Abu as-Su'udAsh‑Shu'ara · 26:1–26

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

الشعراء

Ash-Shu'ara

The Poets · Meccan · 227 ayahs

26:1Page 367

طسٓمٓ ١

Ṭā, Seen, Meem.1

(p-233)(سُورَةُ الشُّعَراءِ مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ [197، ومِنَ ايَةِ 224 إلى آخَرِ السُّورَةِ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها 227 )

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم﴾ بِتَفْخِيمِ الألِفِ وبِإمالَتِها وإظْهارِ النُّونِ وبِإدْغامِها في المِيمِ، وهو إمّا مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِطَرِيقِ التَّحَدِّي عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في فاتِحَةِ البَقَرَةِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وأمّا اسْمٌ لِلسُّورَةِ كَما عَلَيْهِ إطْباقُ الأكْثَرِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أظْهَرُ مِنَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وقَدْ مَرَّ وجْهُهُ في مَطْلَعِ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ لائِقٍ بِالمَقامِ نَحْوُ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.

26:2Page 367

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

These are the verses of the clear Book.

وَتِلْكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إشارَةٌ إلى السُّورَةِ سَواءٌ كانَ " طسم " مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ أوِ اسْمًا لِلسُّورَةِ حَسَبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ هُناكَ. وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَخامَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعَدُهُ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ " طسم " مُبْتَدَأً فَهو مَبْدَأٌ ثانٍ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ. والمُرادُ بِالكِتابِ: القرآن، وبِالمُبِينِ: الظّاهِرُ إعْجازُهُ عَلى أنَّهُ مَن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أوِ المُبَيِّنُ لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها، أوِ الفاصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمَعْنى: هي آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهُ مُتَرْجَمَةٌ باسْمٍ مُسْتَقِلٍّ، والمُرادُ بِبَيانِ كَوْنِها بَعْضًا مِنهُ وصْفُها بِما اشْتُهِرَ بِهِ الكُلُّ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ.

26:3Page 367

لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣

Perhaps, [O Muḥammad], you would kill yourself with grief that they will not be believers.

﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ، وأصْلُ البَخْعِ أنْ يَبْلُغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعَ، وهو عَرَقٌ مُسْتَبْطِنُ الفَقارِ وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذَّبْحِ، وقُرِئَ: "باخِعُ نَفْسِكَ" عَلى الإضافَةِ ولَعَلَّ لِلْإشْفاقِ، أيْ: أشْفِقْ عَلى نَفْسِكَ أنْ تَقْتُلَها حَسْرَةً عَلى ما فاتَكَ مِنَ اِسْلامِ قَوْمِكَ.

﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ الكِتابِ المُبِينِ، أوْ خِيفَةً أنْ لا يُؤْمِنُوا بِهِ.

26:4Page 367

إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤

If We willed, We could send down to them from the sky a sign for which their necks would remain humbled.1

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّحَسُّرِ المَذْكُورِ بِبَيانِ أنَّ إيمانَهم لَيْسَ مِمّا تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى حَتْمًا فَلا وجْهَ لِلطَّمَعِ فِيهِ والتَّألُّمِ مِن فَواتِهِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ مَضْمُونَ الجَزاءِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ أيْ: مُلْجِئَةً لَهم إلى الإيمانِ قاسِرَةً عَلَيْهِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ (p-234)والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ

﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أيْ: مُنْقادِينَ، وأصْلُهُ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ، فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ بِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ وتُرِكَ الخَبَرُ عَلى حالِهِ، وقِيلَ: لَمّا وُصِفَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مُجْراهم في الصِّيغَةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾، وقِيلَ: أُرِيدَ بِها الرُّؤَساءُ والجَماعاتُ مِن قَوْلِهِمْ: جاءَنا عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: فَوْجٌ مِنهم. وقُرِئَ: "خاضِعَةً" . وقَوْلُهُ تَعالى: "فَظَلَّتْ" عَطْفٌ عَلى "نُنَـزِّلُ" بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ.

26:5Page 367

وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥

And no mention [i.e., revelation] comes to them anew from the Most Merciful except that they turn away from it.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيانٌ لِشَدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ المُلْجِئَةِ لِصَرْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحِرْصِ عَلى إسْلامِهِمْ وقَطْعِ رَجائِهِ عَنْهُ، و"مِن" الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِيَأْتِيهِمْ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةُ الذِّكْرِ، وأيّامًا كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ وشَرَفِهِ وشَناعَةِ ما فَعَلُوا بِهِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمَةِ لِتَغْلِيظِ شَناعَتِهِمْ وتَهْوِيلِ جِنايَتِهِمْ، فَإنَّ الإعْراضَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإطْلاقِ شَنِيعٌ قَبِيحٌ وعَمّا يَأْتِيهِمْ بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ تَعالى المَحْضِ مَنفَعَتِهِمْ أشْنَعُ وأقْبَحُ، أيْ: ما يَأْتِيهِمْ مِن مَوْعِظَةٍ مِنَ المَواعِظِ القرآنيَّةِ أوْ مِن طائِفَةٍ نازِلَةٍ مِنَ القرآن تُذَكِّرُهم أكْمَلَ تَذْكِيرٍ وتُنَبِّهُهم عَنِ الغَفْلَةِ أتَمَّ تَنْبِيهٍ كَأنَّها نَفْسُ الذِّكْرِ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِمُقْتَضى رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ مُجَدِّدٌ تَنْزِيلَهُ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إلّا جَدَّدُوا إعْراضًا عَنْهُ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ وإصْرارًا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ "يَأْتِيهِمْ" بِإضْمارِ "قَدْ" أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، أيْ: ما يَأْتِيهِمْ مِن ذَكْرٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنْهُ.

26:6Page 367

فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦

For they have already denied, but there will come to them the news of that which they used to ridicule.

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: كَذَّبُوا بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا مُقارَنًا لِلِاسْتِهْزاءِ بِهِ ولَمْ يَكْتَفُوا بِالإعْراضِ عَنْهُ حَيْثُ جَعَلُوهُ تارَةً سِحْرًا وأُخْرى أساطِيرَ وأُخْرى شِعْرًا. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والسِّينُ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَقْرِيرِهِ، أيْ: فَسَيَأْتِيهِمُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ أصْلًا.

﴿أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عَدَلَ عَمّا يَقْتَضِيهِ سائِرٌ ما سَلَفَ مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُما كانا مُقارِنَيْنِ لِلِاسْتِهْزاءِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ حَسَبَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . وأنْباؤُهُ: ما سَيَحِيقُ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ إمّا لِكَوْنِها مِمّا نَبَّأ بِها القرآن الكَرِيمُ، وإمّا لِأنَّهم بِمُشاهَدَتِها يَقِفُونَ عَلى حَقِيقَةِ حالِ القرآن كَما يَقِفُونَ عَلى الأحْوالِ الخافِيَةِ عَنْهم بِاسْتِماعِ الأنْباءِ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ لَهُ لِأنَّ النَّبَأ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ خَطِيرٍ لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، أيْ: فَسَيَأْتِيهِمْ لا مَحالَةَ مِصْداقُ ما كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِهِ قَبْلُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في أحْوالِهِ ويَقِفُوا عَلَيْها.

26:7Page 367

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧

Did they not look at the earth - how much We have produced therein from every noble kind?

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ (p-235)والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مِقْدارٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيِ: افْعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الإعْراضِ عَنِ الآياتِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها ولَمْ يَنْظُرُوا ﴿إلى الأرْضِ﴾ أيْ: عَجائِبُها الزّاجِرَةِ عَمّا فَعَلُوا الدّاعِيَةِ إلى الإقْبالِ عَلى ما أعْرَضُوا عَنْهُ وإلى الإيمانِ بِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما في الأرْضِ مِنَ الآياتِ الزّاجِرَةِ عَنِ الكُفْرِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ، و"كَمْ" خَبَرِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها عَلى المَفْعُولِيَّةِ والجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ "كُلٍّ" لِإفادَةِ الإحاطَةِ والكَثْرَةِ مَعًا. و ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ تَمْيِيزٌ، والكَرِيمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَرْضِيُّهُ ومَحْمُودُهُ، أيْ: كَثِيرًا مِن كُلِّ صِنْفٍ مُرْضِي كَثِيرَ المَنافِعِ أنْبَتْنا فِيها، وتَخْصِيصُ إنْباتِهِ بِالذِّكْرِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الأصْنافِ لِاخْتِصاصِهِ بِالدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ والنِّعْمَةِ مَعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ أصْنافِ النَّباتِ نافِعِها وضارِّها، ويَكُونُ وصْفُ الكُلِّ بِالكَرَمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أنْبَتَ شَيْئًا إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ فَإنَّ الحَكِيمَ لا يَكادُ يَفْعَلُ فِعْلًا إلّا وفِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، وإنْ غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ ولَمْ يَتَوَصَّلْ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِها العاقِلُونَ.

26:8Page 367

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ "أنْبَتْنا" أوْ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأزْواجِ وأيًّا ما كانَ فَما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِ في الفَضْلِ.

﴿لآيَةً﴾ أيْ: آيَةً عَظِيمَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ مُنْبِتِها وغايَةِ وفُورِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ونِهايَةِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ مُوجِبَةً لِلْإيمانِ وازِعَةً عَنِ الكُفْرِ.

﴿وَما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرُ قَوْمِهِ ﷺ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: أيْ: في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ حَيْثُ عَلِمَ أزَلًا أنَّهم سَيُصَرِّفُونَ فِيما لا يَزالُ اخْتِيارُهُمُ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ التَّكْلِيفِ إلى جانِبِ الشَّرِّ ولا يَتَدَبَّرُونَ في هَذِهِ الآياتِ العِظامِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: كانَ صِلَةٌ، والمَعْنى: وما أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ بَيانِ عُتُوِّهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإيمانِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وأمّا نِسْبَةُ كُفْرِهِمْ إلى علمه تعالى وقَضائِهِ فَرُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنها كَوْنُهم مَعْذُورِينَ فِيهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِأنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّحْقِيقِ مِمّا خَفِيَ عَلى مَهَرَةِ العُلَماءِ المُتْقِنِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً باهِرَةً مُوجِبَةً لِلْإيمانِ وما أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ مَعَ ذَلِكَ لِغايَةِ تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والضَّلالَةِ وانْهِماكُهم في الغَيِّ والجَهالَةِ، ونِسْبَةُ عَدَمِ الإيمانِ إلى أكْثَرِهِمْ لِأنَّ مِنهم مَن سَيُؤْمِنُ.

26:9Page 367

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِانْتِقامُ مِن هَؤُلاءِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ المَبالِغِ الرَّحْمَةَ ولِذَلِكَ يُمْهِلُهم ولا يُؤاخِذُهم بَغَتَةً بِما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِفُنُونِ العُقُوباتِ. وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَشْرِيفِهِ، والعِدَةِ الخَفِيَّةِ بِالِانْتِقامِ مِنَ الكَفَرَةِ ما لا يَخْفْى.

26:10Page 367

وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠

And [mention] when your Lord called Moses, [saying], "Go to the wrongdoing people -

﴿وَإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ اِعْراضِهِمْ عَنْ كُلِّ ما يَأْتِيهِمْ مِنَ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ وتَكْذِيبِهِمْ بِها إثْرَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ. و"إذْ" مَنصُوبٌ (p-236)

عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أيْ: واذْكُرْ لِأُولَئِكَ المُعْرِضِينَ المُكَذِّبِينَ وقْتَ نِدائِهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَكِّرْهم بِما جَرى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ زَجْرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ وتَحْذِيرًا مِن أنْ يَحِيقَ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمُ المُكَذِّبِينَ الظّالِمِينَ حَتّى يَتَّضِحَ لَكَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما يَأْتِيهِمْ مِنَ الآياتِ لَكِنْ لا بِقِياسِ حالِ هَؤُلاءِ بِحالِ أُولَئِكَ فَقَطْ، بَلْ بِمُشاهَدَةِ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ بَعْدَ سَماعِ الوَحْيِ النّاطِقِ بِقِصَّتِهِمْ وعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِذَلِكَ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَكْرِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ عَقِيبَ كُلِّ قِصَّةٍ. وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا.

﴿أنِ ائْتِ﴾ بِمَعْنى: أيْ أئَتْ عَلى أنَّ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، أوْ بِأنِ ائْتِ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ مِنها الجارُّ.

﴿القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ والمَعاصِي واسْتِبْعادِ بَنِي إسْرائِيلَ وذَبْحِ أبْنائِهِمْ ولَيْسَ هَذا مَطْلَعُ ما ورَدَ في حَيِّزِ النِّداءِ، وإنَّما هو ما فُصِّلَ في سُورَةِ طه مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ ...﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ وإيرادُ ما جَرى في قِصَّةٍ واحِدَةٍ مِنَ المَقالاتِ بِعِباراتٍ شَتّى وأسالِيبٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في أوائِلِ (سُورَةِ الأعْرافِ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْظِرْنِي﴾ .

26:11Page 367

قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١

The people of Pharaoh. Will they not fear Allāh?"

﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ جِيءَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عَلَمٌ في الظُّلْمِ، كَأنَّ مَعْنى القَوْمِ الظّالِمِينَ وتَرْجَمَتَهُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ. والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ قَوْمِهِ لِلْإيذانِ بِشُهْرَةِ أنَّ نَفْسَهُ أوَّلُ داخِلٍ في الحُكْمِ.

﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ إثْرَ إرْسالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ لِلْإنْذارِ تَعْجِيبًا مِن غُلُوِّهِمْ في الظُّلْمِ وإفْراطِهِمْ في العُدْوانِ، وقُرِئَ بِتاءُ الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ المُنْبِئِ عَنْ زِيادَةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّ ذِكْرَ ظُلْمِهِمْ أدّى إلى مُشافَهَتِهِمْ بِذَلِكَ وهم وإنْ كانُوا حِينَئِذٍ غُيَّبًا لَكِنَّهم قَدْ أُجْرُوا مَجْرى الحاضِرِينَ في كَلامِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَبْلَغُهُ إلَيْهِمْ وإسْماعُهُ مُبْتَدَأُ إسْماعِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ الحَثِّ عَلى التَّقْوى لِمَن تَدَبَّرَ وتَأمَّلَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ اكْتِفاءً بِهِ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ألا يا ناسُ اتَّقَوْنِ نَحْوَ أنْ لا يَسْجُدُوا.

26:12Page 367

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢

He said, "My Lord, indeed I fear that they will deny me

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ ما مَضى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ فَقِيلَ: قالَ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ مِن أوَّلِ الأمْرِ.

26:13Page 367

وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣

And that my breast will tighten and my tongue will not be fluent, so send for Aaron.

﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفًا عَلى "أخافُ" .

﴿فَأرْسِلْ﴾ أيْ: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إلى هارُونَ﴾ لَيَكُونَ مَعِي وأتَعاضَدُ بِهِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. رَتَّبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتِدْعاءَهُ ذَلِكَ عَلى الأُمُورِ الثَّلاثَةِ: خَوْفَ التَّكْذِيبِ، وضِيقُ الصَّدْرِ، وازْدِيادُ ما كانَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَبْسَةِ اللِّسانَ بِانْقِباضِ الرُّوحِ إلى باطِنِ القَلْبِ عِنْدَ ضِيقِهِ بِحَيْثُ لا يَنْطِقُ، لِأنَّها إذا اجْتَمَعَتْ تَمَسُّ الحاجَةُ إلى مُعَيَّنٍ يُقَوِّي قَلْبَهُ ويَنُوبُ مَنابَهُ إذا اعْتَراهُ حَبْسُهُ حَتّى (p-237)

لا تَخْتَلَّ دَعْوَتُهُ ولا تَنْقَطِعَ حُجَّتُهُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّعَلُّلِ والتَّوَقُّفِ في تَلَقِّي الأمْرِ في شَيْءٍ وإنَّما هو اسْتِدْعاءٌ لِما يُعِينُهُ عَلى الِامْتِثالِ بِهِ وتَمْهِيدُ عُذْرٍ فِيهِ. وقُرِئَ: "وَيَضِيقُ" و"لا يَنْطِقُ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى "يُكَذِّبُونَ" فَيَكُونانِ مِن جُمْلَةِ ما يَخافُ مِنهُ.

26:14Page 367

وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤

And they have upon me a [claim due to] sin, so I fear that they will kill me."

﴿وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أيْ: تَبِعَةُ ذَنْبٌ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ، والمُرادُ بِهِ: قَتْلُ القِبْطِيِّ. وتَسْمِيَتُهُ "ذَنْبًا" بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ لَهم وهَذا إشارَةٌ إلى قِصَّةٍ مَبْسُوطَةٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.

﴿فَأخافُ﴾ أيْ: إنْ أتَيْتُهم وحْدِي ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِمُقابَلَتِهِ قَبْلَ أداءِ الرِّسالَةِ كَما يَنْبَغِي، ولَيْسَ هَذا أيْضًا تَعَلُّلًا وإنَّما هو اسْتِدْفاعُ المُبْلِيَةِ المُتَوَقَّعَةِ قَبْلَ وُقُوعِها.

26:15Page 367

قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥

[Allāh] said, "No. Go both of you with Our signs; indeed, We are with you, listening.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ حِكايَةٌ لِإجابَتِهِ تَعالى إلى الطَّلَبَيْنِ: الدَّفْعِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وضَمَّ أخِيهِ المَفْهُومِ مِن تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِما بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الرَّدْعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ رَمْزٌ إلى أنَّها تَدْفَعُ ما يَخافُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ ومَزِيدُ تَسْلِيَةٍ لَهُما بِضَمانِ كَمالِ الحِفْظِ والنُّصْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ حَيْثُ كانَ المَوْعُودُ بِمَحْضَرٍ مِن فِرْعَوْنَ اعْتُبِرَ هَهُنا في المَعِيَّةِ، وقِيلَ: أجْرَيا مَجْرى الجَماعَةِ ويَأْباهُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ مِن ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، أيْ: سامِعُونَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما وبَيْنَهُ فَنَظْهَرُ كَما عَلَيْهِ، مَثَّلَ حالَهُ تَعالى بِحالِ ذِي شَوْكَةٍ قَدْ حَضَرَ مُجادَلَةَ قَوْمٍ يَسْتَمِعُ ما يَجْرِي بَيْنَهم لَيَمُدَّ أوْلِياءَهُ ويُظْهِرَهم عَلى أعْدائِهِمْ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالإعانَةِ، أوِ اسْتُعِيرَ الِاسْتِماعُ الَّذِي هو بِمَعْنى الإصْغاءِ لِلسَّمْعِ الَّذِي هو العِلْمُ بِالحُرُوفِ والأصْواتِ وهو خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرٌ وحْدَهُ ومَعَكم ظَرْفُ لَغْوٍ.

26:16Page 367

فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦

Go to Pharaoh and say, 'We are the messengers1 of the Lord of the worlds,

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ ولَيْسَ هَذا مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِلْأمْرِ بِالذِّهابِ، لِأنَّ مَعْناهُ الوُصُولُ إلى المَأْتِيِّ لا مُجَرَّدَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كِالذِّهابِ. وإفْرادُ الرَّسُولِ إمّا بِاعْتِبارِ رِسالَةٍ كُلٍّ مِنهُما، أوْ لِاتِّحادِ مَطْلَبِهِما، أوْ لِأنَّهَ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ.

26:17Page 367

أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧

[Commanded to say], "Send with us the Children of Israel."'"

وَ"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ، ومَعْنى إرْسالِهِمْ: تَخْلِيَتُهم وشَأْنَهم لَيَذْهَبُوا مَعَهُما إلى الشّامِ.

26:18Page 367

قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨

[Pharaoh] said, "Did we not raise you among us as a child, and you remained among us for years of your life?

﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَّ بِهِ. يُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهم سَنَةً حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ، فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ فَعَرَفَ (p-238)مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا﴾ في حِجْرِنا ومَنازِلِنا ﴿وَلِيدًا﴾ أيْ: طِفْلًا عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالوِلادَةِ.

﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً ثُمَّ خَرَجَ إلى مَدْيَنَ وأقامَ بِها عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ عادَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثَلاثِينَ سَنَةً ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ خَمْسِينَ سَنَةً. وقِيلَ: وكَزَ القِبْطِيَّ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وفَرَّ مِنهم عَلى أثَرِ ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.

26:19Page 367

وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩

And [then] you did your deed which you did,1 and you were of the ungrateful."

﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يَعْنِي: قَتْلَ القِبْطِيِّ، بَعْدَ ما عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ مِن تَرْبِيَتِهِ وتَبْلِيغِهِ مَبْلَغَ الرِّجالِ وبَّخَهُ بِما جَرى عَلَيْهِ مِن قَتْلِ خَبّازِهِ وعَظَّمَ ذَلِكَ وفَظَّعَهُ. وقُرِئَ: "فِعْلَتَكَ" بِكَسْرِ الفاءِ لِأنَّها كانَتْ نَوْعًا مِنَ القَتْلِ.

﴿وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: بِنِعْمَتِي حَيْثُ عَمَدْتَ إلى قَتْلِ رَجُلٍ مِن خَواصِّي، أوْ أنْتَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ تُكَفِّرُهُمُ الآنَ، وقَدِ افْتَرى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ جَهِلَ أمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ كانَ يُعايِشُهم بِالتَّقِيَّةِ، وإلّا فَأيْنَ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن مُشارَكَتِهِمْ في الدِّينِ ؟ . فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ اِحْدى التّاءَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُكْمًا مُبْتَدَأٌ عَلَيْهِ أنَّهُ مِنَ الكافِرِينَ بِإلَهِيَّتِهِ أوْ مِمَّنْ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ حَيْثُ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَها، أوْ مِنَ الكافِرِينَ بِالنِّعَمِ المُعْتادِينَ لِغَمْطِها، ومَنِ اعْتادَ ذَلِكَ لا يَكُونُ مِثْلُ هَذِهِ الجِنايَةِ بِدْعًا مِنهُ.

26:20Page 368

قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠

[Moses] said, "I did it, then, while I was of those astray [i.e., ignorant].

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لَهُ مُصَدِّقًا لَهُ في القَتْلِ ومُكَذِّبًا فِيما نَسَبَهُ إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: مِنَ الجاهِلِينَ. وقَدْ قُرِئَ: "كَذَلِكَ لا مِنَ الكافِرِينَ" كَما زَعَمْتَ افْتِراءً، أيْ: مِنَ الفاعِلِينَ فِعْلَ الجَهَلَةِ والسُّفَهاءِ، أوْ مِنَ المُخْطِئِينَ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ بَلْ أرادَ تَأْدِيبَهُ، أوِ الذّاهِبِينَ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ الوَكْزُ، أوِ النّاسِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ .

26:21Page 368

فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١

So I fled from you when I feared you. Then my Lord granted me judgement [i.e., wisdom and prophethood] and appointed me [as one] of the messengers.

﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ إلى رَبِّي ﴿لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ أنْ تُصِيبُونِي بِمَضَرَّةٍ وتُؤاخِذُونِي بِما لا أسْتَحِقُّهُ بِجَنابَتِي مِنَ العِقابِ.

﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: حِكْمَةً، أوِ النُّبُوَّةَ ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ رَدَأ ولا بِذَلِكَ ما وبَّخَهُ بِهِ قَدْحًا في نُبُوَّتِهِ.

26:22Page 368

وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢

And is this a favor of which you remind me - that you have enslaved the Children of Israel?"

ثُمَّ كَرَّ عَلى ما عَدَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِرَدِّهِ حَيْثُ كانَ صِدْقًا غَيْرَ قادِحٍ في دَعْواهُ بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في الحَقِيقَةِ نِقْمَةً، فَقالَ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلِيَّ ظاهِرًا، وهي في الحَقِيقَةِ تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَصْدُكَ إيّاهم بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ فَإنَّهُ السَّبَبُ في وُقُوعِي عِنْدَكَ وحُصُولِي في تَرْبِيَتِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ، أيْ: أوْ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ وهي أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ. ومَحَلُّ ﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن "نِعْمَةٌ"، أوِ الجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، أوِ النَّصْبُ بِحَذْفِها. وقِيلَ: تِلْكَ إشارَةٌ إلى خَصْلَةٍ شَنْعاءَ مُبْهَمَةٍ، و"أنْ عَبَّدْتَ" عَطْفُ بَيانٍ لَها، والمَعْنى: تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ. وتَوْحِيدُ الخِطابِ في تَمُنُّها وجَمْعُهُ فِيما قَبْلَهُ لِأنَّ المِنَّةَ مِنهُ خاصَّةً والخَوْفُ والفِرارُ مِنهُ ومِن مَلَئِهِ.

26:23Page 368

قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣

Said Pharaoh, "And what is the Lord of the worlds?"

(p-239)﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ لَمّا سَمِعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تِلْكَ المَقالَةَ المَتِينَةَ وشاهَدَ تَصَلُّبَهُ في أمْرِهِ وعَدَمَ تَأثُّرِهِ بِما قَدَّمَهُ مِنَ الإبْراقِ والإرْعادِ، شَرَعَ في الِاعْتِراضِ عَلى دَعْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَبَدَأ بِالِاسْتِفْسارِ عَنِ المُرْسِلِ فَقالَ: ﴿وَما رَبُّ العالَمِينَ﴾ حِكايَةٌ لِما وقَعَ في عِباراتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ رَبُّ العالَمِينَ الَّذِي ادَّعَيْتَ أنَّكَ رَسُولُهُ مُنْكِرًا لِأنْ يَكُونَ لِلْعالَمِينَ رَبٌّ سِواهُ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ ويَنْطِقُ بِهِ وعِيدُهُ عِنْدَ تَمامِ أجْوِبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

26:24Page 368

قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤

[Moses] said, "The Lord of the heavens and earth and that between them, if you should be convinced."

﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُجِيبًا لَهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بِتَعْيِينِ ما أرادَ بِالعالَمِينَ، وتَفْصِيلُهُ لِزِيادَةِ التَّحْقِيقِ والتَّقْرِيرِ وحَسْمِ مادَّةِ تَزْوِيرِ اللَّعِينِ وتَشْكِيكِهِ بِحَمْلِ العالَمِينَ عَلى ما تَحْتَ مَمْلَكَتِهِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ الأشْياءَ مُحَقِّقِينَ لَها عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَهَذا أوْلى بِالإيقانِ لِظُهُورِهِ وإنارَةِ دَلِيلِهِ.

26:25Page 368

قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥

[Pharaoh] said to those around him, "Do you not hear?"

﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ عِنْدَ سَماعِ جَوابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَوْفًا مِن تَأْثِيرِهِ في قُلُوبِ قَوْمِهِ وإذْعانِهِمْ لَهُ.

﴿لِمَن حَوْلَهُ﴾ مِن أشْرافِ قَوْمِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا خَمْسَمِائَةٍ عَلَيْهِمُ الأساوِرُ، وكانَتْ لِلْمُلُوكِ خاصَّةً.

﴿ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ مُرائِيًا لَهم أنَّ ما سَمِعُوهُ مِن جَوابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِأنْ يَعْتَدَّ بِهِ أمْرٌ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ، كَأنَّهُ قالَ: ألا تَسْتَمِعُونَ ما يَقُولُهُ فاسْتَمِعُوهُ وتَعَجَّبُوا مِنهُ، حَيْثُ يَدَّعِي خِلافَ أمْرٍ مُحَقَّقٍ لا اشْتِباهَ فِيهِ يُرِيدُ بِهِ رُبُوبِيَّةَ نَفْسِهِ.

26:26Page 368

قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦

[Moses] said, "Your Lord and the Lord of your first forefathers."

﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَصْرِيحًا بِما كانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ جَوابَيْهِ السّابِقَيْنِ ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وحَطًّا لَهُ مِنِ ادِّعاءِ الربوبية إلى مَرْتَبَةِ المَرْبُوبِيَّةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском