Abu as-Su'udAl‑Furqan · 25:14–25

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:14–25

25:14Page 361

لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤

[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."

﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ إمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "دَعَوا"، أيْ: دَعَوْهُ مَقُولًا لَهم ذَلِكَ حَقِيقَةً بِأنْ يُخاطِبَهُمُ المَلائِكَةُ بِهِ لِتَنْبِيهِهِمْ عَلى خُلُودِ عَذابِهِمْ وأنَّهم لا يُجابُونَ إلى ما يَدْعُونَهُ ولا يَنالُونَ ما يَتَمَنَّوْنَهُ مِنَ الهَلاكِ المُنَجِّي، أوْ تَمْثِيلًا وتَصْوِيرًا لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ ولا خِطابٌ، أيْ: دَعَوْهُ حالَ كَوْنِهِمْ أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإمّا مُسْتَأْنَفٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ دُعائِهِمُ المَذْكُورِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ إقْناطًا مِمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهم مِنَ الهَلاكِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَذابَهُمُ المُلْجِئَ لَهم إلى اسْتِدْعاءِ الهَلاكِ بِالمَرَّةِ أبَدِيٌّ لا خَلاصَ لَهم مِنهُ، أيْ: (p-207)لا تَقْتَصِرُوا عَلى دُعاءٍ ثُبُورٍ واحِدٍ.

﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أيْ: بِحَسَبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ المُتَعَلِّقِ بِهِ لا بِحَسَبِ كَثْرَتِهِ في نَفْسِهِ، فَإنَّ ما يَدْعُونَهُ ثُبُورٌ واحِدٌ في حَدِّ ذاتِهِ لَكِنَّهُ كُلَّما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ مِن تِلْكَ الأدْعِيَةِ الكَثِيرَةِ صارَ كَأنَّهُ ثُبُورٌ مُغايِرٌ لِما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ آخَرُ مِنها، وتَحْقِيقُهُ لا تَدْعُوهُ دُعاءً واحِدًا وادْعُوهُ أدْعِيَةً كَثِيرَةً، فَإنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِغايَةِ شِدَّتِهِ وطُولِ مُدَّتِهِ مُسْتَوْجِبٌ لِتَكْرِيرِ الدُّعاءِ في كُلِّ آنٍ، وهَذا أدَلُّ عَلى فَظاعَةِ العَذابِ وهَوْلِهِ مِن جَعْلِ تُعَدِّدِ الدُّعاءِ وتَجَدُّدِهِ لِتَعَدُّدِ العَذابِ بِتَعَدُّدِ أنْواعِهِ وألْوانِهِ، أوْ لِتَعَدُّدِهِ بِتَجَدُّدِ الجُلُودِ كَما لا يَخْفى. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: إنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم فِيهِ واحِدًا إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ كُلُّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا غَيْرَها فَلا غايَةَ لِهَلاكِهِمْ فَلا يُلائِمُ المَقامَ كَيْفَ لا وهم إنَّما يَدْعُونَ هَلاكًا يُنْهِي عَذابَهم ويُنْجِيهِمْ مِنهُ، فَلابُدَّ أنْ يَكُونَ الجَوابُ إقْناطًا لَهم مِن ذَلِكَ بِبَيانِ اسْتِحالَتِهِ ودَوامِ ما يُوجِبُ اسْتِدْعاءَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ والأمْرِ بِاليَوْمِ لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ المَعْهُودَةِ.

25:15Page 361

قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥

Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.

﴿قُلْ﴾ تَقْرِيعًا لَهم وتَهَكُّمًا بِهِمْ وتَحْسِيرًا عَلى ما فاتَهم ﴿أذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ السَّعِيرِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِها بِما فَصُلَ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِها في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، أيْ: قُلْ لَهم أذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ السَّعِيرِ الَّتِي أعْتَدْتُ لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ وشَأْنُها كَيْتَ وكَيْتَ وشَأْنُ أهْلِها ذَيْتَ وذَيْتَ.

﴿خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ أيْ: وُعِدَها المُتَّقُونَ، وإضافَةُ الجَنَّةِ إلى الخُلْدِ لِلْمَدْحِ، وقِيلَ: لِلتَّمْيِيزِ عَنْ جَنّاتِ الدُّنْيا، والمُرادُ: بِالمُتَّقِينَ المُتَّصِفُونَ بِمُطْلَقِ التَّقْوى لا بِالمَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ ولا الثّالِثَةِ مِنها فَقَطْ.

﴿كانَتْ﴾ تِلْكَ الجَنَّةُ ﴿لَهُمْ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ لِأنَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ فَحُكِيَ تَحَقُّقُهُ ووُقُوعُهُ ﴿جَزاءً﴾ عَلى أعْمالِهِمْ حَسَبَما مَرَّ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ ﴿وَمَصِيرًا﴾ يَنْقَلِبُونَ إلَيْهِ.

25:16Page 361

لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦

For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1

﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ أيْ: ما يَشاءُونَهُ مِن فُنُونِ المَلاذِ والمُشْتَهِياتِ وأنْواعِ النَّعِيمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ ولَعَلَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم يَقْتَنِعُ بِما أُتِيحَ لَهُ مِن دَرَجاتِ النَّعِيمِ ولا تَمْتَدُّ أعْناقُ هِمَمِهِمْ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ المَراتِبِ العالِيَةِ فَلا يَلْزَمُ الحِرْمانَ ولا تَساوِي مَراتِبَ أهْلِ الجِنانِ.

﴿خالِدِينَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في الجارِّ والمَجْرُورِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، وقِيلَ: مِن فاعِلِ "يَشاءُونَ" .

﴿كانَ﴾ أيْ: ما يَشاءُونَهُ، وقِيلَ: الوَعْدُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ .

﴿عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَوْعُودًا حَقِيقِيّا بِأنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ لِكَوْنِهِ مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوْ مَسْؤُولًا يَسْألُهُ النّاسُ في دُعائِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أوِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ وما في "عَلى" مِن مَعْنى الوُجُوبِ لِامْتِناعِ الخُلْفِ في وعْدِهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُ مِنهُ الإلْجاءُ إلى الإنْجازِ. فَإنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالمَوْعُودِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الوَعْدِ المُوجِبِ لِلْإنْجازِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَشْرِيفِهِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ ﷺ هو الفائِزُ آثَرَ ذِي أثِيرٍ بِمَغانِمِ الوَعْدِ الكَرِيمِ ما لا يَخْفى.

25:17Page 361

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧

And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"

(p-208)﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "قُلْ أذَلِكَ﴾ ..." إلَخِ، أيْ: واذْكُرْ لَهم بَعْدَ التَّقْرِيعِ والتَّحْسِيرِ يَوْمَ يَحْشُرُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ الهائِلَةِ قَدْ مَرَّ وجُهُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ للتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ هَوْلِهِ وفَظاعَةِ ما فِيهِ والإيذانِ بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ بَيانِهِ، أيْ: يَوْمَ يَحْشُرُهم يَكُونُ مِنَ الأحْوالُ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ المَقالُ. وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ وبِكَسْرِ الشِّينِ أيْضًا.

﴿وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُرِيدَ بِهِ ما يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم إمّا لِأنَّ كَلِمَةَ "ما" مَوْضُوعَةٌ لِلْكُلِّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ أنَّكَ إذا رَأيْتَ شَبَحًا مِن بَعِيدٍ تَقُولُ: ما هو أوْ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ لا الذّاتُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَعْبُودِيُّهم أوْ لِتَغْلِيبِ الأصْنامِ عَلى غَيْرِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مِثْلُها في السُّقُوطِ عَنْ رُتْبَةِ المَعْبُودِيَّةِ، أوِ اعْتِبارًا لِغَلَبَةِ عَبَدَتِها أوْ أُرِيدَ بِهِ المَلائِكَةُوالمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِقَرِينَةِ السُّؤالِ والجَوابِ، أوِ الأصْنامُ يُنْطِقُها اللَّهُ تَعالى، أوْ تُكَلَّمُ بِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ في شَهادَةِ الأيْدِي والأرْجُلِ.

﴿فَيَقُولُ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمَعْبُودِينَ إثْرَ حَشْرِ الكُلِّ تَقْرِيعًا لِلْعَبَدَةِ وتَبْكِيتًا لَهم، وقُرِئَ بِالنُّونِ كَما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ هَذا بِالياءِ والأوَّلُ بِالنُّونِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ.

﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ بِأنْ دَعَوْتُمُوهم إلى عِبادَتِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .

﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: عَنِ السَّبِيلِ بِأنْفُسِهِمْ لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ وإعْراضِهِمْ عَنِ المُرْشِدِ فَحَذَفَ الجارَّ وأوْصَلَ الفِعْلَ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ والأصْلُ: إلى السَّبِيلِ أوِ لِلسَّبِيلِ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرَيْنِ عَلى الفِعْلَيْنِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالسُّؤالِ هو المُتَصَدِّي لِلْفِعْلِ لا نَفْسُهُ.

25:18Page 361

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨

They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في الجَوابِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَعَجُّبًا مِمّا قِيلَ لَهم لِأنَّهم إمّا مَلائِكَةٌ مَعْصُومُونَ وجَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ، أوْ إشْعارًا بِأنَّهُمُ المَوْسُومُونَ بِتَسْبِيحِهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم إضْلالُ عِبادِهِ، أوْ تَنْـزِيهًا لَهُ تَعالى عَنِ الأنْدادِ.

﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَنا ﴿أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ إيّاكَ ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ نَعْبُدُهم لِما بِنا مِنَ الحالَةِ المُنافِيَةِ لَهُ، فَأنّى يُتَصَوَّرُ أنْ نَحْمِلَ غَيْرَنا عَلى أنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا غَيْرَكَ فَضْلًا أنْ يَتَّخِذَنا ولِيًّا أوْ أنْ نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ، أيْ: أتْباعًا، فَإنَّ الوَلِيَّ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كالمَوْلى يُطْلَقُ عَلى الأعْلى والأسْفَلِ، ومِنهُ: أوْلِياءُ الشَّيْطانِ، أيْ: أتْباعُهُ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي إلى المَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ ومَفْعُولُهُ الثّانِيَ ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ عَلى أنَّ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: أنْ نَتَّخِذَ بَعْضَ أوْلِياءَ، وهي عَلى الأوَّلِ مَزِيدَةٌ. وتَنْكِيرُ "أوْلِياءَ" مِن حَيْثُ إنَّهم أوْلِياءُ مَخْصُوصُونَ (p-209)وَهُمُ الجِنُّ والأصْنامُ.

﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ﴾ اسْتِدْارَكٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهم هُمُ الضّالُّونَ بَعْدَ بَيانِ تَنَـزُّهِهِمْ عَنْ إضْلالِهِمْ، وقَدْ نُعِيَ عَلَيْهِمْ سُوءُ صَنِيعِهِمْ حَيْثُ جَعَلُوا أسْبابَ الهِدايَةِ أسْبابًا لِلضَّلالَةِ، أيْ: ما أضْلَلْناهم ولَكِنَّكَ مَتَّعْتَهم وآباءَهم بِأنْواعِ النِّعَمِ لَيَعْرِفُوا حَقَّها ويَشْكُرُوها فاسْتَغْرَقُوا في الشَّهَواتِ وانْهَمَكُوا فِيها ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ أيْ: غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ أوْ عَنِ التَّذَكُّرِ في آلائِكَ والتَّدَبُّرِ في آياتِكَ، فَجَعَلُوا أسْبابَ الهِدايَةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ ذَرِيعَةً إلى الغِوايَةِ.

﴿وَكانُوا﴾ أيْ: في قَضائِكَ المَبْنِيِّ عَلى عِلْمِكَ الأزَلِيِّ المُتَعَلِّقِ بِما سَيَصْدُرُ عَنْهم فِيما لا يَزالُ بِاخْتِيارِهِمْ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ: هالِكِينَ، عَلى أنَّ "بُورًا" مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ أوْ جَمْعُ بائِرٍ كَعُوَّذٍ في جَمْعِ عائِذٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

25:19Page 361

فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩

So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ حِكايَةٌ لِاحْتِجاجِهِ تَعالى عَلى العَبَدَةِ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ، وصَرْفِهِ عَنِ المَعْبُودِينَ عِنْدَ تَمامِ جَوابِهِمْ وتَوْجِيهِهِ إلى العَبَدَةِ مُبالَغَةٌ في تَقْرِيعِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مُرَتَّبٍ عَلى الجَوابِ، أيْ: فَقالَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبُوكُمُ المَعْبُودُونَ أيُّها الكَفَرَةُ ﴿بِما تَقُولُونَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ، وقِيلَ: في قَوْلِكم: هَؤُلاءِ أضَلُّونا ويَأْباهُ أنَّ تَكْذِيبَهم في هَذا القَوْلِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما بَعَدَهُ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ لِلصَّرْفِ والنَّصْرِ أصْلًا، وإنَّما الَّذِي يَسْتَتْبِعُهُ تَكْذِيبُهم في زَعْمِهِمْ أنَّهم آلِهَتُهم وناصِرُوهم، وأيّا ما كانَ فالباءُ بِمَعْنى "فِي"، أوْ هي صِلَةٌ لِلتَّكْذِيبِ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، وقُرِئَ بِالياءِ، أيْ: كَذَّبُوكم بِقَوْلِهِمْ: "سُبْحانَكَ ..." الآيَةَ.

﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ: ما تَمْلِكُونَ ﴿صَرْفًا﴾ أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوَجْهِ كَما يُعْرَفُ عَنْهُ التَّنْكِيرُ، أيْ: لا بِالذّاتِ ولا بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: حِيلَةً مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ في أُمُورِهِ، أيْ يَحْتالُ فَهَيّا، وقِيلَ: تَوْبَةً.

﴿وَلا نَصْرًا﴾ أيْ: فَرْدًا مِن أفْرادِ النَّصْرِ لا مِن جِهَةِ أنْفُسِكم ولا مِن جِهَةِ غَيْرِكم، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّكْذِيبِ، لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ لَوْلاهُ لَوُجِدَتِ الِاسْتِطاعَةُ حَقِيقَةً بَلْ في زَعْمِهِمْ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ ويَنْصُرُونَهم، وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ. وقُرِئَ: "يَسْتَطِيعُونَ" عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ، أيْ: ما يَسْتَطِيعُ آلِهَتُكم أنْ يَصْرِفُوا عَنْكُمُ العَذابَ أوْ يَحْتالُوا لَكم ولا يَنْصُرُوكم وتَرَتَّبَ ما بَعْدَ الفاءِ عَلى ما قَبْلَها كَما مَرَّ بَيانُهُ.

﴿وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ حَيْثُ رَكِبُوا مَتْنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ وتَجاوَزُوا في اللَّجاجِ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ ﴿نُذِقْهُ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابًا كَبِيرًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وهو عَذابُ النّارِ. وقُرِئَ: "يُذِقْهُ" عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ: لِمَصْدَرِ الفِعْلِ الواقِعِ شَرْطًا وتَعْمِيمُ الظُّلْمِ لا يَسْتَلْزِمُ اشْتِراكَ الفاسِقِ لِلْكافِرِ في إذاقَةِ العَذابِ الكَبِيرِ فَإنَّ الشَّرْطَ في اقْتِضاءِ الجَزاءِ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ المُزاحِمِ وِفاقًا وهو التَّوْبَةُ والإحْباطُ بِالطّاعَةِ إجْماعًا وبِالعَفْوِ عِنْدَنا.

25:20Page 361

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠

And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.

(p-210)﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ والجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ "إلّا" صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ وأُقِيمَتْ هي مَقامَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ والمَعْنى: ما أرْسَلَنا أحَدًا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وقِيلَ: هي حالٌ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وإنَّهم لَيَأْكُلُونِ .. إلَخِ. وقُرِئَ: "يَمْشُونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُمَشِّيهِمْ حَوائِجُهم، أوِ النّاسُ.

﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ بِتَعْمِيمِهِ لِسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ: كَفّارُ الأُمَمِ، فَإنَّ اخْتِصاصَهم بِالرُّسُلِ وتَبَعِيَّتِهِمْ لَهم مُصَحِّحٌ لِأنْ يُعَدُّوا بَعْضًا مِنهم، وبِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِبَعْضٍ﴾ رُسُلِهِمْ، لَكِنْ لا عَلى مَعْنى جَعَلْنا مَجْمُوعَ البَعْضِ الأوَّلِ ﴿فِتْنَةً﴾ أيِ: ابْتِلاءً ومِحْنَةً لِمَجْمُوعِ البَعْضِ الثّانِي، ولا عَلى مَعْنى جَعَلْنا بَعْضًا مُبْهَمًا مِنَ الأوَّلِينَ فِتْنَةً لِبَعْضٍ مُبْهَمٍ مِنَ الآخَرِينَ ضَرُورَةَ أنَّ مَجْمُوعَ الرُّسُلِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ غَيْرُ مَفْتُونٍ بِجُمُوعِ الأُمَمِ، ولا كُلُّ فَرْدٍ مِنهم بِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الأُمَمِ، ولا بَعْضٌ مُبْهَمٌ مِنَ الأوَّلِينَ بِبَعْضٍ مِنهم مَنِ الآخَرِينَ عَلى بَلْ مَعْنى: جَعَلْنا كُلَّ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الأُمَمِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الرُّسُلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلْنا كُلَّ أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ فِتْنَةً لِرَسُولِها المُعَيَّنِ المَبْعُوثِ إلَيْها، وإنَّما لَمْ يُصَرَّخْ بِذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ، هَذا وأمّا تَعْمِيمُ الخِطابِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ وإبْقاءُ البْعْضِ عَلى العُمُومِ والإبْهامِ عَلى مَعْنى: وجَعَلْنا بَعْضَكم أيُّها النّاسُ فِتْنَةً لِبَعْضٍ آخَرَ مِنكم فَيَأْباهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ، ومِنَ البَيِّنِ أنْ لَيْسَ ابْتِلاءُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ احادِ النّاسِ مُغَيًّا بِالصَّبْرِ بَلْ بِما يُناسِبُ حالَهُ عَلى أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُعادِلٍ لَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِ المَفْتُونِينَ والمُتَوَقَّعِ صُدُورُهُ عَنْهم هو الصَّبْرُ لا غَيْرَ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ: الرُّسُلُ فَيَحْصُلُ بِهِ تَسْلِيَتُهُ ﷺ، فالمَعْنى: جَرَتْ سُنَّتُنا بِمُوجِبِ حِكْمَتِنا عَلى ابْتِلاءِ المُرْسَلِينَ بِأُمَمِهِمْ وبِمُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةَ وإيذائِهِمْ لَهم وأقاوِيلِهِمُ الخارِجَةِ عَنْ حُدُودِ الإنْصافِ لِنِعَمِ صَبْرِكم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالأجْرِ الجَزِيلِ لِصَبْرِهِ الجَمِيلِ مَعَ مَزِيدِ تَشْرِيفٍ لَهُ ﷺ بِالِالتِفاتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ ﷺ .

25:21Page 362

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١

And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.

﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَعْضٍ آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ وبَيانِ بُطْلانِها إثْرَ إبْطالِ أباطِيلِهِمُ السّابِقَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ ..." إلَخِ. ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ ما يُحْكى عَنْهم مِنَ الشَّناعَةِ بِحَيْثُ لا يَصْدُرُ عَمَّنْ يَعْتَقِدُ المَصِيرَ إلى اللَّهِ (p-211)عَزَّ وجَلَّ. ولِقاءُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ مُصادَفَتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَمْنَعَ مانِعٌ مِنَ اِدْراكِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والمُرادُ بِلِقائِهِ تَعالى: إمّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ تَعالى بِالبَعْثِ والحَشْرِ، أوْ لِقاءُ حِسابِهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ وبِعَدَمِ رَجائِهِمْ إيّاهُ عَدَمُ تَوَقُّعِهِمْ لَهُ أصْلًا لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والحِسابَ بِالكُلِّيَّةِ لا عَدَمُ أمَلِهِمْ حَسُنَ اللِّقاءِ ولا عَدَمُ خَوْفِهِمْ سُوءَ اللِّقّاءِ، لِأنَّ عَدَمَهُما غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ وإنْكارِ البَعْثِ والحِسابِ رَأْسًا، أيْ: وقالَ الَّذِينَ لا يَتَوَقَّعُونَ الرُّجُوعَ إلَيْنا أوْ حِسابَنا المُؤَدِّيَ إلى سُوءِ العَذابِ الَّذِي تَسْتَوْجِبُهُ مَقالَتُهم.

﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا لِيُخْبِرُونا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا بِطَرِيقِ الرِّسالَةِ، وهو الأنْسَبُ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ مِن حَيْثُ أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ ناشِئٌ عَنْ غايَةِ غُلُوُّهِمْ في المُكابَرَةِ العُتُوِّ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في شَأْنِها حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ.

﴿وَعَتَوْا﴾ أيْ: تَجاوُزًا الحَدَّ في الظُّلْمِ والطُّغْيانِ ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بالِغًا أقْصى غاياتِهِ حَيْثُ أمَّلُوا نَيْلَ مَرْتَبَةِ المُفاوِضَةِ الإلَهِيَّةِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ الرَّسُولِ والمَلِكِ كَما قالُوا: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ ولَمْ يَكْتَفُوا بِما عايَنُوا مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ، فَذَهَبُوا في الِاقْتِراحِ كُلَّ مَذْهَبٍ حَتّى مَنَّتْهم أنْفُسُهُمُ الخَبِيثَةُ أمانِيَّ لا تَكادُ تَرْنُوا إلَيْها أحْداقُ الأُمَمِ، ولا تَمْتَدُّ إلَيْها أعْناقُ الهِمَمِ، ولا يَنالُها إلّا أُولُوا العَزائِمِ الماضِيَةِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: واللَّهِ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا ... الآيَةَ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ قُبْحِ ما هم عَلَيْهِ والإشْعارِ بِالتَّعَجُّبِ مِنِ اسْتِكْبارِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى.

25:22Page 362

يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢

The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2

﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما اقْتَرَحُوهُ مِن نُزُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ اسْتِعْظامِهِ، وبَيانِ كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الشَّناعَةِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: "يَوْمَ يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ" إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ رُؤْيَتَهم لَهم لَيْسَتْ عَلى طَرِيقِ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ مَعْهُودٍ. و"يَوْمَ" مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى: لا يُبَشَّرُ يَوْمَئِذٍ المُجْرِمُونَ، والعُدُولُ إلى نَفْيِ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ البُشْرى وما قِيلَ: مِن أنَّهُ بِمَعْنى: يُمْنَعُونَ البُشْرى أوْ يُعْدَمُونَها تَهْوِينًا لِلْخَطْبِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ، فَإنَّ مَنعَ البُشْرى وفُقْدانُها مُشْعِرانِ بِأنَّ هُناكَ بُشْرى يَمْنَعُونَها أوْ يَفْقِدُونَها، وأيْنَ هَذا مِن نَفْيِها بِالكُلِّيَّةِ، وحَيْثُ كانَ نَفْيُها كِنايَةً عَنْ إثْباتِ ضِدِّها، كَما أنَّ نَفْيَ المَحَبَّةِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: "واللَّه لا يُحِبُّ الكافِرِينَ " كِنايَةٌ عَنِ البَغْضِ والمَقْتِ دَلَّ عَلى ثُبُوتِ النَّذْرِ لَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُؤَكِّدُهُ بُشْرى عَلى أنَّ "لا" غَيْرَ نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ، أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ رُؤْيَتِهِمُ المَلائِكَةَ. و"يَوْمَئِذٍ" عَلى كُلِّ حالٍ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّهْوِيلِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ لا لِقِصَرِ نَفْيِ البُشْرى عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ فَقَطْ، فَإنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِتَفْظِيعِ حالِهِمْ، ولِلْمُجْرِمِينَ تَبْيِينٌ عَلى أنَّهُ مَظْهَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِ بِالإجْرامِ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وحَمْلُهُ عَلى العُمُومِ بِحَيْثُ يَتَناوَلُوا فُسّاقَ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ الِالتِجاءُ في إخْراجِهِمْ عَنِ الحِرْمانِ الكُلِّيِّ إلى أنَّ نَفْيَ البُشْرى حِينَئِذٍ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، فَيَجُوزُ أنْ يُبَشَّرُوا بِالعَفْوِ والشَّفاعَةِ في وقْتٍ آخَرَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الحَقِّ بِعِيدٍ.

(p-212)﴿وَيَقُولُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ فَظاعَةِ ما يَحِيقُ بِهِمْ مِنَ الشَّرِّ وغايَةِ هَوْلِ مَطْلَعِهِ بِبَيانِ أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وهي كَلِمَةٌ يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدْوٍّ مُوتُورٍ وهُجُومِ نازِلَةٍ هائِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ حَيْثُ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ فَلا يَلْحَقُهم، فَكَأنَّ المَعْنى: نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مَنعًا ويَحْجُرُهُ حَجْرًا، وكَسْرُ الحاءِ تَصَرُّفٌ فِيهِ لِاخْتِصاصِهِ بِمَوْضِعٍ واحِدٍ كَما في قِعْدَكَ وعَمْرَكَ. وقَدْ قُرِئَ: "حُجْرًا" بِالضَّمِّ، والمَعْنى: أنَّهم يَطْلُبُونَ نُزُولَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَقْتَرِحُونَهُ وهم إذا رَأوْهم كَرِهُوا لِقاءَهم أشَدَّ كَراهَةٍ وفَزِعُوا مِنهم فَزَعًا شَدِيدًا وقالُوا ما كانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ خَطْبٍ شَنِيعٍ وحُلُولِ بَأْسٍ شَدِيدٍ فَظِيعٍ. و"مَحْجُورًا" صِفَةٌ لِحِجْرًا وإرادَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما قالُوا: ذَيْلٌ ذائِلُ، ولَيْلٌ ألْيَلُ، وقِيلَ: يَقُولُها المَلائِكَةُ إقْناطًا لِلْكَفَرَةِ بِمَعْنى حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ الغُفْرانُ أوِ الجَنَّةُ أوِ البُشْرى، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ حَرامًا عَلَيْكم ولَيْسَ بِواضِحٍ.

25:23Page 362

وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣

And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.

﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ بَيانٌ لِحالِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِن صِلَةِ رَحِمٍ وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ وقُرى ضَيْفٍ ومَنَ عَلى أسِيرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ ومَحاسِنِهِمُ الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها مَعَ الإيمانِ لَنالُوا ثَوابَها بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ وحالِ أعْمالِهِمُ المَذْكُورِ بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقِدَمَ إلى أشْيائِهِمْ وقَصَدَ ما تَحْتَ أيْدِيهِمْ فَأنْحى عَلَيْها بِالإفْسادِ والتَّحْرِيقِ ومَزَّقَها كُلَّ تَمْزِيقٍ بِحَيْثُ لَمْ يَدَعُ لَها عَيْنًا ولا أثَرًا، أيْ: عَمَدْنا إلَيْها وأبْطَلْناها، أيْ: أظْهَرْنا بُطْلانَها بِالكُلِّيَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قُدُومٌ ولا شَيْءٌ يُقْصَدُ تَشْبِيهُهُ بِهِ. والهَباءُ: شِبْهُ غُبارٍ يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ يَطَّلِعُ مِنَ الكُوَّةِ، مِنَ الهَبْوَةِ: وهي الغُبارُ، و"مَنثُورًا" صِفَتُهُ شَبَّهَ بِهِ أعْمالَهُمُ المُحْبِطَةَ في الحَقارَةِ وعَدَمِ الجَدْوى ثُمَّ بِالمَنثُورِ مِنهُ في الِانْتِشارِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ نَظْمُهُ، أوْ مَفْعُولٌ ثالِثٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ كالخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ .

25:24Page 362

أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤

The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.

﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ هَمَّ المُؤْمِنُونَ المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ...﴾ إلَخِ.

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ التَّبْشِيرِ وقَوْلِهِمْ: حِجْرًا مَحْجُورًا، وجَعْلِ أعْمالِهِمْ هَباءً مَنثُورًا.

﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ المُسْتَقَرُّ المَكانُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ لِلتَّجالُسِ والتَّحادُثِ.

﴿وَأحْسَنُ مَقِيلا﴾ المَقِيلُ: المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ لِلِاسْتِرْواحِ إلى الأزْواجِ والتَّمَتُّعِ بِمُغازَلَتِهِمْ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما أنَّ التَّمَتُّعَ بِهِ يَكُونُ وقْتَ القَيْلُولَهِ غالِبًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُفْرَغُ مِنَ الحِسابِ في مُنْتَصَفِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَيَقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وفي وصْفِهِ بِزِيادَةِ الحُسْنِ مَعَ حُصُولِ الخَيْرِيَّةِ بِعَطْفِهِ عَلى المُسْتَقَرِّ رَمْزٌ إلى أنَّهُ مُزَّيَّنٌ بِفُنُونِ الزَّيْنِ والزَّخارِفِ. والتَّفْضِيلُ المُعْتَبَرُ فِيهِما إمّا لِإرادَةِ الزِّيادَةِ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هم في أقْصى ما يَكُونُ مِن خَيْرِيَّةِ المُسْتَقَرِّ وحُسْنِ المَقِيلِ، وإمّا بِالإضافَةِ إلى ما لِلْكَفَرَةِ المُتَنَعِّمِينَ في الدُّنْيا، أوْ إلى ما لَهم في الآخِرَةِ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ .." الآيَةَ، هَذا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأحَدِهِما المَصْدَرُ أوِ الزَّمانُ إشارَةً إلى أنَّ مَكانَهم وزَمانَهم أطْيَبُ ما يَتَخَيَّلُ مِنَ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ.

25:25Page 362

وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥

And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.

(p-213)﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ﴾ أيْ: تَتَفَتَّحُ، وأصْلُهُ: تَتَشَقَّقُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ كَما في "تَلَظّى"، وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ.

﴿بِالغَمامِ﴾ بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنها وهو الغَمامُ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ . قِيلَ: هو غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِبَنِي إسْرائِيلَ.

﴿وَنُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ أيْ: تَنْزِيلًا عَجِيبًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، قِيلَ: تَنْشَقُّ سَماءً سَماءً ويَنْـزِلُ المَلائِكَةُ خِلالَ ذَلِكَ الغَمامِ بِصَحائِفَ أعْمالِ العِبادِ. وقُرِئَ: "وَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ " "وَنُنْـزِلُ" "وَنُنَـزِّلُ عَلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مِنَ الإنْزالِ والتَّنْزِيلِ، "وَنَزَّلَ المَلائِكَةَ" "وَأنْزَلَ المَلائِكَةَ" ونَزَلَ المَلائِكَةُ عَلى حَذْفِ النُّونِ الَّذِي هو فاءُ الفِعْلِ مِن تَنَـزَّلَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском