آياتِهِ الباهِرَةِ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِكُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ عَنِ العِبادِ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ عَمْدًا أوْ خَطَأً.

﴿حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ ما يَفْعَلُ. والإظْهارُ هَهُنا أيْضًا لِما ذُكِرَ مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ. قِيلَ: حَدَّثَ نَفْسَهُ بِزَوالِ المَسْكَنَةِ فَنَـزَلَتْ، وقِيلَ: تَمَنّى لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ أنْ يَنْـزِلَ عَلَيْهِ ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ واسْتَمَرَّ بِهِ ذَلِكَ حَتّى كانَ في نادِيهِمْ فَنَـَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ النَّجْمِ، فَأخَذَ يَقْرَؤُها فَلَمّا بَلَغَ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى وسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ حَتّى سَبَقَ لِسانُهُ سَهْوًا إلى أنْ قالَ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَفَرِحَ بِهِ المُشْرِكُونَ حَتّى شايَعُوهُ بِالسُّجُودِ لَمّا سَجَدَ في آخِرِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ في المَسْجِدِ مُؤْمِنٌ ولا مُشْرِكٌ إلّا سَجَدَ، ثُمَّ نَبَّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاغْتَنَمَ بِهِ فَعَزّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ ولَئِنْ صَحَّ فابْتِلاءٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ الثّابِتُ عَلى الإيمانِ عَنِ الُمَتَـزَلْزِلِ فِيهِ. وقِيلَ: (p-114)تَمَنّى بِمَعْنى قَرَأ كَقَوْلِهِ:

؎ تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ ∗∗∗ تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رُسُلِ

وَأمْنِيَّتُهُ: قِراءَتُهُ. وإلْقاءُ الشَّيْطانِ فِيها: أنْ يَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ رافِعًا صَوْتَهُ بِحَيْثُ ظَنَّ السّامِعُونَ أنَّهُ مِن قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ رُدَّ بِأنَّهُ أيْضًا يُخِلُّ بِالوُثُوقِ بِالقرآن ولا يَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ لِأنَّهُ أيْضًا يَحْتَمِلُهُ. وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ السَّهْوِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وتَطَرُّقُ الوَسْوَسَةِ إلَيْهِمْ.

22:53Page 338

لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٣

[That is] so He may make what Satan throws in [i.e., asserts] a trial for those within whose hearts is disease1 and those hard of heart. And indeed, the wrongdoers are in extreme dissension.

﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ عِلَّةٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ما ذِكِرَ مِنَ إلْقاءِ الشَّيْطانِ مِن تَمْكِينِهِ تَعالى إيّاهُ مِن ذَلِكَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً كَما يُعْرِبُ عَنْهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِما أنَّ تَمْكِينَهُ تَعالى إيّاهُ مِنَ الإلْقاءِ في حَقِّ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِما سَيَأْتِي، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يُلْقِيهِ أمَرٌ ظاهِرٌ يَعْرِفُهُ المُحِقُّ والمُبْطِلُ.

﴿فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ ونِفاقٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ...﴾ الآيَةَ.

﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ ﴿وَإنَّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ مَعَ ما وُصِفُوا بِهِ مِنَ المَرَضِ والقَساوَةِ.

﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَداوَةٍ شَدِيدَةٍ ومُخالَفَةٍ تامَّةٍ. ووَصَفَ الشِّقاقَ بِالبُعْدِ مَعَ أنَّ المَوْصُوفَ بِهِ حَقِيقَةٌ هو مَعْرُوضَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونٍ ما قَبْلَهُ.

22:54Page 338

وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٤

And so those who were given knowledge may know that it is the truth from your Lord and [therefore] believe in it, and their hearts humbly submit to it. And indeed is Allāh the Guide of those who have believed to a straight path.

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ﴾ أيِ: القرآن ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: هو الحَقُّ النّازِلُ مِن عِنْدِهِ تَعالى، وقِيلَ: لَيَعْلَمُوا أنَّ تَمْكِينَ الشَّيْطانِ مِنَ الإلْقاءِ هو الحَقُّ المُتَضَمِّنُ لِلْحِكْمَةِ البالِغَةِ والغايَةِ الجَمِيلَةِ لِأنَّهُ مِمّا جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في جِنْسِ الإنْسِ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَخْصِيصِ التَّمْكِينِ فِيما سَبَقَ بِالإلْقاءِ في حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَكِنْ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ: بِالقرآن، أيْ: يَثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِهِ أوْ يَزْدادُوا إيمانًا بِرَدِّ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم بِالِانْقِيادِ والخَشْيَةِ والإذْعانِ لِما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، ورَجْعُ الضَّمِيرَيْنِ لا سِيَّما الثّانِي إلى تَمْكِينِ الشَّيْطانِ مِنَ الإلْقاءِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ.

﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ خُصُوصًا في المَداحِضِ والمُشْكِلاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ.

﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو النَّظَرُ الصَّحِيحُ المُوصِلُ إلى الحَقِّ الصَّرِيحِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقِرٌّ لِما قَبْلَهُ.

22:55Page 338

وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ ٥٥

But those who disbelieve will not cease to be in doubt of it until the Hour comes upon them unexpectedly or there comes to them the punishment of a barren Day.1

﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ﴾ أيْ: في شَكٍّ وجِدالٍ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القرآن، وقِيلَ: مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ بِشَهادَةِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ . وأمّا تَجْوِيزُ كَوْنِ الضَّمِيرِ (p-115)"لِما ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ" فَمِمّا لا مَساغَ لَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن هَناتِهِمُ الَّتِي تَسْتَمِرُّ إلى الأمَدِ المَذْكُورِ، بَلْ إنَّما هي مَرِيَّتُهم في شَأْنِ القرآن ولا يُجْدِي حَمْلٌ مِن عَلى السَّبَبِيَّةِ دُونَ الِابْتِدائِيَّةِ لِما أنَّ مَرِيَّتَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ، كَما أنَّها لَيْسَتْ مُبْتَدَأةً مِن ذَلِكَ لَيْسَتْ ماشِئَةً مِنهُ ضَرُورَةَ أنَّها مُسْتَمِرَّةٌ مِنهم مِن لَدُنْ نُزُولِ القرآن الكَرِيمِ.

﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ نَفْسُها، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فُجاءَةٌ فَإنَّها المَوْصُوفَةُ بِالإتْيانِ كَذَلِكَ لا أشْراطُها، وقِيلَ: المَوْتُ.

﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أيْ: يَوْمٌ لا يَوْمَ بَعْدَهُ، كَأنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَلِدُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأيّامِ فَما لا يَوْمَ بَعْدَهُ يَكُونُ عَقِيمًا، والمُرادُ بِهِ: السّاعَةُ أيْضًا، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ يَأْتِيَهم عَذابُها فَوَضَعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ ولا سَبِيلَ إلى حَمْلِ السّاعَةِ عَلى أشْراطِها لِما عَرَفْتَهُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: يَوْمُ حَرْبٍ يُقَتِّلُونَ فِيهِ كَيَوْمِ بَدْرٍ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّ أوْلادَ النِّساءِ يُقْتَلُونَ فِيهِ فَيَصِرْنَ كَأنَّهُنَّ عُقُمٌ لَمْ يَلِدْنَ، أوْ لِأنَّ المُقاتِلِينَ أبْناءُ الحَرْبِ فَإذا قُتِلُوا صارَتْ عَقِيمًا، أيْ: ثَكْلى، فَوَصَفَ اليَوْمُ بِوَصْفِها اتِّساعًا أوْ لِأنَّهُ لا خَيْرَ لَهم فِيهِ، ومِنهُ الرِّيحُ العَقِيمُ لِما لَمْ يُنْشِئِ مَطَرًا ولَمْ يُلَقِّحْ شَجَرًا، أوْ لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ لِقِتالِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أصْلًا، كَيْفَ لا وإنَّ تَخْصِيصَ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ بَيانُ ما يَقَعُ فِيهِ مِن حُكْمِهِ تَعالى بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِالثَّوابِ والعَذابِ الأُخْرَوِيَّيْنِ يَقْضِي بِأنَّ المُرادَ بِهِ: يَوْمُ القِيامَةِ قَضاءً بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ.

22:56Page 339

ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٥٦

[All] sovereignty that Day is for Allāh;1 He will judge between them. So they who believed and did righteous deeds will be in the Gardens of Pleasure.

﴿المُلْكُ﴾ أيِ: السُّلْطانُ القاهِرُ، والِاسْتِيلاءُ التّامُّ، والتَّصَرُّفُ عَلى الإطْلاقِ.

﴿يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وحْدَهُ بِلا شَرِيكٍ أصْلًا بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ لِأحَدٍ تَصَرُّفٌ مِنَ التَّصَرُّفاتِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ لا حَقِيقَةً ولا مَجازًا ولا صُورَةً ولا مَعْنًى كَما في الدُّنْيا، فَإنَّ لِلْبَعْضِ فِيها تَصَرُّفًا صُورِيًّا في الجُمْلَةِ، ولَيْسَ التَّنْوِينُ نائِبًا عَمّا تَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ مِن زَوالِ مَرِيَّتِهِمْ كَما قِيلَ، ولا عَمّا يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِنَ اِيمانِهِمْ كَما قِيلَ، لِما أنَّ القَيْدَ المُعْتَبَرَ مَعَ اليَوْمِ حَيْثُ وُسِّطَ بَيْنَ طَرَفَيِ الجُمْلَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَدارًا لِحُكْمِها، أعْنِي: كَوْنَ المُلْكِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الإثابَةِ والتَّعْذِيبِ، ولا رَيْبَ في أنَّ إيمانَهم أوْ زَوالَ مَرِيِّتِهِمْ لَيْسَ مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ ما بِما ذُكِرَ فَضْلًا عَنِ المَدارِيَّةِ لَهُ فَلا سَبِيلَ إلى اعْتِبارِ شَيْءٍ مِنهُما مَعَ اليَوْمِ قَطْعًا، وإنَّما الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ إتْيانُ السّاعَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى تَصَرُّفاتِ الخَلْقِ ومَبْدَأُ ظُهُورِ أحْكامِ المَلِكِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ. فَإذَنْ هو نائِبٌ عَنْ نَفْسِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ غايَةً لَمَرِيَّتِهِمْ، فالمَعْنى: المُلْكُ يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ أوْ عَذابُها لِلَّهِ تَعالى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِكَوْنِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُصْنَعُ بِهِمْ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يَحْكُمُ بَيْنَ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ بِهِ والمُمارِينَ فِيهِ بِالمُجازاةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخِ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ وتَفْصِيلٌ لَهُ، أيْ: فالَّذِينَ آمَنُوا بِالقرآن الكَرِيمِ ولَمْ يُمارُوا فِيهِ ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ امْتِثالًا بِما أُمِرُوا في تَضاعِيفِهِ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها.

22:57Page 339

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥٧

And they who disbelieved and denied Our signs - for those there will be a humiliating punishment.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في (p-116)الشَّرِّ والفَسادِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم عَذابٌ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ وقَعَتْ خَبَرًا لِأُولَئِكَ، أوْ لَهم خَبَرٌ لِأُولَئِكَ وعَذابٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالِاسْتِقْرارِ في الجارِّ والمَجْرُورِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، وأُولَئِكَ مَعَ خَبَرِهِ عَلى الوَجْهَيْنِ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ، وتَصْدِيرُهُ بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ الكَفّارِ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ كَما أنَّ تَجْرِيدَ خَبَرِ المَوْصُولِ الأوَّلِ عَنْها لِلْإيذانِ بِأنَّ إثابَةَ المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا لِإيجابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ إيّاها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُهِينٌ﴾ صِفَةٌ لِعَذابٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ مِن وُجُوهٍ شَتّى ما لا يَخْفى.

22:58Page 339

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٥٨

And those who emigrated for the cause of Allāh and then were killed or died - Allāh will surely provide for them a good provision. And indeed, it is Allāh who is the best of providers.

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في الجِهادِ حَسَبَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ أيْ: في تَضاعِيفِ المُهاجِرَةِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ ومَن مَنَعَ وُقُوعَ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ يُضْمِرُ قَوْلًا هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الرَّعْيِ والذَّبْحِ، أيْ: مَرْزُوقًا حَسَنًا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ والمُرادُ بِهِ: ما لا يَنْقَطِعُ أبَدًا مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، وإنَّما سَوّى بَيْنَهُما في الوَعْدِ لِاسْتِوائِهِما في القَصْدِ، وأصْلُ العَمَلِ عَلى أنَّ مَراتِبَ الحُسْنِ مُتَفاوِتَةٌ فَيَجُوزُ تَفاوُتُ حالِ المَرْزُوقِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ الأرْزاقِ الحَسَنَةِ. ورُوِيَ «أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قُتِلُواْ في سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَيْرِ ونَحْنُ نُجاهِدُ مَعَكَ كَما جاهَدُوا فَما لَنا إنْ مُتْنا مَعَكَ ؟ فَنَـزَلَتْ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في طَوائِفَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لِلْهِجْرَةِ فَتَبِعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهم.

﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإنَّهُ يَرْزُقُ بِغَيْرِ حِسابٍ مَعَ أنَّ ما يَرْزُقُهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ غَيْرُهُ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

22:59Page 339

لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ ٥٩

He will surely cause them to enter an entrance with which they will be pleased, and indeed, Allāh is Knowing and Forbearing.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ. و"مُدْخَلًا" إمّا اسْمُ مَكانٍ أُرِيدَ بِهِ الجَنَّةَ فَهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْإدْخالِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُكِّدَ بِهِ فِعْلُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّما قِيلَ: يَرْضَوْنَهُ لِما أنَّهم يَرَوْنَ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ فَيَرْضَوْنَهُ.

﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ وأحْوالِ مُعادِيهِمْ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ.

22:60Page 339

۞ ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٦٠

That [is so]. And whoever responds [to injustice] with the equivalent of that with which he was harmed and then is tyrannized - Allāh will surely aid him. Indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.1

﴿ذَلِكَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ.

﴿وَمَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ أيْ: لَمْ يَزِدْ في الِاقْتِصاصِ، وإنَّما سُمِّيَ الِابْتِداءُ بِالعِقابِ الَّذِي هو جَزاءُ الجِنايَةِ لِلْمُشاكَلَةِ أوْ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ بِالمُعاوَدَةِ إلى العُقُوبَةِ ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ عَلى مَن بَغى عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ: مُبالَغٌ في العَفْوِ والغُفْرانِ، (p-117)فَيَعْفُو عَنِ المُنْتَصِرِ ويَغْفِرُ لَهُ ما صَدَرَ عَنْهُ مِن تَرْجِيحِ الِانْتِقامِ عَلى العَفْوِ والصَّبْرِ المَندُوبِ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ ...﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ، فَإنَّ فِيهِ حَثًّا بَلِيغًا عَلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَإنَّهُ تَعالى مَعَ كَمالِ قدرته لَمّا كانَ يَعْفُو ويَغْفِرُ فَغَيْرُهُ أوْلى بِذَلِكَ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى العُقُوبَةِ إذْ لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском