Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:23–44
23:23Page 343
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣
And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إهْمالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ وتَرْكِهِمُ النَّظَرَ والِاعْتِبارَ فِيما عُدِّدَ مِنَ النِّعَمِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، وعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ بِتَذْكِيرِ رُسُلِهِمْ وما حاقَ بِهِمْ لِذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ تَحْذِيرًا لِلْمُخاطَبِينَ، وتَقْدِيمُ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سائِرِ القِصَصِ مِمّا لا يَخْفى وجْهُهُ، وفي إيرادِها إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ"﴾ مِن حُسْنِ المَوْقِعِ ما لا يُوصَفُ، والواوُ ابْتِدائِيَّةٌ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وتَصْدِيرُ القِصَّةِ بِهِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلَخِ. ونَسَبُهُ الكَرِيمُ وكَيْفِيَّةُ بَعْثِهِ وكَمِّيَّةُ لُبْثِهِ فِيما بَيْنَهم قَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في (سُورَةِ الأعْرافِ ) و (سُورَةِ هُودٍ ) .
﴿فَقالَ﴾ مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِمْ ومُسْتَمِيلًا لَهم إلى الحَقِّ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ: اعْبُدُوهُ وحْدَهُ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ وتَرَكَ التَّقْيِيدِ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّها هي العِبادَةُ فَقَطْ، وأمّا العِبادَةُ بِالإشْراكِ فَلَيْسَتْ مِنَ العِبادَةِ في شَيْءٍ رَأْسًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ العِبادَةِ المَأْمُورِ بِها، أوْ تَعْلِيلُ الأمْرِ بِها. و"غَيْرُهُ" بِالرَّفْعِ صِفَةٌ (p-130)لِإلَهٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ الَّذِي هو الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "لَكُمْ"، أوْ مَحْذُوفٌ و"لَكُمْ" لِلتَّخْصِيصِ والتَّبْيِينِ، أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ أوْ في العالَمِ إلَهٌ غَيْرُهُ تَعالى. وقُرِئَ بِالجَرِّ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ.
﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ عِبادَتِهِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾، وقِيلَ: أفَلا تَخافُونَ أنْ تَرْفُضُوا عِبادَةَ اللَّهِ الَّذِي هو رَبُّكم إلَخِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: أفَلا تَخافُونَ أنْ يُزِيلَ عَنْكم نِعَمَهُ إلَخِ وفِيهِ ما فِيهِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أتَعْرِفُونَ ذَلِكَ ؟ أيْ: مَضْمُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ بِسَبَبِ إشْراكِكم بِهِ في العِبادَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ الوُجُودَ لَوْلا إيجادُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، فالمُنْكَرُ عَدَمُ الِاتِّقاءِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ، أوْ ألا تُلاحِظُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَّقُونَهُ ؟ فالمُنْكَرُ كِلا الأمْرَيْنِ فالمُبالَغَةُ حِينَئِذٍ في الكَمِّيَّةِ، وفي الأوَّلِ في الكَيْفِيَّةِ.
23:24Page 343
فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.
﴿فَقالَ المَلأُ﴾ أيِ: الأشْرافُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ وصَفَ المَلَأ بِما ذَكَرَ مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ فِيهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ فِيهِ، أيْ: قالُوا لِعَوامِّهِمْ ﴿ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: في الجِنْسِ والوَصْفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَكم وبَيْنَهُ. وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في وضْعِ رُتْبَتِهِ العالِيَةِ وحَطِّها عَنْ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ.
﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يُرِيدُ أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَتَقَدَّمَكم بِادِّعاءِ الرِّسالَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِثْلَكم وصَفُوهُ بِذَلِكَ إغْضابًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإغْراءً لَهم عَلى مُعاداتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ رِسالَةِ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ بَعْدَ تَحْقِيقِ بَشَرِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إرْسالَ الرَّسُولِ لَأرْسَلَ رُسُلًا مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما قِيلَ: لَأُنْزِلَ لِأنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ لا يَكُونُ إلّا بِطَرِيقِ الإنْزالِ، فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مُطْلَقُ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الجَوابِ لا نَفْسُ مَضْمُونِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ ونَظائِرِهِ.
﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيْ: بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ الَّذِي هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ خاصَّةً وتَرْكُ عِبادَةِ ما سِواهُ، وقِيلَ: بِمِثْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوى النُّبُوَّةِ.
﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيِ: الماضِينَ قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالُوهُ إمّا لِكَوْنِهِمْ وآبائِهِمْ في فَتْرَةٍ مُتَطاوِلَةٍ، وإمّا لِفَرْطِ غُلُوِّهِمْ في التَّكْذِيبِ والعِنادِ وأنَّهُما كَهَمٍّ في الغَيِّ والفَسادِ. وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهم هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو الصّادِرُ عَنْهم في مَبادِئِ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما تُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فَقالَ المَلأُ﴾ .." إلَخِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ما سَمِعْنا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فالمُرادُ بِآبائِهِمُ الأوَّلِينَ: الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهم في زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُمُ المَذْكُورُ هو الَّذِي صَدَرَ عَنْهم في أوِاخِرِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المُناسِبُ لِما بَعْدَهُ مِن حِكايَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْلُهم.
23:25Page 343
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥
He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."
﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو ﴿إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: جُنُونٌ أوْ جِنٌّ يُخَيِّلُونَهُ ولِذَلِكَ يَقُولُ ما يَقُولُ.
﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ: احْتَمِلُوهُ واصْبِرُوا عَلَيْهِ وانْتَظِرُوا.
﴿حَتّى حِينٍ﴾ لَعَلَّهُ يَفِيقُ مِمّا فِيهِ مَحْمُولٌ حِينَئِذٍ (p-131)عَلى تَرامِي أحْوالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وإضْرابِهِمْ عَمّا وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ مِنَ البَشَرِيَّةِ وإرادَةِ التَّفَضُّلِ إلى وصْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما تَرى، وهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْجَحُ النّاسِ عَقْلًا وأرْزَنَهم قَوْلًا. وعَلى الأوَّلِ عَلى تَناقُضِ مَقالاتِهِمُ الفاسِدَةِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ.
23:26Page 343
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦
[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ كَلامِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما سَمِعَ مِنهم هَذِهِ الأباطِيلَ ؟ فَقِيلَ: قالَ لَمّا رَآهم قَدْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وتَمادَوْا في الغِوايَةِ والضَّلالِ حَتّى يَئِسَ مِنَ اِيمانِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ وقَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ بِإهْلاكِهِمْ بِالمَرَّةِ، فَإنَّهُ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ إلَخِ.
﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، أوْ بَدَلُ تَكْذِيبِهِمْ.
23:27Page 343
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧
So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.
﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ ﴿بِأعْيُنِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، كَأنَّ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ عَزَّ وعَلا حُفّاظًا وحُرّاسًا يَكْلَئُونَهُ بِأعْيُنِهِمْ مِنَ التَّعَدِّي أوْ مِنَ الزَّيْغِ في الصَّنْعَةِ.
﴿وَوَحْيِنا﴾ وأمْرِنا وتَعْلِيمِنا لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ ما بَعْدَها عَلى تَمامِ صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ: العَذابُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ لا الأمْرُ بِالرُّكُوبِ كَما قِيلَ وبِمَجِيئِهِ كَمالُ اقْتِرابِهِ أوِ ابْتِداءُ ظُهُورِهِ، أيْ: إذا جاءَ إثْرَ تَمامِ الفُلْكِ عَذابُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِمَجِيءِ الأمْرِ. رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا فارَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ ارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ وكانَ تَنُّورُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا نَبَعَ مِنهُ الماءُ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبُوا، واخْتُلِفَ في مَكانِهِ فَقِيلَ: كانَ في مَسْجِدِ الكُوفَةِ، أيْ: في مَوْضِعِهِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِن بابِ كِنْدَةَ اليَوْمَ، وقِيلَ: كانَ في عَيْنِ ورْدَةٍ مِنَ الشّامِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ (سُورَةِ هُودٍ ) عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ أيِ: ادْخُلْ فِيها، يُقالُ: سَلَكَ فِيهِ، أيْ: دَخَلَ فِيهِ، وسَلَكَهُ فِيهِ أدْخَلَهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
﴿مِن كُلٍّ﴾ أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: فَرْدَيْنِ مُزْدَوَجَيْنِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنَيْنِ﴾ فَإنَّهُ نَصٌّ في الفَرْدَيْنِ دُونَ الجَمْعَيْنِ أوِ الفَرِيقَيْنِ. وقُرِئَ بِالإضافَةِ عَلى أنَّ المَفْعُولَ اثْنَيْنِ، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّتِي زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ وأُمَّةُ الأُنْثى، كالجِمالِ والنُّوقِ والحِصْنِ والرِّماكِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الأمْرَ كانَ قَبْلَ صُنْعِهِ الفُلْكَ، وفي سُورَةِ هُودٍ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾، فالوَجْهُ أنْ يَحْمِلَ إمّا عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِأمْرٍ آخَرَ تَنْجِيزِي ورَدَ عِنْدَ فَوَرانِ التَّنُّورِ الَّذِي نِيطَ بِهِ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ اعْتِناءً بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، أوْ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الأمْرُ السّابِقُ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ قَبْلَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ في حَقِّ إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ إنَّما حَدَثَ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ فَحُكِيَ عَلى صُورَةِ النَّجِيزِ، وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (p-132)تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ .
﴿وَأهْلَكَ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى "فاسْلُكْ" لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ أوِ اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلالِ المَعْنى، أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ، والمُرادُ بِهِ: امْرَأتُهُ وبَنُوهُ وتَأْخِيرُ الأمْرِ بِإدْخالِهِمْ عَمّا ذُكِرَ مِنَ اِدْخالِ الأزْواجِ فِيها لِكَوْنِهِ عَرِيقًا فِيما أُمِرَ بِهِ مِنَ الإدْخالِ، فَإنَّهُ مُحْتاجٌ إلى مُزاوَلَةِ الأعْمالِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إلى مُعاوَنَةٍ مِن أهْلِهِ وأتْباعِهِ وأمّا هم فَإنَّما يَدْخُلُونَها بِاخْتِيارِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ وغَيْرِهِ فَتَقْدِيمُهُ يُؤَدِّي إلى الإخْلالِ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ: القَوْلُ بِإهْلاكِ الكَفَرَةِ، وإنَّما جِيءَ بِـ "عَلى" لِكَوْنِ السّابِقِ ضارًّا، كَما جِيءَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ لِكَوْنِهِ نافِعًا.
﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لِإنْجائِهِمْ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوْ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ مِن عَدَمِ قَبُولِ الدُّعاءِ، أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لا مَحالَةَ لِظُلْمِهِمْ بِالإشْراكِ وسائِرِ المَعاصِي، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يُشْفَعُ لَهُ ولا يُشَفَّعُ فِيهِ.
23:28Page 344
فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨
And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'
كَيْفَ لا وقَدْ أُمِرَ بِالحَمْدِ عَلى النَّجاةِ مِنهم بِهَلاكِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ أيْ: مِن أهْلِكَ وأشْياعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
23:29Page 344
وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩
And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"
﴿وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي﴾ في السَّفِينَةِ أوْ مِنها ﴿مُنْزَلا مُبارَكًا﴾ أيْ: إنْزالًا، أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ يَسْتَتْبِعُ خَيْرًا كَثِيرًا. وقُرِئَ: "مُنْزَلًا" أيْ: مَوْضِعَ نُزُولٍ.
﴿وَأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَشْفَعَ دُعاءَهُ بِما يُطابِقُهُ مِن ثَنائِهِ عَزَّ وجَلَّ تَوَسُّلًا بِهِ إلى الإجابَةِ، وإفْرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأمْرِ مَعَ شَرِكَةِ الكُلِّ في الِاسْتِواءِ والنَّجاةِ لِإظْهارِ فَضْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والإشْعارِ بِأنَّ في دُعائِهِ وثَنائِهِ مَندُوحَةً عَمّا عَداهُ.
23:30Page 344
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠
Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِمّا فَعَلَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِقَوْمِهِ ﴿لآياتٍ﴾ جَلِيلَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها أُولُو الأبْصارِ ويُعْتَبَرُ بِها ذَوُو الِاعْتِبارِ.
﴿وَإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن "أنَّ"، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كُنّا مُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ وعِقابٍ شَدِيدٍ، ومُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِنَنْظُرَ مَن يَعْتَبِرُ ويَتَذَكَّرُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ .
23:31Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١
Then We produced after them a generation of others.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ هم عادٌ حَسَبَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهو الأوْفَقُ لِما هو المَعْهُودُ في سائِرِ السُّوَرَ الكَرِيمَةِ مِنَ اِيرادِ قِصَّتِهِمْ إثْرَ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: هم ثَمُودُ.
23:32Page 344
فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢
And We sent among them a messenger1 from themselves, [saying], "Worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ﴾ جَعَلُوا (p-133)مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ ونَحْوَهُ لا غايَةَ لَهُ، كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ مَنِ اُرْسِلَ إلَيْهِمْ لَمْ يَأْتِهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ بَلْ إنَّما نَشَأ فِيما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جُمْلَتِهِمْ نَسَبًا، فَإنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانا مِنهم.
وَ"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لَأرْسَلْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ، أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورَةِ بِها، أوْ لِلْأمْرِ بِها، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ.
﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: عَذابَهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي. والكَلامُ في العَطْفِ كالَّذِي مَرَّ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
23:33Page 344
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣
And the eminent among his people who disbelieved and denied the meeting of the Hereafter while We had given them luxury in the worldly life said, "This is not but a man like yourselves. He eats of that from which you eat and drinks of what you drink.
﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ إثْرَ حِكايَةِ القَوْلِ الحَقِّ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ حِكايَةُ إرْسالِ الرَّسُولِ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى أنَّ المُرادَ حِكايَةُ مُطْلَقِ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إجْمالًا لا حِكايَةَ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم مِنَ المُحاوَرَةِ والمُقاوَلَةِ تَفْصِيلًا حَتّى يُحْكى بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن حِكايَةِ سائِرِ الأُمَمِ، أيْ: وقالَ الأشْرافُ مِن قَوْمِهِ.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَلَأِ، وُصِفُوا بِذَلِكَ ذَمًّا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ وتَأْخِيرُهُ عَنْ "مِن قَوْمِهِ" لِعَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الصِّلَةِ الأُولى، أيْ: كَذَّبُوا بِلِقاءِ ما فِيها مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ أوْ بِمَعادِهِمْ إلى الحَياةِ الثّانِيَةِ بِالبَعْثِ.
﴿وَأتْرَفْناهُمْ﴾ ونَعَّمْناهم ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، أيْ: قالُوا لِأعْقابِهِمْ مُضِلِّينَ لَهم ﴿ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: في الصِّفاتِ والأحْوالِ، وإيثارُ مِثْلَكم عَلى مِثْلُنا لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِينِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوْهِينِهِ.
﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْمُماثَلَةِ، و"ما" خَبَرِيَّةٌ، والعائِدُ إلى الثّانِي مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ، أوْ مَجْرُورٌ قَدْ حُذِفَ مَعَ الجارِّ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
23:34Page 344
وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤
And if you should obey a man like yourselves, indeed, you would then be losers.
﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ أيْ: فِيما ذَكَرَ مِنَ الأحْوالِ والصِّفاتِ، أيْ: إنِ امْتَثَلْتُمْ بِأوامِرِهِ ﴿إنَّكم إذًا﴾ أيْ: عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّباعِ ﴿لَخاسِرُونَ﴾ عُقُولَكم ومَغْبُونُونَ في آرائِكم حَيْثُ أذْلَلْتُمْ أنْفُسَكم. انْظُرْ كَيْفَ جَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ الحَقِّ الَّذِي يُوَصِّلُهم إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ خُسْرانًا دُونَ عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا خُسْرانَ وراءَها قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفِكُونَ. و"إذا" وقَعَ بَيْنَ اسْمِ "إنَّ" وخَبَرِها لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الشَّرْطِ، والجُمْلَةُ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ المُصَدَّرَةِ بِاللّامِ المُوطِئَةِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَئِنْ أطَعْتُمُ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ.
23:35Page 344
أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥
Does he promise you that when you have died and become dust and bones that you will be brought forth [once more]?
﴿أيَعِدُكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِن زَجْرِهِمْ عَنِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارِ وُقُوعِ ما يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِهِ واسْتِبْعادِهِ.
﴿أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ يَمُوتُ، وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ (p-134)يَمُوتُ.
﴿وَكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ نَخِرَةً مُجَرَّدَةً عَنِ اللُّحُومِ والأعْصابِ، أيْ: كانَ بَعْضُ أجْزائِكم مِنَ اللَّحْمِ ونَظائِرِهِ تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا. وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِعَراقَتِهِ في الِاسْتِبْعادِ وانْقِلابِهِ مِنَ الأجْزاءِ البادِيَةِ، أوْ كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا صِرْفًا ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَبَرِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِنَ القُبُورِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ، وقِيلَ: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ و"إذا مِتُّمْ" خَبَرُهُ عَلى مَعْنى: إخْراجِكم إذا مِتُّمْ ثُمَّ أخْبَرَ بِالجُمْلَةِ عَنْ أنَّكم، وقِيلَ: رُفِعَ أنَّكم مُخْرَجُونَ بِفِعْلٍ هو جَزاءُ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا مِتُّمْ وقَعَ إخْراجُكم، ثُمَّ أُوقِعَتِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا عَنْ "أنَّكُمْ" والَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ هو الأوَّلُ. وقُرِئَ: "أيَعِدُكم إذا مُتُّمْ" إلَخِ.
23:36Page 344
۞ هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦
How far, how far, is that which you are promised.1
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ، أيْ: بُعْدِ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ ما هو كَما في "هَيْتَ لَكَ" كَأنَّهم لَمّا صَوَّتُوا بِكَلِمَةِ الِاسْتِبْعادِ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ. وقِيلَ: هَيْهاتَ بِمَعْنى البُعْدِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ مُنَوَّنًا لِلتَّنْكِيرِ، وبِالضَّمِّ مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ هَيْهَةٍ، وغَيْرُ مُنَوَّنٍ تَشَبُّهًا بِقَبْلُ، وبِالكَسْرِ عَلى الوَجْهَيْنِ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ وإبْدالِ التّاءِ هاءً.
23:37Page 344
إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٣٧
It [i.e., life] is not but our worldly life - we die and live, but we will not be resurrected.
﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا، فَأُقِيمَ الضَّمِيرُ مَقامَ الأوْلى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها حَذَرًا مِنَ التَّكْرارِ وإسْعارًا بِإغْنائِها عَنِ التَّصْرِيحِ، كَما في: هي النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمِّلَتْ، وهي العَرَبُ تَقُولُ ما شاءَتْ. وحَيْثُ كانَ الضَّمِيرُ بِمَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ كانَتْ "إنِ" النّافِيَةُ بِمَنزِلَةِ "لا" النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن أنَّ الحَياةَ هي الحَياةُ الدُّنْيا، أيْ: يَمُوتُ بَعْضُنا ويُولَدُ بَعْضٌ إلى انْقِراضِ العَصْرِ.
﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.
23:38Page 344
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ ٣٨
He is not but a man who has invented a lie about Allāh, and we will not believe him."
﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو ﴿إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يَدَّعِيهِ مِنَ اِرْسالِهِ وفِيما يَعِدُنا مِن أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا.
﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بِمُصَدِّقِينَ فِيما يَقُولُهُ.
23:39Page 344
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩
He said, "My Lord, support me because they have denied me."
﴿قالَ﴾ أيْ: هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ يَأْسِهِ مِنَ اِيمانِهِمْ بَعْدَ ما سَلَكَ في دَعْوَتِهِمْ كُلَّ مَسْلَكٍ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم.
﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ.
23:40Page 344
قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ٤٠
[Allāh] said, "After a little, they will surely become regretful."
﴿قالَ﴾ تَعالى إجابَةً لِدُعائِهِ وعِدَةً بِالقَبُولِ.
﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ: عَنْ زَمانٍ قَلِيلٍ، و"ما" مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ..﴾، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: عَنْ شَيْءٍ قَلِيلٍ.
﴿لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ عَلى ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِلْعَذابِ.
23:41Page 344
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
So the shriek1 seized them in truth,2 and We made them as [plant] stubble. Then away with the wrongdoing people.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لَعَلَّهم حِينَ أصابَتْهم (p-135)الرِّيحُ العَقِيمُ أُصِيبُوا في تَضاعِيفِها بِصَيْحَةٍ هائِلَةٍ أيْضًا. وقَدْ رُوِيَ أنَّ شَدّادَ بْنَ عادٍ حِينَ أتَمَّ بِناءَ إرَمَ سارَ إلَيْها بِأهْلِهِ فَلَمّا دَنا مِنها بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، وقِيلَ: هي العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ قائِلُهم:
؎ صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، أيْ: بِالأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا دِفاعَ لَهُ، أوْ بِالعَدْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِالوَعْدِ الصِّدْقِ.
﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ وهو حَمِيلُهُ.
﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ، و"بُعْدًا" مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ ناصِبُها، والمَعْنى: بَعُدُوا بُعْدًا، أيْ: هَلَكُوا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ بُعْدًا، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْلِيلِ.
23:42Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢
Then We produced after them other generations.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ ﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾ هم قَوْمُ صالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرُهم.
23:43Page 345
مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣
No nation will precede its time [of termination], nor will they remain [thereafter].
﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ أيْ: ما تَتَقَدَّمُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ الوَقْتَ الَّذِي عُيِّنَ لِهَلاكِهِمْ، أيْ: ما تَهْلَكُ أُمَّةٌ قَبْلَ مَجِيءِ أجَلِها.
﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ذَلِكَ الأجْلُ بِساعَةٍ.
23:44Page 345
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤
Then We sent Our messengers in succession. Every time there came to a nation its messenger, they denied him, so We made them follow one another [to destruction], and We made them narrations.1 So away with a people who do not believe.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْشَأْنا" لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّ إرْسالَهم مُتَراخٍ عَنْ إنْشاءِ القُرُونِ المَذْكُورَةِ جَمِيعًا، بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ إرْسالَ كُلِّ رَسُولٍ مُتَأخِّرٍ عَنْ إنْشاءِ قَرْنٍ مَخْصُوصٍ بِذَلِكَ الرَّسُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ قَدْ أرْسَلْنا إلى كُلِّ قَرْنٍ مِنهم رَسُولًا خاصًّا بِهِ. والفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ النّاطِقَةِ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ الأُمَمِ أجَلَها المَضْرُوبَ لِهَلاكِهِمْ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ هَلاكِهِمْ عَلى وجْهٍ إجْمالِيٍّ.
﴿تَتْرى﴾ أيْ: مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ مِنَ الوِتْرِ وهو الفَرْدُ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما في تُولِجُ ويَتَّقُوا، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ أنَّ الرُّسُلَ جَماعَةٌ. وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ وقَعَ حالًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَجِيءِ كُلِّ رَسُولٍ لِأُمَّتِهِ ولِما صَدَرَ عَنْهم عِنْدَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. والمُرادُ بِالمَجِيءِ: إمّا التَّبْلِيغُ، وإمّا حَقِيقَةُ المَجِيءِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ في أوَّلِ المُلاقاةِ. وإضافَةُ الرَّسُولِ إلى الأُمَّةِ مَعَ إضافَةِ كُلِّهِمْ فِيما سَبَقَ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِتَحْقِيقِ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَ أُمَّتَهُ الخاصَّةَ بِهِ لا أنَّ كُلَّهم جاءُوا كُلَّ الأُمَمِ، والإشْعارُ بِكَمالِ شَناعَتِهِمْ وضَلالِهِمْ حَيْثُ كَذَّبَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهم رَسُولَها المُعَيَّنِ لَها. وقِيلَ: لِأنَّ الإرْسالَ لائِقٌ بِالمُرْسَلِ، والمَجِيءُ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ في الهَلاكِ حَسَبَما تَبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا في مُباشَرَةِ أسْبابِهِ الَّتِي هي الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ وسائِرُ المَعاصِي.
﴿وَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا حِكاياتٌ يُعْتَبِرُ بِها المُعْتَبِرُونَ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ أوْ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهي ما يُتَحَدَّثُ بِهِ تَلَهِّيًا، كَأعاجِيبَ جَمْعُ أُعْجُوبَةٍ وهي ما يُتَعَجَّبُ مِنهُ، أيْ: جَعَلْناهم أحادِيثَ يُتَحَدَّثُ بِها تَلَهِّيًا وتَعَجُّبًا.
﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى وصْفِهِمْ بِعَدَمِ الإيمانِ حَسَبَما (p-136)اقْتَصَرَ عَلى حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ إجْمالًا، وأمّا القُرُونُ الأوَّلُونَ فَحَيْثُ نُقِلَ عَنْهم ما مَرَّ مِنَ الغُلُوِّ وتَجاوُزِ الحَدِّ في الكُفْرِ والعُدْوانِ وُصِفُوا بِالظُّلْمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences