Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
النور
An-Nur
The Light · Medinan · 64 ayahs
24:1Page 350
سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١
[This is] a sūrah which We have sent down and made [that within it] obligatory and revealed therein verses of clear evidence that you might remember.
(p-155)(سُورَةُ النُّورِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنانِ أوْ أرْبَعٌ وسِتُّونَ آيَةً )
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سُورَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ سُورَةٌ، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْها مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِها لِأنَّها بِاعْتِبارِ كَوْنِها في شَرَفِ الذِّكْرِ في حُكْمِ الحاضِرِ المُشاهَدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناها﴾ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ صِفاتٌ لَها مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ مِن حَيْثُ الذّاتُ بِالفَخامَةِ مِن حَيْثُ الصِّفاتُ، وأمّا كَوْنُها مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فِيما أوْحَيْنا إلَيْكَ سُورَةٌ أنْزَلْناها فَيَأْباهُ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ شَأْنِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ لا أنَّ في جُمْلَةِ ما أُوحِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ سُورَةً شَأْنُها كَذا وكَذا، وحَمْلُها عَلى السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِمَعُونَةِ المَقامِ يُوهِمُ أنَّ غَيْرَها مِنَ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ لَيْسَتْ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ أنْزَلْناها فَلا مَحَلَّ لَهُ حِينَئِذٍ مِنَ الإعْرابِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ: "اقْرَأْ" ونَحْوَهُ، أوْ دُونَكَ عِنْدَ مَن يُسَوِّغُ حَذَفَ أداةِ الإغْراءِ، فَمَحَلُّ أنْزَلْنا النَّصْبُ عَلى الوَصْفِيَّةِ.
﴿وَفَرَضْناها﴾ أيْ: أوْ أوْجَبْنا ما فِيها مِنَ الأحْكامِ إيجابًا قَطْعِيًّا، وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِغايَةِ وكادَةِ الفَرْضِيَّةِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: "فَرَّضْناها" بِالتَّشْدِيدِ لِتَأْكِيدِ الإيجابِ، أوْ لِتَعَدُّدِ الفَرائِضِ، أوْ لِكَثْرَةِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّلَفِ والخَلْفِ.
﴿وَأنْزَلْنا فِيها﴾ أيْ: في تَضاعِيفِ السُّورَةِ ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ إنْ أُرِيدَ بِها الآياتُ الَّتِي نِيطَتْ بِها الأحْكامُ المَفْرُوضَةُ وهو الأظْهَرُ، فَكَوْنُها في السُّورَةِ ظاهِرٌ، ومَعْنى كَوْنِها بَيِّناتٍ وُضُوحُ دَلالاتِها عَلى أحْكامِها لا عَلى مَعانِيها عَلى الإطْلاقِ فَإنَّها أُسْوَةٌ لِسائِرِ الآياتِ في ذَلِكَ، وتَكْرِيرُ أنْزَلْنا مَعَ اسْتِلْزامِ إنْزالِ السُّورَةِ لِإنْزالِها لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِها وإنْ أُرِيدَ جَمِيعُ الآياتِ فالظَّرْفِيَّةُ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِ الكُلِّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وتَكْرِيرُ أنْزَلْنا مَعَ أنَّ جَمِيعَ الآياتِ عَيْنُ السُّورَةِ وإنْزالُها عَيْنُ إنْزالِها لِاسْتِقْلالِها بِعُنْوانٍ رائِقٍ داعٍ إلى تَخْصِيصِ إنْزالِها بِالذِّكْرِ إبانَةً لِخَطَرِها ورَفْعًا لِمَحَلِّها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾
﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِإدْغامِ الثّانِيَةِ في الذّالِ، أيْ: تَتَذَكَّرُونَها فَتَعْلَمُونَ بِمُوجِبِها عِنْدَ وُقُوعِ الحَوادِثِ الدّاعِيَةِ إلى إجْراءِ أحْكامِها، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ حَقَّها أنْ تَكُونَ عَلى ذِكْرٍ مِنهم بِحَيْثُ مَتى مَسَّتِ الحاجَةُ إلَيْها اسْتَحْضَرُوها.
24:2Page 350
ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢
The [unmarried] woman or [unmarried] man found guilty of sexual intercourse1 - lash each one of them with a hundred lashes,2 and do not be taken by pity for them in the religion [i.e., law] of Allāh,3 if you should believe in Allāh and the Last Day. And let a group of the believers witness their punishment.
﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ وبَيانِ أحْكامِها. (p-156)والزّانِيَةُ: هي المَرْأةُ المُطاوِعَةُ لِلزِّنا المُمَكِّنَةُ مِنهُ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ الصِّيغَةُ لا المُزْنِيَةُ كُرْهًا، وتَقْدِيمُها عَلى الزّانِي لِأنَّها الأصْلُ في الفِعْلِ لِكَوْنِ الدّاعِيَةِ فِيها أوْفَرَ، ولَوْلا تَمْكِينُها مِنهُ لَمْ يَقَعْ، ورَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ إذِ اللّامُ بِمَعْنى المَوْصُولِ والتَّقْدِيرُ: الَّتِي زَنَتْ والَّذِي زَنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما أنْزَلْنا أوْ فِيما فَرَضْنا الزّانِيَةُ والزّانِي أيْ: حُكْمُهُما. وقَوْلُهُ تَعالى: "فاجْلِدُوا .." إلَخِ بَيانٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ وكانَ هَذا عامًّا في حَقِّ المُحْصَنِ وغَيْرِهِ وقَدْ نُسِخَ في حَقِّ المُحْصَنِ قَطْعًا، ويَكْفِينا في تَعْيِينِ النّاسِخِ القَطْعُ بِأنَّهُ ﷺ قَدْ رَجَمَ ماعِزًا أوْ غَيْرَهُ فَيَكُونُ مِن بابِ نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ المَشْهُورَةِ. وفي الإيضاحِ الرَّجْمُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ المَشْهُورَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، فَجازَتِ الزِّيادَةُ بِها عَلى الكِتابِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِّيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "جَلَدْتُها بِكِتابِ اللَّهِ ورَجَمْتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" وقِيلَ: نُسِخَ بِآيَةٍ مَنسُوخَةِ التِّلاوَةِ وهي الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ويَأْباهُ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وبِالمَدِّ أيْضًا عَلى فَعالَةٍ، أيْ: رَحْمَةٌ ورِقَّةٌ.
﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ في طاعَتِهِ وإقامَةِ حَدِّهِ فَتُعَطِّلُوهُ أوْ تُسامِحُوهُ فِيهِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَوْ سَرَقَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَها﴾ .
﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ فَإنَّ الإيمانَ بِهِما يَقْتَضِي الجِدَّ في طاعَتِهِ تَعالى والِاجْتِهادَ في إجْراءِ أحْكامِهِ. وذِكْرُ اليَوْمِ الآخِرِ لِتَذْكِيرِ ما فِيهِ مِنَ العِقابِ في مُقابَلَةِ المُسامَحَةِ والتَّعْطِيلِ.
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِتَحْضُرَهُ زِيادَةً في التَّنْكِيلِ، فَإنَّ التَّفْضِيحَ قَدْ يُنَكِّلُ أكْثَرَ مِمّا يُنْكَّلُ التَّعْذِيبُ والطّائِفَةُ فِرْقَةٌ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حافَّةً حَوْلَ شَيْءٍ مِنَ الطَّوْفِ وأقَلُّها ثَلاثَةٌ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أرْبَعَةٌ إلى أرْبَعِينَ، وعَنِ الحَسَنِ: عَشْرَةٌ، والمُرادُ: جَمْعٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّشْهِيرُ والزَّجْرُ.
24:3Page 350
ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣
The fornicator does not marry except a [female] fornicator or polytheist, and none marries her except a fornicator1 or a polytheist, and that [i.e., marriage to such persons] has been made unlawful to the believers.
﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ حُكْمٌ مُؤَسَّسٌ عَلى الغالِبِ المُعْتادِ جِيءَ بِهِ لِزَجْرِ المُؤْمِنِينَ بِهِنَّ، وقَدْ رَغِبَ بَعْضٌ مِن ضَعَفَةِ المُهاجِرِينَ في نِكاحٍ وسَرّاتٍ كانَتْ بِالمَدِينَةِ مِن بَغايا المُشْرِكِينَ فاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ فَنَفَرُوا عَنْهُ بِبَيانِ أنَّهُ مِن أفْعالِ الزُّناةِ وخَصائِصِ المُشْرِكِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: الزّانِي لا يَرْغَبُ إلّا في نِكاحِ إحْداهُما والزّانِيَةُ لا يَرْغَبُ في نِكاحِها إلّا أحَدُهُما فَلا تَحُومُوا حَوْلَهُ كَيْلا تَنْتَظِمُوا في سِلْكِهِما أوْ تَتَّسِمُوا بِسِمَتِهِما، فَإيرادُ الجُمْلَةِ الأُولى مَعَ أنَّ مَناطَ التَّنْفِيرِ هي الثّانِيَةُ إمّا لِلتَّعْرِيضِ بِقَصْرِهِمُ الرَّغْبَةَ عَلَيْهِنَّ حَيْثُ اسْتَأْذَنُوا في نِكاحِهِنَّ، أوْ لِتَأْكِيدِ العَلاقَةِ بَيْنَ الجانِبَيْنِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ والتَّنْفِيرِ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلْمُشْرِكَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَناطَ الزَّجْرِ والتَّنْفِيرِ هو الزِّنا لا مُجَرَّدُ الإشْراكِ، وإنَّما تَعَرَّضَ لَها في الأُولى إشْباعًا في التَّنْفِيرِ عَنِ الزّانِيَةِ بِنُظُمِها في سِلْكِ المُشْرِكَةِ.
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ أيْ: نِكاحُ الزَّوانِي ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ لِما أنَّ فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالفَسَقَةِ، والتَّعَرُّضِ لِلتُّهْمَةِ، والتَّسَبُّبِ لِسُوءِ القالَةِ، والطَّعْنِ في النَّسَبِ، واخْتِلالِ (p-157)أمْرِ المَعاشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ الأْدانِي والأراذِلِ فَضْلًا عَنِ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّنْزِيهِ بِالتَّحْرِيمِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ. وقِيلَ: النَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ. والتَّحْرِيمُ عَلى حَقِيقَتِهِ، والحَكَمُ إمّا مَخْصُوصٌ بِسَبَبِ النُّزُولِ، أوْ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم ..﴾ فَإنَّهُ مُتَناوِلٌ لِلْمُسافِحاتِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أوَّلُهُ سِفاحٌ وآخِرُهُ نِكاحٌ، والحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ» . وما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ: هو الوَطْءُ بَيِّنُ البُطْلانِ.
24:4Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤
And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,
﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ بَيانٌ لِحَكَمِ العَفائِفِ إذا نُسِبْنَ إلى الزِّنا بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ الزَّوانِي ويُعْتَبَرُ في الإحْصانِ هَهُنا مَعَ مَدْلُولِهِ الوَضْعِيِّ الَّذِي هو العِفَّةُ عَنِ الزِّنا الحَرِيَّةُ والبُلُوغُ والإسْلامُ. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ التَّفَوُّهِ بِما قالُوا في حَقِّهِنَّ بِالرَّمْيِ المُنْبِئِ عَنْ صَلابَةِ الآلَةِ وإيلامِ المَرْمِيِّ، وبُعْدِهِ عَنِ الرّامِي إيذانٌ بِشِدَّةِ تَأْثِيرِهِ فِيهِنَّ وكَوْنِهِ رَجْمًا بِالغَيْبِ، والمُرادُ بِهِ: رَمْيُهُنَّ بِالزِّنا لا غَيْرَ، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلِاكْتِفاءِ بِإيرادِهِنَّ عَقِيبَ الزَّوانِي ووَصْفِهِنَّ بِالإحْصانِ الدّالِّ بِالوَضْعِ عَلى نَزاهَتِهِنَّ عَنِ الزِّنا خاصَّةً فَإنَّ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ رَمْيِهِنَّ بِهِ لا مَحالَةَ، ولا حاجَةَ في ذَلِكَ إلى الِاسْتِشْهادِ بِاعْتِبارِ الأرْبَعَةِ مِنَ الشُّهَداءِ عَلى أنَّ فِيهِ مُؤْنَةُ بَيانِ تَأخُّرِ نُزُولِ الآيَةِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً﴾ ولا بِعَدَمِ وُجُوبِ الحَدِّ بِالرَّمْيِ بِغَيْرِ الزِّنا عَلى أنَّ فِيهِ شُبْهَةَ المُصادَرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ يَرْمُونَ العَفائِفَ المُنَـزَّهاتِ عَمّا رُمِينَ بِهِ مِنَ الزِّنا.
﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِنَّ بِما رَمَوْهُنَّ بِهِ. وفي كَلِمَةِ "ثُمَّ" إشْعارٌ بِجَوازِ تَأْخِيرِ الإتْيانِ بِالشُّهُودِ، كَما أنَّ في كَلِمَةِ "لَمْ" إشارَةً إلى تَحْقِيقِ العَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِهِمْ وتُقَرِّرُهُ خَلا أنَّ اجْتِماعَ الشُّهُودِ لا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ الأداءِ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - فَإنَّهُ جَوَّزَ التَّراخِي بَيْنَ الشَّهاداتِ كَما بَيْنَ الرَّمْيِ والشَّهادَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدُهم زَوْجَ المَقْذُوفَةِ خِلافًا لَهُ أيْضًا. وقُرِئَ: "بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ" .
﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ لِظُهُورِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ بِعَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِالشُّهَداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . وانْتِصابُ "ثَمانِينَ" كانْتِصابِ المَصادِرِ، ونَصْبُ "جَلْدَةً" عَلى التَّمْيِيزِ وتَخْصِيصُ رَمْيِهِنَّ بِهَذا الحُكْمِ مَعَ أنَّ حُكْمَ رَمْيِ المُحْصِنِينَ أيْضًا كَذَلِكَ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ وشُيُوعِ الرَّمْيِ فِيهِنَّ.
﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً﴾ عَطْفٌ عَلى "اجْلِدُوا" داخِلٌ في حُكْمِهِ تَتِمَّةٌ لَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الزَّجْرِ لِأنَّهُ مُؤْلِمٌ لِلْقَلْبِ كَما أنَّ الجَلْدَ مُؤْلِمٌ لِلْبَدَنِ، وقَدْ آذى المَقْذُوفَ بِلِسانِهِ فَعُوقِبَ بِإهْدارِ مَنافِعِهِ جَزاءً وِفاقًا. واللّامُ في "لَهُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن شَهادَةً قُدِّمَتْ عَلَيْها لِكَوْنِها نَكِرَةً ولَوْ تَأخَّرَتْ عَنْها لَكانَتْ صِفَةً لَها، وفائِدَتُها تَخْصِيصُ الرَّدِّ بِشَهادَتِهِمُ النّاشِئَةِ عَنْ أهْلِيَّتِهِمُ الثّابِتَةِ لَهم عِنْدَ الرَّمْيِ وهو السِّرُّ في قَبُولِ شَهادَةِ الكافِرِ المَحْدُودِ في القَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ والإسْلامِ لِأنَّها لَيْسَتْ ناشِئَةً عَنْ أهْلِيَّتِهِ السّابِقَةِ بَلْ عَنْ أهْلِيَّةٍ حَدَثَتْ لَهُ بَعْدَ إسْلامِهِ فَلا يَتَناوَلُها الرَّدُّ فَتَدَبَّرْ ودَعْ عَنْكَ ما قِيلَ مِن أنَّ المُسْلِمِينَ لا يَعْبَئُونَ بِسَبَبِ الكُفّارِ فَلا يُلْحَقُ المَقْذُوفَ بِقَذْفِ الكافِرِ مِنَ الشَّيْنِ والشَّنارِ ما يُلْحِقُهُ بِقَذْفِ المُسْلِمِ، فَإنَّ ذَلِكَ بِدُونِ ما مَرَّ مِنَ الِاعْتِبارِ تَعْلِيلٌ في مُقابَلَةِ النَّصِّ ولا يَخْفى حالُهُ، فالمَعْنى: لا تَقْبَلُوا مِنهم شَهادَةً مِنَ الشَّهاداتِ حالَ كَوْنِها (p-158)حاصِلَةً لَهم عِنْدَ الرَّمْيِ ﴿أبَدًا﴾ أيْ: مُدَّةَ حَياتِهِمْ وإنْ تابُوا وأصْلَحُوا لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ تَتِمَّةٌ لِلْحَدِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فاجْلِدُوهم ورُدُّوا شَهادَتِهِمْ، أيْ: فاجْمَعُوا لَهُمُ الجَلْدَ والرَّدَّ فَيَبْقى كَأصْلِهِ.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُبِيِّنٌ لِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ والفَسادِ، أيْ: أُولَئِكَ هُمُ المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ والخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ والتَّجاوُزِ عَنِ الحُدُودِ الكامِلُونَ فِيهِ، كَأنَّهم هُمُ المُسْتَحِقُّونَ لِإطْلاقِ اسْمِ الفاسِقِ عَلَيْهِمْ لا غَيْرُهم مِنَ الفَسَقَةِ.
24:5Page 350
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الفاسِقِينَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعْلِيلُ الآتِي ومَحِلُّ المُسْتَثْنِي النَّصْبُ لِأنَّهُ مِن مُوجَبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ لِتَهْوِيلِ المَتُوبِ عَنْهُ، أيْ: مِن بَعْدِ ما اقْتَرَفُوا ذَلِكَ الذَّنْبَ العَظِيمَ الهائِلَ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ أيْ: أصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فَرَّطَ مِنهم بِالتَّلافِي والتَّدارُكِ ومِنهُ الِاسْتِسْلامُ لِلْحَدِّ والِاسْتِحْلالُ مِنَ المَقْذُوفِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ العَفْوِ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِمُوجِبِ الفِسْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَحِينَئِذٍ لا يُؤاخِذُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِما فَرَطَ مِنهم ولا يُنَظِّمُهم في سِلْكِ الفاسِقِينَ لِأنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. هَذا وقَدْ عَلَّقَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاسْتِثْناءَ بِالنَّهْيِ، فَمَحَلُّ المُسْتَثْنى حِينَئِذٍ الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَهُمْ" وجَعَلَ الأبَدَ عِبارَةً عَنْ مُدَّةِ كَوْنِهِ قاذِفًا فَتَنْتَهِي بِالتَّوْبَةِ فَتُقْبَلُ شَهادَتُهُ بَعْدَها.
24:6Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦
And those who accuse their wives [of adultery] and have no witnesses except themselves - then the witness of one of them1 [shall be] four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the truthful.
﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ الرّامِينَ لِأزْواجِهِمْ خاصَّةً بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ الرّامِينَ لِغَيْرِهِنَّ لَكِنْ لا بِأنْ يَكُونَ هَذا مُخَصَّصًا لِلْمُحْصَناتِ بِالأجْنَبِيّاتِ لَيَلْزَمَ بَقاءُ الآيَةِ السّابِقَةِ ظَنِّيَّةً فَلا يَثْبُتُ بِها الحَدُّ، فَإنَّ مِن شَرائِطِ التَّخْصِيصِ أنْ لا يَكُونَ المُخَصَّصُ مُتَراخِيَ النُّـزُولِ بَلْ بِكَوْنِهِ ناسِخًا لِعُمُومِها ضَرُورَةَ تَراخِي نُزُولِها كَما سَيَأْتِي، فَتَبْقى الآيَةُ السّابِقَةُ قَطْعِيَّةَ الدَّلالَةِ فِيما بَقِيَ بَعْدَ النَّسْخِ لِما بَيْنَ مَوْضِعِهِ أنَّ دَلِيلَ النَّسْخِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ﴾ يَشْهَدُونَ بِما رَمَوْهُنَّ بِهِ مِنَ الزِّنا، وقُرِئَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ.
﴿إلا أنْفُسُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن شُهَداءُ، أوْ صِفَةٌ لَها عَلى أنَّ "إلّا" بِمَعْنى "غَيْرِ" جَعَلُوا مِن جُمْلَةِ الشُّهَداءِ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَدَمِ إلْغاءِ قَوْلِهِمْ بِالمَرَّةِ ونَظْمِهِ في سِلْكِ الشَّهادَةِ في الجُمْلَةِ، وبِذَلِكَ ازْدادَ حُسْنُ إضافَةِ الشَّهادَةِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ أيْ: شَهادَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: فَشَهادَتُهُمُ المَشْرُوعَةُ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِشَهاداتٍ لِقُرْبِها، وقِيلَ: بِشَهادَةٍ لِتَقَدُّمِها. وقُرِئَ: "أرْبَعَ شَهاداتٍ" بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ "فَشَهادَةُ" عَلى أنَّهُ إمّا خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فالواجِبُ شَهادَةُ أحَدِهِمْ، وإمّا مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ واجِبَةٌ.
﴿إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا، وأصْلُهُ: عَلى أنَّهُ إلَخِ، فَحُذِفَ الجارُّ وكُسِرَتْ "إنَّ" وعُلِّقَ العامِلُ عَنْها لِلتَّأْكِيدِ.
24:7Page 350
وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧
And the fifth [oath will be] that the curse of Allāh be upon him if he should be of the liars.
(p-159)﴿والخامِسَةُ﴾ أيِ: الشَّهادَةُ الخامِسَةُ لِلْأرْبَعِ المُتَقَدِّمَةِ، أيِ: الجاعِلَةُ لَها خَمْسًا بِانْضِمامِها إلَيْهِنَّ، وإفْرادُها عَنْهُنَّ مَعَ كَوْنِها شَهادَةً أيْضًا لِاسْتِقْلالِها بِالفَحْوى ووَكادَتِها في إفادَةِ ما يُقْصَدُ بِالشَّهادَةِ مِن تَحْقِيقِ الخَبَرِ وإظْهارِ الصِّدْقِ، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا. فَإذا لاعَنَ الزَّوْجُ حُبِسَتِ الزَّوْجَةُ حَتّى تَعْتَرِفَ فَتُرْجَمَ أوْ تُلاعَنَ.
24:8Page 350
وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨
But it will prevent punishment from her if she gives four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the liars.
﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ أيِ: العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ، وهو الحَبْسُ المُغَيّا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ بِالرَّجْمِ الَّذِي هو أشَدُّ العَذابِ ﴿أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ﴾ أيِ: الزَّوْجُ ﴿لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنا.
24:9Page 350
وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٩
And the fifth [oath will be] that the wrath of Allāh be upon her if he was of the truthful.
﴿والخامِسَةَ﴾ بِالنُّصْبِ عَلى أرْبَعِ شَهاداتٍ ﴿أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ﴾ أيِ: الزَّوْجُ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما رَمانِي بِهِ في الزِّنا. وقُرِئَ: "والخامِسَةُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وقُرِئَ: "أنْ" بِالتَّخْفِيفِ في المَوْضِعَيْنِ ورُفِعَ اللَّعْنَةُ والغَضَبُ، وقُرِئَ: "أنْ غَضِبَ اللَّهُ" وتَخْصِيصُ الغَضَبِ بِجانِبِ المَرْأةِ لِلتَّغْلِيظِ عَلَيْها لِما أنَّها مادَّةُ الفُجُورِ، ولِأنَّ النِّساءَ كَثِيرًا ما يَسْتَعْمِلْنَ اللَّعْنَ فَرُبَّما يَجْتَرِئْنَ عَلى التَّفَوُّهِ بِهِ لِسُقُوطِ وقْعِهِ عَنْ قُلُوبِهِنَّ بِخِلافِ غَضَبِهِ تَعالى. رُوِيَ «أنَّ آيَةَ القَذْفِ لَمّا نَزَلَتْ قَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المِنبَرِ فَقامَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ إنْ وجَدَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَأخْبَرَ جُلِدَ ثَمانِينَ ورُدَّتْ شَهادَتُهُ وفُسِّقَ وإنْ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ قُتِلَ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ وإلى أنْ يَجِيءَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَقَدْ قَضى الرَّجُلُ حاجَتَهُ ومَضى اللَّهُمَّ افْتَحْ، وخَرَجَ فاسْتَقْبَلَهُ هِلالُ بْنُ أُمِّيَّةَ أوْ عُوَيْمِرٌ فَقالَ: ما وراءَكَ ؟ قالَ: شَرٌّ وجَدْتُ عَلى امْرَأتِي خَوْلَةَ وهي بِنْتُ عاصِمٍ شَرِيكَ بْنِ سَحْماءَ، فَقالَ: واللَّهِ هَذا سُؤالِي ما أسْرَعَ ما ابْتُلِيتَ بِهِ، فَرَجَعا فَأخْبَرا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَ خَوْلَةَ فَأنْكَرَتْ فَنَزَلَتْ فَلاعَنَ بَيْنَهُما»، والفُرْقَةُ الواقِعَةُ بِاللِّعانِ في حُكْمِ التَّطْلِيقَةِ البائِنَةِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ - رَحِمَهُما اللَّهُ -، ولا يَتَأبَّدُ حُكْمُها حَتّى إذا أكْذَبَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحُدَّ جازَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها. وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ، وزُفَرِ، والحَسَنِ بْنِ زِيادٍ، والشّافِعِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: هي فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلاقٍ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا لَيْسَ لَهُما اجْتِماعٌ بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا.
24:10Page 350
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠
And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Accepting of Repentance and Wise.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهِ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الرّامِينَ والمَرْمِيّاتِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وجَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ لِتَهْوِيلِهِ والإشْعارِ بِضِيقِ العِبارَةِ عَنْ حَصْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْلا تَفَضُّلُهُ تَعالى عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّهُ تَعالى مُبالَغٌ في قَبُولِ التَّوْبَةِ حَكِيمٌ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وأحْكامِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شَرَعَ لَكم مِن حُكْمِ اللِّعانِ لَكانَ ما كانَ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ، ومِن جُمْلَتِهِ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَشْرَعْ لَهم ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلى الزَّوْجِ حَدُّ القَذْفِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ صِدْقُهُ لِأنَّهُ أعْرَفُ بِحالِ زَوْجَتِهِ وأنَّهُ لا يَفْتَرِي عَلَيْها لِاشْتِراكِهِما في الفَضاحَةِ، وبَعْدَ ما شَرَعَ لَهم ذَلِكَ لَوْ جَعَلَ (p-160)شَهاداتِهِ مُوجِبَةً لِحَدِّ الزِّنا عَلَيْها لَفاتَ النَّظَرُ لَها، ولَوْ جَعَلَ شَهاداتِها مُوجِبَةً لِحَدِّ القَذْفِ عَلَيْهِ لَفاتَ النَّظَرُ لَهُ، ولا رَيْبَ في خُرُوجِ الكُلِّ عَنْ سُنَنِ الحِكْمَةِ والفَضْلِ والرَّحْمَةِ فَجَعَلَ شَهاداتٍ كُلٍّ مِنهُما مَعَ الجَزْمِ بِكَذِبِ أحَدِهِما حَتْمًا دارِئَةً لِما تَوَجَّهَ إلَيْهِ مِنَ الغائِلَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقَدِ ابْتُلِيَ الكاذِبُ مِنهُما في تَضاعِيفَ شَهاداتِهِ مِنَ العَذابِ بِما هو أتَمُّ مِمّا دَرَأتْهُ عَنْهُ وأطَمُّ، وفي ذَلِكَ مِن أحْكامِ الحِكَمِ البالِغَةِ وآثارِ التَّفَضُّلِ والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى، أمّا عَلى الصّادِقِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الكاذِبِ فَهو إمْهالُهُ والسَّتْرُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ودَرْءُ الحَدِّ عَنْهُ وتَعْرِيضُهُ لِلتَّوْبَةِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ تَوّابِيَّتِهِ، سُبْحانَهُ ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وأوْسَعَ رَحْمَتَهُ وأدَقَّ حِكْمَتَهُ.
24:11Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١
Indeed, those who came with falsehood1 are a group among you. Do not think it bad for you; rather, it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof2 - for him is a great punishment [i.e., Hellfire].
﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ أيْ: بِأبْلَغَ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وقِيلَ: هو البُهْتانُ لا تَشْعُرُ بِهِ حَتّى يَفْجَأكَ، وأصْلُهُ: الإفْكُ، وهو القَلْبُ لِأنَّهُ مَأْفُوكٌ عَنْ وجْهِهِ وسُنَنِهِ، والمُرادُ بِهِ: ما أُفِكَ بِهِ الصَّدِّيقَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وفي لَفْظِ المَجِيءِ إشارَةٌ إلى أنَّهم أظْهَرُوهُ مِن عِنْدَ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَتْ قَرْعَتُها اسْتَصْحَبَها، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: فَأقْرَعَ بَيْنَنا في غَزْوَةٍ غَزاها، قِيلَ: غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَهُ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الحِجابِ، فَحُمِلَتْ في هَوْدَجٍ فَسِرْنا حَتّى إذا قَفَلْنا ودَنَوْنا مِنَ المَدِينَةِ نَزَلْنا مَنزِلًا، ثُمَّ نُودِيَ بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ ومَشَيْتُ حَتّى جاوَزْتُ الجَيْشَ فَلَمّا قَضَيْتُ شَأْنِي أقْبَلْتُ إلى رَحْلِي فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإذا عِقْدِي مِن جَزَعِ ظَفارَ قَدِ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فالتَمَسْتُهُ فَحَبَسَنِي ابْتِغاؤُهُ، وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحَّلُونَ بِي فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَّلُوهُ عَلى بَعِيرِي وهم يَحْسَبُونَ أنِّي فِيهِ لِخِفَّتِي فَلَمْ يَسْتَنْكِرُوا خِفَّةَ الهَوْدَجِ وذَهَبُوا بِالبَعِيرِ، ووَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمْرَرْتُ الجَيْشَ فَجِئْتُ مَنازِلَهم ولَيْسَ فِيها داعٍ ولا مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْتُ مَنزِلِي وظَنَنْتُ أنِّي سَيَفْقِدُونَنِي ويَعُودُونَ في طَلَبِي، فَبَيْنا أنا جالِسَةٌ في مَنزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وكانَ صَفْوانُ بْنُ المُعَطِّلِ السُّلَمِيُّ مِن وراءِ الجَيْشِ فَلَمّا رَآنِي عَرَفَنِي، فاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجاعِهِ فَخَمَّرْتُ وجْهِي بِجِلْبابِي، وواللَّهِ ما تَكَلَّمْنا بِكَلِمَةٍ ولا سَمِعْتُ مِنهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجاعِهِ، وهَوى حَتّى أناخَ راحِلَتَهُ فَوَطِئِ عَلى يَدَيْها فَقُمْتُ إلَيْها فَرَكِبْتُها وانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرّاحِلَةَ، حَتّى أتَيْنا الجَيْشَ مُوِغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وهم نُزُولٌ، وافْتَقَدَنِي النّاسُ حِينَ نَزَلُوا وماجَ القَوْمُ في ذِكْرِي، فَبَيْنا النّاسُ كَذَلِكَ إذْ هَجَمْتُ عَلَيْهِمْ فَخاضَ النّاسُ في حَدِيثِي فَهَلَكَ مَن هَلَكَ» .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ خَبَرُ "إنَّ" أيْ: جَماعَةٌ وهي مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ وكَذا العِصابَةُ، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وزَيْدُ بْنُ رِفاعَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، ومَن ساعَدَهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعائِشَةُ وصَفْوانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، تَسْلِيَةً لَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ، والضَّمِيرُ لِلْإفْكِ.
﴿بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِاكْتِسابِكم بِهِ الثَّوابَ العَظِيمَ وظُهُورِ كَرامَتِكم عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِإنْزالِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً في نَزاهَةِ ساحَتِكم وتَعْظِيمِ شَأْنِكم وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ فِيمَن تَكَلَّمَ فِيكم والثَّناءِ عَلى مَن ظَنَّ بِكم خَيْرًا.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ (p-161)مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اُولَئِكَ العُصْبَةِ ﴿ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ بِقَدْرِ ما خاضَ فِيهِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ﴾ أيْ: مُعْظَمُهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ الكافِ وهي لُغَةٌ فِيهِ.
﴿مِنهُمْ﴾ مِنَ العُصْبَةِ، وهو ابْنُ أُبَيٍّ فَإنَّهُ بَدَأ بِهِ وأذاعَهُ بَيْنَ النّاسِ عَداوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: هو وحَسّانُ ومِسْطَحٌ فَإنَّهُما شايَعاهُ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ، فَإفْرادُ المَوْصُولِ حِينَئِذٍ بِاعْتِبارِ الفَوْجِ أوِ الفَرِيقِ أوْ نَحْوَهُما.
﴿لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا أيْضًا، فَإنَّهم جُلِدُوا ورُدَّتْ شَهادَتُهم، وصارَ ابْنُ أُبَيٍّ مَطْرُودًا مَشْهُودًا عَلَيْهِ بِالنِّفاقِ، وحَسّانُ أعْمى وأشَلَّ اليَدَيْنِ، ومِسْطَحٌ مَكْفُوفُ البَصَرِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالَّذِي وتَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَنْكِيرِ العَذابِ ووَصْفِهِ بِالعِظَمِ مِن تَهْوِيلِ الخَطْبِ ما لا يَخْفى.
24:12Page 351
لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢
Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?
﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَوِيهِ إلى الخائِضِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ ما في "لَوْلا" التَّحْضِيضِيَّةِ مِنَ التَّوْبِيخِ، ثُمَّ العُدُولِ عَنْهُ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الإعْراضِ عَنْهم وحِكايَةِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ عَلى وجْهِ المَثابَةِ بَلْ بِالتَّوَسُّلِ بِذَلِكَ إلى وصْفِهِمْ بِما يُوجِبُ الإتْيانَ بِالمُحَضَّضِ عَلَيْهِ ويَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً تامًّا ويَزْجُرُهم عَنْ ضِدِّهِ زَجْرًا بَلِيغًا، فَإنَّ كَوْنَ وصْفِ الإيمانِ مِمّا يَحْمِلُهم عَلى إحْسانِ الظَّنِّ ويَكُفُّهم عَنْ إساءَتِهِ بِأنْفُسِهِمْ، أيْ: بِأبْناءِ جِنْسِهِمُ النّازِلِينَ مَنزِلَةَ أنْفُسِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾، مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ فَإخْلالُهم بِمُوجِبِ ذَلِكَ الوَصْفِ أقْبَحُ وأشْنَعُ والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِ أدْخَلُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوَسُّلِ بِهِ إلى التَّصْرِيحِ بِتَوْبِيخِ الخائِضاتِ، ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالإيمانِ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ فَإيجابُهُ لِما ذُكِرَ واضِحٌ والتَّوْبِيخُ خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ مُطْلَقَ الإيمانِ الشّامِلِ لِما يُظْهِرُهُ المُنافِقُونَ أيْضًا فَإيجابُهُ لَهُ مِن حَيْثُ أنَّهم كانُوا يَحْتَرِزُونَ عَنْ إظْهارِ ما يُنافِي مُدَّعاهم، فالتَّوْبِيخُ حِينَئِذٍ مُتَوَجِّهٌ إلى الكُلِّ. وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَ "لَوْلا" وفِعْلِها لِتَخْصِيصِ التَّحْضِيضِ بِأوَّلِ زَمانِ سَماعِهِمْ، وقَصْرُ التَّوْبِيخِ عَلى تَأْخِيرِ الإتْيانِ بِالمُحَضَّضِ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الآنَ والتَّرَدُّدِ فِيهِ لِيُفِيدَ أنَّ عَدَمَ الإتْيانِ بِهِ رَأْسًا في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ القَباحَةِ والشَّناعَةِ، أيْ: كانَ الواجِبُ أنْ يُظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ أوَّلَ ما سَمِعُوهُ مِمَّنِ اخْتَرَعَهُ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ بِمَثَلِهِمْ مِنَ احادِ المُؤْمِنِينَ خَيْرًا.
﴿وَقالُوا﴾ في ذَلِكَ الآنَ ﴿هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ كَوْنُهُ إفْكًا، فَكَيْفَ بِالصِّدِّيقَةِ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ حُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences