Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:214–227
﴿وَأنْذِرْ﴾ العَذابَ الَّذِي يَسْتَتْبِعُهُ الشِّرْكُ والمَعاصِي ﴿عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ الأقْرَبَ مِنهم فالأقْرَبَ فَإنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ أهَمُّ. رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ صَعِدَ الصَّفا وناداهم فَخْذًا فَخْذًا حَتّى اجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَقالَ: لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا:نَعَمْ، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ. ورَوى أنَّهُ قالَ: يا بَنى عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ: افْتُدُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ فَإنِّي لا أُغْنِي عَنْكم شَيْئًا، ثُمَّ قالَ: يا عائِشَةُ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، ويا حَفْصَةُ بِنْتَ عُمَرَ، ويا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، ويا صَفِيَّةُ عَمَّةُ مُحَمَّدٍ: اشْتَرَيْنَ أنْفُسَكُنَّ مِنَ النّارِ فَإنِّي لا أُغْنِي عَنْكُنَّ شَيْئًا» .
26:215Page 376
وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥
And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.
﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ (p-268)أيْ: لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم، مُسْتَعارٌ مِن حالِ الطّائِرِ فَإنَّهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ خَفَضَ جَناحَهُ، و"مَن" لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ أعَمُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ لِدِينٍ أوْ غَيْرِهِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُؤْمِنِينَ المُشارِفُونَ لِلْإيمانِ، أوِ المُصَدِّقُونَ بِاللِّسانِ فَحَسْبُ.
26:216Page 376
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."
﴿فَإنْ عَصَوْكَ﴾ ولَمْ يَتَّبِعُوكَ ﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِمّا تَعْمَلُونَ، أوْ مِن أعْمالِكم.
26:217Page 376
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧
And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى قَهْرِ أعْدائِهِ ونَصْرِ أوْلِيائِهِ، يَكْفِكَ شَرُّ مَن يَعْصِيكَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ. وقُرِئَ: "فَتَوَكَّلَ" عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ: إلى التَّهَجُّدِ.
﴿وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ وتَرَدُّدُكَ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُتَهَجِّدِينَ، كَما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لَيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ حِرْصًا عَلى كَثْرَةِ طاعَتِهِمْ فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما سَمِعَ مِنها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتِّلاوَةِ. أوْ تَصَرُّفَكَ فِيما بَيْنَ المُصَلِّينَ بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقُعُودِ إذا أمَمْتَهم. وإنَّما وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذاتَهُ بِعِلْمِهِ بِحالِهِ ﷺ الَّتِي بِها يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ بَعْدَ أنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِما يُنْبِئُ عَنْ قَهْرِ أعْدائِهِ ونَصْرِ أوْلِيائِهِ مِن وصْفِي العَزِيزِ الرَّحِيمِ تَحْقِيقًا لِلتَّوَكُّلِ وتَوْطِينًا لِقَلْبِهِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِما تَقَوَّلَهُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما تَنْوِيهِ وتَعْلَمُهُ.
26:221Page 376
هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١
Shall I inform you upon whom the devils descend?
﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ أيْ: تَتَنَـزَّلُ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وهو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَنَـزُّلِ الشَّياطِينِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ بَيانِ امْتِناعِ تَنَـزُّلِهِمْ بِالقرآن. ودُخُولُ حَرْفِ الجَرِّ عَلى "مَن" الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِما أنَّها لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِلِاسْتِفْهامِ بَلِ الأصْلُ: "أمَن" فَحُذِفَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، واسْتَمَرَّ الِاسْتِعْمالُ عَلى حَذْفِهِ كَما حُذِفَ مِن هَلْ والأصْلُ أهْلُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ قَصْرٌ لِتَنَـزُّلِهِمْ عَلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإفْكِ الكَثِيرِ والإثْمِ الكَبِيرِ مِنَ الكَهَنَةِ والمُتَنَبِّئَةِ، وتَخْصِيصٌ لَهُ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ، وحَيْثُ كانَتْ ساحَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنَـزَّهَةً عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَها شائِبَةُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ اتَّضَحَ اسْتِحالَةُ تَنَـزُّلِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ .
26:223Page 376
يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣
They pass on what is heard,1 and most of them are liars.
﴿يُلْقُونَ﴾ أيِ: الأفّاكُونَ ﴿السَّمْعَ﴾ (p-269)إلى الشَّياطِينِ فَيَتَلَقَّوْنَ مِنهم أوْهامًا وأماراتٍ لِنُقْصانِ عِلْمِهِمْ فَيَضُمُّونَ إلَيْها بِحَسَبِ تَخَيُّلاتِهِمُ الباطِلَةِ خُرافاتٍ لا يُطابِقُ أكْثَرُها الواقِعَ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ أيْ: فِيما قالُوهُ مِنَ الأقاوِيلِ وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ: ﴿الكَلِمَةُ يَخْطَفُها الجِنِّيُّ فَيُقِرُّها في أُذُنِ ولِيِّهِ فَيَزِيدُ فِيها أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ﴾، أوْ يُلْقُونَ السَّمْعَ، أيِ: المَسْمُوعَ مِنَ الشَّياطِينِ إلى النّاسِ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ يَفْتَرُونَ عَلى الشَّياطِينِ ما لَمْ يُوحُوا إلَيْهِمْ، والأظْهَرُ أنَّ الأكْثَرِيَّةَ بِاعْتِبارِ أقْوالِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ قَلَّما يَصْدُقُونَ فِيما يَحْكُونَ عَنِ الجِنِّيِّ،وَأمّا في أكْثَرِهِ فَهم كاذِبُونَ ومَآلُهُ وأكْثَرُ أقْوالِهِمْ كاذِبَةٌ لا بِاعْتِبارِ ذَواتِهِمْ حَتّى يَلْزَمَ مِن نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى أكْثَرِهِمْ كَوْنُ أقَلِّهِمْ صادِقِينَ عَلى الإطْلاقِ ولَيْسَ مَعْنى الأفّاكِ مَن لا يَنْطِقُ إلّا بِالإفْكِ حَتّى يَمْتَنِعَ مِنهُ الصِّدْقُ، بَلْ مَن يُكْثِرُ الإفْكَ فَلا يُنافِيهِ أنْ يُصَدِّقَ نادِرًا في بَعْضِ الأحايِينِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّياطِينِ، أيْ: يُلْقُونَ السَّمْعَ، أيِ: المَسْمُوعَ مِنَ المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ أنْ يَرْجُمُوا مِن بَعْضِ المُغَيَّباتِ إلى أوْلِيائِهِمْ، وأكْثَرُهم كاذِبُونَ فِيما يُوحُونَ بِهِ إلَيْهِمْ إذْ لا يَسْمَعُونَهم عَلى نَحْوِ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ لِشَرارَتِهِمْ أوْ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ أوْ ضَبْطِهِمْ أوْ إفْهامِهِمْ، ولا سَبِيلَ إلى حَمْلِ إلْقاءِ السَّمْعِ عَلى تَسَمُّعِهِمْ وإنْصاتِهِمْ إلى المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ الرَّجْمِ كَما جَوَّزَهُ الجُمْهُورُ لِما أنْ يُلْقُونَ كَما صَرَّحُوا بِهِ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ تَنَـزَّلَ مُفِيدَةً لِمُقارَنَةِ التَّنَـزُّلِ لِلْإلْقاءِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِلْغَرَضِ مِنَ التَّنَـزُّلِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْهُ، ولا رَيْبَ في أنَّ إلْقاءَ السَّمْعِ إلى المَلَأِ الأعْلى بِمَعْزِلٍ مِنِ احْتِمالِ أنْ يُقارَنَ التَّنَـزُّلَ أوْ يَكُونُ غَرَضًا مِنهُ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ قَطْعًا، وإنَّما المُحْتَمَلُ لَهُما الإلْقاءُ بِالمَعْنى الأوَّلِ فالمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حالًا: تَنَـزُّلِ الشَّياطِينِ عَلى الأفّاكِينَ مُلْقِينَ إلَيْهِمْ ما سَمِعُوهُ مِنَ المَلَأِ الأعْلى، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَن قالَ: لَمْ تَنْـزِلْ عَلَيْهِمْ وماذا يَفْعَلُونَ بِهِمْ ؟ يُلْقُونَ إلَيْهِمْ ما سَمِعُوهُ. وحَمَلَهُ عَلى اسْتِئْنافِ الأخْبارِ كَما فَعَلَهُ بَعْضُهم غَيْرَ سَدِيدِ، لِأنَّ ذِكْرَ حالِهِمُ السّابِقَةِ عَلى تَنَـزُّلِهِمُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ غَيْرُ خَلِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ضَمِيرِ يُلْقُونَ لِلْأفّاكِينَ فَهو صِفَةٌ لِكُلِّ أفّاكٍ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ سَواءٌ أُرِيدَ بِإلْقاءِ السَّمْعِ الإصْغاءُ إلى الشَّياطِينِ أوْ إلْقاءِ المَسْمُوعِ إلى النّاسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِحالِهِمْ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لِما أنَّ كُلًّا مِن تَلَقِّيهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ وإلْقائِهِمْ إلى النّاسِ يَكُونُ بَعْدَ التَّنْـزِيلِ وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى السُّؤالِ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَقَطْ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ عِنْدَ تَنَـزُّلِ الشَّياطِينِ عَلَيْهِمْ ؟ فَقِيلَ: يُلْقُونَ إلَيْهِمْ أسْماعَهم لَيَحْفَظُوا ما يُوحُونَ بِهِ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: وأكْثَرُهم كاذِبُونَ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ فَقَطْ، وعَلى الثّانِي يَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ مِن ضَمِيرِ يُلْقُونَ، أيْ: ما سَمِعُوهُ مِنَ الشَّياطِينِ إلى النّاسِ، والحالُ أنَّهم في أكْثَرِ أقْوالِهِمْ كاذِبُونَ، فَتَدَبَّرْ.
26:224Page 376
وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ ٢٢٤
And the poets - [only] the deviators follow them.
﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ ما قالُوا في حَقِّ القرآن العَظِيمِ مِن أنَّهُ مِن قَبِيلِ الشِّعْرِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الشُّعَراءِ بِبَيانِ حالِ الشُّعَراءِ المُنافِيَةِ لِحالِهِ ﷺ بَعْدَ إبْطالِ ما قالُوا أنَّ مِن قَبِيلِ ما يُلْقِي الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ مِنَ الأباطِيلِ بِما مَرَّ مِن بَيانِ أحْوالِهِمُ المُضادَّةِ لِأحْوالِهِ ﷺ، والمَعْنى: أنَّ الشُّعَراءَ يَتَّبِعُهم، أيْ يُجارِيهِمْ ويَسْلُكُ مَسْلَكَهم ويَكُونُ مِن جُمْلَتِهِمُ الغاوُونَ الضّالُّونَ عَنِ السَّنَنِ الحائِرُونَ فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ لا يَسْتَمِرُّونَ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةِ الأفْعالِ والأقْوالِ والأحْوالِ لا غَيْرُهم مِن أهْلِ الرُّشْدِ المُهْتَدِينَ إلى (p-270)طَرِيقِ الحَقِّ الثّابِتِينَ عَلَيْهِ.
26:225Page 376
أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ ٢٢٥
Do you not see that in every valley they roam1
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى أنَّ الشُّعَراءَ إنَّما يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ وتَقْرِيرٌ لَهُ، والخِطابُ لِكُلِّ مِن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ لِلْقَصْدِ إلى أنَّ حالَهم مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا تَخْتَصُّ بِرُؤْيَةِ راءٍ دُونَ راءٍ، أيْ: ألَمْ تَرَ أنَّ الشُّعَراءَ في كُلِّ وادٍ مِن أوْدِيَةِ القِيلِ والقالِ وفي كُلِّ شِعْبٍ مِن شِعابِ الوَهْمِ والخَيالِ وفي كُلِّ مَسْلَكٍ مِن مَسالِكَ الغَيِّ والضَّلالِ يَهِيمُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لا يَهْتَدُونَ إلى سَبِيلٍ مُعَيَّنٍ مِنَ السُّبُلِ، بَلْ يَتَحَيَّرُونَ في فَيافِي الغَوايَةِ والسَّفاهَةِ ويَتِيهُونَ في تِيهِ المُجُونِ والوَقاحَةِ، دِينُهم تَمْزِيقُ الأعْراضِ المَحْمِيَّةِ والقَدْحُ في الأنْسابِ الطّاهِرَةِ السَّنِيَّةِ والنَّسِيبُ بِالحَرامِ والغَزَلِ والِابْتِهارُ والتَّرَدُّدُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في المَدْحِ والهِجاءِ.
26:226Page 376
وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ ٢٢٦
And that they say what they do not do? -
﴿وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفاعِيلِ غَيْرَ مُبالِينَ بِما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ اللَّوائِمِ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَتْبَعَهم في مَسْلَكِهِمْ ذَلِكَ ويَلْتَحِقَ بِهِمْ ويَنْتَظِمَ في سَلْكِهِمْ مَن تَنَـزَّهَتْ ساحَتُهُ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَها شائِبَةُ الِاتِّصافِ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ واتَّصَفَ بِمَحاسِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ وتَخَلَّقَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ الجَمِيلَةِ وحازَ جَمِيعَ الكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ وفازَ بِجُمْلَةِ المَلِكاتِ الِإنْسِيَّةِ مُسْتَقَرًّا عَلى المِنهاجِ القَوِيمِ مُسْتَمِرًّا عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ناطِقًا بِكُلِّ أمْرٍ رَشِيدٍ داعِيًا إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ مُؤَيِّدًا بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ وآياتٍ ظاهِرَةٍ مَشْحُونَةٍ بِفُنُونِ الحُكْمِ الباهِرَةِ وصُنُوفِ المَعارِفِ الزّاهِرَةِ مُسْتَقِلَّةً بِنَظْمٍ رائِقٍ أعْجَزَ كُلَّ مِنطِيقٍ ماهِرٍ وبَكَّتَ كُلَّ مُفْلِقٍ ساحِرٍ. هَذا وقَدْ قِيلَ في تَنْـزِيهِهِ ﷺ عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ الشُّعَراءِ أنَّ أتْباعَ الشُّعَراءِ الغاوُونَ وأتْباعَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسُوا كَذَلِكَ، ولا رَيْبَ في أنَّ تَعْلِيلَ عَدَمِ كَوْنِهِ ﷺ مِنهم بِكَوْنِ أتْباعِهِ ﷺ غَيْرَ غاوِينَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ العالِي. وقِيلَ: الغاوُونَ: الرّاوُونَ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: هم شُعَراءُ قُرَيْشٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزَّبَعْرى، وهُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ المَخْزُومِيُّ، ومُسافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وأبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ، ومِن ثَقِيفٍ: أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، قالُوا: نَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقُرِئَ: "والشُّعَراءُ" بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: "يَتْبَعُهُمْ" عَلى التَّخْفِيفِ، و"يَتْبَعْهُمْ" بِسُكُونِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
26:227Page 376
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ ٢٢٧
Except those [poets] who believe and do righteous deeds and remember Allāh often and defend [the Muslims]1 after they were wronged. And those who have wronged are going to know to what [kind of] return they will be returned.
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ اسْتِثْناءٌ لِلشُّعَراءِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَكُونُ أكْثَرُ أشْعارِهِمْ في التَّوْحِيدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى والحَثِّ عَلى طاعَتِهِ والحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ والزُّهُدِ في الدُّنْيا والتَّرْغِيبِ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْها والزَّجْرِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِزَخارِفِها والِافْتِتانِ بِمَلاذِّها الفانِيَةِ، ولَوْ وقَعَ مِنهم في بَعْضِ الأوْقاتِ هَجْوٌ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم بِطَرِيقِ الِانْتِصارِ مِمَّنْ هَجاهم. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَثْنِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ بْنِ أبِي (p-271)سُلْمى، والَّذِينَ كانُوا يُنافِحُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُكافِحُونَ هُجاةَ قُرَيْشٍ. «وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: اهْجُهم فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهو أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبْلِ»، وكانَ «يَقُولُ لِحَسّانَ: قُلْ ورُوحُ القُدْسِ مَعَكَ» .
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ووَعِيدٌ أكِيدٌ لِما في "سَيَعْلَمُ" مِن تَهْوِيلِ مُتَعَلَّقِهِ، وفي ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِنَ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمِ وفي ﴿أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ مِنَ الإبْهامِ والتَّهْوِيلِ. وقَدْ قالَهُ أبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ عُهِدَ إلَيْهِ، وقُرِئَ: "أيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ" مِنَ الِانْفِلاتِ بِمَعْنى: النَّجاةِ، والمَعْنى: أنَّ الظّالِمِينَ يَطْمَعُونَ أنْ يَنْفَلِتُوا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى وسَيَعْلَمُونَ أنْ لَيْسَ لَهم وجْهٌ مِن وُجُوهِ الِانْفِلاتِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ الشُّعَراءِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِنُوحٍ وكَذَّبَ بِهِ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ وإبْراهِيمَ وبِعَدَدِ مَن كَذَّبَ بِعِيسى وصَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences