Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:40–53
25:40Page 363
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
﴿وَلَقَدْ أتَوْا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ مُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ المُتَبَّرَةِ وعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِها، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِمَزِيدِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِها، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أتى قُرَيْشٌ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ.
﴿عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ﴾ أيْ: أُهْلِكَتْ بِالحِجارَةِ، وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ وكانَتْ خَمْسَ قُرى ما نَجَتْ مِنها إلّا واحِدَةٌ كانَ أهْلُها لا يَعْمَلُونَ العَمَلَ الخَبِيثَ، وأمّا البَواقِي فَأهْلَكَها اللَّهُ تَعالى بِالحِجارَةِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ . وانْتِصابُهُ إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَما قِيلَ في أنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى نَباتًا حَسَنًا، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ إذِ المَعْنى: أعْطَيْتُ أوْ أوْلَيْتُ مَطَرَ السَّوْءِ.
﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَرْكِهِمُ التَّذَكُّرَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ ما يُوجِبُهُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ نَفْيِ اسْتِمْرارِ رُؤْيَتِهِمْ لَها وتَقْرِيرِ اسْتِمْرارِها حَسَبَ اسْتِمْرارِ ما يُوجِبُها مِنَ اِتْيانِهِمْ عَلَيْها لا لِإنْكارِ اسْتِمْرارِ نَفْيِ رُؤْيَتِهِمْ وتَقْرِيرِ رُؤْيَتِهِمْ لَها في الجُمْلَةِ. والفاءُ لِعَطْفِ مَدْخُولِها عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها، أوْ أكانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في مِرارِ مُرُورِهِمْ لِيَتَّعِظُوا بِما كانُوا يُشاهِدُونَهُ مِنَ اثارِ العَذابِ. فالمُنْكِرُ في الأوَّلِ تَرْكُ النَّظَرِ وعَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعًا، وفي الثّانِي عَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعَ تَحَقُّقِ النَّظَرِ المُوجِبِ لَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ إمّا إضْرابٌ عَمّا قَبْلَهُ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِ ما جَرى عَلى أهْلِ القُرى مِنَ العُقُوبَةِ وبَيانٌ لِكَوْنِ عَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِكَوْنِ ذَلِكَ عُقُوبَةً (p-220)لِمَعاصِيهِمْ لا لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِها خَلا أنَّهُ اكْتَفى عَنِ التَّصْرِيحِ بِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ اِنْكارِهِمْ لِلْجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ الَّذِي هو الغايَةُ مِن خَلْقِ العالَمِ وقَدْ كُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِعَدَمِ النُّشُورِ، أيْ: عَدَمُ تَوَقُّعِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ كانُوا يُنْكِرُونَ النُّشُورَ المُسْتَتْبَعَ لِلْجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ ولا يَرَوْنَ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ نُشُورًا أصْلًا مَعَ تَحَقُّقِهِ حَتْمًا وشُمُولِهِ لِلنّاسِ عُمُومًا واطِّرادِهِ وُقُوعًا فَكَيْفَ يَعْتَرِفُونَ بِالجَزاءِ الدُّنْيَوِيِّ في حَقِّ طائِفَةٍ خاصَّةٍ مَعَ عَدَمِ الِاطِّرادِ والمُلازَمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعاصِي حَتّى يَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا بِما شاهَدُوهُ مِنَ اثارِ الهَلاكِ وإنَّما يَحْمِلُونَهُ عَلى الِاتِّفاقِ، وأمّا انْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ مِن تَرْكِ التَّذَكُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِما هو أعْظَمُ مِنهُ مِن عَدَمِ تَوَقُّعِ النُّشُورِ.
25:41Page 363
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
﴿وَإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِهِ عَلى مَعْنى قَصْرِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ ﷺ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ ﷺ هُزُؤًا لا عَلى مَعْنى قَصْرِ اتِّخاذِهِمْ عَلى كَوْنِهِ هُزُؤًا كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ العِبارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتِّخاذَكَ هُزُؤًا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ...﴾ مِن سُورَةِ الأنْعامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ مَحْكِيٌّ بَعْدَ قَوْلٍ مُضْمَرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾ أيْ: يُسْتَهْزَؤُنَ بِكَ قائِلِينَ: ﴿ "أهَذا الَّذِي﴾ ..." إلَخِ، والإشارَةُ لِلِاسْتِحْقارِ وإبْرازِ بَعْثِ اللَّهِ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ بِجَعْلِهِ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ الَّذِي هو صِفَتُهُ ﷺ مَعَ كَوْنِهِمْ في غايَةِ النَّكِيرِ لِبَعْثِهِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ وإلّا لَقالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ هَذا رَسُولًا، أوْ أهَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا.
25:42Page 363
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
﴿إنْ كادَ﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن "أنَّ" وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّهُ كادَ ﴿لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ: لَيَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها صَرْفًا كُلِّيًّا بِحَيْثُ يُبْعِدُنا عَنْها لا عَنْ عِبادَتِها فَقَطْ، والعُدُولُ إلى الإضْلالِ لِغايَةِ ضَلالِهِمْ بِادِّعاءِ أنَّ عِبادَتَها طَرِيقٌ سَوِيٌّ.
﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ ثَبَتْنا عَلَيْها واسْتَمْسَكْنا بِعِبادَتِها ولَوْلا في أمْثالِ هَذا الكَلامِ تَجْرِي مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ...﴾ إلَخِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِأنَّهُ ﷺ قَدْ بَلَغَ مِنَ الِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وإظْهارِ المُعْجِزاتِ وإقامَةِ الحُجَجِ والبَيِّناتِ إلى حَيْثُ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ وغايَةُ عِنادِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ مِن قَوْلِ أبِي جَهْلٍ.
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِآخِرِ كَلامِهِمْ ورَدٌّ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ مِن نِسْبَتِهِ ﷺ إلى الضَّلالِ في ضِمْنِ الإضْلالِ، أيْ: سَوْفَ يَعْلَمُونَ البَتَّةَ وإنْ تَراخى ﴿حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ كُفْرُهم وعِنادُهم ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلا﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ الوَعِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُهْمِلُهم وإنْ أمْهَلَهم.
25:43Page 363
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن شَناعَةِ حالِهِمْ بَعْدَ حِكايَةِ قَبائِحِهِمْ مِنَ الأقْوالِ (p-221)والأفْعالِ وبَيانِ ما لَهم مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَرى ويَتَعَجَّبَ مِنهُ. و"إلَهَهُ" مَفْعُولٌ ثانٍ لِاتَّخَذَ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّعَجُّبِ ومَن تَوَهَّمَ أنَّهُما عَلى التَّرْتِيبِ بِناءً عَلى تَساوِيهِما في التَّعْرِيفِ فَقَدْ زَلَّ مِنهُ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ في هَذا البابِ هو المُتَلَبِّسُ بِالحالَةِ الحادِثَةِ، أيْ: أرَأيْتَ مَن جَعَلَ هَواهُ إلَهًا لِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُلاحَظَ وبَنى عَلَيْهِ أمْرَ دِينِهِ مُعْرِضًا عَنِ اسْتِماعِ الحُجَّةِ الباهِرَةِ والبُرْهانِ النَّيِّرِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مَعْنى انْظُرْ إلَيْهِ وتَعَجَّبَ مِنهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِكَوْنِهِ ﷺ حَفِيظًا عَلَيْهِ يَزْجُرُهُ عَمّا هو عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ ويُرْشِدُهُ إلى الحَقِّ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الحالَةِ المُوجِبَةِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبْعَدُ ما شاهَدْتُ غُلُوَّهُ في طاعَةِ الهَوى وعُتُوَّهُ عَنِ اتِّباعِ الهُدى تَقْسِرُهُ عَلى الإيمانِ شاءَ أوْ أبى.
25:44Page 364
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤
Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنِ الإنْكارِ المَذْكُورِ إلى إنْكارِ حُسْبانِهِ ﷺ لَهم مِمَّنْ يَسْمَعُ أوْ يَعْقِلُ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ جِدُّهُ ﷺ في الدَّعْوَةِ واهْتِمامُهُ بِالإرْشادِ والتَّذْكِيرِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ كالأوَّلِ بَلْ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، أيْ: بَلْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ حَتّى السَّماعِ أوْ يَعْقِلُونَ ما في تَضاعِيفِها مِنَ المَواعِظِ الزّاجِرَةِ عَنِ القَبائِحِ الدّاعِيَةِ إلى المَحاسِنِ فَتَعْتَنِي بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعُ في إيمانِهِمْ. وضَمِيرُ "أكْثَرَهُمْ" لِمَن وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وضَمِيرُ الفِعْلَيْنِ لِأكْثَرَ لا لِما أُضِيفَ هو إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ﴾ إلَخِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ النَّكِيرِ وتَأْكِيدِهِ وحَسْمِ مادَّةِ الحُسْبانِ بِالمَرَّةِ، أيْ: ما هم في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِما يَقْرَعُ آذانَهم مِن قَوارِعِ الآياتِ وانْتِفاءِ التَّدَبُّرِ فِيما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الدَّلائِلِ والمُعْجِزاتِ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ وعَلَمٌ في الضَّلالَةِ.
﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ مِنها ﴿سَبِيلا﴾ لِما أنَّها تَنْقادُ لِصاحِبِها الَّذِي يَعْلِفُها ويَتَعَهَّدُها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّها وتَهْتَدِي لِمَراعِيها ومَشارِبِها وتَأْوِي إلى مَعاطِنِها، وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ وخالِقِهِمْ ورازِقِهِمْ ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ مِنَ اِساءَةِ الشَّيْطانِ الَّذِي هو أعْدى عَدُوِّهِمْ ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ والمَهالِكَ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي هو المَشْرَبُ الهَنِيُّ والمَوْرِدُ العَذْبُ الرَّوِيُّ، ولِأنَّها إنْ لَمْ تَعْتَقِدْ حَقًّا مُسْتَتْبَعًا لِاكْتِسابِ الخَيْرِ لَمْ تَعْتَقِدْ باطِلًا مُسْتَوْجِبًا لِاقْتِرافِ الشَّرِّ بِخِلافِ هَؤُلاءِ حَيْثُ مَهَّدُوا قَواعِدَ الباطِلِ وفَرَّعُوا عَلَيْها أحْكامَ الشُّرُورِ، ولِأنَّ أحْكامَ جَهالَتِها وضَلالَتِها مَقْصُورَةٌ عَلى أنْفُسِها تَتَعَدّى إلى أحَدٍ وجَهالَةُ هَؤُلاءِ مُؤَدِّيَةٌ إلى ثَوَرانِ الفِتْنَةِ والفَسادِ وصَدِّ النّاسِ عَنْ سِنِينَ السَّدادِ وهَيَجانِ الهَرْجِ والمَرْجِ فِيما بَيْنَ العِبادِ، ولِأنَّها غَيْرُ مُعَطِّلَةٍ لِقُوَّةٍ مِنَ القُوى المُودَعَةِ بَلْ صارِفَةٌ لَها إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ فَلا تَقْصِيرَ مِن قِبَلِها في طَلَبِ الكَمالِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَهم مُعَطِّلُونَ لِقُواهُمُ العَقْلِيَّةِ مُضَيِّعُونَ لِلْفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها مُسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ أعْظَمَ العِقابِ وأشَدَّ النَّكالِ.
25:45Page 364
أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥
Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1
(p-222)﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ إثْرَ بَيانِ جَهالَةِ المُعْرِضِينِ عَنْها وضَلالَتِهِمْ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ ﷺ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ما يَعْقُبُهُ مِنَ اثارِ رُبُوبِيَّتِهِ ورَحْمَتِهِ تَعالى، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلى بَدِيعِ صُنْعِهِ تَعالى ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ أيْ: كَيْفَ أنْشَأ ظِلَّ أيَّ مُظِلٍّ كانَ مِن جَبَلٍ أوْ بِناءٍ أوْ شَجَرٍ عِنْدَ ابْتِداءِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مُمْتَدًّا لا أنَّهُ تَعالى مُدَّهً بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَما بَعُدَ نِصْفُ النَّهارِ إلى غُرُوبِها، فَإنَّ ذَلِكَ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ نَفْسِهِ بِإنْشائِهِ تَعالى وإحْداثِهِ يَأْباهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِالظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ وأنَّهُ أطْيَبُ الأوْقاتِ، فَإنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ تَنْفِرُ عَنْها الطِّباعُ وشُعاعُ الشَّمْسِ يُسَخِّنُ الجَوَّ ويُبْهِرُ البَصَرَ ولِذَلِكَ وصَفَ بِهِ الجَنَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ فَغَيْرُ سَدِيدٍ؛ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ المُرادَ تَنْبِيهُ النّاسِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبالِغِ حِكْمَتِهِ فِيما يُشاهِدُونَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُرادَ بِالظِّلِّ ما يَتَعارَفُونَهُ مِن حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ يُشاهِدُونَها في مَوْضِعٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ جِسْمٌ كَثِيفٌ مُخالَفَةً لِما في جَوانِبِهِ مِن مَواقِعِ ضَحِّ الشَّمْسِ، وما ذُكِرَ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ ظِلًّا لِلْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ لَكِنَّهم لا يَعُدُّونَهُ ظِلًّا ولا يَصِفُونَهُ بِأوْصافِهِ المَعْهُودَةِ، ولَعَلَّ تَوْجِيهَ الرُّؤْيَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ أنَّ المُرادَ تَقْرِيرُ رُؤْيَتِهِ ﷺ لِكِيفِيَّةِ مَدِّ الظِّلِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ نَظَرَهُ ﷺ غَيْرَ مَقْصُورٍ عَلى ما يُطالِعُهُ مِنَ الآثارِ والصَّنائِعِ، بَلْ مَطْمَحُ أنْظارِهِ مَعْرِفَةُ شُئُونِ الصّانِعِ المُجِيدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ جُمْلَةٌ اعْتُرِضَتْ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّهُ لا مَدْخَلَ فِيما ذُكِرَ مِنَ المَدِّ لِلْأسْبابِ العادِيَّةِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ فِيهِ المَشِيئَةُ والقُدْرَةُ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ مِن وُقُوعِها وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، أيْ: ولَوْ شاءَ سُكُونَهُ لَجَعَلَهُ ساكِنًا، أيْ: ثابِتًا عَلى حالِهِ مِنَ الطُّولِ والِامْتِدادِ، وإنَّما عِبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسُّكُونِ لِما أنَّ مُقابِلَهُ الَّذِي هو تَغَيُّرُ حالِهِ حَسَبَ تَغَيُّرِ الأوْضاعِ بَيْنَ المُضِلِّ وبَيْنَ الشَّمْسِ يُرى رَأْيَ العَيْنِ حَرَكَةً وانْتِقالًا، وحاصِلُهُ أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِ اخْتِلافُ حالٍ بِأنْ لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وأمّا التَّعْلِيلُ بِأنْ يَجْعَلَ الشَّمْسَ مُقِيمَةً عَلى وضْعٍ واحِدٍ فَمَدارُهُ الغُفُولُ عَمّا سِيقَ لَهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ ونُطِقَ بِهِ صَرِيحًا مِن بَيانِ كَمالِ قدرته القاهِرَةِ وحِكْمَتِهِ الباهِرَةِ بِنِسْبَةِ جَمِيعِ الأُمُورِ الحادِثَةِ إلَيْهِ تَعالى بِالذّاتِ وإسْقاطِ الأسْبابِ العادِيَّةِ عَنْ رُتْبَةِ السَّبَبِيَّةِ والتَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ وقَصْرِها عَلى مُجَرَّدِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ المُسَبِّباتِ لا بِذِكْرِ قدرته تعالى عَلى بَعْضِ الخَوارِقِ كَإقامَةِ الشَّمْسِ في مُقامٍ واحِدٍ عَلى أنَّها أعْظَمُ مِنَ اِبْقاءِ الظِّلِّ عَلى حالِهِ في الدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِكَوْنِهِ مِن فُرُوعِها ومُسْتَتْبَعاتِها فَهي أوْلى وأحَقُّ بِالإيرادِ في مَعْرِضِ البَيانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ، أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِها المُتَغَيِّرَةِ عَلى أحْوالِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما سَبَبِيَّةٌ وتَأْثِيرٌ قَطْعًا حَسَبَما نَطَقَ بِهِ الشَّرْطِيَّةُ المُعْتَرِضَةً، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِما في الجَعْلِ المَذْكُورِ العارِي عَنِ التَّأْثِيرِ مَعَ ما يُشاهِدُ بَيْنَ الشَّمْسِ والظِّلِّ مِنَ الدَّوَرانِ المُطَّرِدِ المُنْبِئِ عَنِ السَّبَبِيَّةِ مِن مَزِيدِ دَلالَةٍ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ ودِقَّةِ الحِكْمَةِ وهو السِّرُّ في إيرادِ كَلِمَةِ التَّراخِي.
25:46Page 364
ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦
Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1
(p-223)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ، و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ لِما أنَّ في بَيانِ كَوْنِ القَبْضِ والمَدِّ مُرَتَّبَيْنِ دائِرَيْنِ عَلى قُطْبِ مَصالِحَ المَخْلُوقاتِ مَزِيدَ دَلالَةٍ عَلى الحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، أيْ: أزَلْناهُ بَعْدَ ما أنْشَأْناهُ مُمْتَدًّا ومَحَوْناهُ بِمَحْصِ قُدْرَتِنا ومَشِيئَتِنا عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في ذَلِكَ أصْلًا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالقَبْضِ المُنْبِئِ عَنْ جَمِيعِ المُنْبَسِطِ وطَيِّهِ لِما أنَّهُ قَدْ عَبَّرَ عَنْ إحْداثِهِ بِالمَدِّ الَّذِي هو البَسْطُ طُولًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْنا﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كَوْنِ مَرْجِعِهِ إلَيْهِ تَعالى كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أيْ: عَلى مَهْلٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَسَبَ ارْتِفاعِ دَلِيلِهِ عَلى وتِيرَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُطَّرِدَةٍ مُسْتَتْبَعَةٍ لِمَصالِحِ المَخْلُوقاتِ ومَرافِقِها، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حِينَ بَنى السَّماءَ كالقِبْلَةِ المَضْرُوبَةِ ودَحا الأرْضَ تَحْتَها ألْقَتِ القُبَّةُ ظِلَّها عَلى الأرْضِ لِعَدَمِ النَّيِّرِ وذَلِكَ مَدُّهُ تَعالى إيّاهُ ولَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ ساكِنًا مُسْتَقَرًّا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، ثُمَّ خَلَقَ الشَّمْسَ وجَعَلَها عَلى ذَلِكَ الظِّلِّ، أيْ: سَلَّطَها عَلَيْهِ ونَصَبَها دَلِيلًا مَتْبُوعًا لَهُ كَما يَتَّبِعُ الدَّلِيلَ في الطَّرِيقِ فَهو يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَقْلُصُ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِها فَقَبَضَهُ قَبْضًا سَهْلًا يَسِيرًا غَيْرَ عَسِيرًا، وقَبْضًا سَهْلًا عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ، وهي: الأجْرامُ الَّتِي تُلْقِي الظِّلَّ فَيَكُونُ قَدْ ذُكِرَ إعْدامُهُ بِإعْدامِ أسْبابِهِ كَما ذُكِرَ إنْشاؤُهُ بِإنْشائِها، ووَصْفُهُ بِاليُسْرِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ.
25:47Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧
And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ بَدائِعِ آثارِ قدرته تعالى وحِكْمَتِهِ ورَوائِعِ أحْكامِ رَحْمَتِهِ ونِعَمِهِ الفائِضَةِ عَلى الخَلْقِ، وتَلْوِينِ الخِطابِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعْلَ، وتَقْدِيمُها عَلى مَفْعُولَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِبَيانِ كَوْنِ ما يَعْقُبُهُ مِن مَنافِعِهِمْ، وفي تَعْقِيبِ بَيانِ أحْوالِ الظِّلِّ بِبَيانِ أحْكامِ اللَّيْلِ الَّذِي هو ظِلُّ الأرْضِ مِن لُطْفِ المَسْلَكِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، أيْ: هو الذي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ كاللِّباسِ يَسْتُرُكم بِظَلامِهِ كَما يَسْتُرُكُمُ اللِّباسُ.
﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ: وجَعَلَ النُّومَ الَّذِي يَقَعُ في اللَّيْلِ غالِبًا قَطْعًا عَنِ الأفاعِيلِ المُخْتَصَّةِ بِحالِ اليَقَظَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسُّباتِ الَّذِي المَوْتُ لِما بَيَّنَها مِنَ المُشابَهَةِ التّامَّةِ في انْقِطاعِ أحْكامِ الحَياةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ .
﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ كَبَعْثِ المَوْتى عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ نَفْسُ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ النُّومَ واليَقَظَةَ أُنْمُوذَجٌ لِلْمَوْتِ والنُّشُورِ. وعَنْ لُقْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "يا بُنَيَّ كَما تَنامُ فَتُوقَظُ، كَذَلِكَ تَمُوتُ وتُنْشَرُ" .
25:48Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water
﴿وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وقُرِئَ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أنَّ المُرادَ هو الجِنْسُ.
﴿بُشْرًا﴾ تَخْفِيفُ بُشُرٍ جَمْعُ بُشُورٍ، أيْ: مُبَشِّرِينَ. وقُرِئَ: "بُشْرى"، وقُرِئَ: "نُشْرًا" بِالنُّونِ جَمْعُ نُشُورٍ، أيْ: ناشِراتٌ لِلسَّحابِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وبِفَتْحِ النُّونِ أيْضًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ (p-224)
وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ، أيْ: قُدّامَ المَطَرِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِالإيزالِ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ ما ذُكِرَ مِنَ اِرْسالِ الرِّياحِ، أيْ: أنْزَلْنا بِعَظَمَتِنا بِما رَتَّبْنا مِنَ اِرْسالِ الرِّياحِ مِن جِهَةِ الفَوْقِ ماءً بَلِيغًا في الطَّهارَةِ، وما قِيلَ إنَّهُ ما يَكُونُ طاهِرًا في نَفْسِهِ ومُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ فَهو شَرْحٌ لِبَلاغَتِهِ في الطَّهارَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ فَإنَّ الطَّهُورَ في العَرَبِيَّةِ إمّا صِفَةٌ كَما تَقُولُ: ماءٌ طَهُورٌ، أوِ اسِمٌ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ﴿التُّرابُ طَهُورُ المُؤْمِنِ﴾ وقَدْ جاءَ بِمَعْنى الطَّهارَةِ كَما في قَوْلِكَ: تَطَهَّرْتُ طَهُورًا حَسَنًا كَقَوْلِكَ وضُوءًا حَسَنًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ﴿لا صَلاةَ إلّا بِطَهُورٍ﴾، ووَصْفُ الماءِ بِهِ إشْعارٌ بِتَمامِ النِّعْمَةِ فِيهِ، وتَتْمِيمٌ لِلنِّعْمَةِ فِيما بَعْدَهُ فَإنَّ الماءَ الطَّهُورَ أهْنَأُ وأنْفَعُ مِمّا خالَطَهُ ما يُزِيلُ طَهُورِيَّتَهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ظَواهِرَهم لَمّا كانَتْ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُطَهِّرُوها فَبَواطِنُهم أحَقُّ بِذَلِكَ وأوْلى.
25:49Page 364
لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩
That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ: بِما أنْزَلْنا مِنَ الماءِ الطَّهُورِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ بِإنْباتِ النَّباتِ، والتَّذْكِيرُ لِأنَّ البَلْدَةَ بِمَعْنى البَلَدِ، ولِأنَّهُ غَيْرُ جارٍ عَلى الفِعْلِ كَسائِرِ أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ فَأُجْرِيَ مُجْرى الجامِدِ، والمُرادُ بِهِ: القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ عامِرَةً كانَتْ أوْ غامِرَةً.
﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الماءُ الطَّهُورُ عِنْدَ جَرَيانِهِ في الأوْدِيَةِ أوِ اجْتِماعِهِ في الحِياضِ والمَنافِعِ أوِ الآبارِ.
﴿مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: أهْلَ البَوادِي الَّذِينَ يَعِيشُونَ بِالحَيا ولِذَلِكَ نَكَّرَ الأنْعامَ والأناسِيَّ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ أهْلَ القُرى والأمْصارِ يُقِيمُونَ بِقُرْبِ الأنْهارِ والمَنابِعُ، فَهم وبِما لَهم مِنَ الأنْعامِ غَنِيَّةٌ عَنْ سُقِيا السَّماءِ، وسائِرُ الحَيَواناتِ تَبْعُدُ في طَلَبِ الماءِ فَلا يُعْوِزُها الشُّرْبُ غالِبًا مَعَ أنَّ مَساقَ الآياتِ الكَرِيمَةِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ فَهو لِتِعْدادِ أنْواعِ النِّعْمَةِ، والأنْعامُ حَيْثُ كانَتْ قُنْيَةً لِلْإنْسانِ وعامَّةً مَنافِعَهم ومَعايِشَهم مَنُوطَةٌ بِها قُدِّمَ سَقْيُها عَلى سَقْيِهِمْ كَما قُدِّمَ عَلَيْها إحْياءُ الأرْضِ فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِها وتَعَيُّشِها. وقُرِئَ: "نُسْقِيهِ"، وأسْقى وسَقى لُغَتانِ. وقِيلَ: أسْقاهُ: جُعِلَ لَهُ سُقِيا. و"أناسِيَّ" جَمْعُ إنْسِيٍّ، أوْ إنْسانٍ، كَظَرابِيِّ في ظَرْبانٍ عَلى أنَّ أصْلَهُ أناسِينَ فَقُلِبَتْ نُونُهُ ياءً. وقُرِئَ: أناسِيَ بِالتَّخْفِيفِ بِحَذْفِ ياءِ أفاعِيلَ كَأناعِمَ في أناعِيمَ.
25:50Page 364
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القَوْلَ الَّذِي هو ذُكِرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ القَطْرِ لِما مَرَّ مِنَ الغاياتِ الجَمِيلَةِ في القرآن وغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.
﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ لَيَتَفَكَّرُوا ويَعْرِفُوا بِذَلِكَ كَمالَ قدرته تعالى وواسِعِ رَحْمَتِهِ في ذَلِكَ ويَقُومُوا بِشُكْرِ نِعْمَتِهِ حَقَّ قِيامٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَطَرِ، وتَصْرِيفُهُ بَيْنَهم إنْزالُهُ في بَعْضِ البِلادِ دُونَ غَيْرِها، أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ دُونَ بَعْضٍ، أوْ جَعَلَهُ تارَةً وابِلًا، وأُخْرى طَلًّا، وحِينًا دِيمَهُ، ووَقْتًا رَهْمَةً، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ.
﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ مِمَّنْ سَلَفَ وخَلَفَ ﴿إلا كُفُورًا﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وقِلَّةَ الِاكْتِراثِ لَها، أوْ وإلّا جُحُودُها بِأنْ يَقُولُوا: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا ولا يَذْكُرُ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتَهُ ومَن لا يَرى الأمْطارَ إلّا مِنَ الأنْواءِ فَهو كافِرٌ بِخِلافِ مَن يَرى أنَّ الكُلَّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى (p-225)
والأنْواءُ أماراتٌ لِجَعْلِهِ تَعالى.
25:51Page 364
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ نَبِيًّا يُنْذِرُ أهْلَها فَيَخِفُّ عَلَيْكَ أعْباءَ النُّبُوَّةِ، لَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ فَلَمْ نَفْعَلْهُ بَلْ قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ إجْلالًا لَكَ وتَعْظِيمًا وتَفْضِيلًا لَكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ.
25:52Page 364
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: فَقابَلَ ذَلِكَ بِالثَّباتِ والِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ وإظْهارِ الحَقِّ والتَّشَدُّدِ مَعَهم، كَأنَّهُ نَهْيٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُداراةِ مَعَهم والتَّلَطُّفِ في الدَّعْوَةِ لِما أنَّهُ ﷺ كانَ يَوَدُّ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ ويَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِتَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ أشَدَّ الِاجْتِهادِ.
﴿وَجاهِدْهم بِهِ﴾ أيْ: بِالقرآن بِتِلاوَةِ ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والمَواعِظِ وتَذْكِيرِ أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ.
﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ فَإنَّ دَعْوَةَ كُلِّ العالَمِينَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ جِهادٌ كَبِيرٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ كَمًّا وكَيْفًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِتَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الطّاعَةِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الطّاعَةِ يَتَحَقَّقُ بِلا دَعْوَةٍ أصْلًا ولَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ الجِهادِ فَضْلًا عَنِ الجِهادِ الكَبِيرِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ لَيَكُونَ المَعْنى: وجاهِدْهم بِما ذُكِرَ مِن أحْكامِ القرآن الكَرِيمِ مُلابِسًا بِتَرْكِ طاعَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَجاهِدْهم بِالشِّدَّةِ والعُنْفِ لا بِالمُلاءَمَةِ والمُداراةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ . وقَدْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ مِن كَوْنِهِ ﷺ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى لِأنَّهُ لَوْ بُعِثَ في كُلِّ قَرْيَةِ نَذِيرٌ لَوَجَبَ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ مُجاهَدَةُ قَرْيَتِهِ فاجْتَمَعَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ المُجاهَداتُ كُلُّها فَكَبُرَ مِن أجْلِ ذَلِكَ جِهادُهُ وعَظُمَ فَقِيلَ لَهُ ﷺ: وجاهِدْهم بِسَبَبِ كَوْنِكَ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى جِهادًا كَبِيرًا جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ بَيانَ سَبَبِ كِبَرِ المُجاهَدَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ فَإنَّهُ بَيَّنَ بِنَفْسِهِ، وإنَّما اللّائِقُ بِالمَقامِ بَيانُ سَبَبِ كِبَرِها وعِظَمِها في الكَيْفِيَّةِ.
25:53Page 364
۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣
And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ: خَلّاهُما مُتَجاوِرَيْنِ مُتَلاصِقَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتَمازَجانِ مِن مَرَجَ دابَّتَهُ إذا خَلّاها.
﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ قامِعٌ لِلْعَطَشِ لِغايَةِ عُذُوبَتِهِ ﴿وَهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ بَلِيغُ المُلُوحَةِ، وقُرِئَ: "مَلْحٌ"، فَلَعَلَّهُ تَخْفِيفُ مالِحٍ كَبَرْدٍ في بارِدٍ.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ حاجِزًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ مِن قدرته كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ .
﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وتَنافُرًا مُفْرِطًا كَأنَّ كُلًّا مِنهُما يَتَعَوَّذُ مِنَ الآخَرِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا، وذَلِكَ كَدَجْلَةَ تَدْخُلُ البَحْرَ وتَشُقُّهُ وتَجْرِي في خِلالِهِ فَراسِخَ لا يَتَغَيَّرُ طَعْمُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرِ العَذْبِ: النَّهْرُ العَظِيمُ، وبِالمالِحِ: البَحْرُ الكَبِيرُ، وبِالبَرْزَخِ: ما بَيْنَهُما مِنَ الأرْضِ، فَيَكُونُ أثَرُ القُدْرَةِ في الفَصْلِ واخْتِلافِ الصِّفَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى طَبِيعَةِ كُلِّ عُنْصُرٍ التَّضامُّ والتَّلاصُقُ والتَّشابُهُ في الكَيْفِيَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences