Abu as-Su'udAn‑Nur · 24:58–64

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:58–64

24:58Page 357

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨

O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّابِقَةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ ما يُوجِبُ الِامْتِثالَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي الوارِدَةِ فِيها وفي الأحْكامِ اللّاحِقَةِ مِنَ التَّمْثِيلاتِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والخِطابُ إمّا لِلرِّجالِ خاصَّةً والنِّساءُ داخِلاتٌ في الحُكْمِ بِدَلالَةِ النَّصِّ، أوْ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ. رُوِيَ أنَّ غُلامًا لِأسْماءَ بِنْتِ أبِي مِرْثَدٍ دَخَلَ عَلَيْها في وقْتٍ كَرِهَتْهُ فَنَـزَلَتْ. وقِيلَ: «أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِدْلَجَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ وكانَ غُلامًا وقْتَ الظَّهِيرَةِ لَيَدْعُوَ عُمْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وهو نائِمٌ قَدِ انْكَشَفَ عَنْهُ ثَوْبُهُ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى آباءَنا وأبْناءَنا وخَدَمَنا أنْ لا يَدْخُلُوا عَلَيْنا هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَهُ وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ» .

﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِنَ العَبِيدِ والجَوارِي ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ أيِ: الصِّبْيانُ القاصِرُونَ عَنْ دَرَجَةِ البُلُوغِ المَعْهُودِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالحُلُمِ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ دَلائِلِهِ مِنكم، أيْ: مِنَ الأحْرارِ.

﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ أيْ: ثَلاثَةُ أوْقاتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالمَرّاتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ مُقارَنَةُ تِلْكَ الأوْقاتِ لِمُرُورِ المُسْتَأْذِنِينَ بِالمُخاطَبِينَ لا أنْفُسِها.

﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾ لِظُهُورِ أنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ وطَرْحِ ثِيابِ النُّومِ ولُبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أحَدُها مِن قَبْلُ إلَخِ.

﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ﴾ أيْ: ثِيابَكُمُ الَّتِي تَلْبَسُونَها في النَّهارِ وتَخْلَعُونَها لِأجْلِ القَيْلُولَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ وهي شِدَّةُ الحَرِّ عِنْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، بَيانٌ لِلْحِينِ والتَّصْرِيحِ بِمَدارِ الأمْرِ - أعْنِي وضْعَ الثِّيابِ - في هَذا الحِينِ دُونَ الأوَّلِ والآخِرِ لِما أنَّ التَّجَرُّدَ عَنِ الثِّيابِ فِيهِ لِأجْلِ القَيْلُولَةِ لِقِلَّةِ زَمانِها، كَما يُنْبِئُ عَنْها إيرادُ الحِينِ مُضافًا إلى فِعْلِ حادِثٍ مُتَقَضٍّ، ووُقُوعُها في النَّهارِ الَّذِي هو مَئِنَّةٌ لِكَثْرَةِ الوُرُودِ والصُّدُورِ ومَظِنَّةٌ لِظُهُورِ الأحْوالِ وبُرُوزِ الأُمُورِ لَيْسَ مِنَ التَّحَقُّقِ والِاطِّرادِ بِمَنزِلَةَ ما في الوَقْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ تَحَقُّقَ التَّجَرُّدِ واطِّرادَهُ فِيهِما أمْرٌ مَعْرُوفٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ.

﴿وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ ضَرُورَةَ أنَّهُ وقْتُ التَّجَرُّدِ عَنِ اللِّباسِ والِالتِحافِ بِاللِّحافِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالقَبْلِيَّةِ والبَعْدِيَّةِ المَذْكُورَتَيْنِ مُطْلَقَهُما المُتَحَقِّقَ في الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَخَلِّلِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾، بَلْ ما يَعْرِضُ مِنهُما (p-194)لِطَرَفَيْ ذَلِكَ الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَّصِلَيْنِ بِالصَّلاتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ اتِّصالًا عادِيًّا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَثَلاثُ عَوْراتٍ، أيْ: كائِنَةٌ لَكم، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عِلَّةِ وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ، أيْ: هُنَّ ثَلاثَةُ أوْقاتٍ يَخْتَلُّ فِيها التَّسَتُّرُ عادَةً. والعَوْرَةُ في الأصْلِ: هو الخَلَلُ، غُلِبَ في الخَلَلِ الواقِعِ فِيما يَهُمُّ حِفْظُهُ ويُعْتَنى بِسَتْرِهِ أُطْلِقَتْ عَلى الأوْقاتِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها مُبالَغَةً كَأنَّها نَفْسُ العَوْرَةِ. وقُرِئَ: "ثَلاثَ عَوْراتٍ" بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِن "ثَلاثَ مَرّاتٍ" .

﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى المَمالِيكِ والصِّبْيانِ جُناحٌ، أيْ: إثْمٌ في الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ لِعَدَمٍ ما يُوجِبُهُ مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ والِاطِّلاعِ عَلى العَوْراتِ.

﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ: بَعْدَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ العَوْراتِ الثَّلاثِ، وهي الأوْقاتُ المُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنهُنَّ، وإيرادُها بِعُنْوانِ البَعْدِيَّةِ مَعَ أنَّ كُلَّ وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ قَبْلَ عَوْرَةٍ مِنَ العَوْراتِ كَما أنَّها بَعْدَ أُخْرى مِنهُنَّ لِتَوْفِيَةِ حَقِّ التَّكْلِيفِ والتَّرْخِيصِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِهِ، إذِ الرُّخْصَةُ إنَّما تُتَصَوَّرُ في فِعْلٍ يَقَعُ بَعْدَ زَمانِ وُقُوعِ الفِعْلِ المُكَلَّفِ. والجُمْلَةُ عَلى القِراءَتَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها بِالطَّرْدِ والعَكْسِ، وقَدْ جُوِّزَ عَلى القِراءَةِ الأُولى كَوْنُها في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةٌ أُخْرى لَثَلاثُ عَوْراتٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَهي مُسْتَأْنِفَةٌ لا غَيْرَ إذْ لَوْ جُعِلَتْ صِفَةً لَثَلاثُ عَوْراتٍ وهي بَدَلٌ مِن ثَلاثَ مَرّاتٍ لَكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْتَأْذِنْكم هَؤُلاءِ في ثَلاثِ عَوْراتٍ لا إثْمَ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ بَعْدَهُنَّ، وحَيْثُ كانَ انْتِفاءُ الإثْمِ حِينَئِذٍ مِمّا لَمْ يَعْلَمْهُ السّامِعُ إلّا بِهَذا الكَلامِ لَمْ يَتَسَنَّ إبْرازُهُ في مَعْرِضِ الصِّفَةِ بِخِلافِ قِراءَةِ الرَّفْعِ فَإنَّ انْتِفاءَ الإثْمِ حِينَئِذٍ مَعْلُومٌ مِن صَدْرِ الكَلامِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ العُذْرِ المُرَخَّصِ في تَرْكَ الِاسْتِئْذانِ، وهي المُخالَطَةُ الضَّرُورِيَّةُ وكَثْرَةُ المُداخَلَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَعْلِيلِ الأحْكامِ وكَذا في الفَرْقِ بَيْنَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وبَيْنَ غَيْرِها بِكَوْنِها عَوْراتٍ.

﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ طَوافًا كَثِيرًا، أوْ بَعْضُكم يَطُوفُ عَلى بَعْضٍ.

﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ والإيذانِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِ وكَوْنِهِ مِنَ الوُضُوحِ بِمَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ حِسًّا، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ.

﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةِ عَلى الأحْكامِ، أيْ: يُنَـزِّلُها بَيِّنَةً واضِحَةَ الدَّلالاتِ عَلَيْها لا أنَّهُ تَعالى يُبَيِّنُها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، والكافُ مُقْحِمَةٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ . و"لَكُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِيُبَيِّنُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقِيلَ: يُبَيِّنُ عِلَلَ الأحْكامِ ولَيْسَ بِواضِحٍ مَعَ أنَّهُ مُؤْدٍّ إلى تَخْصِيصِ الآياتِ بِما ذُكِرَ هَهُنا.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَيَعْلَمُ أحْوالَكم ﴿حَكِيمٌ﴾ في جَمِيعِ أفاعِيلِهِ فَيَشْرَعُ لَكم ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِكم مَعاشًا ومَعادًا.

24:59Page 358

وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩

And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.

﴿وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ لِما بُيِّنَ فِيما مَرَّ آنِفًا حُكْمَ الأطْفالِ في أنَّهُ لا جُناحَ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ فِيما عَدا الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ عَقِبَ بِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ دَفْعًا لِما عَسى يُتَوَهَّمُ أنَّهم - وإنْ كانُوا (p-195)أجانِبَ - لَيْسُوا كَسائِرِ الأجانِبِ بِسَبَبِ اعْتِيادِهِمُ الدُّخُولَ، أيْ: إذا بَلَغَ الأطْفالُ الأحْرارُ الأجانِبُ ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ إذا أرادُوا الدُّخُولَ عَلَيْكم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِلْفِعْلِ السّابِقِ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَمَّنْ قِيلَ لَهم: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا ...﴾ الآيَةِ، ووَصَفَهم بِكَوْنِهِمْ قَبْلَ هَؤُلاءِ بِاعْتِبارِ ذِكْرِهِمْ قَبْلَ ذِكْرِهِمْ لا بِاعْتِبارِ بُلُوغِهِمْ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ كَما قِيلَ، لِما أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّشْبِيهِ بَيانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِئْذانِ هَؤُلاءِ وزِيادَةُ إيضاحِهِ ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا بِتَشْبِيهِهِ بِاسْتِئْذانِ المَعْهُودِينَ عِنْدَ السّامِعِ، ولا رَيْبَ في أنَّ بُلُوغَهم قَبْلَ بُلُوغِ هَؤُلاءِ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ وإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الواقِعِ، وإنَّما المَعْهُودُ المَعْرُوفُ ذِكْرُهم قَبْلَ ذِكْرِهِمْ، أيْ: فَلْيَسْتَأْذِنُوا اسْتِئْذانًا كائِنًا مِثْلَ اسْتِئْذانِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهم بِأنْ يَسْتَأْذِنُوا في جَمِيعِ الأوْقاتِ ويَرْجِعُوا إنْ قِيلَ لَهُمُ ارْجِعُوا حَسْبَما فُصِّلَ فِيما سَلَفَ.

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي سَبَقَ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في الأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ، وإضافَةُ الآياتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِتَشْرِيفِها.

24:60Page 358

وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٦٠

And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allāh is Hearing and Knowing.

﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ أيِ: العَجائِزُ اللّاتِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والحَمْلِ ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: لا يَطْمَعْنَ فِيهِ لِكِبَرِهِنَّ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أيِ: الثِّيابُ الظّاهِرَةُ كالجِلْبابِ ونَحْوِهِ، والفاءُ فِيهِ لِأنَّ اللّامَ في القَواعِدِ بِمَعْنى اللّاتِي أوْ لِلْوَصْفِ بِها.

﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غَيْرَ مُظْهِراتٍ لِزِينَةٍ مِمّا أمَرَ بِإخْفائِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وأصْلُ التَّبَرُّجِ: التَّكَلُّفُ في إظْهارِ ما يَخْفى مِن قَوْلِهِمْ: سَفِينَةٌ بارِجَةٌ لا غِطاءَ عَلَيْها، والبَرَجُ: سِعَةُ العَيْنِ بِحَيْثُ يَرى بَيَضاها مُحِيطًا بِسَوادِها كُلِّهِ إلّا أنَّهُ خَصَّ بِكَشْفِ المَرْأةِ زِينَتَها ومَحاسِنَها لِلرِّجالِ.

﴿وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ بِتَرْكِ الوَضْعِ ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ مِنَ الوَضْعِ لِبُعْدِهِ مِنَ التُّهْمَةِ.

﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ مُبالَغٌ في سَمْعِ جَمِيعِ ما يُسْمَعُ فَيَسْمَعُ ما يَجْرِي بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الرِّجالِ مِنَ المُقاوَلَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ مَقاصِدَهُنَّ.وَفِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ ما لا يَخْفى.

24:61Page 358

لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١

There is not upon the blind [any] constraint nor upon the lame constraint nor upon the ill constraint nor upon yourselves when you eat from your [own] houses or the houses of your fathers or the houses of your mothers or the houses of your brothers or the houses of your sisters or the houses of your father's brothers or the houses of your father's sisters or the houses of your mother's brothers or the houses of your mother's sisters or [from houses] whose keys you possess or [from the house] of your friend. There is no blame upon you whether you eat together or separately. But when you enter houses, give greetings of peace1 upon each other - a greeting from Allāh, blessed and good. Thus does Allāh make clear to you the verses [of ordinance] that you may understand.

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ كانَتْ هَؤُلاءِ الطَّوائِفُ يَتَحَرَّجُونَ مِنَ المُؤاكَلَةِ الأصِحّاءِ حِذارًا مَنِ اسْتِقْذارِهِمْ إيّاهم وخَوْفًا مِن تَأذِّيهِمْ بِأفْعالِهِمْ وأوْضاعِهِمْ، فَإنَّ الأعْمى رُبَّما سَبَقْتَ يَدُهُ إلى ما سَبَقَتْ إلَيْهِ عَيْنُ أكِيلِهِ وهو لا يَشْعُرُ بِهِ، والأعْرَجُ بِتَفَسُّحُ في مَجْلِسِهِ فَيَأْخُذُ أكْثَرَ مِن مَوْضِعِهِ فَيُضَيِّقُ عَلى جَلِيسِهِ، (p-196)والمَرِيضُ لا يَخْلُو عَنْ حالَةٍ تُؤْذِي قَرِينَهُ. وقِيلَ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى الرَّجُلِ لِطَلَبِ العِلْمِ فَإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُطْعِمُهم ذَهَبَ بِهِمْ إلى بُيُوتِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ أوْ إلى بَعْضِ مَن سَمّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ ويَقُولُونَ: ذَهَبَ بِنا إلى بَيْتِ غَيْرِهِ ولَعَلَّ أهْلَهُ كارِهُونَ لِذَلِكَ، وكَذا كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأكْلِ مِن أمْوالِ الَّذِينَ كانُوا إذا خَرَجُوا إلى الغَزْوِ خَلَّفُوا هَؤُلاءِ في بُيُوتِهِمْ ودَفَعُوا إلَيْهِمْ مَفاتِيحَها وأذِنُوا لَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا فِيها مَخافَةَ أنْ لا يَكُونُ إذْنُهم عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنهم، وكانَ غَيْرُ هَؤُلاءِ أيْضًا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأكْلِ في بُيُوتِ غَيْرِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: لَيْسَ عَلى الطَّوائِفِ المَعْدُودَةِ ﴿وَلا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: عَلَيْكم وعَلى مَن يُماثِلُكم في الأحْوالِ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ﴿أنْ تَأْكُلُوا﴾ أيْ: تَأْكُلُوا أنْتُمْ وهم مَعَكم، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ أيْضًا يَأْباهُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنَّ الخِطابَ فِيهِما لِغَيْرِ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ حَتْمًا.

﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أيِ: البُيُوتِ الَّتِي فِيها أزْواجُكم وعِيالُكم فَيَدْخُلُ فِيها بُيُوتُ الأوْلادِ لِأنَّ بَيْتَهم كَبَيْتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ﴾ وقَوْلُهُ ﷺ: ﴿إنَّ أطْيَبَ مالِ الرَّجُلِ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ﴾ .

﴿أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وبِكَسْرِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ.

﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي تَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِيها بِإذْنِ أرْبابِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ، وقِيلَ: هي بُيُوتُ المَمالِيكِ. والمَفاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٍ، وجَمْعُ المِفْتاحِ: مَفاتِيحُ، وقُرِئَ: "مُفْتاحَهُ" .

﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أيْ: أوْ بُيُوتِ صَدِيقِكم، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهم قَرابَةٌ نَسَبِيَّةٌ فَإنَّهم أرْضى بِالتَّبَسُّطِ وأُسَرُّ بِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأقْرِباءِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ الصَّدِيقَ أكْبَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ، إنَّ الجَهَنَّمِيِّينَ لَمّا اسْتَغاثُوا لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ بَلْ قالُوا: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . والصَّدِيقُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كالخَلِيطِ والقَطِينِ وأضْرابِهِما. وهَذا فِيما إذا عَلِمَ رِضا صاحِبِ البَيْتِ بِصَرِيحِ الإذْنِ أوْ بِقَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ خَصَّصَ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ لِاعْتِيادِهِمُ التَّبَسُّطَ فِيما بَيْنُهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حُكْمٍ آخَرَ مِن جِنْسِ ما بُيِّنَ قَبْلَهُ، حَيْثُ كانَ فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَبَنِي لَيْثِ ابْنِ عَمْرٍو مِن كِنانَةَ يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلُوا طَعامَهم مُنْفَرِدِينَ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَأْكُلُ ويَمْكُثُ يَوْمَهُ حَتّى يَجِدَ ضَيْفًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُؤاكِلُهُ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا، ورُبَّما قَعَدَ الرَّجُلُ والطَّعامُ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَتَناوَلُهُ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، ورُبَّما كانَتْ مَعَهُ الإبِلُ الحُفَّلُ فَلا يَشْرَبُ مِنَ ألْبانِها حَتّى يَجِدَ مَن يُشارِبُهُ فَإذا أمْسى ولَمْ يَجِدْ أحَدًا أكْلَ، وقِيلَ: كانَ الغَنِيُّ مِنهم يَدْخُلُ عَلى الفَقِيرِ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ وصَدَقَتِهِ فَيَدْعُوهُ إلى طَعامِهِ فَيَقُولُ: إنِّي أتَحَرَّجُ أنْ آكُلَ مَعَكَ وأنا غَنِيٌّ وأنْتَ فَقِيرٌ، وقِيلَ: كانَ قَوْمٌ مِنَ الأنْصارِ لا يَأْكُلُونَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ إلّا مَعَ ضَيْفِهِمْ فَرُخِّصَ لَهم في أنْ يَأْكُلُوا كَيْفَ شاءُوا، وقِيلَ: كانُوا إذا اجْتَمَعُوا لَيَأْكُلُوا طَعامًا عَزَلُوا لِلْأعْمى وأشْباهِهِ طَعامًا عَلى عَدِّهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِواجِبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "جَمِيعًا" حالٌ مِن فاعِلِ "تَأْكُلُوا"، و"أشْتاتًا" عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، وهو جَمْعُ شَتَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كالحَقِّ، يُقالُ: أمْرٌ شَتٌّ، أيْ: مُتَفَرِّقٌ، أوْ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، أيْ: لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ.

﴿فَإذا دَخَلْتُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الآدابِ الَّتِي تَجِبُ رِعايَتُها عِنْدَ مُباشَرَةِ ما رُخِّصَ فِيهِ إثْرَ بَيانِ الرُّخْصَةِ فِيهِ.

﴿بُيُوتًا﴾ أيْ: مِنَ البُيُوتِ (p-197)المَذْكُورَةِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: عَلى أهْلِها الَّذِينَ بِمَنزِلَةَ أنْفُسِكم لِما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ القَرابَةِ الدِّينِيَّةِ والنَّسَبِيَّةِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ.

﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: ثابِتَةً بِأمْرِهِ مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِلتَّحِيَّةِ فَإنَّها طَلَبُ الحَياةِ الَّتِي هي مِن عِنْدِهِ تَعالى وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّها بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.

﴿مُبارَكَةً﴾ مُسْتَتْبَعَةً لِزِيادَةِ الخَيْرِ والثَّوابِ ودَوامِهِما.

﴿طَيِّبَةً﴾ تَطِيبُ بِها نَفْسُ المُسْتَمِعِ. وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ ﷺ قالَ: ﴿مَتى لَقِيتَ أحَدًا مِنَ اُمَّتِي فَسَلِّمْ عَلَيْهِ يَطُلْ عُمْرُكَ، وإذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَكْثُرُ خَيْرُ بَيْتِكَ، وصَلِّ صَلاةَ الضُّحى فَإنَّها صَلاةُ الأبْرارِ الأوّابِينَ﴾ .

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ الأحْكامِ المُخْتَتِمَةِ بِهِ وتَفْخِيمِها ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ما في تَضاعِيفِها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وتَعْمَلُونَ بِمُوجِبِها وتَحُوزُونَ بِذَلِكَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ. وفي تَعْلِيلِ هَذا التَّبْيِينِ بِهَذِهِ الغايَةِ القُصْوى بَعْدَ تَذْيِيلِ الأوَّلِينَ بِما يُوجِبُهُما مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى.

24:62Page 359

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢

The believers are only those who believe in Allāh and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muḥammad] - those are the ones who believe in Allāh and His Messenger. So when they ask your permission due to something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ في أواخِرِ الأحْكامِ السّابِقَةِ تَقْرِيرًا لَها وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِها وتَكْمِيلًا لَها بِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِنْسِها، وإنَّما ذُكِرَ الإيمان باللَّهِ ورَسُولِهِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْمَوْصُولِ الواقِعِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ مَعَ تَضَمُّنِهِ لَهُ قَطْعًا تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَجْعَلَ قَرِينًا لِلْإيمانِ بِهِما مُنْتَظِمًا في سِلْكِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ إلَخِ مَعْطُوفٌ عَلى "آمَنُوا" داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، أيْ: إنَّما الكامِلُونَ في الإيمانِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ عَنْ صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ وأطاعُوهُما في جَمِيعِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ مِن قَبْلُ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِعامَّةِ أحْوالِهِمُ المُطَّرِدَةِ في الوُقُوعِ وأحْوالِهِمُ الواقِعَةِ بِحَسَبِ الِاتِّفاقِ كَما إذا كانُوا مَعَهُ ﷺ عَلى أمْرٍ مُهِمٍّ يَجِبُ اجْتِماعُهم في شَأْنِهِ كالجُمْعَةِ والأعْيادِ والحُرُوبِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى اجْتِماعِ أُولِي الآراءِ والتَّجارِبِ ووَصْفُ الأمْرِ بِالجَمْعِ لِلْمُبالَغَةِ. وقُرِئَ: "أمْرٍ جَمِيعٍ" .

﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: مِنَ المَجْمَعِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُوجِبُ حُضُورَهم لا مَحالَةَ كَما عِنْدَ إقامَةِ الجُمْعَةِ ولِقاءِ العَدُوِّ بَلْ يُسَوِّغُ التَّخَلُّفَ عَنْهُ.

﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ﷺ في الذَّهابِ لا عَلى أنَّ نَفْسَ الِاسْتِئْذانِ غايَةٌ لِعَدَمِ الذَّهابِ بَلِ الغايَةُ هي الإذْنُ المَنُوطُ بِرَأْيِهِ صَلّى اللَّهُ وعَلَيْهِ وسَلَّمَ، والِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِ لِأنَّهُ الَّذِي يَتِمُّ مِن قَبْلِهِمْ وهو المُعْتَبِرُ في كَمالِ الإيمانِ لا الإذْنُ ولا الذَّهابُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، واعْتِبارُهُ في ذَلِكَ لِما أنَّهُ كالمِصْداقِ لِصِحَّتِهِ والمُمَيِّزِ لِلْمُخْلِصِ فِيهِ عَنِ المُنافِقِ فَإنَّ دَيْدَنَهُ التَّسَلُّلُ لِلْفِرارِ، ولِتَعْظِيمِ ما في الذَّهابِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ﷺ مِنَ الجِنايَةِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ فَقَضى بِأنَّ المُسْتَأْذِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ كَما حَكَمَ في الأوَّلِ بِأنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِهِما وبَيْنَ الِاسْتِئْذانِ، وفي "أُولَئِكَ" مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المُسْتَأْذِنِينَ ما لا يَخْفى.

﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ بَيانٌ لِما هو وظِيفَتُهُ ﷺ في هَذا البابِ إثْرَ بَيانِ ما هو وظِيفَةُ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ الإذْنَ عِنْدَ الِاسْتِئْذانِ (p-198)لَيْسَ بِأمْرٍ مَحْتُومٍ بَلْ هو مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِهِ ﷺ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: بَعْدَ ما تَحَقَّقَ أنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ هُمُ المُسْتَأْذِنُونَ، فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أيْ: لِبَعْضِ أمْرِهِمُ المُهِمِّ وخَطْبِهِمُ المُلِمُّ ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ لِما عَلِمْتَ في ذَلِكَ مِن حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ فَإنَّ الِاسْتِئْذانَ وإنْ كانَ لِعُذْرٍ قَوِيَ لا يَخْلُو عَنْ شائِبَةِ تَقْدِيمِ أمْرِ الدُّنْيا عَلى أمْرِ الآخِرَةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في مَغْفِرَةِ فُرُطاتِ العِبادِ ﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في إفاضَةِ آثارِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْمَغْفِرَةِ المَوْعُودَةِ في ضِمْنِ الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم.

24:63Page 359

لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣

Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allāh knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from his [i.e., the Prophet's] order,1 lest fitnah2 strike them or a painful punishment.

﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِالتِفاتُ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، أيْ: لا تَجْعَلُوا دَعْوَتَهُ ﷺ إيّاكم في الِاعْتِقادِ والعَمَلِ بِها ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ أيْ: لا تَقِيسُوا دُعاءَهُ ﷺ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ وأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُساهَلَةُ فِيهِ والرُّجُوعُ عَنْ مَجْلِسِهِ ﷺ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ. وقِيلَ: لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ ﷺ رَبَّهُ كَدُعاءِ صَغِيرِكم كَبِيرَكم يُجِيبُهُ مَرَّةً ويَرُدُّهُ أُخْرى، فَإنَّ دُعاءَهُ مُسْتَجابٌ لا مَرَدَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَقْرِيرُ الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ لِما قَبْلَها إمّا مِن حَيْثُ إنَّ اسْتِجابَتَهُ تَعالى لِدُعائِهِ ﷺ مِمّا يُوجِبُ امْتِثالَهم بِأوامِرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ ومُتابَعَتَهم لَهُ في الوُرُودِ والصُّدُورِ أكْمَلَ إيجابٍ، وإمّا مِن حَيْثُ إنَّها مُوجِبَةٌ لِلِاحْتِرازِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِسُخْطِهِ ﷺ المُؤَدِّي إلى ما يُوجِبُ هَلاكَهم مِن دُعائِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا نِداءَهُ ﷺ كَنِداءِ بَعْضِكم بَعْضًا بِاسْمِهِ ورَفْعِ الصَّوْتِ والنِّداءِ مِن وراءِ الحُجُراتِ ولَكِنْ بِلَقَبِهِ المُعَظَّمِ مِثْلِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ مَعَ غايَةِ التَّوْقِيرِ والتَّفْخِيمِ والتَّواضُعِ وخَفْضِ الصَّوْتِ فَلا يُناسِبُ المَقامَ. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ﴾ إلَخِ وعِيدٌ لِمُخالِفِي أمْرِهِ ﷺ فِيما ذُكِرَ مِن قَبْلُ فَتَوْسِيطُ ما ذُكِرَ بَيْنَهُما مِمّا لا وجْهَ لَهُ. والتَّسَلُّلُ: الخُرُوجُ مِنَ البَيْتِ عَلى التَّدْرِيجِ والخُفْيَةِ، و"قَدْ" لِلتَّحْقِيقِ، كَما أنَّ رُبَّ تَجِيءُ لِلتَّكْثِيرِ حَسَبَما بُيِّنَ في مَطْلَعِ سُورَةِ الحِجْرِ، أيْ: يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ الجَماعَةِ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى خُفْيَةٍ.

﴿لِواذًا﴾ أيْ: مُلاوَذَةً بِأنْ يَسْتَتِرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ حَتّى يَخْرُجَ، أوْ بِأنْ يَلُوذَ بِمَن يَخْرُجُ بِالإذْنِ إراءَةَ أنَّهُ مِن أتْباعِهِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وانْتِصابِهِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ "يَتَسَلَّلُونَ"، أيْ: مُلاوِذِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو الحالُ في الحَقِيقَةِ، أيْ: يَلُوذُونَ لِواذًا. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ لِتَرْتِيبِ الحَذَرِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها مَن علمه تعالى بِأحْوالِهِمْ فَإنَّهُ مِمّا يُوجِبُ الحَذَرَ البَتَّةَ، أيْ: يُخالِفُونَ أمْرَهُ بِتَرْكِ مُقْتَضاهُ ويَذْهَبُونَ سَمْتًا خِلافَ سَمْتِهِ. و"عَنْ" إمّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْراضِ، أوْ حَمْلِهِ عَلى مَعْنى: يَصُدُّونَ عَنْ أمْرِهِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، مَن خالَفَهُ عَنِ الأمْرِ: إذا صَدَّ عَنْهُ دُونَهُ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِما أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ المُخالِفِ والمُخالَفَ عَنْهُ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ الآمِرُ حَقِيقَةً أوْ لِلرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ.

﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: مِحْنَةٌ في الدُّنْيا ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ. وكَلِمَةُ "أوْ" لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ وإعادَةِ الفِعْلِ صَرِيحًا (p-199)لِلِاعْتِناءِ بِالتَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْإيجابِ فَإنَّ تَرْتِيبَ العَذابَيْنِ عَلى مُخالَفَتِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّحْذِيرُ عَنْ إصابَتِهِما يُوجِبُ وُجُوبَ الِامْتِثالِ بِهِ حَتْمًا.

24:64Page 359

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ وَيَوۡمَ يُرۡجَعُونَ إِلَيۡهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٦٤

Unquestionably, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Already He knows that upon which you [stand]1 and [knows] the Day2 when they will be returned to Him and He will inform them of what they have done. And Allāh is Knowing of all things.

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها خُلُقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا، إيجادًا وإعْدامًا، بَدْءً وإعادَةً.

﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ مِنَ الأحْوالِ والأوْضاعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُوافَقَةُ والمُخالَفَةُ والإخْلاصُ والنِّفاقُ.

﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما أنْتُمْ عَلَيْهِ" أيْ: يَعْلَمُ يَوْمَ يُرْجَعُ المُنافِقُونَ المُخالِفُونَ لِلْأمْرِ إلَيْهِ تَعالى لِلْجَزاءِ والعِقابِ، وتَعْلِيقُ علمه تعالى بِيَوْمِ رُجُوعِهِمْ لا يُرْجِعُهم لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ علمه تعالى بِذَلِكَ وغايَةُ تَقْرِيرِهِ لِما أنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ وُقُوعِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعَمَلِ بِوُقُوعِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ علمه تعالى لِنَفْسِ رُجُوعِهِمْ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى البَيانِ قَطْعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أيْضًا خاصًّا بِالمُنافِقِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. وقُرِئَ: "يَرْجِعُونَ" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ الأمْرِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْبِيخِ والجَزاءِ وقَدْ مَرَّ وجْهُ التَّعْبِيرِ عَنِ الجَزاءِ بِالتَّنْبِئَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم ..﴾ الآيَةَ.

﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مَن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ النُّورِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ فِيما مَضى وفِيما بَقِيَ﴾ . واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском