Abu as-Su'udAsh‑Shu'ara · 26:168–213

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:168–213

26:168Page 374

قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلۡقَالِينَ ١٦٨

He said, "Indeed, I am, toward your deed, of those who detest [it].

﴿قالَ إنِّي (p-261)لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ غايَةَ البُغْضِ، كَأنَّهُ يُقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ لِشِدَّتِهِ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في بَعْضِهِ المَشْهُورِينَ في قَلاهُ.

26:169Page 374

رَبِّ نَجِّنِي وَأَهۡلِي مِمَّا يَعۡمَلُونَ ١٦٩

My Lord, save me and my family from [the consequence of] what they do."

وَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ إظْهارَ الكَراهَةِ في مُساكَنَتِهِمْ والرَّغْبَةِ في الخَلاصِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ، ولِذَلِكَ أعْرَضَ عَنْ مُحاوَرَتِهِمْ وتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ تَعالى قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن شُؤْمِ عَمَلِهِمْ وغائِلَتِهِ.

26:170Page 374

فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٧٠

So We saved him and his family, all,

﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ أيْ: أهْلَ بَيْتِهِ ومَنِ اتَّبَعَهُ في الدِّينِ بِإخْراجِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ عِنْدَ مُشارَفَةِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.

26:171Page 374

إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٧١

Except an old woman1 among those who remained behind.

﴿إلا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، اسْتُثْنِيَتْ مِن أهْلِهِ فَلا يَضُرُّهُ كَوْنُها كافِرَةً لِأنَّ لَها شَرِكَةً في الأهْلِيَّةِ بِحَقِّ الزَّواجِ.

﴿فِي الغابِرِينَ﴾ أيْ: مُقَدَّرًا كَوْنُها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ لِأنَّها كانَتْ مائِلَةً إلى القَوْمِ راضِيَةً بِفِعْلِهِمْ وقَدْ أصابَها الحَجَرُ في الطَّرِيقِ فَأهْلَكَها كَما مَرَّ في (سُورَةِ الحِجْرِ ) و (سُورَةِ هُودٍ ) . وقِيلَ: كانَتْ فِيمَن بَقِيَ في القَرْيَةِ ولَمْ تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

26:172Page 374

ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٧٢

Then We destroyed the others.

﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أهْلَكْناهم أشَدَّ إهْلاكٍ وأفْظَعَهُ.

26:173Page 374

وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٣

And We rained upon them a rain [of stones], and evil was the rain of those who were warned.

﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ: مَطَرًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، قِيلَ: أمْطَرَ اللَّهُ تَعالى عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً فَأهْلَكَتْهم.

﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وبِهِ يَتَسَنّى وُقُوعُ المُضافِ إلَيْهِ فاعِلَ ساءَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهو "مَطَرُهُمْ" .

26:174–175Page 374

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٤

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٧٥

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .

26:176–177Page 374

كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦

The companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] denied the messengers

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧

When Shuʿayb said to them, "Will you not fear Allāh?

﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ الأيْكَةُ: الغَيْضَةُ الَّتِي تُنْبِتُ ناعِمَ الشَّجَرِ وهي غَيْضَةٌ بِقُرْبِ مَدْيَنَ يَسْكُنُها طائِفَةٌ وكانُوا مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ أجْنَبِيًّا مِنهم ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: (p-262)أخُوهم. وقِيلَ: الأيْكَةُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ وكانَ شَجَرُهُمُ الدَّوْمَ وهو المُقْلُ. وقُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وقُرِئَتْ كَذَلِكَ مَفْتُوحَةً عَلى أنَّها لَيْكَةُ، وهي اسْمُ بَلَدِهِمْ، وإنَّما كُتِبَتْ هاهُنا وفي (ص ) بِغَيْرِ ألْفٍ إتْباعًا لِلَفْظِ اللّافِظِ.

26:178–180Page 374

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٧٩

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٠

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وَما أسْألُكم عليه من أجر إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

26:181Page 374

۞ أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ ١٨١

Give full measure and do not be of those who cause loss.

﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتَمُّوهُ ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ.

26:182Page 374

وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ ١٨٢

And weigh with an even [i.e., honest] balance.

﴿وَزِنُوا﴾ أيِ: المَوْزُوناتِ ﴿بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وهو إنْ كانَ عَرَبِيًّا فَإنْ كانَ مِنَ القِسْطِ فَفِعْلاسٌ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ، وإلّا فَفِعْلالٌ. وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ.

26:183Page 374

وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ١٨٣

And do not deprive people of their due and do not commit abuse on earth, spreading corruption.

﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ أيْ: لا تُنْقِصُوا شَيْئًا مِن حُقُوقِهِمْ، أيُّ حَقٍّ كانَ وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ المَوادِّ بِالذِّكْرِ لِغايَةِ انْهِماكِهِمْ فِيها.

﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بِالقَتْلِ والغارَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ.

26:184Page 375

وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٨٤

And fear He who created you and the former creation."1

﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ذَوِي الجِبِلَّةِ الأوَّلِينَ وهم مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الخَلائِقِ. وقُرِئَ بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ، وبِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ كالخِلْقَةِ.

26:185–186Page 375

قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥

They said, "You are only of those affected by magic.

وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦

You are but a man like ourselves, and indeed, we think you are among the liars.

﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وَما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إدْخالُ الواوِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ التَّسْحِيرِ والبَشَرِيَّةِ مُنافٍ لِلرِّسالَةِ مُبالَغَةً في التَّكْذِيبِ.

﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: فِيما تَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ.

26:187Page 375

فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧

So cause to fall upon us fragments of the sky, if you should be of the truthful."

﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قَطْعًا. وقُرِئَ بِسُكُونِ السِّينِ، وهو أيْضًا جَمْعُ كِسْفَةٍ. وقِيلَ: الكِسْفُ والكِسْفَةُ كالرِّيعِ والرِّيعَةِ وهي القِطْعَةُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ: إمّا السَّحابُ، أوِ المِظَلَّةُ. ولَعَلَّهُ جَوابٌ (p-263)لِما أشْعِرَ بِهِ الأمْرُ بِالتَّقَوِّي مِنَ التَّهْدِيدِ.

﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواكَ ولَمْ يَكُنْ طَلَبُهم ذَلِكَ إلّا لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ وإلّا لَما أخْطَرُوهُ بِبالِهِمْ فَضْلًا أنْ يَطْلُبُوهُ.

26:188Page 375

قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨

He said, "My Lord is most knowing of what you do."

﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وبِما تَسْتَحِقُّونَ بِسَبَبِهِ مِنَ العَذابِ فَسَيُنْـزِلُهُ عَلَيْكم في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ لا مَحالَةَ.

26:189Page 375

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩

And they denied him, so the punishment of the day of the black cloud seized them. Indeed, it was the punishment of a terrible day.

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: فَتُمُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ.

﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ حَسَبَما اقْتَرَحُوا، أمّا إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ أرادُوا المِظَلَّةَ فَلِأنَّ نُزُولَ العَذابِ مِن جِهَتِها. وفي إضافَةِ العَذابِ إلى يَوْمِ الظُّلَّةِ دُونَ نَفْسِها إيذانٌ بِأنَّ لَهم يَوْمَئِذٍ عَذابًا آخَرَ غَيْرَ عَذابِ الظُّلَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحُرَّ سَبْعَةَ أيّامٍ ولَيالِيها فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ لا يَنْفَعُهُ ظِلٌّ ولا ماءٌ ولا سَرَبٌ فاضْطَرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا جَمِيعًا. رُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ: أصْحابِ مَدْيَنَ، وأصْحابِ الأيْكَةِ، فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِالصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.

﴿إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: في الشِّدَّةِ والهَوْلِ وفَظاعَةِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ والدّاهِيَةِ التّامَّةِ.

26:190–191Page 375

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا آخِرُ القِصَصِ السَّبْعِ الَّتِي أُوحِيَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِصَرْفِهِ ﷺ عَنِ الحِرْصِ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ وقَطْعِ رَجائِهِ عَنْهُ ودَفْعَ تَحَسُّرِهِ عَلى فَواتِهِ تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِ ما مَرَّ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ ...﴾ الآيَةَ، فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ القِصَصِ ذُكِرَ مُسْتَقِلٌّ مُتَجَدِّدُ النُّزُولِ قَدْ أتاهم مِن جِهَتِهِ تَعالى بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ، وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوها عَلى التَّفْصِيلِ قِصَّةً بَعْدَ قِصَّةٍ لا بِأنْ يَتَدَبَّرُوا فِيها ويَعْتَبِرُوا بِما في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مِنَ الدَّواعِي إلى الإيمانِ والزَّواجِرِ عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، ولا بِأنْ يَتَأمَّلُوا في شَأْنِ الآياتِ الكَرِيمَةِ النّاطِقَةِ بِتِلْكَ القِصَصِ عَلى ما هي عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا مِنها مِن أحَدٍ أصْلًا، واسْتَمَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا شَيْئًا يَزْجُرُهم عَنْ ذَلِكَ قَطْعًا كَما حُقِّقَ في خاتِمَةِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

26:192Page 375

وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢

And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.

﴿وَإنَّهُ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ النّاطِقَةِ بِالقَصَصِ المَحْكِيَّةِ، أوِ القرآن الَّذِي هي مِن جُمْلَتِهِ ﴿لَتَنـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مُنَـزَّلٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى سُمِّيَ بِهِ مُبالَغَةً، ووَصْفَهُ تَعالى بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَنْـزِيلَهُ مِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ تَعالى ورَأْفَتِهِ لِلْكُلِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (p-264).

26:193Page 375

نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣

The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down

﴿نَزَلَ بِهِ﴾ أيْ: أنْزَلَهُ ﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ أمِينُ وحْيِهِ تَعالى ومُوصِلُهُ إلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ الرُّوحِ والأمِينِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الرُّوحَ الأمِينَ نازِلًا بِهِ.

26:194Page 375

عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤

Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners

﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: رُوحُكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ العُضْوُ فَتَخْصِيصُهُ بِهِ لِأنَّ المَعانِي الرَّوْحانِيَّةِ تَنْـزِلُ أوَّلًا عَلى الرُّوحِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ مِنهُ إلى القَلْبِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ ثُمَّ تَتَصَعَّدُ إلى الدِّماغِ فَيَنْتَصِفُ بِها لَوْحُ المُتَخَيَّلَةِ.

﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "نَزَلَ بِهِ"، أيْ: أنْزَلُهُ لِتُنْذِرَهم بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ العُقُوباتِ الهائِلَةِ، وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلدَّلالَةِ عَلى انْتِظامِهِ ﷺ في سِلْكِ أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ المَشْهُورِينَ في حَقِّيَّةِ الرِّسالَةِ وتَقَرُّرِ وُقُوعِ العَذابِ المُنْذِرِ.

26:195Page 375

بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥

In a clear Arabic language.

﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ واضِحُ المَعْنى ظاهِرُ المَدْلُولِ لِئَلّا يَبْقى لَهم عُذْرٌ ما، وهو أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِـ "نَزَلَ بِهِ"، وتَأْخِيرُهُ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ الإنْذارِ ولِلْإيماءِ إلى أنَّ مَدارَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ المُنْذِرِينَ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُجَرَّدَ إنْزالِهِ عَلَيْهِ ﷺ لا إنْزالُهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ. وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا بِالمُنْذِرِينَ كَما جَوَّزَهُ الجُمْهُورُ يُؤَدِّي إلى أنَّ غايَةَ الإنْزالِ كَوْنُهُ ﷺ مِن جُمْلَةِ المُنْذِرِينَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ فَقَطْ مِن هُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى فَسادُهُ، كَيْفَ لا والطّامَّةُ الكُبْرى في بابِ الإنْذارِ ما أنْذَرَهُ نُوحٌ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وأشَدُّ الزَّواجِرِ تَأْثِيرًا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ ما أنْذَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِانْتِمائِهِمْ وادِّعائِهِمْ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

26:196Page 375

وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦

And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.

﴿وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: وإنَّ ذِكْرَهُ أوْ مَعْناهُ لَفي الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ أحْكامَهُ الَّتِي لا تَحْتَمِلُ النَّسْخَ والتَّبْدِيلَ بِحَسَبِ تَبَدُّلِ الأعْصارِ مِنَ التَّوْحِيدِ وسائِرِ ما يَتَعَلَّقُ بِالذّاتِ والصِّفاتِ مَسْطُورَةً فِيها، وكَذا ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ بِواضِحٍ.

26:197Page 375

أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧

And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?

﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أغَفَلُوا عَنْ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ لَهم آيَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ وأنَّهُ في زُبُرِ الأوَّلِينَ عَلى أنَّهُ "لَهُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ قُدِّمَ عَلى اسْمِهِ وخَبَرِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن "آيَةً" قُدِّمَتْ عَلَيْها لِكَوْنِها نَكِرَةً. و"آيَةٌ" خَبَرٌ لِلْكَوْنِ قُدِّمَ عَلى اسْمِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، أيْ: أنْ يَعْرِفُوهُ بِنُعُوتِهِ المَذْكُورَةِ في كُتُبِهِمْ ويَعْرِفُوا مَنِ اُنْزِلَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: "تَكُنْ" بِالتَّأْنِيثِ، وجُعِلَتْ آيَةٌ "اسْمًا" و ﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ خَبَرًا، وفِيهِ ضَعْفٌ حَيْثُ وقَعَ النَّكِرَةُ اسْمًا والمَعْرِفَةُ خَبَرًا. وقَدْ قِيلَ في "تَكُنْ" ضَمِيرُ القِصَّةِ (p-265)وَ ﴿آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ﴾ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم آيَةٌ هي جُمْلَةُ الشَّأْنِ، وأنْ يَعْلَمَهُ بَدَلًا مِنَ ايَةٍ، ويَجُوزُ مَعَ نَصْبِ آيَةٍ تَأْنِيثُ تَكُنْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ . وقُرِئَ: "تَعْلَمَهُ" بِالتّاءِ.

26:198Page 375

وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨

And even if We had revealed it to one among the foreigners1

﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ﴾ كَما هو بِنَظْمِهِ الرّائِقِ المُعْجِزِ ﴿عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّكَلُّمِ بِالعَرَبِيَّةِ، وهو جَمْعُ أعْجَمِيٍّ عَلى التَّخْفِيفِ ولِذَلِكَ جُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ. وقُرِئَ: "الأعْجَمِيِّينَ" وفي لَفْظِ البَعْضِ إشارَةٌ إلى كَوْنِ ذَلِكَ واحِدًا مِن عَرْضِ تِلْكَ الطّائِفَةِ كائِنًا مَن كانَ.

26:199Page 375

فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩

And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.

﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ﴾ قِراءَةً صَحِيحَةً خارِقَةً لِلْعاداتِ ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ انْضِمامِ إعْجازِ القِراءَةِ إلى إعْجازِ المَقْرُوءِ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ بِلُغَةِ العَجَمِ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ واسْتِنْكافِهِمْ مِنِ اتِّباعِ العَجَمِ ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ المُناسَبَةِ لِمَقامِ بَيانِ تَمادِيهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ.

26:200Page 375

كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠

Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.

﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْكِ البَدِيعِ المَذْكُورِ سَلَكْناهُ، أيْ: أدْخَلْنا القرآن ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ فَفَهِمُوا مَعانِيَهُ وعَرَفُوا فَصاحَتَهُ وأنَّهُ خارِجٌ عَنِ القُوى البَشَرِيَّةِ مِن حَيْثُ النَّظْمُ المُعْجِزُ ومِن حَيْثُ الإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ، وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ اتِّفاقُ عُلَماءِ أهْلِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ عَلى تَضُمُّنِها لِلْبِشارَةِ بِإنْزالِهِ وبَعْثِهِ مَن أنْزَلَ عَلَيْهِ بِأوْصافِهِ.

26:201Page 375

لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١

They will not believe in it until they see the painful punishment.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهم لا يَتَأثَّرُونَ بِأمْثالِ تِلْكَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ المُلْجِئِ إلى الإيمانِ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ.

26:202Page 375

فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢

And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.

﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً في الدُّنْيا والآخِرَةُ ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ.

26:203Page 375

فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣

And they will say, "May we be reprieved?"

﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ تَحَسُّرًا عَلى ما فاتَ مِنَ الإيمانِ وتَمَنِّيًا لِلْإمْهالِ لِتَلافِي ما فَرَّطُوهُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾: مِثْلَ تِلْكَ الحالِ وتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ وضَعْناهُ في قُلُوبِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في مَوْقِعِ الإيضاحِ والتَّلْخِيصِ لَهُ، أوْ في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِهِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ بَيانِ غايَةِ عِنادِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ مَعَ تَعاضُدِ أدِلَّةِ الإيمانِ وتَآخُذِ مَبادِئِ الهِدايَةِ والإرْشادِ وانْقِطاعِ أعْذارِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ سَلَكْناهُ لِلْكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "ما كانُواْ بِهِ مُؤْمِنِينَ" . ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى أدْخَلْنا (p-266)الشِّرْكَ والتَّكْذِيبَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ.

26:204Page 375

أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤

So for Our punishment are they impatient?

﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وقَوْلِهِمْ: " فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ... " ونَحْوَهُما وحالُهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ كَما وصَفَ مِن طَلَبِ الإنْذارِ، فالفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَكُونُ حالُهم كَما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِنْظارِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ الألِيمِ فَيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا وبَيْنَهُما مِنَ التَّنافِي ما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، وأيَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ فَيَسْتَعْجِلُونَ إلَخِ، وإنَّما قُدِّمِّ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ كَوْنُ المُسْتَعْجِلِ بِهِ عَذابَهُ تَعالى مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ.

26:205Page 375

أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥

Then have you considered if We gave them enjoyment for years

﴿أفَرَأيْتَ﴾ لَمّا كانَتِ الرُّؤْيَةُ مِن أقْوى أسْبابِ الأخْبارِ بِالشَّيْءِ وأشْهَرِها شاعَ اسْتِعْمالُ أرَأيْتَ في مَعْنى: أخْبِرْنِي. والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كائِنًا مَن كانَ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِخْبارِ عَلىَ قَوْلِهِمْ: هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ في المَعْنى عَلى الهَمْزَةِ. وتَأْخِيرُها عَنْها صُورَةً لِاقْتِضاءِ الهَمْزَةِ الصَّدارَةَ كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ. أيْ: فَأخْبِرْنِي ﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ مُتَطاوِلَةً بِطُولِ الأعْمارِ وطِيبِ المَعاشِ.

26:206Page 375

ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦

And then there came to them that which they were promised?

﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ.

26:207Page 376

مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧

They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.

﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيُّ شَيْءٍ، أوْ أيُّ إغْناءٍ أغْنى عَنْهم ﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أيْ: كَوْنُهم مُمَتَّعِينَ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ المَدِيدَ عَلى أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ بِهِ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، وقِيلَ: "ما" نافِيَةٌ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم تَمَتُّعُهُمُ المُتَطاوِلُ في دَفْعِ العَذابِ وتَخْفِيفِهِ والأوَّلُ هو الأوْلى لِكَوْنِهِ أوْفَقَ لِصُورَةِ الِاسْتِخْبارِ، وأدَلُّ عَلى انْتِفاءِ الإغْناءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، كَأنَّ كُلَّ مَن مِن شَأْنِهِ الخِطابُ قَدْ كُلِّفَ أنْ يُخْبِرَ بِأنَّ تَمْتِيعَهم ماذا أفادَهم، وأيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى أنْ يُخْبِرَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا. وقُرِئَ: يُمَتِّعُونَ مِنَ الإمْتاعِ.

26:208Page 376

وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨

And We did not destroy any city except that it had warners

﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ ﴿إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ قَدْ أنْذَرُوا أهْلَها إلْزامًا لِلْحُجَّةِ.

26:209Page 376

ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩

As a reminder; and never have We been unjust.

﴿ذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِرَةً، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى العِلَّةِ أوِ المَصْدَرِ لِأنَّها في مَعْنى الإنْذارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ ذِكْرى، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو صِفَةٌ لَمُنْذِرُونَ، أيْ: إلّا لَها مُنْذِرُونَ يُذَكِّرُونَهم ذِكْرى، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةُ مُنْذِرُونَ بِإضْمارِ ذَوُو، أوْ بِجَعْلِهِمْ ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ (p-267)والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، وضَمِيرٌ لَها لِلْقُرى المَدْلُولِ عَلَيْها بِمُفْرَدِها الواقِعِ في حَيِّزِ النَّفْيِ عَلى أنَّ مَعْنى أنَّ لِلْكُلِّ مُنْذِرِينَ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ لِكُلِّ قَرْيَةٍ مِنها مُنْذِرٌ واحِدٌ أوْ أكْثَرُ.

﴿وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ غَيْرَ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: الإنْذارُ والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيٍ الظّالِمِيَّةِ مَعَ أنَّ إهْلاكَهم قَبْلَ الإنْذارِ لَيْسَ بِظُلْمٍ أصْلًا عَلى ما تُقَرِّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ. وقَدْ مَرَّ في (سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

26:210Page 376

وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠

And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1

﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ رَدٌّ لِما زَعَمَهُ الكَفَرَةُ في حَقِّ القرآن الكَرِيمِ مِن أنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ عَلى الكَهَنَةِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّهُ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ.

26:211Page 376

وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١

It is not allowable for them, nor would they be able.

﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أيْ: وما يَصِحُّ وما يَسْتَقِيمُ لَهم ذَلِكَ ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذَلِكَ أصْلًا.

26:212Page 376

إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢

Indeed they, from [its] hearing, are removed.1

﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ﴾ لِكَلامِ المَلائِكَةِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ لِانْتِفاءِ المُشارَكَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المَلائِكَةِ في صَفاءِ الذَّواتِ والِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ فَيَضانِ أنْوارِ الحَقِّ والِانْتِقاشِ بِصُوَرِ العُلُومِ الرَّبّانِيَّةِ والمَعارِفِ النَّوْرانِيَّةِ، كَيْفَ لا ونُفُوسُهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ غَيْرَ مُسْتَعِدَّةٍ إلّا لِقَبُولِ ما لا خَيْرَ فِيهِ أصْلًا مِن فُنُونِ الشُّرُورِ، فَمِن أيْنَ لَهم أنْ يَحُومُوا حَوْلَ القرآن الكَرِيمِ المُنْطَوِي عَلى الحَقائِقِ الرّائِقَةِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ تَلَقِّيها إلّا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

26:213Page 376

فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣

So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.

﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ ظُهُورِ اسْتِحالَةِ صُدُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ ﷺ تَهْيِيجًا وحَثًّا عَلى ازْدِيادِ الإخْلاصِ ولُطْفًا لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ بِبَيانِ أنَّ الإشْراكَ مِنَ القُبْحِ والسُّوءِ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهُ فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском