Abu as-Su'udAl‑Hajj · 22:61–78

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:61–78

22:61Page 339

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٦١

That1 is because Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and because Allāh is Hearing and Seeing.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى النَّصْرِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى مِن شَأْنِهِ وسُنَنِهِ تَغْلِيبُ بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى بَعْضٍ والمُداوَلَةُ بَيْنَ الأشْياءِ المُتَضادَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِإدْخالِ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ بِأنْ يَزِيدَ فِيهِ ما يَنْقُصُ عَلى الآخَرِ أوْ بِتَحْصِيلِ أحَدِهِما في مَكانِ الآخَرِ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ المَوادِّ وأُوَضَحَها.

﴿وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ بِكُلِّ المَسْمُوعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُ المُعاقَبِ.

﴿بَصِيرٌ﴾ بِجَمِيعِ المُبْصِراتِ ومِن جُمْلَتِها أفْعالُهُ.

22:62Page 339

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٦٢

That is because Allāh is the True Reality, and that which they call upon other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الِاتِّصافُ بِما ذَكَرَ مِن كَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ آنِفًا، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ الواجِبُ لِذاتِهِ الثّابِتُ في نَفْسِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وحْدَهُ، فَإنَّ وُجُوبَ وجُودِهِ ووَحْدَتِهِ يَقْتَضِيانِ كَوْنَهُ مَبْدَأً لِكُلِّ ما يُوجَدُ مِنَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، أوِ الثّابِتُ إلَهِيَّةً فَلا يَصْلُحُ لَها إلّا مَن كانَ عالِمًا قادِرًا.

﴿وَأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلَهًا، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ الواوَ لِما فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ، وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُشْرِكِينَ.

﴿هُوَ الباطِلُ﴾ أيِ: المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ أوِ الباطِلُ أُلُوهِيَّتُهُ.

﴿وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ﴾ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ ﴿الكَبِيرُ﴾ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ لا شَيْءَ أعْلى مِنهُ شَأْنًا وأكْبَرَ سُلْطانًا.

22:63Page 339

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَتُصۡبِحُ ٱلۡأَرۡضُ مُخۡضَرَّةًۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ٦٣

Do you not see that Allāh has sent down rain from the sky and the earth becomes green? Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.2

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرٌ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الرَّفْعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بِالعَطْفِ عَلى "أنْزَلَ" . وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلْإشْعارِ بِتَجَدُّدِ أثَرِ الإنْزالِ واسْتِمْرارِهِ، أوْ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ الِاخْضِرارِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ يَصِلُ لُطْفُهُ أوْ عِلْمُهُ إلى كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما يَلِيقُ مِنَ التَّدابِيرِ الحَسَنَةِ ظاهِرًا وباطِنًا.

22:64Page 339

لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦٤

To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth. And indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَوْجِبُ لِلْحَمْدِ بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ.

22:65Page 340

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٦٥

Do you not see that Allāh has subjected to you whatever is on the earth and the ships which run through the sea by His command? And He restrains the sky from falling upon the earth, unless by His permission. Indeed Allāh, to the people, is Kind and Merciful.

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ أيْ: جَعَلَ ما فِيها مِنَ الأشْياءِ مُذَلَّلَةً لَكم مُعَدَّةً لِمَنافِعِكم، تَتَصَرَّفُونَ فِيها كَيْفَ شِئْتُمْ فَلا (p-118)أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ ولا أشَدَّ مِنَ الحَدِيدِ ولا أهْيَبَ مِنَ النّارِ، وهي مُسَخَّرَةٌ لَكم. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.

﴿والفُلْكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما" أوْ عَلى اسْمِ "أنَّ" . وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ حالٌ مِنَ الفُلْكِ عَلى الأوَّلِ وخَبَرٌ عَلى الأخِيرَيْنِ.

﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ أيْ: مِن أنْ تَقَعَ، أوْ كَراهَةَ أنْ تَقَعَ بِأنْ خَلَقَها عَلى هَيْئَةٍ مُتَداعِيَةٍ إلى الِاسْتِمْساكِ.

﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِمَشِيئَتِهِ وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، وفِيهِ رَدٌّ لِاسْتِمْساكِها بِذاتِها فَإنَّها مُساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ لِسائِرِ الأجْسامِ القابِلَةِ لِلْمَيْلِ الهابِطِ فَتَقْبَلُهُ كَقَبُولِ غَيْرِها.

﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَهم أسْبابَ مَعاشِهِمْ وفَتَحَ عَلَيْهِمْ أبْوابَ المَنافِعِ وأوْضَحَ لَهم مَناهِجَ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْـزِيلِيَّةِ.

22:66Page 340

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ ٦٦

And He is the one who gave you life; then He causes you to die and then will [again] give you life. Indeed, mankind is ungrateful.

﴿وَهُوَ الَّذِي أحْياكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ جَمادًا عَناصِرَ ونُطَفًا حَسَبَما فُصِّلَ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.

﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْدَ مَجِيءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ عِنْدَ البَعْثِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ أيْ: جَحُودٌ لِلنِّعَمِ مَعَ ظُهُورِها. وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِوَصْفِ بَعْضِ أفْرادِهِ.

22:67Page 340

لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ ٦٧

For every [religious] community We have appointed rites which they perform. So, [O Muḥammad], let them [i.e., the disbelievers] not contend with you over the matter but invite [them] to your Lord. Indeed, you are upon straight guidance.

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ لِزَجْرِ مُعاصِرِيهِ ﷺ مِن أهْلِ الأدْيانِ السَّماوِيَّةِ عَنْ مُنازَعَتِهِ ﷺ بِبَيانِ حالِ ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ وإظْهارِ خَطَئِهِمْ في النَّظَرِ، أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ والباقِيَةِ ﴿جَعَلْنا﴾ أيْ: وضَعْنا وعَيَّنّا ﴿مَنسَكًا﴾ أيْ: شَرِيعَةً خاصَّةً لا لِأُمَّةٍ أُخْرى مِنهم، عَلى مَعْنى: عَيَّنّا كُلَّ شَرِيعَةٍ لِأُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأُمَمِ بِحَيْثُ لا تَتَخَطّى أُمَّةٌ مِنهم شَرِيعَتَها المُعَيَّنَةَ لَها إلى شَرِيعَةٍ أُخْرى لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ صِفَةٌ لِمَنسَكًا مُؤَكِّدَةٌ لِلْقَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ، والضَّمِيرُ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ بِاعْتِبارِ خُصُومِها، أيْ: تِلْكَ الأُمَّةُ المُعَيَّنَةُ ناسِكُوهُ والعامِلُونَ بِهِ لا أُمَّةٌ أُخْرى، فالأُمَّةُ الَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَنسَكُهُمُ التَّوْراةُ هم ناسِكُوها والعامِلُونَ بِها لا غَيْرُهم، والَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ عِيسى إلى مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ مَنسَكُهُمُ الإنْجِيلُ هم ناسِكُوهُ والعامِلُونَ بِهِ لا غَيْرُهم، وأمّا الأُمَّةُ المَوْجُودَةُ عِنْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن بَعْدَهم مِنَ المَوْجُودِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ مَنسَكُهُمُ الفُرْقانُ لَيْسَ إلّا كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ .

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ لِتَرْتِيبٍ إلَهِيٍّ أوْ مُوجِبِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ تَعْيِينَهُ تَعالى لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِهِمْ هَذِهِ الأُمَّةُ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً بِحَيْثُ لا تَتَخَطّى أُمَّةٌ مِنهم شَرِيعَتَها المُعَيَّنَةَ لَها مُوجِبٌ لِطاعَةِ هَؤُلاءِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَدَمِ مُنازَعَتِهِمْ إيّاهُ في أمْرِ الدِّينِ زَعْمًا مِنهم أنَّ شَرِيعَتَهم ما عُيِّنَ لِآبائِهِمُ الأوَّلِينَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَإنَّهُما شَرِيعَتانِ لِمَن مَضى مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ انْتِساخِهِما، وهَؤُلاءِ أُمَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مَنسَكُهُمُ القرآن المَجِيدُ فَحَسْبُ. والنَّهْيُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ كُلِّيَّتِهِ عَنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنِ الِالتِفاتِ إلى نِزاعِهِمْ لِلنَّبِيِّ عَلى زَعْمِهِمُ المَذْكُورِ. وأمّا جَعْلُهُ عِبارَةً عَنْ نَهْيِهِ ﷺ (p-119)عَنْ مُنازَعَتِهِمْ فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ. وقُرِئَ "فَلا يَنْـزَعَنَّكَ" عَلى تَهْيِيجِهِ ﷺ، والمُبالَغَةُ في تَثْبِيتِهِ، وأيًّا ما كانَ فَمَحَلُّ النِّزاعِ ما ذَكَرْناهُ وتَخْصِيصُهُ بِأمْرِ النَّسائِكِ وجَعْلُهُ عِبارَةً عَنْ قَوْلِ الخُزاعِيِّينَ وغَيْرِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ ما لَكم تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُوا ما قَتَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا كَيْفَ لا وأنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ أكْلُ المَيْتَةِ وسائِرُ ما يُدِينُونَهُ مِنَ الأباطِيلِ مِن جُمْلَةِ المَناسِكِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ الأُمَمِ ولا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ عاقِلٌ.

﴿وادْعُ﴾ أيْ: وادْعُهم، أوْ وادْعُ النّاسَ كافَّةً عَلى أنَّهم داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إلى رَبِّكَ﴾ إلى تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ حَسَبَما بُيِّنَ لَهم في مَنسَكِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ.

﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ مُوصِلٍ إلى الحَقِّ سَوِيٍّ. والمُرادُ بِهِ: إمّا الدِّينُ والشَّرِيعَةُ، أوْ أدِلَّتُها.

22:68Page 340

وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٦٨

And if they dispute with you, then say, "Allāh is most knowing of what you do.

﴿وَإنْ جادَلُوكَ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّحْقِيقِ ولُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿فَقُلِ﴾ لَهم عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُجادِلَةُ.

22:69Page 340

ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٦٩

Allāh will judge between you on the Day of Resurrection concerning that over which you used to differ."

﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يَفْصِلُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنكم والكافِرِينَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِالثَّوابِ والعِقابِ كَما فَصَلَ في الدُّنْيا بِالحُجَجِ والآياتِ.

﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ.

22:70Page 340

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧٠

Do you not know that Allāh knows what is in the heaven and earth? Indeed, that is in a Record.1 Indeed that, for Allāh, is easy.

﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: قَدْ عَلِمْتَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَقُولُهُ الكَفَرَةُ وما يَعْمَلُونَهُ.

﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما في السَّماءِ والأرْضِ ﴿فِي كِتابٍ﴾ هو اللَّوْحُ قَدْ كُتِبَ فِيهِ قَبْلَ حُدُوثِهِ فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُهم مَعَ عِلْمِنا بِهِ وحِفْظِنا لَهُ.

﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ العِلْمِ والإحاطَةِ بِهِ وإثْباتِهِ في اللَّوْحِ، أوِ الحُكْمِ بِبَيْنِكم ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فَإنَّ عِلْمَهُ وقدرته مُقْتَضى ذاتِهِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَعْسُرُ عَلَيْهِ مَقْدُورٌ.

22:71Page 340

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ ٧١

And they worship besides Allāh that for which He has not sent down authority and that of which they have no knowledge. And there will not be for the wrongdoers any helper.

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضِ أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وأحْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ ورَكاكَةِ آرائِهِمْ مِن بِناءِ أمْرِ دِينِهِمْ عَلى غَيْرِ مَبْنًى مِن دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ وإعْراضِهِمْ عَمّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ بَيِّنٍ هو أساسُ الدِّينِ وقاعِدَتُهُ أشَدُّ إعْراضٍ، أيْ: يَعْبُدُونَ مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ.

﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِجَوازِ عِبادَتِهِ ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً.

﴿وَما لَيْسَ لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِجَوازِ عِبادَتِهِ ﴿عِلْمٌ﴾ مِن ضَرُورَةِ العَقْلِ أوِ اسْتِدْلالِهِ.

﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ارْتَكَبُوا مِثْلَ هَذا الظُّلْمِ العَظِيمِ الَّذِي يَقْضِي بِبُطْلانِهِ وكَوْنِهِ ظُلْمًا بَدِيهَةُ العُقُولِ ﴿مِن نَصِيرٍ﴾ يُساعِدُهم بِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ وتَقْرِيرِ رَأْيِهِمْ، أوْ بِدَفْعِ العَذابِ الَّذِي يَعْتَرِيهِمْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.

22:72Page 340

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٢

And when Our verses are recited to them as clear evidences, you recognize in the faces of those who disbelieve disapproval. They are almost on the verge of assaulting those who recite to them Our verses. Say, "Then shall I inform you of [what is] worse than that?1 [It is] the Fire which Allāh has promised those who disbelieve, and wretched is the destination."

(p-120)﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ عَطْفٌ عَلى "يَعْبُدُونَ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.

﴿بَيِّناتٍ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِها واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى العَقائِدِ الحَقَّةِ والأحْكامِ الصّادِقَةِ، أوْ عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، أوْ عَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ أيِ: الإنْكارَ كالمُكْرَمِ بِمَعْنى الإكْرامِ، أوِ الفَظِيعَ مِنَ التَّجَهُّمِ والبُسُورِ، أوِ الشَّرِّ الَّذِي يَقْصِدُونَهُ بِظُهُورِ مُخايِلِهِ مِنَ الأوْضاعِ والهَيْئاتِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيْ: يَثِبُونَ ويَبْطِشُونَ بِهِمْ مِن فَرْطِ الغَيْظِ والغَضَبِ لَأباطِيلَ أخَذُوها تَقْلِيدًا، وهَلْ جَهالَةٌ أعْظَمُ وأطَمُّ مِن أنْ يَعْبُدُوا ما لا يُوهِمُ صِحَّةَ عِبادَتِهِ شَيْءٌ ما أصْلًا بَلْ يَقْضِيَ بِبُطْلانِها العَقْلُ والنَّقْلُ ويُظْهِرُوا لِمَن يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ البَيِّنِ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ مِثْلَ هَذا المُنْكَرِ الشَّنِيعِ، كَلّا ولِهَذا وضَعَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَوْضِعَ الضَّمِيرِ.

﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإقْناطًا عَمّا يَقْصِدُونَهُ مِنَ الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ ﴿أفَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أأُخاطِبُكم فَأُخْبِرُكم ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ الَّذِي فِيكم مِن غَيْظِكم عَلى التّالِّينَ وسَطْوَتِكم بِهِمْ، أوْ مِمّا تَبْغُونَهم مِنَ الغَوائِلِ، أوْ مِمّا أصابَكم مِنَ الضَّجَرِ بِسَبَبِ ما تَلَوْهُ عَلَيْكم.

﴿النّارُ﴾ أيْ: هو النّارُ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما هو ؟ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . وقُرِئَ: "النّارَ" بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبِالجَرِّ بَدَلًا مِن "شَرٍّ" فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ اسْتِئْنافًا كالوَجْهِ الأوَّلِ، أوْ حالًا مِنَ النّارِ بِإضْمارِ قَدْ.

﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ النّارُ.

22:73Page 341

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ ٧٣

O people, an example is presented, so listen to it. Indeed, those you invoke besides Allāh will never create [as much as] a fly, even if they gathered together for it [i.e., that purpose]. And if the fly should steal from them a [tiny] thing, they could not recover it from him. Weak are the pursuer and pursued.1

﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أيْ: بُيِّنَ لَكم حالٌ مُسْتَغْرَبَةٌ أوْ قِصَّةٌ بَدِيعَةٌ رائِعَةٌ حَقِيقَةٌ بِأنْ تُسَمّى مَثَلًا وتَسِيرَ في الأمْصارِ والأعْصارِ، أوْ جُعِلَ لِلَّهِ مَثَلٌ، أيْ: مَثَلٌ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ ما حُكِيَ عَنْهم مِن عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ.

﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أيْ: لِلْمَثَلِ نَفْسِهِ اسْتِماعَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، أوْ فاسْتَمِعُوا لِأجْلِهِ ما أقُولُ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلَخِ بَيانٌ لِلْمَثَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ عَلى الأوَّلِ، وتَعْلِيلٌ لِبُطْلانِ جَعْلِهِمُ الأصْنامَ مِثْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ عَلى الثّانِي. وقُرِئَ بِياءِ الغَيْبَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ عَلى الأوَّلِينَ مَحْذُوفٌ.

﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ أيْ: لَنْ يَقْدِرُوا عَلى خَلْقِهِ أبَدًا مَعَ صِغَرِهِ وحَقارَتِهِ، فَإنَّ "لَنْ" بِما فِيها مِن تَأْكِيدِ النَّفْيِ دالَّةٌ عَلى مُنافاةِ ما بَيْنَ المَنفِيِّ والمَنفِيِّ عَنْهُ.

﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أيْ: لِخُلُقِهِ، وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى شُرْطِيَّةٍ أُخْرى مَحْذُوفَةٍ ثِقَةً بِدَلالَةِ هَذِهِ عَلَيْها، أيْ: لَوْ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لَنْ يَخْلُقُوهُ ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لَنْ يَخْلُقُوهُ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا، وهُما في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا (p-121)عَلى كُلِّ حالٍ.

﴿وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾ بَيانٌ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الِامْتِناعِ عَمّا يَفْعَلُ بِهِمُ الذُّبابُ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ خَلْقِهِ، أيْ: إنْ يَأْخُذِ الذُّبابُ مِنهم شَيْئًا ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ مَعَ غايَةِ ضَعْفِهِ، ولَقَدْ جُهِّلُوا غايَةَ التَّجْهِيلِ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ القادِرِ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ المُنْفَرِدِ بِإيجادِ كافَّةِ المَوْجُوداتِ تَماثِيلَ هي أعْجَزُ الأشْياءِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّها لا تَقْدِرُ عَلى أقَلِّ الأحْياءِ وأذَلِّها ولَوِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، بَلْ لا تَقْوى عَلى مُقاوَمَةِ هَذا الأقَلِّ الأذَلِّ وتَعْجِزُ عَنْ ذَبِّهِ عَنْ نَفْسِها واسْتِنْقاذِ ما يَخْتَطِفُهُ مِنها. قِيلَ: كانُوا يُطَيِّبُونَها بِالطِّيبِ والعَسَلِ ويُغْلِقُونَ عَلَيْها الأبْوابَ فَيَدْخُلُ الذُّبابُ مِنَ الكُوى فَيَأْكُلُهُ.

﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ أيْ: عابِدُ الصَّنَمِ ومَعْبُودُهُ، أوِ الذُّبابُ الطّالِبُ لِما يَسْلُبُهُ مِنَ الصَّنَمِ مِنَ الطِّيبِ والصَّنَمُ المَطْلُوبُ مِنهُ ذَلِكَ، أوِ الصَّنَمُ والذُّبابُ كَأنَّهُ يَطْلُبُهُ لَيَسْتَنْقِذَ مِنهُ ما يَسْلُبُهُ، ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الصَّنَمَ أضْعَفَ مِنَ الذُّبابِ بِدَرَجاتٍ، وعابِدَهُ أجْهَلُ مِن كُلِّ جاهِلٍ وأضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ.

22:74Page 341

مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤

They have not appraised Allāh with true appraisal.1 Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ وسَمَّوْا بِاسْمِهِ ما هو أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْهُ مُناسَبَةً.

﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ عَلى خَلْقِ المُمَكَّناتِ بِأسْرِها وإفْناءِ المَوْجُوداتِ عَنْ آخِرِها.

﴿عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ، وقَدْ عَرَفْتَ حالَ آلِهَتِهِمُ المَقْهُورَةِ لَأذَلَّها العَجَزَةُ عَنْ أقَلِّها. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ تَعالى.

22:75Page 341

ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٧٥

Allāh chooses from the angels messengers and from the people. Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.

﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ يَتَوَسَّطُونَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالوَحْيِ.

﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ وهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيِّدُونَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقُونَ بِكِلا العالَمَيْنِ الرَّوْحانِيِّ والجُسْمانِيِّ يَتَلَقَّوْنَ مِن جانِبٍ ويُلْقُونَ إلى جانِبٍ، ولا يَعُوقُهُمُ التَّعَلُّقُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى جَنابِ الحَقِّ فَيَدْعُونَهم إلَيْهِ تَعالى بِما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ويُعَلِّمُونَهُمُ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ وحْدانِيَّتَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ونَفى أنْ يُشارِكَهُ فِيها شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا مُصْطَفِّينَ لِلرِّسالَةِ يُتَوَسَّلُ بِإجابَتِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ إلى عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو أعْلى الدَّرَجاتِ وأقْصى الغاياتِ لِمَن عَداهُ مِنَ المَوْجُوداتِ تَقْرِيرًا لِلنُّبُوَّةِ وتَزْيِيفًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ وقَوْلُهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ وقَوْلُهُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأباطِيلِ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.

22:76Page 341

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٧٦

He knows what is [presently] before them and what will be after them.1 And to Allāh will be returned [all] matters.

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا.

22:77Page 341

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧

O you who have believed, bow and prostrate and worship your Lord and do good - that you may succeed.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ أيْ: في صَلَواتِكم أمَرَهم بِهِما لِما أنَّهم ما كانُوا يَفْعَلُونَهُما أوَّلَ الإسْلامِ أوْصَلُوا، عَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِهِما لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِها، أوِ اخْضَعُوا لِلَّهِ تَعالى وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا.

(p-122)﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ بِسائِرِ ما تَعَبَّدَكم بِهِ ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ وتَحَرَّوْا ما هو خَيْرٌ وأصْلَحُ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ كَنَوافِلِ الطّاعاتِ وصِلَةِ الأرْحامِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ.

﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيِ: افْعَلُوا هَذِهِ كُلَّها وأنْتُمْ راجُونَ بِها الفَلاحَ غَيْرَ مُتَيَقِّنِينَ لَهُ واثِقِينَ بِأعْمالِكم. والآيَةُ آيَةُ سَجْدَةٍ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِظاهِرِ ما فِيها مِنَ الأمْرِ بِالسُّجُودِ ولِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ مَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْها﴾ .

22:78Page 341

وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٧٨

And strive for Allāh with the striving due to Him. He has chosen you and has not placed upon you in the religion any difficulty. [It is] the religion of your father, Abraham. He [i.e., Allāh] named you "Muslims" before [in former scriptures] and in this [revelation] that the Messenger may be a witness over you and you may be witnesses over the people. So establish prayer and give zakāh and hold fast to Allāh. He is your protector; and excellent is the protector, and excellent is the helper.

﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ أيْ: لِلَّهِ تَعالى ولِأجْلِهِ أعْداءَ دِينِهِ الظّاهِرَةِ كَأهْلِ الزَّيْغِ والباطِنَةِ كالهَوى والنَّفْسِ، «وَعَنْهُ ﷺ أنَّهُ رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالَ: رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» .

﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أيْ: جِهادًا فِيهِ حَقًّا خالِصًا لِوَجْهِهِ، فَعَكَسَ وأُضِيفَ الحَقُّ إلى الجِهادِ مُبالَغَةً كَقَوْلِكَ: هو حُقٌّ عالَمٌ، وأُضِيفَ الجِهادُ إلى الضَّمِيرِ اتِّساعًا أوْ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ.

﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيْ: هو اخْتارَكم لِدِينِهِ ونُصْرَتِهِ لا غَيْرُهُ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَقْتَضِي الجِهادَ ويَدْعُو إلَيْهِ.

﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ أيْ: ضِيقٍ بِتَكْلِيفِ ما يَشُقُّ عَلَيْكم إقامَتُهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا مانِعَ لَهم عَنْهُ ولا عُذْرَ لَهم في تَرْكِهِ، أوْ إلى الرُّخْصَةِ في إغْفالِ بَعْضِ ما أمَرَهم بِهِ حَيْثُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وقِيلَ: ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَ لَهم مِن كُلِّ ذَنْبٍ مَخْرَجًا بِأنْ رَخَّصَ لَهم في المَضايِقِ وفَتَحَ لَهم بابَ التَّوْبَةِ وشَرَعَ لَهُمُ الكَفّاراتِ في حُقُوقِهِ والأُرُوشَ والدِّياتِ في حُقُوقِ العِبادِ.

﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ ما قَبْلَهُ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: وسَّعَ عَلَيْكم دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم، أوْ عَلى الإغْراءِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ. وإنَّما جَعَلَهُ أباهم لِأنَّهُ أبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو كالأبِ لِأُمَّتِهِ، مِن حَيْثُ أنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ ووُجُودِهِمْ عَلى الوَجْهِ المُعْتَدِّ بِهِ في الآخِرَةِ، أوْ لِأنَّ أكْثَرَ العَرَبِ كانُوا مِن ذُرِّيَّتِهِ ﷺ فَغُلِّبُوا عَلى غَيْرِهِمْ.

﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وَفِي هَذا﴾ أيْ: في القرآن، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: "اللَّهُ سَمّاكُمْ"، أوْ لِإبْراهِيمَ. وتَسْمِيَتُهم بِالمُسْلِمِينَ في القرآن وإنْ لَمْ تَكُنْ مِنهُ ﷺ كانَتْ بِسَبَبِ تَسْمِيَتِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ . وقِيلَ: ﴿وَفِي هَذا﴾ تَقْدِيرُهُ: وفي هَذا بَيانُ تَسْمِيَتِهِ إيّاكُمُ المُسْلِمِينَ.

﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِسَمّاكم ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بِأنَّهُ بَلَّغَكم، فَيَدُلُّ عَلى قَبُولِ شَهادَتِهِ لِنَفْسِهِ اعْتِمادًا عَلى عِصْمَتِهِ، أوْ بِطاعَةِ مَن أطاعَ وعِصْيانِ مَن عَصى.

﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِتَبْلِيغِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.

﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ: فَتَقَرَّبُوا إلى اللَّهِ بِأنْواعِ الطّاعاتِ، وتَخْصِيصِهِما بِالذِّكْرِ لِإنافَتِهِما وفَضْلِهِما.

﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: ثِقُوا بِهِ في مَجامِعِ أُمُورِكم ولا تَطْلُبُوا الإعانَةَ والنُّصْرَةَ إلّا مِنهُ.

﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكم ومُتَوَلِّي أُمُورَكم.

﴿فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ هو إذْ لا مَثَلَ لَهُ في الوِلايَةِ والنُّصْرَةِ، (p-123)بَلْ لا ولِيَ ولا نَصِيرَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ الحَجِّ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَحَجَّةٍ حَجَّها وعُمْرَةٍ اعْتَمَرَها بِعَدَدِ مَن حَجَّ واعْتَمَرَ فِيما مَضى وفِيما بَقى﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском