Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:50–57
24:50Page 356
أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠
Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].
﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإعْراضِهِمُ المَذْكُورِ وبَيانٌ لِمَنشَئِهِ بَعْدَ اسْتِقْصاءِ عِدَّةٍ مِنَ القَبائِحِ المُحَقَّقَةِ فِيهِمْ والمُتَوَقَّعَةِ مِنهم، وتَرْدِيدِ المَنشَئِيَّةِ بَيْنَها فَمَدارُ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَ نَفْسَ ما ولِيَتْهُ الهَمْزَةُ. وأمْرٌ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ بَلْ هو مَنشَئِيَّتُها لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أذَلِكَ، أيْ: إعْراضُهُمُ المَذْكُورُ لِأنَّهم مَرْضى القُلُوبِ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ.
﴿أمِ﴾ لِأنَّهم ﴿ارْتابُوا﴾ في أمْرِ نُبُوَّتِهِ ﷺ مَعَ ظُهُورِ حَقِّيَّتِها ﴿أمِ﴾ لِأنَّهم ﴿يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ .
ثُمَّ أُضْرِبَ عَنِ الكُلِّ وأُبْطِلَتْ مَنِشَئِيَّتُهُ وحُكِمَ بِأنَّ المَنشَأ شَيْءٌ آخَرُ مِن شَنائِعِهِمْ حَيْثُ قِيلَ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ، أمّا الأوَّلانِ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ لِشَيْءٍ مِنها لَأعْرَضُوا عَنْهُ ﷺ عِنْدَ كَوْنِ الحَقِّ لَهم، ولِما أتَوْا إلَيْهِ ﷺ مُذْعِنِينَ لِحُكْمِهِ لِتَحَقُّقِ نِفاقِهِمْ وارْتِيابِهِمْ حِينَئِذٍ أيْضًا، وأمّا الثّالِثُ فَلِانْتِفائِهِ رَأْسًا حَيْثُ كانُوا لا يَخافُونَ الحَيْفَ أصْلًا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ ﷺ في الأمانَةِ والثَّباتِ عَلى الحَقِّ، بَلْ لِأنَّهم هُمُ الظّالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مَن لَهُ الحَقُّ عَلَيْهِمْ ويَتِمُّ لَهم جُحُودُهُ فَيَأْبَوْنَ المُحاكَمَةَ إلَيْهِ ﷺ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، فَمَناطُ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنَ الإضْرابِ في الأوَّلِينَ هو وصْفُ مَنشَئِيَّتِهِما لِلْإعْراضِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِهِما في نَفْسِهِما، وفي الثّالِثِ هو الأصْلُ والوَصْفُ جَمِيعًا. هَذا وقَدْ خُصَّ الِارْتِيابُ بِمالِهِ مُنْشَأٌ مُصَحِّحٌ لِعُرُوضِهِ لَهم في الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أمِ ارْتابُوا بِأنْ رَأوْا مِنهُ ﷺ تُهْمَةً فَزالَتْ ثِقَتُهم ويَقِينُهم بِهِ ﷺ، فَمَدارُ النَّفْيِ حِينَئِذٍ نَفْسُ الِارْتِيابِ ومَنشَئِيَّتُهُ مَعًا، فَتَأمَّلَ فِيما ذُكِرَ عَلى التَّفْصِيلِ ودَعْ عَنْكَ ما قِيلَ.
24:51Page 356
إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١
The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.
وَقِيلَ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الجَلِيلُ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ و"أنَّ" مَعَ ما في حَيِّزِها اسْمُها. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى العَكْسِ، والأوَّلُ أقْوى صِناعَةً لِأنَّ الأوْلى لِلِاسْمِيَّةِ ما هو أوْغَلُ في التَّعْرِيفِ وذَلِكَ هو الفِعْلُ المُصَدَّرُ بِأنْ، إذْ لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُهُ كَما إذا اعْتَزَلَتْ عَنْهُ الإضافَةُ، لَكِنْ قِراءَةُ الرَّفْعِ أقْعَدُ بِحَسَبِ المَعْنى وأوْفى لِمُقْتَضى المَقامِ لِما أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَوْقِعَ البَيانِ في الجُمَلِ هو الخَبَرُ، فالأحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ ما هو أكْثَرُ إفادَةً وأظْهَرُ دَلالَةً عَلى الحُدُوثِ وأوْفَرُ اشْتِمالًا عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الوُقُوعِ في الخارِجِ وفي ذِهْنِ السّامِعِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ هَهُنا في "أنَّ" مَعَ ما في حَيِّزِها أتَمُّ وأكْمَلُ فَإذا هو أحَقُّ بِالخَيْرِيَّةِ، وأمّا ما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ النِّسْبَةِ المُطْلَقَةِ الإجْمالِيَّةِ فَحَيْثُ كانَتْ قَلِيلَةَ الجَدْوى سَهْلَةَ الحُصُولِ خارِجًا وذِهْنًا كانَ حَقُّها أنْ تُلاحَظَ مُلاحَظَةً مُجْمَلَةً وتُجْعَلَ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ، فالمَعْنى: إنَّما كانَ مُطْلَقُ القَوْلِ الصّادِرِ عَنِ المُؤْمِنِينَ ﴿إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ أيِ: الرَّسُولُ ﷺ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: وبَيْنَ (p-188)خُصُومِهِمْ سَواءٌ كانُوا مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: خُصُوصِيَّةُ هَذا القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنْهم لا قَوْلًا آخَرَ أصْلًا. وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَمَعْناها: إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ، أيْ إنَّما كانَ قَوْلًا لَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ خُصُوصِيَّةَ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ عَنْهم، فَفِيهِ مِن جَعْلِ أخَصِّ النِّسْبَتَيْنِ وأبْعَدِهِما وُقُوعًا وحُضُورًا في الأذْهانِ وأحَقِّهِما بِالبَيانِ مَفْرُوغًا عَنْها عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ وإبْرازُ ما هو بِخِلافِها في مَعْرِضِ القَصْدِ الأصْلِيِّ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ: "لِيَحْكُمَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى مَصْدَرِهِ مُجاوِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: "إذا دُعُواْ" أيْ: لِيُفْعَلَ الحُكْمُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم.
﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهم، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ النَّعْتِ الجَمِيلِ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: هُمُ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلَبٍ، والنّاجُونَ مِن كُلِّ مَحْذُورٍ.
24:52Page 356
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢
And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ وتَرْغِيبِ مَن عَداهم في الِانْتِظامِ في سِلْكِهِمْ، أيْ: ومَن يُطِعْهُما كائِنًا مَن كانَ فِيما أُمِرا بِهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ، وقِيلَ: في الفَرائِضِ والسُّنَنِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ.
﴿وَيَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ﴾ بِإسْكانِ القافِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِهِ بِكِتْفٍ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ والهاءِ وبِإسْكانِ الهاءِ، أيْ: ويَخْشَ اللَّهَ عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ ويَتَّقِهِ فِيما يَسْتَقْبِلُ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الطّاعَةِ والخَشْيَةِ والِاتِّقاءِ ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ لا مَن عَداهم.
24:53Page 356
۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣
And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."
﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أكاذِيبِهِمْ مُؤَكَّدٌ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ نُصْبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "أقْسَمُوا" أيْ: أقْسَمُوا بِهِ تَعالى يُجْهِدُونَ أيْمانَهم جَهْدًا، ومَعْنى جَهْدِ اليَمِينِ: بُلُوغُ غايَتِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِن قَوْلِهِمْ: جَهِدَ نَفْسَهُ: إذا بَلَغَ أقْصى وُسْعِها وطاقَتِها، أيْ: جاهِدِينَ بالِغِينَ أقْصى مَراتِبَ اليَمِينِ في الشِّدَّةِ والوَكادَةِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِـ "أقْسَمُوا"، أيْ: أقْسَمُوا إقْسامَ اجْتِهادٍ في اليَمِينِ. قالَ مُقاتِلٌ: مَن حَلَفَ بِاللَّهِ فَقَدِ اجْتَهَدَ في اليَمِينِ.
﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ أيْ: بِالخُرُوجِ إلى الغَزْوِ، لا عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ كَما قِيلَ لِأنَّهُ حِكايَةٌ لِما كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْنَما كُنْتَ نَكُنْ مَعَكَ، لَئِنْ خَرَجْتَ خَرَجْنا وإنْ أقَمْتَ أقَمْنا وإنْ أمَرْتَنا بِالجِهادِ جاهَدْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ جَوابٌ لِـ "أقْسَمُوا" بِطَرِيقِ حِكايَةِ فِعْلِهِمْ لا حِكايَةِ قَوْلِهِمْ وحَيْثُ كانَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ كاذِبَةً ويَمِينُهم فاجِرَةً أمَرَ ﷺ بِرَدِّها حَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: رَدًّا عَلَيْهِمْ وزَجْرًا لَهم عَنِ التَّفَوُّهِ بِها، وإظْهارًا لِعَدَمِ القَبُولِ لِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيها ﴿لا تُقْسِمُوا﴾ أيْ: عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلامُكم مِنَ الطّاعَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أيْ: لا تُقْسِمُوا عَلى ما تَدَّعُونَ مِنَ الطّاعَةِ لِأنَّ طاعَتَكم طاعَةٌ نِفاقِيَّةٌ واقِعَةٌ بِاللِّسانِ فَقَطْ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ مِنَ القَلْبِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِمَعْرُوفَةٍ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَوْنَها كَذَلِكَ (p-189)مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ أحَدٍ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: تُطِيعُونَ طاعَةً مَعْرُوفَةً. هَذا وحَمْلُها عَلى الطّاعَةِ الحَقِيقِيَّةِ بِتَقْدِيرِ ما يُناسِبُها مِن مُبْتَدَأٍ أوْ خَبَرٍ أوْ فِعْلٍ مِثْلُ الَّذِي يُطْلَبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ حَقِيقَيَّةٌ لا نِفاقِيَّةٌ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ، أوْ لَيَكُنْ طاعَةً مَعْرُوفَةً، أوْ أطِيعُوا طاعَةً مَعْرُوفَةً مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ.
﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تُظْهِرُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُؤَكِّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ وما تُضْمِرُونَهُ في قُلُوبِكم مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ والعَزِيمَةِ عَلى مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِها مِن فُنُونِ الشَّرِّ والفَسادِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ بِأنَّ طاعَتَهم طاعَةٌ نِفاقِيَّةٌ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَدارَ شُهْرَةِ أمْرِها فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ إخْبارُهُ تَعالى بِذَلِكَ ووَعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ تَعالى مُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِنها نِفاقُهم.
24:54Page 357
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤
Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."
﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالقَوْلِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ والإشْعارِ بِاخْتِلافِهِما مِن حَيْثُ أنَّ المَقُولَ في الأوَّلِ نَهْيٌ بِطَرِيقِ الرَّدِّ والتَّقْرِيعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾، وفي الثّانِي أمْرٌ بِطَرِيقِ التَّكْلِيفِ والتَّشْرِيعِ. وإطْلاقُ الطّاعَةِ المَأْمُورِ بِها عَنْ وصْفِ الصِّحَّةِ والإخْلاصِ ونَحْوَهُما بَعْدَ وصْفِ طاعَتِهِمْ بِما ذُكِرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الطّاعَةِ في شَيْءٍ أصْلًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينِ بِالطّاعَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى وارِدٌ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِها والمُبالَغَةِ في إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ والحَمْلِ عَلَيْهِ بِالتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ لِما أنَّ تَغْيِيرَ الكَلامِ المَسُوقِ لِمَعْنًى مِنَ المَعانِي وصَرْفَهُ عَنْ سُنَنِهِ المَسْلُوكِ يُنْبِئُ عَنِ اهْتِمامٍ جَدِيدٍ بِشَأْنِهِ مِنَ المُتَكَلِّمِ ويَسْتَجْلِبُ مَزِيدَ رَغْبَةٍ فِيهِ مِنَ السّامِعِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ بِتَغْيِيرِ الخِطابِ بِالواسِطَةِ إلى الخِطابِ بِالذّاتِ فَإنَّ في خِطابِهِ تَعالى إيّاهم بِالذّاتِ بَعْدَ أمْرِهِ تَعالى إيّاهم بِوَساطَتِهِ ﷺ وتَصَدِّيهِ لِبَيانِ حُكْمِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والتَّوَلِّي عَنْهُ إجْمالًا وتَفْصِيلًا مِنَ اِفادَةِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ وتُوُهِّمَ أنَّهُ داخِلٌ تَحْتِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِحِكايَتِهِ مِن جِهَتِهِ تَعالى وأنَّهُ أبْلَغُ في التَّبْكِيتِ تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى تَبْلِيغِهِ ﷺ لِلْمَأْمُورِ بِهِ إلَيْهِمْ، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ ظُهُورِ مُسارَعَتِهِ ﷺ إلى تَبْلِيغِ ما أُمِرَ بِهِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى الذِّكْرِ، أيْ: إنْ تَتَوَلَّوْا عَنِ الطّاعَةِ إثْرَ ما أُمِرْتُمْ بِها ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾ أيْ: فاعْلَمُوا أنَّما عَلَيْهِ ﷺ ﴿ما حُمِّلَ﴾ أيْ: ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ وقَدْ شاهَدْتُمُوهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ .
﴿وَعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالتَّحْمِيلِ لِلْإشْعارِ بِثِقَلِهِ وكَوْنِهِ مُؤْنَةً باقِيَةً في عُهْدَتِهِمْ بَعْدُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ بَقِيتُمْ تَحْتَ ذَلِكَ الحِمْلِ الثَّقِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما حُمِّلَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المُشاكَلَةِ.
﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ﴾ أيْ: فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ الطّاعَةِ ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ المُوصِلُ إلى كُلِّ خَيْرٍ والمُنَجِّي مِن كُلِّ شَرٍّ. وتَأْخِيرُهُ عَنْ بَيانِ حُكْمِ التَّوَلِّي لِما في تَقْدِيمِ التَّرْهِيبِ مِن تَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ وتَقْرِيبِهِ مِمّا هو مِن بابِهِ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن أنَّ غائِلَةَ التَّوَلِّي وفائِدَةَ الإطاعَةِ مَقْصُورَتانِ عَلَيْهِمْ. واللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ المُنْتَظِمِ لَهُ ﷺ (p-190)انْتِظامًا أوَّلِيًّا، أوْ لِلْعَهْدِ، أيْ: ما عَلى جِنْسِ الرَّسُولِ كائِنًا مَن كانَ، أوْ ما عَلَيْهِ ﷺ إلّا التَّبْلِيغُ المُوَضِّحُ لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلى الإيضاحِ أوِ الواضِحُ عَلى أنَّ المُبِينَ مِن أبانَ بِمَعْنى: بانَ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ وإنَّما بَقِيَ ﴿ما حُمِّلْتُمْ﴾ .
24:55Page 357
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥
Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ، ومُعْرِبٌ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ ومُبَيِّنٌ لِتَفاصِيلِ ما أُجْمِلَ فِيهِ مِن فُنُونِ السَّعاداتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ اثارِ الِاهْتِداءِ، ومُتَضَمِّنٌ لِما هو المُرادُ بِالطّاعَةِ الَّتِي نِيطَ بِها الِاهْتِداءُ. والمُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا: كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ عَلى الإطْلاقِ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانَ وفي أيِّ وقْتٍ كانَ لا مَنِ امَنَ مِن طائِفَةِ المُنافِقِينَ فَقَطْ ولا مَنِ امَنَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَحَسْبُ ضَرُورَةَ عُمُومِ الوَعْدِ الكَرِيمِ لِلْكُلِّ كافَّةً، فالخِطابُ في "مِنكُمْ" لِعامَّةِ الكَفَرَةِ لا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ.
﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عَطْفٌ عَلى "آمَنُوا" داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وبِهِ يَتِمُّ تَفْسِيرُ الطّاعَةِ الَّتِي أُمِرَ بِها ورُتِّبَ عَلَيْها ما نُظِّمَ في سِلْكَ الوَعْدِ الكَرِيمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِإظْهارِ أصالَةِ الإيمانِ وعَراقَتِهِ في اسْتِتْباعِ الآثارِ والأحْكامِ ولِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ أوَّلَ ما يُطْلَبُ مِنهم وأهَمَّ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وأمّا تَأْخِيرُهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ فَلِأنَّ "مِن" هُناكَ بَيانِيَّةٌ والضَّمِيرُ "الَّذِينَ مَعَهُ" ﷺ مِن خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، ولا رَيْبَ في أنَّهُ جامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ مُثابِرُونَ عَلَيْهِما، فَلا بُدَّ مِن وُرُودِ بَيانِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ نُعُوتِهِمُ الجَلِيلَةِ بِكَمالِها. هَذا ومَن جَعَلَ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْأُمَّةِ عُمُومًا عَلى أنَّ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ، أوَّلُهُ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ خُصُوصًا عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ، فَقَدْ نَأى عَمّا يَقْتَضِيهِ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ بِمَنازِلَ وأبْعَدَ عَمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ ﷺ بِمَراحِلَ.
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ إمّا بِالإضْمارِ، أوْ بِتَنْـزِيلِ وعْدِهِ تَعالى مَنزِلَةَ القَسَمِ لِتَحَقُّقِ إنْجازِهِ لا مَحالَةَ، أيْ: لَيَجْعَلَهم خُلَفاءَ مُتَصَرِّفِينَ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ في مَمالِكِهِمْ أوْ خَلَفًا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى حالِهِمْ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هُمُ بَنُوُ إسْرائِيلَ اسْتَخْلَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ والجَبابِرَةِ، أوْ هم ومَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ..﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ..﴾، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَ تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمُ اسْتِخْلافًا كائِنًا كاسْتِخْلافِهِ تَعالى لِلَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ. وقُرِئَ: "كَما اسْتُخْلِفَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، فَلَيْسَ العامِلُ في الكافِ حِينَئِذٍ الفِعْلَ المَذْكُورَ بَلْ ما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ مِن فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ جارٍ مِنهُ مَجْرى المُطاوِعِ، فَإنَّ اسْتِخْلافَهُ تَعالى إيّاهم مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَخْلَفِينَ (p-191)لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ فَيُسْتَخْلَفْنَ فِيها اسْتِخْلافًا، أيْ: مُسْتَخْلَفِيَّةٌ كائِنَةٌ كَمُسْتَخْلَفِيَّةَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، أيْ: فَنَبَتَ نَباتًا حَسَنًا، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ:
؎ وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
أيْ: فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ إلَخِ.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ عَطْفٌ عَلى لَيَسْتَخْلِفَنَّهم مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكَ الجَوابِ وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ أجَلَّ الرَّغائِبِ المَوْعُودَةِ وأعْظَمَها لِما أنَّ النُّفُوسَ إلى الحُظُوظِ العاجِلَةِ أمْيَلُ فَتَصْدِيرُ المَواعِيدِ بِها في الِاسْتِمالَةِ أدْخَلُ، والمَعْنى: لَيَجْعَلَنَّ دِينَهم ثابِتًا مُقَرَّرًا بِحَيْثُ يَسْتَمِرُّونَ عَلى العَمَلِ بِأحْكامِهِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّمْكِينِ الَّذِي هو جَعْلُ الشَّيْءِ مَكانًا لِآخَرَ يُقالُ: مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، أيْ: جَعَلَها مَقَرًّا لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ ونَظائِرُهُ. وكَلِمَةُ "فِي" لِلْإيذانِ بِأنَّ ما جُعِلَ مَقَرًّا لَهُ قِطْعَةٌ مِنها لا كُلُّها لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ ثَباتِ الدِّينِ ورَصانَةِ أحْكامِهِ وسَلامَتِهِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لِابْتِنائِهِ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالأرْضِ في الثَّباتِ والقَرارِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ. وتَقْدِيمُ صِلَةِ التَّمْكِينِ عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَوْعُودِ مِن مَنافِعِهِمْ تَشْوِيقَها لَهم إلَيْهِ وتَرْغِيبًا لَهم في قَبُولِهِ عِنْدَ وُرُودِهِ ولِأنَّ في تَوْسِيطِها بَيْنَهُ وبَيْنَ وصْفِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾، وفي تَأْخِيرِها عَنْهُ مِنَ الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ما لا يَخْفى. وفي إضافَةِ الدِّينِ إلَيْهِمْ وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ وصْفُهُ بِارْتِضائِهِ لَهم تَأْلِيفٌ لِقُلُوبِهِمْ ومَزِيدُ تَرْغِيبٍ فِيهِ وفَضْلُ تَثْبِيتٍ عَلَيْهِ.
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإبْدالِ ﴿مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأعْداءِ ﴿أمْنًا﴾ حَيْثُ كانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الهِجْرَةِ عَشْرَ سِنِينَ بَلْ أكْثَرَ خائِفِينَ، ثُمَّ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وكانُوا يُصْبِحُونَ في السِّلاحِ ويُمْسُونَ كَذَلِكَ، حَتّى قالَ رَجُلٌ مِنهم ما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ، فَقالَ ﷺ: لا تَعْبُرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ، وأنْجَزَ وعْدَهُ وأظْهَرَهم عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ وفَتَحَ لَهم بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ وصارُوا لي حالٍ يَخافُهم كُلُّ مَن عَداهم، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ عَلى ما هو عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: المُرادُ: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ والأمْنُ مِنهُ في الآخِرَةِ.
﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ مُفِيدَةٌ لِتَقْيِيدِ الوَعْدِ بِالثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، أوِ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ المُقْتَضى لِلِاسْتِخْفافِ وما انْتَظَمَ مَعَهُ في سِلْكِ الوَعْدِ.
﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حالٌ مِنَ الواوِ، أيْ: يَعْبُدُونَنِي غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِي في العِبادَةِ شَيْئًا.
﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أيِ: اتَّصَفَ بِالكُفْرِ بِأنْ ثَبَتَ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ ولَمْ يَتَأثَّرْ بِما مَرَّ مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ، فَإنَّ الإصْرارَ عَلَيْهِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ كُفْرٌ مُسْتَأْنِفٌ زائِدَةٌ عَلى الأصْلِ، وقِيلَ: كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وقِيلَ: كَفَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ.
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِما فُصِّلَ مِنَ المَطالِبِ العالِيَةِ المُسْتَوْجِبَةِ لِغايَةِ الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِها والسَّعْيِ الجَمِيلِ في حِيازَتِها.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ عَنِ الحَقِّ التّائِهُونَ في تِيهِ الغِوايَةِ والضَّلالِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ الكامِلُونَ في الفِسْقِ والخُرُوجِ عَنْ حُدُودِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ.
24:56Page 357
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦
And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.
﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا (p-192)الزَّكاةَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ فَإنَّ خِطابَهُ تَعالى لِلْمَأْمُورِينَ بِالطّاعَةِ عَلى طَرِيقِ التَّرْهِيبِ مِنَ التَّوَلِّي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ .." إلَخِ، وتَرْغِيبُهُ تَعالى إيّاهم في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إلَخِ وعْدُهُ تَعالى إيّاهم عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِما فُصِّلَ مِنَ الِاسْتِخْلافِ وما يَتْلُوهُ مِنَ الرَّغائِبِ المَوْعُودَةِ، ووَعِيدُهُ عَلى الكُفْرِ مِمّا يُوجِبُ الأمْرَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والنَّهْيِ عَنِ الكُفْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَآمِنُوا وتَعْمَلُوا صالِحًا وأقِيمُوا، أوْ فَلا تَكْفُرُوا وأقِيمُوا، وعَطْفُهُ عَلى "أطِيعُوا اللَّهَ" مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
﴿وَأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالذّاتِ بِما أمَرَهم بِهِ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِن طاعَتِهِ الَّتِي هي طاعَتُهُ تَعالى في الحَقِيقَةِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ السّابِقِ وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُطاعِ فِيهِ: جَمِيعُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المُنْتَظِمَةِ لِلْآدابِ المَرْضِيَّةِ أيْضًا، أيْ: وأطِيعُوهُ في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ، أوْ تَكْمِيلًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ الخاصَّيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِما ذُكِرَ ما عَداهُما مِنَ الشَّرائِعِ، أيْ: وأطِيعُوهُ في سائِرِ ما يَأْمُرُكم بِهِ إلَخِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى الأوَّلِ بِالأمْرِ الأخِيرِ المُشْتَمِلِ عَلى جَمِيعِ الأوامِرِ، وعَلى الثّانِي بِالأوامِرِ الثَّلاثَةِ، أيِ: افْعَلُوا ما ذُكِرَ مِنَ الإقامَةِ والإيتاءِ والإطاعَةِ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا.
24:57Page 357
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧
Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن أطاعَهُ ﷺ وأُشِيرَ إلى فَوْزِهِ بِالرَّحْمَةِ المُطْلَقَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ حالِ مَن عَصاهُ ﷺ ومَآلُ أمْرِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ تَناهِيهِ في الفِسْقِ تَكْمِيلًا لِأمْرِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والخِطابُ إمّا لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ كائِنًا مَن كانَ، وإمّا لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونَظائِرِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الحُسْبانَ المَذْكُورَ مِنَ القُبْحِ والمَحْذُورِيَّةِ بِحَيْثُ يَنْهى عَنْهُ مَن يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمكِنُ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ومَحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِلْحُسْبانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُعْجِزِينَ﴾ ثانِيهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الأرْضِ﴾ ظَرْفٌ لِمُعْجِزِينَ لَكِنْ لا لِإفادَةِ كَوْنِ الإعْجازِ المَنفِيِّ فِيها لا في غَيْرِها فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحْتاجُ إلى البَيانِ بَلْ لِإفادَةِ شُمُولِ عَدَمِ الإعْجازِ بِجَمِيعِ أجْزائِها، أيْ: لا تَحْسَبَنَّهم مُعْجِزِينَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَنْ إدْراكِهِمْ وإهْلاكِهِمْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ بِما رَحُبَتْ وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ. وقُرِئَ: "لا يَحْسَبَنَّ" بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ كُلُّ أحَدٍ، والمَعْنى كَما ذُكِرَ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ الكافِرِينَ مُعْجِزِينَ لَهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ، أوْ هو المَوْصُولُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ عِبارَةً عَنْ أنْفُسِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْسَبَنَّ الكافِرِينَ أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ في الأرْضِ، وأمّا جَعْلُ "مُعْجِزِينَ" مَفْعُولًا أوَّلَ، و"فِي الأرْضِ" مَفْعُولًا ثانِيًا فَبِمَعْزِلٍ مِنَ المُطابَقَةِ لِمُقْتَضى المَقامِ ضَرُورَةَ أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي ولا فائِدَةَ في بَيانِ كَوْنِ المُعْجِزِينَ في الأرْضِ، وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ بِتَأْوِيلِها بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ تَحْقِيقُ نَفْيِ الحُسْبانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ومَأْواهم .. إلَخِ، أوْ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ وقَعَتْ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ فَإنَّهم مُدْرَكُونَ ومَأْواهم إلَخِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ بَلْ هم مَقْهُورُونَ، فَتَدَبَّرْ.
﴿وَلَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-193)جَوابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: وبِاللَّهِ لَبِئْسَ المَصِيرُ هي، أيِ: النّارُ، والحَمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. وفي إيرادِ النّارِ بِعُنْوانِ كَوْنِها مَأْوى ومَصِيرًا لَهم إثْرَ نَفْيِ فَوْتِهِمْ بِالهَرَبِ في الأرْضِ كُلَّ مَهْرَبٍ مِنَ الجَزالَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ. فَلِلَّهِ دَرُّ شَأْنٍ التَّنْـزِيلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences