Abu as-Su'udAn‑Nur · 24:34–38

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:34–38

24:34Page 354

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤

And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.

﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ ما ورَدَ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ لِبَيانِ جَلالَةِ شُئُونِها المُسْتَوْجِبَةِ لِلْإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلى العَمَلِ بِمَضْمُونِها، وصُدِّرَ بِالقَسَمِ الَّذِي تُعْرِبُ عَنْهُ اللّامُ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ آياتٍ مُبَيِّناتٍ لِكُلِّ ما بِكم حاجَةٌ إلى بَيانِهِ مِنَ الحُدُودِ وسائِرِ الأحْكامِ والآدابِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مِن مَبادِئِ بَيانِها عَلى أنَّ إسْنادَ التَّبْيِينِ إلَيْها مَجازِيٌّ، أوْ آياتٌ واضِحاتٌ تُصَدِّقُها الكُتُبُ القَدِيمَةُ والعُقُولُ السَّلِيمَةُ عَلى أنَّ "مُبَيِّناتٍ" مَن بَيَّنَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ، ومِنهُ المَثَلُ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، أيِ: الَّتِي بُيِّنَتْ وأُوضِحَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن مَعانِي الأحْكامِ والحُدُودِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ مُبَيِّنًا فِيها الأحْكامَ فاتَّسَعَ في الظَّرْفِ بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ.

﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "آياتٍ" أيْ: وأنْزَلْنا مَثَلًا كائِنًا مِن قَبِيلِ أمْثالِ الَّذِينَ مَضَوْا مِن قَبْلِكم مِنَ القِصَصِ العَجِيبَةِ والأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لَهم في الكُتُبِ السّابِقَةِ والكَلِماتِ الجارِيَةِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَيَنْتَظِمُ قِصَّةَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها المُحاكِيَةَ لِقِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِصَّةِ مَرْيَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وسائِرِ الأمْثالِ الوارِدَةِ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ انْتِظامًا واضِحًا. وتَخْصِيصُ الآياتِ المُبَيِّناتِ بِالسَّوابِقِ وحَمْلُ المَثَلِ عَلى القِصَّةِ العَجِيبَةِ فَقَطْ يَأْباهُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما سَيَأْتِي مِنَ التَّمْثِيلاتِ.

﴿وَمَوْعِظَةً﴾ تَتَّعِظُونَ بِهِ وتَنْـزَجِرُونَ عَمّا لا يَنْبَغِي مِنَ المُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ وسائِرِ ما يَخِلُّ بِمَحاسِنِ الآدابِ فَهي عِبارَةٌ عَمّا سَبَقَ مِنَ الآياتِ والمَثَلِ لِظُهُورِ كَوْنِها مِنَ المَواعِظِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ (p-175)وَمَدارُ العَطْفِ هو التَّغايُرُ العُنْوانِيُّ المُنَـزَّلُ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، وقَدْ خُصَّتِ الآياتُ بِما يُبَيِّنُ الحُدُودَ والأحْكامَ والمَوْعِظَةَ بِما وُعِظَ بِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في شَأْنِ الآدابِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مَعَ شُمُولِ المَوْعِظَةِ لِلْكُلِّ حَسَبَ شُمُولِ الإنْزالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ حَثًّا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الِاعْتِناءِ بِالِانْتِظامِ في سِلْكَ المُتَّقِينَ بِبَيانِ أنَّهُمُ المُغْتَنِمُونَ لِآثارِها المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِها فَحَسْبُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ المُبَيِّناتِ والمَثَلِ والمَوْعِظَةِ: جَمِيعُ ما في القرآن المَجِيدِ مِنَ الآياتِ والأمْثالِ والمَواعِظِ.

24:35Page 354

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥

Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلَخِ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما فِيها مِنَ البَيانِ مَعَ الإشْعارِ بِكَوْنِهِ في غايَةِ الكَمالِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَتَعْرِفُهُ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِتَحْقِيقِ أنَّ بَيانَهُ تَعالى لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى ما ورَدَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بَلْ هو شامِلٌ لِكُلِّ ما يَحِقُّ بَيانُهُ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ ومَبادِئِها وغاياتِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها في الدُّنْيا والآخِرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ مَدْخَلٌ في البَيانِ، وأنَّهُ واقِعٌ مِنهُ تَعالى عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وأكْمَلِها حَيْثُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنْوِيرِ الَّذِي هو أقْوى مَراتِبِ البَيانِ وأجْلاها، وعَبَّرَ عَنِ المُنَوِّرِ بِنَفْسِ النُّورِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ التَّنْوِيرِ وشِدَّةِ التَّأْثِيرِ وإيذانًا بِأنَّهُ تَعالى ظاهِرٌ بِذاتِهِ وكُلُّ ما سِواهُ ظاهِرٌ بِإظْهارِهِ، كَما أنَّ النُّورَ نَيِّرٌ بِذاتِهِ وما عَداهُ مُسْتَنِيرٌ بِهِ، وأُضِيفَ النُّورُ إلى السَّمَواتِ والأرْضِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ شُيُوعِ البَيانِ المُسْتَعارِ لَهُ وغايَةِ شُمُولِهِ لِكُلِّ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لَها مَدْخَلٌ في إرْشادِ النّاسِ بِوَساطَةِ بَيانِ شُمُولِ المُسْتَعارِ مِنهُ لِجَمِيعِ ما يَقْبَلُهُ ويَسْتَحِقُّهُ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ فَإنَّهُما قُطْرانِ لِلْعالَمِ الجُسْمانِيِّ الَّذِي لا مَظْهَرَ لِلنُّورِ الحِسِّيِّ سِواهُ، أوْ عَلى شُمُولِ البَيانِ لِأحْوالِهِما وأحْوالِ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ إذْ ما مِن مَوْجُودٍ إلّا وقَدْ بُيِّنَ مِن أحْوالِهِ ما يَسْتَحِقُّ البَيانَ إمّا تَفْصِيلًا أوْ إجْمالًا، كَيْفَ لا ولا رَيْبَ في بَيانِ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ وشاهِدًا بِصِحَّةِ البَعْثِ، أوْ عَلى تَعَلُّقِ البَيانِ بِأهْلِهِما كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هادِيَ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهم بِنُورِهِ يَهْتَدُونَ وبِهُداهُ مِن حِيرَةِ الضَّلالَةِ يَنْجُونَ. هَذا وأمّا حَمْلُ التَّنْوِيرِ عَلى إخْراجِهِ تَعالى لِلْماهِيّاتِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ إذْ هو الأصْلُ في الإظْهارِ كَما أنَّ الإعْدامَ هو الأصْلُ في الإخْفاءِ، أوْ عَلى تَزْيِينِ السَّمَواتِ بِالنَّيِّرَيْنِ وسائِرِ الكَواكِبِ وما يَفِيضُ عَنْها مِنَ الأنْوارِ أوْ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَزْيِينُ الأرْضِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والعُلَماءُ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بِالنَّباتِ والأشْجارِ، أوْ عَلى تَدْبِيـرِهِ تَعالى لِأُمُورِهِما وأُمُورِ ما فِيهِما، فَمِمّا لا يُلائِمُ المَقامَ ولا يُساعِدُ حُسْنَ النِّظامِ.

﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ: نُورُهُ الفائِضُ مِنهُ تَعالى عَلى الأشْياءِ المُسْتَنِيـرَةِ بِهِ، وهو القرآن المُبَيِّنُ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن وصْفِ آياتِهِ بِالإنْزالِ والتَّبْيِينِ، وقَدْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ نُورًا أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والحَسَنُ، وزَيْدُ (p-176)بْنُ أسْلَمَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَهُ عِبارَةً عَنِ الحَقِّ، وإنْ شاعَ اسْتِعارَتُهُ لَهُ كاسْتِعارَةِ الظُّلْمَةِ لِلْباطِلِ يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ شَأْنِ الآياتِ ووَصْفِها بِما ذُكِرَ مِنَ التَّبْيِينِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِ الحَقِّ ولِأنَّ المُعْتَبِرَ في مَفْهُومِ النُّورِ هو الظُّهُورُ والإظْهارُ كَما هو شَأْنُ القرآن الكَرِيمِ، وأمّا الحَقُّ فالمُعْتَبِرُ في مَفْهُومِهِ مِن حَيْثُ هو حَقٌّ هو الظُّهُورُ لا الإظْهارُ. والمُرادُ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ العَجِيبَةُ، أيْ: صِفَةُ نُورِهِ العَجِيبَةُ.

﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ: كَصِفَةِ كُوَّةٍ نافِذَةٍ في الجِدارِ في الإنارَةِ والتَّنْوِيرِ.

﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ، وقِيلَ: المِشْكاةُ: الأُنْبُوبَةُ في وسَطِ القِنْدِيلِ، والمِصْباحُ: الفَتِيلَةُ المُشْتَعِلَةُ.

﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ أيْ: قِنْدِيلٍ مِنَ الزُّجاجِ الصّافِي الأزْهَرِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الزّايِ وكَسْرِها في المَوْضِعَيْنِ.

﴿الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مُتَلَأْلِئٌ وقّادٌ شَبِيهٌ بِالدُّرِّ في صَفائِهِ وزُهْرَتِهِ ودَرارِيُّ الكَواكِبِ عِظامُها المَشْهُورَةُ، وقُرِئَ: "دُرِّئَ" بِدالٍ مَكْسُورَةٍ وراءٍ مُشَدَّدَةٍ وياءٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ عَلى أنَّهُ فَعِيلٌ مِنَ الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ، أيْ: مُبالَغٌ في دَفْعِ الظَّلامِ بِضَوْئِهِ، أوْ في دَفْعِ بَعْضِ أجْزاءِ ضِيائِهِ لِبَعْضٍ عِنْدَ البَرِيقِ واللَّمَعانِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الدّالِ والباقِي عَلى حالِهِ. وفي إعادَةِ المِصْباحِ والزُّجاجَةِ مُعَرَّفَيْنِ إثْرَ سَبْقِهِما مُنْكِرِينَ، والإخْبارُ عَنْهُما بِما بَعْدَهُما مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِأنْ يُقالَ: كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في زُجاجَةٍ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِما ورَفْعِ مَكانِهِما بِالتَّفْسِيرِ إثْرَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ وبِإثْباتِ ما بَعْدَهُما لَهُما بِطَرِيقِ الإخْبارِ المُنْبِئِ عَنِ القَصْدِ الأصْلِيِّ دُونَ الوَصْفِ المَبْنِيِّ عَلى الإشارَةِ إلى الثُّبُوتِ في الجُمْلَةِ ما لا يَخْفى. ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الأُولى الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لَمِصْباحٍ، ومَحَلُّ الثّانِيَةِ الجَرُّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِزُجاجَةٍ، واللّامُ مُغْنِيَةٌ عَنِ الرّابِطِ كَأنَّهُ قِيلَ: فِيها مِصْباحٌ هو في زُجاجَةٍ هي كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ.

﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾ أيْ: يُبْتَدَأُ إيقادُ المِصْباحِ مِن شَجَرَةٍ ﴿مُبارَكَةٍ﴾ أيْ: كَثِيرَةُ المَنافِعِ بِأنْ رُوِيَتْ ذُبالَتُهُ بِزَيْتِها، وقِيلَ: إنَّما وُصِفَتْ بِالبَرَكَةِ لِأنَّها تَنْبُتُ في الأرْضِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيها لِلْعالَمِينَ.

﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن "شَجَرَةٍ"، وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالبَرَكَةِ ثُمَّ الإبْدالِ مِنها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها. وقُرِئَ: "تُوَقَّدُ" بِالتّاءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ لِلزُّجاجَةِ دُونَ المِصْباحِ، وقُرِئَ: "تَوَقَّدَ" عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ، أيِ: ابْتِداءُ ثُقُوبِ المِصْباحِ مِنها، وقُرِئَ: "تَوَقَّدُ" بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن تَتَوَقَّدُ عَلى إسْنادِهِ إلى الزُّجاجَةِ.

﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ تَقَعُ الشَّمْسُ عَلَيْها حِينًا دُونَ حِينٍ بَلْ بِحَيْثُ تَقَعُ عَلَيْها طُولَ النَّهارِ، كالَّتِي عَلى قِلَّةٍ أوْ صَحْراءَ واسِعَةٍ فَتَقَعُ الشَّمْسُ عَلَيْها حالَتَيِ الطُّلُوعِ والغُرُوبِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: لا شَرْقِيَّةَ وحْدَها ولا غَرْبِيَّةَ وحْدَها لَكِنَّها شَرْقِيَّةٌ وغَرْبِيَّةٌ، أيْ: تُصِيبُها الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها وعِنْدَ غُرُوبِها فَتَكُونُ شَرْقِيَّةً وغَرْبِيَّةً تَأْخُذُ حَظَّها مِنَ الأمْرَيْنِ فَيَكُونُ زَيْتُها أضْوَأ، وقِيلَ: لا ثابِتَةَ في شَرْقِ المَعْمُورَةِ ولا في غَرْبِها بَلْ في وسَطِها وهو الشّامُ فَإنَّ زُيُوتَها أجْوَدُ ما يَكُونُ، وقِيلَ: لا في مَضْحى تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلَيْها دائِمًا فَتُحْرِقُها ولا في مَقْنَأةٍ تَغِيبُ عَنْها دائِمًا فَتَتْرُكُها نَيَّئَةً، وفي الحَدِيثِ: ﴿لا خَيْرَ في شَجَرَةٍ ولا في نَباتٍ في مَقْنَأةٍ، ولا خَيْرَ فِيهِما في مَضْحى﴾ .

﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أيْ: هو في الصِّفاءِ والإنارَةِ بِحَيْثُ يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ مَساسِ نارٍ أصْلًا، وكَلِمَةُ "لَوْ" في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ شَيْءٍ في الزَّمانِ الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ فَلا يُلاحِظُ لَها جَوابٌ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ مُلاحَظَةً قَصْدِيَّةً إلّا عِنْدَ القَصْدِ إلى بَيانِ الإعْرابِ عَلى القَواعِدِ الصِّناعِيَّةِ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى (p-177)كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ إجْمالًا بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ إمّا لِوُجُودِ المانِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، وإمّا لِعَدَمِ الشَّرْطِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ أوِ انْتِفائِهِ مَعَهُ ثُبُوتُهُ أوِ انْتِفاؤُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ ما يُنافِيهِ مِن وُجُودِ المانِعِ أوْ عَدَمِ الشَّرْطِ فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ بِدُونِ ذَلِكَ أوْلى ولِذَلِكَ لا يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ مِن سائِرِ الأحْوالِ ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها المُقابِلَةِ لَها المُتَناوِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها عِنْدَ تَعَدُّدِها وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في الخَبَرِ المُوجِبِ والمَنفِيِّ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: فُلانٌ جَوادٌ يُعْطِي ولَوْ كانَ فَقِيرًا أوْ بَخِيلٌ لا يُعْطِي ولَوْ كانَ غَنِيًّا، تُرِيدُ بَيانَ تَحَقُّقِ الإعْطاءِ في الأوَّلِ وعَدَمِ تَحَقُّقِهِ في الثّانِي في جَمِيعِ الأحْوالِ المَفْرُوضَةِ، والتَّقْدِيرُ: يُعْطِي لَوْ لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا ولَوْ كانَ فَقِيرًا ولا يُعْطِي لَوْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا ولَوْ كانَ غَنِيًّا، فالجُمْلَةُ مَعَ ما عُطِفَتْ هي عَلَيْهِ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُسْتَكِنِ في الفِعْلِ المُوجِبِ أوِ المَنفِيِّ، أيْ: يُعْطى أوَّلًا يُعْطِي كائِنًا عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ لَوْ مَسَّتْهُ نارٌ ولَوْ لَمْ تَمَسَّهُ نارٌ، أيْ: يُضِيءُ كائِنًا عَلى كُلِّ حالٍ مِن وُجُودِ الشَّرْطِ وعَدَمِهِ، وقَدْ حُذِفَتِ الجُمْلَةُ الأُولى حَسَبَما هو المُطَّرِدُ في البابِ لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً.

﴿نُورُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى نُورٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ والجُمْلَةِ فَذْلَكَةٌ لِلتَّمْثِيلِ وتَصْرِيحٌ بِما حَصَلَ مِنهُ وتَمْهِيدٌ لِما يُعْقِبُهُ، أيْ: ذَلِكَ النُّورُ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ عَنِ القرآن ومُثِّلَتْ صِفَتُهُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ بِما فُصِّلَ مِن صِفَةِ المِشْكاةِ نُورٌ عَظِيمٌ كائِنٌ عَلى نُورٍ كَذَلِكَ، لا عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ نُورٍ واجِدٍ مُعَيَّنٍ، أوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَوْقَ نُورٍ آخَرَ مِثْلَهُ، ولا عَنْ مَجْمُوعِ نُورَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ، بَلْ عَنْ نُورٍ مُتَضاعِفٍ مِن غَيْرِ تَحْدِيدِ لِتَضاعُفِهِ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ، وتَحْدِيدُ مَراتِبِ تَضاعُفِ ما مُثِّلَ بِهِ مِن نُورِ المِشْكاةِ بِما ذُكِرَ لِكَوْنِهِ أقْصى مَراتِبِ تَضاعُفِهِ عادَةً فَإنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ مُتَضايِقٍ كالمِشْكاةِ كانَ أضْوَأ لَهُ وأجْمَعَ لِنُورِهِ بِسَبَبِ انْضِمامِ الشُّعاعِ المُنْعَكِسِ مِنهُ إلى أصْلِ الشُّعاعِ بِخِلافِ المَكانِ المُتَّسِعِ فَإنَّ الضَّوْءَ يَنْبَثُّ فِيهِ ويَنْتَشِرُ والقِنْدِيلَ أعُونُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ الإنارَةِ وكَذَلِكَ الزِّيُّ وصَفاؤُهُ، ولَيْسَ وراءَ هَذِهِ المَراتِبِ مِمّا يَزِيدُ نُورَها إشْراقًا ويَمُدُّهُ بِإضاءَةِ مَرْتَبَةٍ أُخْرى عادَةً هَذا وجَعْلُ النُّورِ عِبارَةً عَنِ النُّورِ المُشَبَّهِ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْـزِيلِ الجَلِيلِ.

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ أيْ: يَهْدِي هِدايَةً خاصَّةً مُوصِلَةً إلى المَطْلُوبِ حَتْمًا لِذَلِكَ النُّورِ المُتَضاعِفِ العَظِيمِ الشَّأْنِ وإظْهارُهُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ وتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ النّاشِئَةِ مِنَ اِضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ.﴿مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ مِن عِبادِهِ بِأنْ يُوَفِّقَهم لِفَهْمِ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ حَقِّيَّتِهِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الإعْجازِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ بِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَناطَ هَذِهِ الهِدايَةِ ومَلاكَها لَيْسَ إلّا مَشِيئَتَهُ تَعالى، وأنَّ تَظاهُرَ الأسْبابِ بِدُونِها بِمَعْزِلٍ مِنَ الإفْضاءِ إلى المَطالِبِ.

﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ في تَضاعِيفِ الهِدايَةِ حَسَبَما يَقْتَضِي حالُهم فَإنَّ لَهُ دَخْلًا عَظِيمًا في بابِ الإرْشادِ لِأنَّهُ إبْرازٌ لِلْمَعْقُولِ في هَيْئَةِ المَحْسُوسِ وتَصْوِيرٌ لِأوابِدِ المَعانِي بِصُورَةِ المَأْنُوسِ، ولِذَلِكَ مُثِّلَ نُورُهُ المُعَبِّرُ بِهِ عَنِ القرآن المُبَيِّنُ بِنُورِ المِشْكاةِ، وإظْهارِهِ الِاسْمَ الجَلِيلَ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ (p-178)بِاخْتِلافِ حالَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى مِنَ الهِدايَةِ الخاصَّةِ وضَرْبِ الأمْثالِ الَّذِي هو مِن قَبِيلِ الهِدايَةِ العامَّةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَعْلِيقُ الأوْلى بِمَن يَشاءُ والثّانِيَةِ بِالنّاسِ كافَّةً.

﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مَفْعُولًا كانَ أوْ مَحْسُوسًا ظاهِرًا كانَ أوْ باطِنًا، ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ تَتَعَلَّقَ مَشِيئَتُهُ بِهِدايَةِ مَن يَلِيقُ بِها ويَسْتَحِقُّها مِنَ النّاسِ دُونَ مَن عَداهم لِمُخالَفَتِهِ الحِكْمَةَ الَّتِي عَلَيْها مَبْنى التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، وأنْ تَكُونَ هِدايَتُهُ العامَّةُ عَلى فُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَرائِقَ شَتّى حَسَبَما تَقْتَضِيهِ أحْوالُهم، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وبِما ذُكِرَ مِنِ اخْتِلافِ حالِ المَحْكُومِ بِهِ ذاتًا وتَعَلُّقًا.

24:36Page 354

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦

[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1

﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ لَمّا ذَكَرَ شَأْنَ القرآن الكَرِيمِ في بَيانِهِ لِلشَّرائِعِ والأحْكامِ ومَبادِئِها وغاياتِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وأهْوالِها، وأُشِيرَ إلى كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ التَّوْضِيحِ والإظْهارِ حَيْثُ مُثِّلَ بِما فُصِّلَ مِن نُورِ المِشْكاةِ، وأُشِيرَ إلى أنَّ ذَلِكَ النُّورَ مَعَ كَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ الظُّهُورِ إنَّما يَهْتَدِي بِهُداهُ مَن تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى بِهِدايَتِهِ دُونَ مَن عَداهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ وتَصْوِيرِ بَعْضِ أعْمالِهِمُ المُعْرِبَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ حالِهِمْ في الِاهْتِداءِ وعَدَمِهِ، والمُرادُ بِالبُيُوتِ: المَساجِدُ كُلُّها حَسَبَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقِيلَ: هي المَساجِدُ الَّتِي بَناها نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى: الكَعْبَةُ الَّتِي بَناها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وبَيْتُ المَقْدِسِ الَّذِي بَناهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَسْجِدُ المَدِينَةِ ومَسْجِدُ قِباءٍ اللَّذانِ بَناهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ. والمُرادُ بِالإذْنِ في رَفْعِها: الأمْرُ بِبِنائِها رَفِيعَةً لا كَسائِرِ البُيُوتِ، وقِيلَ: هو الأمْرُ بِرَفْعِ مِقْدارِها بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فِيها فَيَكُونُ عَطْفُ الذِّكْرِ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ العَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ، وأيًّا ما كانَ فَفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالإذْنِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ المَأْمُورِ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ الأمْرِ بِهِ ناوِيًا لِتَحْقِيقِهِ كَأنَّهُ مُسْتَأْذِنٌ في ذَلِكَ فَيَقَعُ الأمْرُ بِهِ مَوْقِعَ الإذْنِ فِيهِ. والمُرادُ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى: ما يَعُمُّ جَمِيعَ أذْكارِهِ تَعالى. وكَلِمَةُ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها﴾ تَكْرِيرٌ لَها لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الفاصِلَةِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمامِ لا لِقَصْرِ التَّسْبِيحِ عَلى الوُقُوعِ في البُيُوتِ فَقَطْ، وأصْلُ التَّسْبِيحِ: التَّنْـزِيهُ والتَّقْدِيسُ، يُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ وبِدُونِها أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ . قالُو: أُرِيدَ بِهِ الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْيِينُ الأوْقاتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ أيْ: بِالغَدَواتِ والعَشِايّاتِ، عَلى أنَّ الغُدُوَّ إمّا جَمْعُ غَداةٍ كَقُنى في جَمْعِ قَناةٍ كَما قِيلَ، أوْ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى الوَقْتِ حَسَبَما يَشْعُرُ بِهِ اقْتِرانُهُ بِالآصالِ وهو جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ، وهو شامِلٌ الأوْقاتِ ما عَدا صَلاةَ الفَجْرِ المُؤَدّاةِ بِالغَداةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ نَفْسُ التَّنْزِيهِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَمّا يَقَعُ مِنهُ في أثْناءِ الصَّلَواتِ وأوْقاتِها لِزِيادَةِ شَرَفِهِ وإنافَتِهِ عَلى سائِرِ أفْرادِهِ، أوْ عَمّا يَقَعُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وإفْرادُ طَرَفَيِ النَّهارِ بِالذِّكْرِ لِقِيامِهِما مَقامَ كُلِّها لِكَوْنِهِما العُمْدَةَ فِيها بِكَوْنِهِما مَشْهُودَيْنِ وكَوْنِهِما أشْهُرَ ما يَقَعُ فِيهِ المُباشَرَةُ لِلْأعْمالِ والِاشْتِغالُ بِالأشْغالِ. وقُرِئَ: "والإيصالِ" وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ.

24:37Page 355

رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧

[Are] men whom neither commerce nor sale distracts from the remembrance of Allāh and performance of prayer and giving of zakāh. They fear a Day in which the hearts and eyes will [fearfully] turn about -

(p-179)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِجالٌ﴾ فاعِلُ "يُسَبِّحُ" وتَأْخِيرُهُ عَنِ الظُّرُوفِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِأنَّ في وصْفِهِ نَوْعَ طُولٍ فَيُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِحُسْنِ الِانْتِظامِ. وقُرِئَ: "يُسَبِّحُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِإسْنادِهِ إلى أحَدِ الظُّرُوفِ، و"رِجالٌ" مَرْفُوعٌ بِما يُنْبِئُ عَنْهُ حِكايَةُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةِ الفاعِلِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:

؎ لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ

..

كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُسَبِّحُ لَهُ ؟ فَقِيلَ: يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ. وقُرِئَ: "تُسَبِّحُ" بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ المُؤَنَّثِ، ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنْ يُسْنَدَ إلى أوْقاتِ الغُدُوِّ والآصالِ بِزِيادَةِ الباءِ وتُجْعَلُ الأوْقاتُ مُسَبِّحَةً مَعَ كَوْنِها مُسَبَّحًا فِيها، أوْ يُسْنَدُ إلى ضَمِيرِ التَّسْبِيحَةِ، أيْ: تُسَبَّحُ لَهُ التَّسْبِيحَةُ عَلى المَجازِ المُسَوِّغِ لِإسْنادِهِ إلى الوَقْتَيْنِ كَما خَرَّجُوا قِراءَةَ أبِي جَعْفَرٍ: "لِيُجْزى قَوْمًا" أيْ: لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا، بَلْ هَذا أوْلى مِن ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ هُنا مَفْعُولٌ صَرِيحٌ.

﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ صِفَةٌ لَرِجالٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ تَبَتُّلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى واسْتِغْراقِهِمْ فِيها، حُكِيَ عَنْهم مِنَ التَّسْبِيحِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ كائِنًا ما كانَ، وتَخْصِيصُ التِّجارَةِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِما أقْوى الصَّوارِفِ عِنْدَهم وأشْهَرَها، أيْ: لا يَشْغَلُهم نَوْعٌ مِن أنْواعِ التِّجارَةِ.

﴿وَلا بَيْعٌ﴾ أيْ: ولا فَرْدٌ مِن أفْرادِ البِياعاتِ وإنْ كانَ في غايَةِ الرِّبْحِ وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ التِّجارَةِ لِلْإيذانِ بِأنافَتِهِ عَلى سائِرِ أنْواعِها، لِأنَّ رِبْحَهُ مُتَيَقَّنٌ ناجِزٌ ورِبْحُ ما عَداهُ مُتَوَقَّعٌ في ثانِي الحالِ عِنْدَ البَيْعِ فَلَمْ يُلْزَمْ مِن نَفْيِ إلْهاءِ ما عَداهُ نَفْيُ إلْهائِهِ، ولِذَلِكَ كُرِّرَتْ كَلِمَةُ "لا" لِتَذْكِيرِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ. وقَدْ نُقِلَ عَنِ الوْاقِدِيِّ أنَّ المُرادَ بِالتِّجارَةِ: هو الشِّراءُ، لِأنَّهُ أصْلُها ومَبْدَؤُها، وقِيلَ: هو الجَلْبُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيها، ومِنهُ يُقالُ: تَجَرَ في كَذا: أيْ جَلَبَهُ.

﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ ﴿وَإقامِ الصَّلاةِ﴾ أيْ: إقامَتُها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وقَدْ أُسْقِطَتِ التّاءُ المُعَوِّضُ عَنِ العَيْنِ السّاقِطَةِ بِالإعْلالِ وعُوِّضَ عَنْها الإضافَةُ، كَما في قَوْلِهِ:

وَأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا

أيْ: عِدَةُ الأمْرِ.

﴿وَإيتاءِ الزَّكاةِ﴾ أيِ: المالُ الَّذِي فُرِضَ إخْراجُهُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وإيرادُهُ هَهُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يُفْعَلُ في البُيُوتِ لِكَوْنِهِ قَرِينَةً لا تُفارِقُ إقامَةَ الصَّلاةِ في عامَّةِ المَواضِعِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَحاسِنَ أعْمالِهِمْ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما يَقَعُ في المَساجِدِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخافُونَ﴾ إلَخِ فَإنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَرِجالٍ، أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ خَوْفُهم مَقْصُورًا عَلى كَوْنِهِمْ في المَساجِدِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمًا﴾ مَفْعُولٌ لَيَخافُونَ لا ظَرْفٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ صِفَةٌ لِيَوْمًا، أيْ: تَضْطَرِبُ وتَتَغَيَّرُ في أنْفُسِها مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ وتُشَخِّصُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾، أوْ تَتَغَيَّرُ أحْوالُها وتَتَقَلَّبُ فَتَتَفَقَّهُ القُلُوبُ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْها وتُبْصِرُ الأبْصارُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَمْياءَ، أوْ تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ بَيْنَ تَوَقُّعِ النَّجاةِ وخَوْفِ الهَلاكِ والإبْصارِ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ ويُؤْتى كُتّابُهم.

24:38Page 355

لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨

That Allāh may reward them [according to] the best of what they did and increase them from His bounty. And Allāh gives provision to whom He wills without account [i.e., limit].

﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما حُكِيَ مِن أعْمالِهِمُ المَرْضِيَّةِ، أيْ: (p-180)يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ المُداوَمَةِ عَلى التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والخَوْفِ مِن غَيْرِ صارِفٍ لَهم عَنْ ذَلِكَ لَيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ حَسَبَما وعَدَ لَهم بِمُقابَلَةِ حَسَنَةٍ واحِدَةٍ عَشْرَةَ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ.

﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأشْياءَ لَمْ تُوعَدْ لَهم بِخُصُوصِيّاتِها أوْ بِمَقادِيرِها ولَمْ تَخْطُرْ بِبالِهِمْ كَيْفِيّاتُها ولا كَمِّيّاتُها، بَلْ إنَّما وُعِدَتْ بِطَرِيقِ الإجْمالِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ وقَوْلُهُ ﷺ حِكايَةً عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ﴾، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواعِيدِ الكَرِيمَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَإنَّهُ تَذْيِيلٌ مُقَرَّرٌ لِلزِّيادَةِ، وعْدُ كَرِيمٍ بِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ غَيْرَ أجِزْيَةِ أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْراتِ ما لا يَفِي بِهِ الحِسابُ، وأمّا عَدَمُ سَبْقِ الوَعْدَ بِالزِّيادَةِ ولَوْ إجْمالًا وعَدَمُ خُطُورِها بِبالِهِمْ ولَوْ بِوَجْهٍ ما فَيَأْباهُ نَظْمُها في سِلْكَ الغايَةِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَمَّنْ ذُكِرَتْ صِفاتُهُمُ الجَمِيلَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ يَرْزُقُهم بِغَيْرِ حِسابٍ ووَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ مَناطَ الرِّزْقِ المَذْكُورِ في مَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لا أعْمالُهُمُ المَحْكِيَّةُ، كَما أنَّها المَناطُ لِما سَبَقَ مِنَ الهِدايَةِ لِنُورِهِ تَعالى لا لِظاهِرِ الأسْبابِ ولِلْإيذانِ بِأنَّهم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِأنْ يُرْزَقَهم كَما أنَّهم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَهْدِيَهِمْ لِنُورِهِ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما فُصِّلَ مِن أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، فَإنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وخَوْفِ اليَوْمِ الآخِرِ وأهْوالِهِ ورَجاءِ الثَّوابِ مُقْتَبَسٌ مِنَ القرآن الكَرِيمِ العَظِيمِ الَّذِي هو المَعْنِيُّ بِالنُّورِ وبِهِ يُتِمُّ بَيانُ أحْوالِ مَنِ اهْتَدى بِهُداهُ عَلى أوْضَحِ وجْهٍ وأجْلاهُ. هَذا وقَدْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِي بُيُوتٍ﴾ .." إلَخِ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ، وكَلِمَةُ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هي صِفَةٌ لِمِشْكاةٍ، أيْ: كائِنَةٍ في بُيُوتٍ، وقِيلَ: لِمِصْباحٍ، وقِيلَ: لِزُجاجَةٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِيُوقَدُ، والكُلُّ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْـزِيلِ الجَلِيلِ كَيْفَ لا وأنَّ ما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ عَلى ما هو الحَقُّ، أوْ ما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ عَلى ما قِيلَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كَلامٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمُمَثَّلِ قَطْعًا فَتَوْسِيطُهُ بَيْنَ أجْزاءِ التَّمْثِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ بِالأجْنَبِيِّ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ ذِكْرِ حالِ المُنْتَفِعِينَ بِالتَّمْثِيلِ المَهْدِيِّينَ لِنُورِ القرآن الكَرِيمِ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ والِاسْتِراطِ مَعَ كَوْنِ بَيانِ حالِ أضْدادِهِمْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ ومِثْلُ هَذا مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في كَلامِ النّاسِ فَضْلًا أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الكَلامُ المُعْجِزُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском