Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:94–118
23:94Page 348
رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٩٤
My Lord, then do not place me among the wrongdoing people."
﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: قَرِينًا لَهم فِيما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ فَظاعَةِ ما وُعِدُوهُ مِنَ العَذابِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَسْتَعِيذَ مِنهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ أنْ يَحِيقَ بِهِ ورُدٌّ لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ واسْتِعْجالِهِمْ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِهِ ﷺ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ شُؤْمَ الكَفَرَةِ قَدْ يَحِيقُ بِمَن وراءَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنَّ لَهُ في أُمَّتِهِ نِقْمَةً ولَمْ يُطْلِعْهُ عَلى وقْتِها فَأمَرَهُ بِهَذا الدُّعاءِ وتَكْرِيرِ النِّداءِ، وتَصْدِيرُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ بِهِ لِإبْرازِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ.
23:95Page 348
وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ ٩٥
And indeed, We are Able to show you what We have promised them.
﴿وَإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَقادِرُونَ﴾ ولَكِنّا نُؤَخِّرُهُ لِعِلْمِنا بِأنَّ بَعْضَهم أوْ بَعْضَ أعْقابِهِمْ سَيُؤْمِنُونَ، أوْ لِأنّا لا نُعَذِّبُهم وأنْتَ فِيهِمْ. وقِيلَ: قَدْ أراهُ ذَلِكَ وهو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ أوْ فَتْحَ مَكَّةَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ فَإنَّ المُتَبادَرَ أنْ يَكُونَ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ عَذابًا هائِلًا مُسْتَأْصِلًا لا يَظْهَرُ عَلى يَدَيْهِ ﷺ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.
23:96Page 348
ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦
Repel, by [means of] what is best, [their] evil. We are most knowing of what they describe.
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ وهو الصَّفْحُ عَنْها والإحْسانُ في مُقابَلَتِها، لَكِنْ لا بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلى وهَنٍ في الدِّينِ. وقِيلَ: هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، والسَّيِّئَةُ: الشِّرْكُ، وقِيلَ: هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والسَّيِّئَةُ: المُنْكَرُ، وهو أبْلَغُ مِنِ ادْفَعْ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْصِيصَ عَلى التَّفْضِيلِ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ.
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ أيْ: بِما يَصِفُونَكَ بِهِ، أوْ بِوَصْفِهِمْ إيّاكَ عَلى خِلافِ ما أنْتَ عَلَيْهِ. وفِيهِ وعِيدٌ لَهم بِالجَزاءِ والعُقُوبَةِ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْشادٌ لَهُ ﷺ إلى تَفْوِيضِ أمْرِهِ إلَيْهِ تَعالى.
23:97Page 348
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧
And say, "My Lord, I seek refuge in You from the incitements of the devils,
﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أيْ: وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى خِلافِ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ المَحاسِنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها (p-150)دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ، وأصْلُ الهَمْزِ النَّخْسُ، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ،شَبَّهَ حَثُّهم لِلنّاسِ عَلى المَعاصِي بِهَمْزِ الرّائِضِ الدَّوابَّ عَلى الإسْراعِ، أوِ الوَثْبِ والجَمْعُ لِلْمَرّاتِ، أوْ لِتَنَوُّعِ الوَساوِسِ، أوْ لِتَعَدُّدِ المُضافِ إلَيْهِ.
23:98Page 348
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨
And I seek refuge in You, my Lord, lest they be present with me."
﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ أُمِرَ ﷺ بِأنْ يَعُوذَ بِهِ تَعالى مِن حُضُورِهِمْ بَعْدَ ما أُمِرَ بِالعَوْذِ مِن هَمَزاتِهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ مِن مُلابَسَتِهِمْ، وإعادَةُ الفِعْلِ مَعَ تَكْرِيرِ النِّداءِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وعَرْضِ نِهايَةِ الِابْتِهالِ في الِاسْتِدْعاءِ، أيْ: أعُوذُ بِكَ مِن أنْ يَحْضُرُونِي ويَحُومُوا حَوْلِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وتَخْصِيصُ حالِ الصَّلاةِ وقِراءَةِ القرآن كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وحالِ حُلُولِ الأجَلِ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأنَّها أحْرى الأحْوالِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنها.
23:99Page 348
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩
[For such is the state of the disbelievers] until, when death comes to one of them, he says, "My Lord, send me back
﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ "حَتّى" هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وهي مَعَ ذَلِكَ غايَةٌ لِما قَبْلَها مُتَعَلِّقَةٌ بِيَصِفُونَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإغْضاءِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَزِلُّوهُ ﷺ عَنِ الحِلْمِ ويُغْرُوهُ عَلى الِانْتِقامِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ العامِلُ فِيهِ لِفَسادِ المَعْنى، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وتَعَلُّقُها بِكاذِبُونَ في غايَةِ البُعْدِ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ حَتّى إذا جاءَ أحَدَهم أيَّ أحَدٍ كانَ المَوْتُ الَّذِي مَرَدَّ لَهُ وظَهَرَتْ لَهُ أحْوالُ الآخِرَةِ.
﴿قالَ﴾ تَحَسُّرًا عَلى ما فَرَّطَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ أيْ: رُدَّنِي إلى الدُّنْيا، والواوُ لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ. وقِيلَ: لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ارْجِعْنِي، كَما قِيلَ في قِفا نَبْكِ ونَظائِرِهِ.
23:100Page 348
لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠
That I might do righteousness in that which I left behind."1 No! It is only a word he is saying; and behind them is a barrier until the Day they are resurrected.
﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ أيْ: في الإيمانِ الَّذِي تَرَكْتُهُ لَمْ يُنَظِّمْهُ في سَلْكِ الرَّجاءِ كَسائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِأنْ يَقُولَ: لَعَلِّي أُومِنُ فَأعْمَلُ.. إلَخِ، لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُقَرَّرُ الوُقُوعِ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِوُقُوعِهِ قَطْعًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ الوُقُوعِ، أيْ: لَعَلِّي أعْمَلُ في الإيمانِ الَّذِي أتى بِهِ البَتَّةَ عَمَلًا صالِحًا، وقِيلَ: فِيما تَرَكْتُهُ مِنَ المالِ أوْ مِنَ الدُّنْيا. وعَنْهُ ﷺ: "إذا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: أنُرْجِعُكَ إلى الدُّنْيا ؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ، بَلْ قُدُومًا إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِي.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ الرَّجْعَةِ واسْتِبْعادٌ لَها ﴿إنَّها﴾ أيْ: قَوْلُهُ: رَبِّ ارْجُعُونِ إلَخِ ﴿كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ لا مَحالَةَ لِتَسَلُّطِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِ.
﴿وَمِن ورائِهِمْ﴾ أيْ: أمامَهم والضَّمِيرُ لِأحَدِهِمْ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّهُ في حُكْمِ كُلِّهِمْ، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.
﴿بَرْزَخٌ﴾ حائِلٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إقْناطٌ كُلِّيٌّ عَنِ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا لِما عُلِمَ أنَّهُ لا رَجْعَةَ يَوْمَ البَعْثِ إلى الدُّنْيا وإنَّما الرَّجْعَةُ يَوْمَئِذٍ إلى الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ.
23:101Page 348
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١
So when the Horn is blown, no relationship will there be among them that Day, nor will they ask about one another.
﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ لِقِيامِ السّاعَةِ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي يَقَعُ عِنْدَها البَعْثُ والنُّشُورُ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا نَفَخَ (p-151)فِي الأجْسادِ أرْواحُها عَلى أنَّ الصُّوَرَ جَمْعُ الصُّورَةِ لا القَرْنِ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِفَتْحِ الواوِ بِهِ مَعَ كَسْرِ الصّادِ.
﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ تَنْفَعُهم لِزَوالِ التَّزاحُمِ والتَّعاطُفِ مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ واسْتِيلاءِ الدَّهْشَةِ بِحَيْثُ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، أوْ لا أنْسابَ يَفْتَخِرُونَ بِها.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ كَما هي بَيْنُهُمُ اليَوْمَ ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلٍّ مِنهم بِنَفْسِهِ، ولا يُناقِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ لِأنَّ هَذا عِنْدَ ابْتِداءِ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ.
23:102Page 348
فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢
And those whose scales are heavy [with good deeds] - it is they who are the successful.
﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ مَوْزُوناتُ حَسَناتِهِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ، أيْ: فَمَن كانَتْ لَهُ عَقائِدُ صَحِيحَةٌ وأعْمالٌ صالِحَةٌ يَكُونُ لَها وزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجُونَ مِن كُلِّ مَهْرُوبٍ.
23:103Page 348
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣
But those whose scales are light - those are the ones who have lost their souls, [being] in Hell, abiding eternally.
﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ: ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ مالَهُ وُزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَهُ وهُمُ الكُفّارُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ . وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ ما في هَذا المَقامِ مِنَ الكَلامِ في تَفْسِيرِ (سُورَةِ الأعْرافِ ) .
﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ضَيَّعُوها بِتَضْيِيعِ زَمانِ اسْتِكْمالِها وأبْطَلُوا اسْتِعْدادَها لِنَيْلِ كَمالِها، واسْمُ الإشارَةِ في المَوْضِعَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْصُولِ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ في الصِّلَتَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ.
﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ.
23:104Page 348
تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤
The Fire will sear their faces, and they therein will have taut smiles.1
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ تُحْرِقُها، واللَّفْحُ كالنَّفْخِ إلّا أنَّهُ أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنهُ، وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ بِذَلِكَ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ فَبَيانُ حالِها أزْجَرُ عَنِ المَعاصِي المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِها عَلى الفاعِلِ.
﴿وَهم فِيها كالِحُونَ﴾ مِن شِدَّةِ الِاحْتِراقِ والكُلُوحُ تَقَلُّصُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ. وقُرِئَ: "كَلِحُونَ" .
23:105Page 349
أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥
[It will be said], "Were not My verses recited to you and you used to deny them?"
﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: يُقالُ لَهم تَعْنِيفًا وتَوْبِيخًا وتَذْكِيرًا لِما بِهِ اسْتَحَقُّوا ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ العَذابِ: ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمُ في الدُّنْيا ؟ ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ حِينَئِذٍ.
23:106Page 349
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦
They will say, "Our Lord, our wretchedness overcame us, and we were a people astray.
﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا﴾ أيْ: مَلَكَتْنا ﴿شِقْوَتُنا﴾ الَّتِي اقْتَرَفْناها بِسُوءِ اخْتِيارِنا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إضافَتُها إلى أنْفُسِهِمْ، وقُرِئَ: "شِقْوَتُنا" بِالفَتْحِ، و"شَقاواتُنا" أيْضًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ.
﴿وَكُنّا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿قَوْمًا ضالِّينَ﴾ عَنِ الحَقِّ لِذَلِكَ فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ التَّكْذِيبِ، وهَذا كَما تَرى اعْتِرافٌ مِنهم بِأنَّ ما أصابَهم قَدْ أصابَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ.
23:107Page 349
رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧
Our Lord, remove us from it, and if we were to return [to evil], we would indeed be wrongdoers."
(p-152)وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ اعْتِذارٌ مِنهم بِغَلَبَةِ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّقاوَةِ الأزَلِيَّةِ، فَمَعَ أنَّهُ باطِلٌ في نَفْسِهِ لِما أنَّهُ لا يُكْتَبُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ إلّا ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَفْعَلُونَهُ بِاخْتِيارِهِمْ ضَرُورَةَ أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ أيْ: أخْرِجْنا مِنَ النّارِ وارْجِعْنا إلى الدُّنْيا فَإنْ عُدْنا بَعْدَ ذَلِكَ إلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَإنّا مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ ولَوْ كانَ اعْتِقادُهم أنَّهم مَجْبُورُونَ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم لَما سَألُوا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا ولَما وعَدُوا الإيمانَ والطّاعَةَ، بَلْ قَوْلُهم: ﴿فَإنْ عُدْنا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهم حِينَئِذٍ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ وإنَّما المَوْعُودُ عَلى تَقْدِيرِ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا الثَّباتُ عَلَيْها لا إحْداثُهَما.
23:108Page 349
قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨
He will say, "Remain despised therein and do not speak to Me.
﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ أيِ: اسْكُتُوا في النّارِ سُكُوتَ هَوانٍ وذِلُّوا وانْزَجِرُوا انْزِجارَ الكِلابِ إذا زُجِرَتْ مِن خَسَأْتُ الكَلْبَ إذا زَجَرْتُهُ فَخَسِئَ، أيِ: انْزَجَرَ.
﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أيْ: بِاسْتِدْعاءِ الإخْراجِ مِنَ النّارِ والرَّجْعِ إلى الدُّنْيا، وقِيلَ: لا تُكَلِّمُونَ في رَفْعِ العَذابِ، ويَرُدُّهُ التَّعْلِيلُ الآتِي. وقِيلَ: لا تُكَلِّمُونِ رَأْسًا، وهو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، ثُمَّ لا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَّهِيقُ والزَّفِيرُ والعُواءُ كَعُواءِ الكَلْبِ لا يَفْهَمُونَ ولا يُفْهِمُونَ، ويَرُدُّهُ الخِطاباتُ الآتِيَةُ قَطْعًا.
23:109Page 349
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩
Indeed, there was a party of My servants who said, 'Our Lord, we have believed, so forgive us and have mercy upon us, and You are the best of the merciful.'
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الدُّعاءِ، أيْ: إنَّ الشَّأْنَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، أيْ: لِأنَّ الشَّأْنَ.
﴿كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أنَّهُمُ الصَّحابَةُ، وقِيلَ: أهْلُ الصُّفَّةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
﴿يَقُولُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾
23:110Page 349
فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ ١١٠
But you took them in mockery to the point that they made you forget My remembrance, and you used to laugh at them.
﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ أيِ: اسْكُتُوا عَنِ الدُّعاءِ بِقَوْلِكم: "رَبَّنا .." إلَخِ لِأنَّكم كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ بِالدّاعِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ "رَبَّنا آمَنّا﴾ .." إلَخِ، وتَتَشاغَلُونَ بِاسْتِهْزائِهِمْ ﴿حَتّى أنْسَوْكُمْ﴾ أيِ: الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ ﴿ذِكْرِي﴾ مِن فَرْطِ اشْتِغالِكم بِاسْتِهْزائِهِمْ ﴿وَكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ وذَلِكَ غايَةُ الِاسْتِهْزاءِ.
23:111Page 349
إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١
Indeed, I have rewarded them this Day for their patient endurance - that they are the attainers [of success]."
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حُسْنِ حالِهِمْ وأنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِما آذَوْهم.
﴿بِما صَبَرُوا﴾ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى أذِيَّتِكم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ثانِي مَفْعُولَيِ الجَزاءِ، أيْ: جِزْيَتُهم فَوْزَهم بِمَجامِعِ مُرادَّتِهِمْ مَخْصُوصِينَ بِهِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ وبَيانٌ لِكَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الحُسْنِ.
23:112Page 349
قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢
[Allāh] will say, "How long did you remain on earth in number of years?"
﴿قالَ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوِ المَلَكُ المَأْمُورُ بِذَلِكَ تَذْكِيرًا لِما لَبِثُوا فِيما سَألُوا الرُّجُوعَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيا بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحالَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ "اخْسَئُوا فِيها﴾ .." إلَخِ. وقُرِئَ: "قُلْ" عَلى الأمْرِ لِلْمَلَكِ.
﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ الَّتِي تَدْعُونَ إلَيْها ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ تَمْيِيزٌ لَكم.
23:113Page 349
قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ ١١٣
They will say, "We remained a day or part of a day; ask those who enumerate."
(p-153)﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ فِيها ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ أيِ: المُتَمَكِّنِينَ مِنَ العَدِّ فَإنَّما بِما دَهَمَنا مِنَ العَذابِ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، أوِ المَلائِكَةَ العادِّينَ لِأعْمارِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ. وقُرِئَ: "العادِينَ" بِالتَّخْفِيفِ، أيِ: المُعْتَدِّينَ فَإنَّهم أيْضًا يَقُولُونَ ما نَقُولُ كَأنَّهُمُ الأتْباعُ يُسَمُّونَ الرُّؤَساءَ بِذَلِكَ لِظُلْمِهِمْ إيّاهم بِإضْلالِهِمْ. وقُرِئَ: "العادِيِينَ" أيِ القُدَماءَ المُعَمِّرِينَ فَإنَّهم أيْضًا يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ.
23:114Page 349
قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١٤
He will say, "You stayed not but a little - if only you had known.
﴿قالَ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى أوِ المَلَكُ، وقُرِئَ: "قُلْ" كَما سَبَقَ.
﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ تَصْدِيقًا لَهم في ذَلِكَ ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ شَيْئًا أوْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةٍ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، أيْ: لَعَلِمْتُمْ يَوْمَئِذٍ قِلَّةَ لُبْثِكم فِيها كَما عَلِمْتُمُ اليَوْمَ ولَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ ولَمْ تَخْلُدُوا إلَيْها.
23:115Page 349
أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥
Then did you think that We created you uselessly and that to Us you would not be returned?"
﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا شَيْئًا فَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم بِغَيْرِ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ حَتّى أنْكَرْتُمُ البَعْثَ، فَعَبَثًا حالٌ مِن نُونِ العَظَمَةِ، أيْ: عابِثِينَ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: إنَّما خَلَقْناكم لِلْعَبَثِ.
﴿وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى "أنَّما" فَإنَّ خَلْقَكم بِغَيْرِ بَعْثٍ مِن قَبِيلِ العَبَثِ، وإنَّما خَلَقْناكم لِنُعِيدَكم ونُجازِيكم عَلى أعْمالِكم. وقُرِئَ: "تَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الرُّجُوعِ.
23:116Page 349
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦
So exalted is Allāh, the Sovereign,1 the Truth;2 there is no deity except Him, Lord of the Noble Throne.
﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ اسْتِعْظامٌ لَهُ تَعالى لِشُئُونِهِ الَّتِي تُصَرَّفُ عَلَيْها عِبادُهُ مِنَ البَدْءِ والإعادَةِ والإثابَةِ والعِقابِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، أيِ: ارْتَفَعَ بِذاتِهِ وتَنَزَّهَ عَنْ مُماثَلَةِ المَخْلُوقِينَ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأحْوالِهِ وأفْعالِهِ وعَنْ خُلُوِ أفْعالِهِ عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ والغاياتِ الحَمِيدَةِ.
﴿المَلِكُ الحَقُّ﴾ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ عَلى الإطْلاقِ إيجادًا وإعْدامًا، بَدْءًا و إعادَةً، إحْياءً وإماتَةً، عِقابًا وإثابَةً، وكُلُّ ما سِواهُ مَمْلُوكٌ لَهُ مَقْهُورٌ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ.
﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَإنَّ كُلَّ ما عَداهُ عَبِيدُهُ ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ فَكَيْفَ بِما تَحْتَهُ ومُحاطٌ بِهِ مِنَ المَوْجُوداتِ كائِنًا ما كانَ، ووَصْفُهُ بِالكَرَمِ إمّا لِأنَّهُ مِنهُ يَنْزِلُ الوَحْيُ الَّذِي مِنهُ القرآن الكَرِيمُ أوِ الخَيْرُ والبِرْكَةُ والرَّحْمَةُ، أوْ لِنِسْبَتِهِ إلى أكْرَمِ الأكْرَمِينَ. وقُرِئَ: "الكَرِيمُ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الرَّبِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾
23:117Page 349
وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١١٧
And whoever invokes besides Allāh another deity for which he has no proof - then his account is only with his Lord. Indeed, the disbelievers will not succeed.
﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَعْبُدُهُ إفْرادًا وإشْراكًا ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ صِفَةٌ لازِمَةٌ لِإلَهًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ جِيءَ بِها لِلتَّأْكِيدِ، وبِناءِ الحُكْمِ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّدَيُّنِ بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ باطِلٌ فَكَيْفَ بِما شَهِدَتْ بَدِيهَةُ العُقُولِ بِخِلافِهِ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ كَقَوْلِكَ: مَن (p-154)أحْسَنَ إلى زَيْدٍ لا أحَقَّ مِنهُ بِالإحْسانِ فاللَّهُ مُثِيبُهُ.
﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ فَهو مُجازٍ لَهُ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: إنَّ الشَّأْنَ .. إلَخِ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ تَعْلِيلٌ، أوْ خَبَرٌ ومَعْناهُ: حِسابُهُ عَدَمُ الفَلاحِ، والأصْلُ: حِسابُهُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ هو، فَوُضِعَ الكافِرُونَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِأنَّ مَن يَدَعُ في مَعْنى الجَمْعِ، وكَذَلِكَ حِسابُهُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ في مَعْنى حِسابُهم أنَّهم لا يُفْلِحُونَ.
23:118Page 349
وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨
And, [O Muḥammad], say, "My Lord, forgive and have mercy, and You are the best of the merciful."
بُدِئَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ بِتَقْرِيرِ فَلاحِ المُؤْمِنِينَ وخُتِمَتْ بِنَفْيِ الفَلاحِ عَنِ الكافِرِينَ ثُمَّ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالِاسْتِغْفارِ والِاسْتِرْحامِ فَقِيلَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ إيذانًا بِأنَّهُما مِن أهَمِّ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ مِن قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ بَشَّرَتْهُ المَلائِكَةُ بِالرَّوْحِ والرَّيْحانِ وما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ عِنْدَ نُزُولِ مَلَكِ المَوْتِ﴾ . وعَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ﴿لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ حَتّى خَتَمَ العَشَرَ﴾ . ورُوِيَ «أنَّ أوَّلَها وآخِرَها مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ مَن عَمِلَ بِثَلاثِ آياتٍ مِن أوَّلِها واتَّعَظَ بِأرْبَعٍ مِنَ اخِرِها فَقَدْ نَجا وأفْلَحَ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences