Abu as-Su'udAl‑Mu'minun · 23:65–93

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:65–93

23:65Page 346

لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥

Do not cry out today. Indeed, by Us you will not be helped.

﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ مَسُوقًا لِرَدِّهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ وإقْناطِهِمْ مِمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِنَ الإغاثَةِ والإعانَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى. وتَخْصِيصُ اليَوْمَ بِالذِّكْرِ لِتَهْوِيلِهِ والإيذانِ بِتَفْوِيتِهِمْ وقْتَ الجُؤارِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ جَوابَ الشَّرْطِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ في الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ هو الجَوابُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى أنْ يَكُونَ مُفاجَأتُهم إلى الجُؤارِ غَيْرَ مَقْصُودٍ أصْلِيٍّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الجُؤارِ بِبَيانِ عَدَمِ إفادَتِهِ ونَفْعِهِ، أيْ: لا يَلْحَقُكم مِن جِهَتِنا نُصْرَةٌ تُنَجِّيكم مِمّا دَهَمَكم. وقِيلَ: لا تُغاثُونَ ولا تُمْنَعُونَ مِنّا، ولا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ جُؤارَهم لَيْسَ إلى غَيْرِهِ تَعالى حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ مَنصُورِيَّتِهِمْ مِن قَبْلِهِ ولا سِياقِهِ.

23:66Page 346

قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦

My verses had already been recited to you, but you were turning back on your heels

فَإنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلَخِ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِما ذَكَرْنا مِن عَدَمِ لُحُوقِ النَّصْرِ مِن جِهَتِهِ (p-143)تَعالى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ، ولَوْ كانَ النَّصْرُ المَنفِيُّ مُتَوَهَّمًا مِنَ الغَيْرِ لَعُلِّلَ بِعَجْزِهِ وذُلِّهِ أوْ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعالى وقُوَّتِهِ، أيْ: قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم في الدُّنْيا ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِها أشَدَّ الإعْراضِ فَضْلًا عَنْ تَصْدِيقِها والعَمَلِ بِها والنُّكُوصُ الرُّجُوعُ قَهْقَرى.

23:67Page 346

مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧

In arrogance regarding it,1 conversing by night, speaking evil.

﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أيْ: بِالبَيْتِ الحَرامِ أوْ بِالحَرَمِ، والإضْمارُ قِيلَ: الذِّكْرُ لِاشْتِهارِ اسْتِكْبارِهِمْ وافْتِخارِهِمْ بِأنَّهم خُدّامُهُ وقُوّامُهُ، أوْ بِكِتابِيَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِآياتِي عَلى تَضْمِينِ الِاسْتِكْبارِ مَعْنى التَّكْذِيبِ، أوْ لِأنَّ اسْتِكْبارَهم عَلى المُسْلِمِينَ قَدْ حَدَثَ بِسَبَبِ اسْتِماعِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سامِرًا﴾ أيْ: تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القرآن وبِالطَّعْنِ فِيهِ حَيْثُ كانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرُ القرآن وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، والسّامِرُ كالحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ جاءَ عَلى لَفْظِ الفاعِلِ. وقُرِئَ: "سَمَرًا" و "سُمّارًا" . و"أنْ" تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ مِنَ الهَجَرِ بِالفَتْحِ بِمَعْنى: الهَذَيانِ أوِ التَّرْكِ، أيْ: تَهْذُوَنَ في شَأْنِ القرآن أوْ تَتْرُكُونَهُ، أوْ مِنَ الهَجْرِ بِالضَّمِّ وهو الفُحْشُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: "تُهَجِّرُونَ" مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ فِيهِ، وقُرِئَ "تُهَجِّرُونَ" مَن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ إذا هَذى.

23:68Page 346

أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨

Then have they not reflected over the word [i.e., the Qur’ān], or has there come to them that which had not come to their forefathers?

﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيِ: افْعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ النُّكُوصِ والِاسْتِكْبارِ والهَجْرِ فَلَمْ يَتَدَبَّرُوا القرآن لَيَعْرِفُوا بِما فِيهِ مِنَ اِعْجازِ النَّظْمِ وصِحَّةِ المَدْلُولِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَضْلًا عَمّا فَعَلُوا في شَأْنِهِ مِنَ القَبائِحِ.

وَ"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ، و"ما" فِيها مِن مَعْنى "بَلْ" لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ إلى التَّوْبِيخِ بِآخَرَ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ لا لِإنْكارِ الواقِعِ، أيْ: بَلْ أجاءَهم مِنَ الكِتابِ ما لَمْ يَأْتِ أباءَهُمُ الأوَّلِينَ حَتّى اسْتَبْدَعُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، يَعْنِي أنَّ مَجِيءَ الكُتُبِ مِن جِهَتِهِ تَعالى إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ لَهُ تَعالى لا يَكادُ يَتَسَنّى إنْكارُهُ، وأنَّ مَجِيءَ القرآن عَلى طَرِيقَتِهِ فَمِن أيْنَ يُنْكِرُونَهُ ؟ وقِيلَ: أمْ جاءَهم مِنَ الأمْنِ مِن عَذابِهِ تَعالى ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ كَإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأعْقابِهِ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ ومُضَرٍ ورَبِيعَةَ وقِسٍّ والحَرْثِ بْنِ كَعْبٍ وأسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ وتُبَّعٍ وضَبَّةَ بْنِ أُدٍّ فَآمَنُوا بِهِ تَعالى وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وأطاعُوهُ.

23:69Page 346

أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩

Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?

﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ إلى التَّوْبِيخِ بِوَجْهٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ أيْضًا، أيْ: بَلْ ألَمْ يَعْرِفُوهُ ﷺ بِالأمانَةِ والصِّدْقِ وحُسْنِ الأخْلاقِ وكَمالِ العِلْمِ مَعَ عَدَمِ التَّعَلُّمِ مِن أحَدٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حازَهُ مِنَ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

﴿فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ بِنُبُوَّتِهِ فَجُحُودُهم بِها مُتَرَتِّبٌ عَلى عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِن ضَرُورَةِ انْتِفاءِ المَبْنِيِّ بُطْلانُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ، أيْ: فَهم غَيْرُ عارِفِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ.

23:70Page 346

أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠

Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.

(p-144)﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ انْتِقالٌ إلى تَوْبِيخٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ كالأُولى، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ، أيْ: جُنُونٌ مَعَ أنَّهُ أرْجَحُ النّاسِ عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا وأتْقَنُهم رَأْيًا وأوْفَرُهم رَزانَةً، ولَقَدْ رُوعِيَ في هَذِهِ التَّوْبِيخاتِ الأرْبَعَةِ الَّتِي اثْنانِ مِنها مُتَعَلِّقانِ بِالقرآن والباقِيانِ بِهِ ﷺ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى حَيْثُ وُبِّخُوا أوَّلًا بِعَدَمِ التَّدَبُّرِ وذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعَ كَوْنِ القَوْلِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ثُمَّ وُبِّخُوا بِشَيْءٍ لَوِ اتُّصِفَ بِهِ القَوْلُ لَكانَ سَبَبًا لِعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِهِ، ثُمَّ وُبِّخُوا بِما يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ ﷺ مِن عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ ﷺ وذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِعَدَمِ المَعْرِفَةِ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ،ثُمَّ بِما لَوْ كانَ فِيهِ ﷺ ذَلِكَ لَقَدَحَ في رِسالَتِهِ ﷺ .

﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا في حَقِّ القرآن والرَّسُولِ ﷺ، بَلْ جاءَهم ﷺ بِالحَقِّ، أيِ: الصِّدْقِ الثّابِتِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أصْلًا ولا مُدْخَلَ فِيهِ لِلْباطِلِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

﴿وَأكْثَرُهم لِلْحَقِّ﴾ مِن حَيْثُ هو حَقٌّ أيْ حَقٌّ كانَ لا لِهَذا الحَقِّ فَقَطْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ.

﴿كارِهُونَ﴾ لِما في جِبِلَّتِهِمْ مِنَ الزَّيْغِ والِانْحِرافِ المُناسِبِ لِلْباطِلِ ولِذَلِكَ كَرِهُوا هَذا الحَقَّ الأبْلَجَ وزاغُوا عَنِ الطَّرِيقِ الأنْهَجِ. وتَخْصِيصُ أكْثَرِهِمْ بِهَذا الوَصْفِ لا يَقْتَضِي إلّا عَدَمَ كَراهَةِ الباقِينَ لِكُلِّ حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ وذَلِكَ لا يُنافِي كَراهَتَهم لِهَذا الحَقِّ المُبِينِ فَتَأمَّلْ. وقِيلَ: تَقْيِيدُ الحُكْمِ بِالأكْثَرِ لِأنَّ مِنهم مَن تَرَكَ الإيمانَ اسْتِنْكافًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، أوْ لِقِلَّةِ فِطْنَتِهِ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِ لا لِكَراهَتِهِ الحَقَّ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ التَّعَرُّضَ لِعَدَمِ كَراهَةِ بَعْضِهِمْ لِلْحَقِّ مَعَ اتِّفاقِ الكُلِّ عَلى الكُفْرِ بِهِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ أصْلًا.

23:71Page 346

وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١

But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.

﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ أهْواءَهُمُ الزّائِغَةَ الَّتِي ما كَرِهُوا الحَقَّ إلّا لِعَدَمِ مُوافَقَتِهِ إيّاها مُقْتَضِيَةٌ لِلطّامَّةِ، أيْ: لَوْ كانَ ما كَرِهُوهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما جاءَ بِهِ ﷺ مُوافِقًا لِأهْوائِهِمُ الباطِلَةِ.

﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وخَرَجَتْ عَنِ الصَّلاحِ والِانْتِظامِ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّ مَناطَ النِّظامِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، وفِيهِ مِن تَنْوِيهِ شَأْنِ الحَقِّ والتَّنْبِيهِ عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ ما لا يَخْفى. وأمّا ما قِيلَ: لَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ الَّذِي جاءَ بِهِ ﷺ أهْواءَهم وانْقَلَبَ شِرْكًا لَجاءَ اللَّهُ تَعالى بِالقِيامَةِ ولَأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، فَفِيهِ أنَّهُ لا يُلائِمُ فَرْضَ مَجِيئِهِ ﷺ بِهِ، وكَذا ما قِيلَ: لَوْ كانَ في الواقِعِ إلَهانِ لا يُناسِبُ المَقامَ. وأمّا ما قِيلَ: لَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَخَرَجَ عَنِ الإلَهِيَّةِ، فَمِمّا لا احْتِمالَ لَهُ أصْلًا.

﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ انْتِقالٌ مِن تَشْنِيعِهِمْ بِكَراهَةِ الحَقِّ الَّذِي بِهِ يَقُومُ العالِمُ إلى تَشْنِيعِهِمْ بِالإعْراضِ عَمّا جُبِلَ عَلَيْهِ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيما فِيهِ خَيْرُها. والمُرادُ بِالذِّكْرِ: القرآن الَّذِي هو فَخْرُهم وشَرَفُهم حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: بَلْ أتَيْناهم بِفَخْرِهِمْ وشَرَفِهِمُ الَّذِي كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْبَلُوا عَلَيْهِ أكْمَلَ إقْبالٍ.

﴿فَهُمْ﴾ بِما فَعَلُوهُ مِنَ النُّكُوصِ ﴿عَنْ ذِكْرِهِمْ﴾ أيْ: فَخْرُهم وشَرَفُهم خاصَّةً ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِ والِاعْتِناءَ بِهِ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مَزِيدُ تَشْنِيعٍ لَهم وتَقْرِيعٍ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ اِعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ (p-145)عَلى ما قَبْلَها مِنَ اِيتاءَ ذِكْرِهِمْ لا لِتَرْتِيبِ الإعْراضِ عَلى الإيتاءِ مُطْلَقًا، فَإنَّ المُسْتَتْبَعَ لِكَوْنِ إعْراضِهِمْ إعْراضًا عَنْ ذِكْرِهِمْ هو إيتاءُ ذِكْرِهِمْ لا الإيتاءُ مُطْلَقًا. وفي إسْنادِ الإتْيانِ بِالذِّكْرِ إلى نُونِ العَظَمَةِ بَعْدَ إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ تَنْوِيهٌ لِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ وتَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ بِمَثابَةٍ عَظِيمَةٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي إيرادِ القرآن الكَرِيمِ عِنْدَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ ﷺ بِعُنْوانِ الحَقِّيَّةِ وعِنْدَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانِ الذِّكْرِ مِنَ النُّكْتَةِ السِّرِّيَّةِ والحِكْمَةِ العَبْقَرِيَّةِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ التَّصْرِيحَ بِحَقِّيَّتِهِ المُسْتَلْزَمَةِ لِحَقِّيَّةِ مَن جاءَ بِهِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ حِكايَةِ ما قالَهُ المُبْطِلُونَ في شَأْنِهِ. وأمّا التَّشْرِيفُ فَإنَّما يَلِيقُ بِهِ تَعالى لا سِيَّما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحَدُ المُشْرِفِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ: ما تَمَنَّوْهُ بِقَوْلِهِمْ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: وعَظَهم، وأيَّدَ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ: "بِذِكْراهُمْ" . والتَّشْنِيعُ عَلى الأوَّلِينَ أشَدُّ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ وعْظِهِمْ لَيْسَ في مَثابَةِ إعْراضِهِمْ عَنْ شَرَفِهِمْ أوْ عَنْ ذِكْرِهِمُ الَّذِي يَتَمَنَّوْنَهُ في الشَّناعَةِ والقَباحَةِ.

23:72Page 346

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢

Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.

﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ انْتِقالٌ مِن تَوْبِيخِهِمْ بِما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى التَّوْبِيخِ بِوَجْهٍ آخَرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أمْ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَسْألُهم عَلى أداءِ الرِّسالَةِ ﴿خَرْجًا﴾ أيْ: جُعْلًا، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يُؤْمِنُونَ بِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أيْ: رِزْقُهُ في الدُّنْيا وثَوابُهُ في الآخِرَةِ، تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ السُّؤالِ المُسْتَفادِ مِنَ الإنْكارِ أيْ: لا تَسْألُهم ذَلِكَ فَإنَّ ما رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والعُقْبى خَيْرٌ لَكَ مِن ذَلِكَ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَشْرِيفِهِ ﷺ ما لا يَخْفى، والخَرْجُ بِإزاءِ الدَّخْلِ، يُقالُ لِكُلِّ ما تُخْرِجُهُ إلى غَيْرِكَ. والخَراجُ: غالِبٌ في الضَّرِيبَةِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ والخَراجُ ما لَزِمَكَ، وقِيلَ: الخَرْجُ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، فَفي النَّظْمِ الكَرِيمِ إشْعارٌ بِالكَثْرَةِ واللُّزُومِ. وقُرِئَ: خَرْجًا فَخَرْجٌ وخَراجًا فَخَراجٌ.

﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِخَيْرِيَّةِ خَراجِهِ تَعالى.

23:73Page 346

وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣

And indeed, you invite them to a straight path.

﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَشْهَدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ بِاسْتِقامَتِهِ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ اعْوِجاجٍ تُوهِمُ اتَّهامَهم لَكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولَقَدْ ألْزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وعَلا وأزاحَ عِلَلَهم في هَذِهِ الآياتِ حَيْثُ حَصَرَ أقْسامَ ما يُؤَدِّي إلى الإنْكارِ والِاتِّهامِ وبَيَّنَ انْتِفاءَ ما عَدا كَراهَتَهم لِلْحَقِّ وقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ.

23:74Page 346

وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤

But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.

﴿وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وُصِفُوا بِذَلِكَ تَشْنِيعًا لَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِماكِ في الدُّنْيا وزَعْمِهِمْ أنْ لا حَياةَ إلّا الحَياةُ الدُّنْيا، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الإيمان بالآخِرَةِ وخَوْفِ ما فِيها مِنَ الدَّواهِي مِن أقْوى الدَّواعِي إلى طَلَبِ الحَقِّ وسُلُوكِ سَبِيلِهِ.

﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ أيْ: عَنْ جِنْسِ الصِّراطِ ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ فَضْلًا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أوْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي تَدْعُوهم إلَيْهِ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى كَمالِ ضَلالِهِمْ وغايَةِ غِوايَتِهِمْ لِما أنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِمّا لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصِّراطِ ولَوْ كانَ مُعْوَجًّا.

23:75Page 347

۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥

And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.

﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ أيْ: قَحْطٍ وجَدْبٍ ﴿لَلَجُّوا﴾ لَتَمادَوْا ﴿فِي (p-146)طُغْيانِهِمْ﴾ إفْراطِهِمْ في الكُفْرِ والِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.

﴿يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: عامِهِينَ عَنِ الهُدى. رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ ومَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ وأخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، جاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ قالَ: بَلى، فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ فَنَزَلَتْ.» والمَعْنى: لَوْ كَشَفْنا عَنْهم ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والهُزالِ بِرَحْمَتِنا إيّاهم ووَجَدُوا الخِصْبَ لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإفْراطِ في الكُفْرِ والِاسْتِكْبارِ ولَذَهَبَ عَنْهم هَذا التَّمَلُّقُ والإبْلاسُ وقَدْ كانَ كَذَلِكَ.

23:76Page 347

وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦

And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، والمُرادُ بِالعَذابِ: ما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، وما أصابَهم مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القَحْطُ المَذْكُورُ. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ.

﴿فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ بِذَلِكَ، أيْ: لَمْ يَخْضَعُوا ولَمْ يَتَذَلَّلُوا عَلى أنَّهُ إمّا اسْتِفْعالٌ مِنَ الكَوْنِ لِأنَّ الخاضِعَ يَنْتَقِلُ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ، أوِ افْتِعالٌ مِنَ السُّكُونِ قَدْ أُشْبِعَتْ فَتَحْتُهُ كَمُنْتَزاحٍ في مُنْتَزَحٍ، بَلْ أقامُوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: ولَيْسَ مِن عادَتِهِمُ التَّضَرُّعُ إلَيْهِ تَعالى.

23:77Page 347

حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧

Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.

﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّهْوِيلُ بِفَتْحِ البابِ والوَصْفِ بِالشِّدَّةِ، وقُرِئَ: "فَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ.

﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أيْ: مُتَحَيِّرُونَ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، أيْ: مُحْناهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والجُوعِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَما رُؤِيَ مِنهم لِينُ مُقادَةٍ وتَوَجُّهٌ إلى الإسْلامِ قَطُّ، وأمّا ما أظْهَرُهُ أبُو سُفْيانَ فَلَيْسَ مِنَ الِاسْتِكانَةِ لَهُ تَعالى والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ تَعالى في شَيْءٍ وإنَّما هو نَوْعُ خُنُوعٍ إلى أنْ يَتِمَّ غَرَضُهُ، فَحالُهُ كَما قِيلَ: إذا جاعَ ضَغا وإذا شَبِعَ طَغا وأكْثَرُهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ يَرَوْا عَذابَ الآخِرَةِ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ. وقِيلَ المُرادُ بِالبابِ: الجُوعُ فَإنَّهُ أشَدُّ وأعَمُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، والمَعْنى: أخَذْناهم أوَّلًا بِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ فَما وُجِدَ مِنهم تَضَرُّعٌ واسْتِكانَةٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أطَمُّ وأتَمُّ فَأُبْلِسُوا السّاعَةَ وخَضَعَتْ رِقابُهم وجاءَكَ أعْتاهم وأشَدُّهم شَكِيمَةً في العِنادِ يَسْتَعْطِفُكَ. والوَجْهُ هو الأوَّلُ.

23:78Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨

And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ لِتُشاهِدُوا بِها الآياتِ التَّنْـزِيلِيَّةَ والتَّكْوِينِيَّةَ.

﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَتَفَكَّرُوا بِها ما تُشاهِدُونَهُ وتَعْتَبِرُوا اعْتِبارًا لِائِقًا.

﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا غَيْرَ مُعْتَدٍ بِهِ تَشْكُرُونَ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ لِما أنَّ العُمْدَةَ في الشُّكْرِ صَرْفُ تِلْكَ القُرى الَّتِي هي في أنْفُسِها نِعَمٌ باهِرَةٌ إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ وأنْتُمْ تُخِلُّونَ بِذَلِكَ إخْلالًا عَظِيمًا.

23:79Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩

And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.

(p-147)﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقَكم وبَثَّكم فِيها بِالتَّناسُلِ ﴿وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ تَفَرُّقِكم لا إلى غَيْرِهِ، فَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ ولا تَشْكُرُونَهُ.

23:80Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠

And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?

﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ ﴿وَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: هو المُؤَثِّرُ في اخْتِلافِهِما، أيْ: تَعاقُبِهِما أوِ اخْتِلافِهِما ازْدِيادًا وانْتِقاصًا أوْ لِأمْرِهِ وقَضائِهِ اخْتِلافُهُما.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ أوْ أتَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ أنَّ الكُلَّ مِنّا وأنَّ قُدْرَتَنا تَعُمُّ جَمِيعَ المُمَكَّناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ.

وَقُرِئَ: "يَعْقِلُونَ" عَلى أنَّ الِالتِفاتَ إلى الغَيْبَةِ لِحِكايَةِ سُوءِ حالِ المُخاطَبِينَ لِغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: عَلى أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ لِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ ولَيْسَ بِذاكَ.

23:81Page 347

بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١

Rather,1 they say like what the former peoples said.

﴿بَلْ قالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: فَلَمْ يَعْقِلُوا بَلْ قالُوا ﴿مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ أيْ: آباؤُهم ومَن دانَ بِدِينِهِمْ.

23:82Page 347

قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢

They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ المُبْهَمِ وتَفْصِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ.

23:83Page 347

لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣

We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."

﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ أيِ: البَعْثَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ مِن حَيْثُ إسْنادُهُ إلى آبائِهِمْ لا إلَيْهِمْ، أيْ: ووُعِدَ آباؤُنا مِن قَبْلُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ اباؤُنا، أيْ: كائِنَيْنِ مِن قَبْلُ.

﴿إنْ هَذا﴾ أيْ: ما هَذا ﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: أكاذِيبُهُمُ الَّتِي سَطَرُوها جَمْعُ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ وأُعْجُوبَةٍ،وَقِيلَ: جَمْعُ أسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ.

23:84Page 347

قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤

Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"

﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ما فَأخْبِرُونِي بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ كافٍ في الجَوابِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في وُضُوحِ الأمْرِ وفي تَجْهِيلِهِمْ ما لا يَخْفى، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَأخْبِرُونِي، وفِيهِ اسْتِهانَةٌ بِهِمْ وتَقْرِيرٌ لِجَهْلِهِمْ.

23:85Page 347

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥

They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"

وَلِذَلِكَ أخْبَرَ بِجَوابِهِمْ قَبْلَ أنْ يُجِيبُوا حَيْثُ قِيلَ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لِأنَّ بَدِيهَةَ العَقْلِ تَضْطَرُّهم إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُها.

﴿قُلْ﴾ أيْ: عِنْدَ اعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ أوْ أتَقُولُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ مَن فَطَرَ الأرْضَ وما فِيها ابْتِداءً قادِرٌ عَلى إعادَتِها ثانِيًا، فَإنَّ البَدْءَ لَيْسَ بِأهْوَنَ مِنَ الإعادَةِ (p-148)بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ في قِياسِ العُقُولِ. وقُرِئَ: "تَتَذَكَّرُونَ" عَلى الأصْلِ.

23:86Page 347

قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦

Say, "Who is Lord of the seven heavens and Lord of the Great Throne?"

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ أُعِيدَ الرَّبُّ تَنْوِيهًا لِشَأْنِ العَرْشِ ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ عَنْ أنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلسَّماواتِ وجُودًا وذِكْرًا، ولَقَدْ رُوعِيَ في الأمْرِ بِالسُّؤالِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى.

23:87Page 347

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧

They will say, "[They belong] to Allāh." Say, "Then will you not fear Him?"

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ بِاللّامِ نَظَرًا إلى مَعْنى السُّؤالِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ ولِمَن هو في مَعْنًى واحِدٍ. وقُرِئَ هو وما بَعْدَهُ بِغَيْرِ لامٍ نَظَرًا إلى لَفْظِ السُّؤالِ.

﴿قُلْ﴾ إفْحامًا لَهم وتَوْبِيخًا ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولا تَقُونَ أنْفُسَكم عِقابَهُ بِعَدَمِ العَمَلِ بِمُوجِبِ العِلْمِ حَيْثُ تَكْفُرُونَ بِهِ وتُنْكِرُونَ البَعْثَ وتُثْبِتُونَ لَهُ شَرِيكًا في الربوبية.

23:88Page 347

قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨

Say, "In whose hand is the realm of all things - and He protects while none can protect against Him - if you should know?"

﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا ذُكِرَ وما لَمْ يُذْكَرْ، أيْ: مِلْكُهُ التّامُّ القاهِرُ، وقِيلَ: خَزائِنُهُ.

﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ أيْ: يُغِيثُ غَيْرَهُ إذا شاءَ ﴿وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: ولا يُغِيثُ أحَدٌ عَلَيْهِ، أيْ: لا يُمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا ما أوْ ذَلِكَ فَأجِيبُونِي عَلى ما سَبَقَ.

23:89Page 347

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩

They will say, "[All belongs] to Allāh." Say, "Then how are you deluded?"

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أيْ: لِلَّهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الَّذِي يُجْيِرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ.

﴿قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ أيْ: فَمِن أيْنَ تُخْدَعُونَ وتُصْرَفُونَ عَنِ الرَّشَدِ مَعَ عِلْمِكم بِهِ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغِنى، فَإنَّ مَن لا يَكُونُ مَسْحُورًا مُخْتَلَّ العَقْلِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ.

23:90Page 348

بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٩٠

Rather, We have brought them the truth, and indeed they are liars.

﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والوَعْدِ بِالبَعْثِ ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما قالُوا مِنَ الشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ.

23:91Page 348

مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١

Allāh has not taken any son, nor has there ever been with Him any deity. [If there had been], then each deity would have taken what it created, and some of them would have [sought to] overcome others. Exalted is Allāh above what they describe [concerning Him].

﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ كَما يَقُولُهُ النَّصارى والقائِلُونَ: إنَّ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

﴿وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ يُشارِكُهُ في الأُلُوهِيَّةِ كَما يَقُولُهُ عَبَدَةُ الأوْثانِ وغَيْرُهم.

﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ جَوابٌ لِمُحاجَّتِهِمْ وجَزاءٌ لِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَزْعُمُونَ لَذَهَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِما خَلَقَهُ واسْتَبَدَّ بِهِ وامْتازَ مُلْكُهُ عَنْ مُلْكِ الآخَرِينَ ووَقَعَ بَيْنَهُمُ التَّغالُبُ والتَّحارُبُ كَما هو الجارِي فِيما بَيْنَ المُلُوكِ.

﴿وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ فَلَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ وحْدَهُ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وهو باطِلٌ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ قَطُّ مَعَ قِيامِ البُرْهانِ عَلى اسْتِنادِ جَمِيعِ المُمَكَّناتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ واحِدٍ بِالذّاتِ.

﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ: يَصِفُونَهُ (p-149)مِن أنْ يَكُونَ لَهُ أنْدادٌ وأوْلادٌ.

23:92Page 348

عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, so high is He above what they associate [with Him].

﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الجَلالَةِ، وقِيلَ: صِفَةٌ لَها، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأيًّا ما كانَ فَهو دَلِيلٌ آخَرُ عَلى انْتِفاءِ الشَّرِيكِ بِناءً عَلى تَوافُقِهِمْ في تَفَرُّدِهِ تَعالى بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّ تَفَرُّدَهُ تَعالى بِذَلِكَ مُوجِبٌ لِتَعالِيهِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ.

23:93Page 348

قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ٩٣

Say, [O Muḥammad], "My Lord, if You should show me that which they are promised,

﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي﴾ أيْ: إنْ كانَ لابُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي ﴿ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ المُسْتَأْصَلِ، وأمّا العَذابُ الأُخْرَوِيُّ فَلا يُناسِبُهُ المَقامُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском