Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:68–102
26:68Page 370
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِانْتِقامُ مِنَ المُكَذِّبِينَ ﴿الرَّحِيمُ﴾ المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ يُمْهِلُهم ولا يَجْعَلُ عُقُوبَتَهم بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بَعْدَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ مَعَ كَمالِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ. هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى آخِرِ القِصَصِ السَّبْعِ بَلْ إلى آخَرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ اقْتِضاءً بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ضَمِيرَ "أكْثَرُهُمْ" لِأهْلِ عَصْرِ فِرْعَوْنَ مِنَ القِبْطِ وغَيْرِهِمْ، وأنَّ المَعْنى: وما كانَ أكْثَرُ أهْلِ مِصْرَ مُؤْمِنِينَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُ مِنهُمُ إلّا آسِيَةُ، وحِزْقِيلُ، ومَرْيَمُ ابْنَةُ يامُوشا الَّتِي (p-247)
دَلَّتْ عَلى تابُوتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وبَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ ما نَجَوا سَألُوا بَقَرَةً يَعْبُدُونَها واتَّخَذُوا العِجْلَ، وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَبِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ، كَيْفَ لا ومَساقُ كُلِّ قِصَّةٍ مِنَ القِصَصِ الوارِدَةِ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ سِوى قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما هو لِبَيانِ حالِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ قَدْ عَتَوا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَصْدِيرُ القِصَصِ بِتَكْذِيبِهِمُ المُرْسَلِينَ بَعْدَ ما شاهَدُوا بِأيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ ما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الإيمانَ ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ، وأصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وقَطَعَ دابِرَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهم بِعَدَمِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ لا سِيَّما بَعْدَ الإخْبارِ بِإهْلاكِهِمْ وعَدَّ المُؤْمِنِينَ مَن جُمْلَتِهِمْ أوَّلًا وإخْراجُهم مِنها آخِرًا مَعَ عَدَمِ مُشارَكَتِهِمْ لَهم في شَيْءٍ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الجِناياتِ أصْلًا مِمّا يُوجِبُ تَنْـزِيهَ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، فَتَدَبَّرْ.
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ المُقَدَّرِ عامِلًا لـِ "إذْ نادى ..." إلَخِ، أيْ: واتْلُ عَلى المُشْرِكِينَ ﴿نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: خَبَرَهُ العَظِيمَ الشَّأْنِ حَسَبَما أُوحِيَ إلَيْكَ لِتَقِفَ عَلى ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ بِما يَأْتِيهِمْ مِنَ الآياتِ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ.
26:70Page 370
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠
When he said to his father and his people, "What do you worship?"
﴿إذْ قالَ﴾ مَنصُوبٌ إمّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِلنَّبَأِ، أيْ: نَبَّأهُ وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾، أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ "اتْلُ" عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن نَبَأ، أيْ: واتْلُ عَلَيْهِمْ وقْتَ قَوْلِهِ لَهم: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ عَلى أنَّ المَتْلُوَّ ما قالَهُ لَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ سَألَهُمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ لَيَبْنِيَ عَلى جَوابِهِمْ أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ بِالكُلِّيَّةِ.
26:71Page 370
قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١
They said, "We worship idols and remain to them devoted."
﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الجَوابِ الكافِي بِأنْ يَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: " ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُواْ الحَقّ " ونَظائِرُهُما، بَلْ أطْنَبُوا فِيهِ بِإظْهارِ الفِعْلِ وعَطْفُ دَوامِ عُكُوفِهِمْ عَلى أصْنامِهِمْ قَصْدًا إلى إبْرازِ ما في نُفُوسِهِمُ الخَبِيثَةِ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِذَلِكَ. والمُرادُ بِالظُّلُولِ: الدَّوامُ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ وصِلَةُ العُكُوفِ كَلِمَةُ "عَلى" وإيرادُ اللّامِ لِإفادَةِ مَعْنًى زائِدٍ، كَأنَّهم قالُوا: فَنَظَلُّ لِأجْلِها مُقْبِلِينَ عَلى عِبادَتِها أوْ مُسْتَدِيرِينَ حَوْلَها وهَذا أيْضًا مِن جُمْلَةِ إطْنابِهِمْ.
26:72Page 370
قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢
He said, "Do they hear you when you supplicate?
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَفْصِيلِ جَوابِهِمْ ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ أيْ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم ؟ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ يَسْمَعُونَكم تَدْعُونَ كَقَوْلِكَ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَيْتَ وكَيْتَ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَدْعُونَ﴾ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: "هَلْ يُسْمِعُونَكُمْ" مِنَ الإسْماعِ، أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوِ الجَوابِ عَنْ دُعائِكم، وهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ. وصِيغَةُ المُضارِعِ مَعَ "إذْ" عَلى حِكايَةِ الحالِ (p-248)الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اسْتَحْضِرُوا الأحْوالَ الماضِيَةَ الَّتِي كُنْتُمْ تَدَّعُونَها فِيها، وأجِيبُوا هَلْ سَمِعُوا، أوْ سَمِعُوا قَطُّ.
﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ عِبادَتِكم لَها ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم بِتَرْكِكم لِعِبادَتِها إذا لا بُدَّ لِلْعِبادَةِ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِها عَلى ما وصَفْتُمْ مِنَ المُبالَغَةِ فِيها مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعٍ ضَرٍّ.
26:74Page 370
قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤
They said, "But we found our fathers doing thus."
﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ اعْتَرَفُوا بِأنَّها بِمَعْزِلٍ مِمّا ذُكِرَ مِنَ السَّمْعِ والمَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ بِالمَرَّةِ، واضْطَرُّوا إلى إظْهارِ أنْ لا سَنَدَ لَهم سِوى التَّقْلِيدِ، أيْ: ما عَلِمْنا، أوْ ما رَأيْنا مِنهم ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ، بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، أيْ: مِثْلَ عِبادَتِنا يَعْبُدُونَ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ.
26:75Page 370
قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥
He said, "Then do you see what you have been worshipping,
﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: أنَظَرْتُمْ فَأبْصَرْتُمْ، أوْ أتَأمَّلْتُمْ فَعَلِمْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُ.
﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ حَقَّ الإبْصارِ أوْ حَقَّ العِلْمِ.
26:77Page 370
فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧
Indeed, they are enemies to me, except the Lord of the worlds,1
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ بَيانٌ لِحالِ ما يَعْبُدُونَهُ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ: فاعْلَمُوا أنَّهم أعْداءٌ لِعابِدِيهِمُ الَّذِينَ يُجِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ تَعالى لِما أنَّهم يَتَضَرَّرُونَ مِن جِهَتِهِمْ فَوْقَ ما يَتَضَرَّرُ الرَّجُلُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ، أوْ لِأنَّ مَن يُغْرِيهِمْ عَلى عِبادَتِهِمْ ويَحْمِلُهم عَلَيْها هو الشَّيْطانُ الَّذِي هو أعْدى عَدُوِّ الإنْسانِ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَوَّرَ الأمْرَ في نَفْسِهِ تَعْرِيضًا بِهِمْ فَإنَّهُ أنْفَعُ في النَّصِيحَةِ مِنَ التَّصْرِيحِ وإشْعارًا بِأنَّها نَصِيحَةٌ بَدَأ بِها نَفْسَهُ لَيَكُونَ أدْعى إلى القَبُولِ، والعَدُوُّ والصَّدِيقُ يَجِيئانِ في مَعْنى الواحِدِ والجَمْعِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لَكم عَدُوٌّ﴾ شَبَهًا بِالمَصادِرِ لِلْمُوازَنَةِ، كالقَبُولِ والوَلُوعِ والحَنِينِ والصَّهِيلِ.
﴿إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيٌّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لا يَزالُ يَتَفَضَّلُ عَلَيَّ بِمَنافِعِهِما حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما وصَفَهُ تَعالى بِهِ مِن أحْكامِ الوِلايَةِ، وقِيلَ: مُتَّصِلٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِكُلِّ مَعْبُودٍ، وكانَ مِنَ ابائِهِمْ مَن عَبْدَ اللَّهَ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ صِفَةٌ لِرَبِّ العالَمِينَ وجَعَلَهُ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ خَبَرًا غَيْرُ حَقِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، وإنَّما وصَفَهُ تَعالى بِذَلِكَ وبِما عَطَفَهُ عَلَيْهِ مَعَ انْدِراجِ الكُلِّ تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ تَصْرِيحًا بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَفْصِيلًا لَها لِكَوْنِها أدْخَلَ في اقْتِضاءِ تَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ تَعالى. وقِصَرِ الِالتِجاءِ في جَلْبِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ المَضارِّ العاجِلَةِ والآجِلَةِ عَلَيْهِ تَعالى.
(p-249)﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ أيْ: هو يَهْدِينِي وحْدَهُ إلى كُلِّ ما يُهِمُّنِي ويُصْلِحُنِي مِنَ اُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا هِدايَةً مُتَّصِلَةً بِحِينِ الخَلْقِ ونَفْخِ الرُّوحِ مُتَجَدِّدَةً عَلى الِاسْتِمْرارِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ وصِيغَةُ المُضارِعِ، فَإنَّهُ تَعالى يَهْدِي كُلَّ ما خَلَقَهُ لِما خُلِقَ لَهُ مِنَ اُمُورِ المَعاشِ والمَعادِ هِدايَةً مُتَدَرِّجَةً مِن مَبْدَأِ إيجادِهِ إلى مُنْتَهى أجَلِهِ يَتَمَكَّنُ بِها مِن جَلْبِ مَنافِعِهِ ودَفْعِ مَضارِّهِ إمّا طَبْعًا، وإمّا اخْتِيارًا. مَبْدَؤُها بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ هِدايَةُ الجَنِينِ لِامْتِصاصِ دَمِ الطَّمْثِ، ومُنْتَهاها الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ والتَّنَعُّمِ بِنَعِيمِها المُقِيمِ.
﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّفَةِ الأُولى وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ مَعَ كِفايَةِ عَطْفِ ما وقَعَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الجُمَلِ السِّتِّ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الصِّلاتِ نَعْتٌ جَلِيلٌ لَهُ تَعالى مُسْتَقِلٌّ في اسْتِيجابِ الحُكْمِ حَقِيقَةً بِأنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِ تَعالى بِحِيالِها ولا تُجْعَلَ مِن رَوادِفِ غَيْرِها.
﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى يُطْعِمُنِي ويَسْقِينْ نُظِمَ مَعَهُما في سِلْكَ الصِّلَةِ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ لِما أنَّ الصِّحَّةَ والمَرَضَ مِن مُتَفَرِّعاتِ الأكْلِ والشُّرْبِ غالِبًا. ونِسْبَةُ المَرَضِ إلى نَفْسِهِ والشِّفاءِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُما مِنهُ تَعالى لِمُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ كَما قالَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ وقالَ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ .
26:81Page 370
وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١
And who will cause me to die and then bring me to life
وَأمّا الإماتَةُ فَحَيْثُ كانَتْ مِن مُعْظَمِ خَصائِصِهِ تَعالى كالإحْياءِ بَدْءًا وإعادَةً، وقَدْ نِيطَتْ أُمُورُ الآخِرَةِ جَمِيعًا بِها وبِما بَعْدَها مِنَ البَعْثِ نَظَمَهُما في سِمْطٍ واحِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ عَلى أنَّ المَوْتَ لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
26:82Page 370
وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢
And who I aspire that He will forgive me my sin on the Day of Recompense."
﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أنْ يَجْتَنِبُوا المَعاصِيَ ويَكُونُوا عَلى حَذَرٍ وطَلَبِ مَغْفِرَةٍ لِما يَفْرُطُ مِنهم وتَلافِيًا لِما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الصَّغائِرِ وتَنْبِيهًا لِأبِيهِ وقَوْمِهِ عَلى أنْ يَتَأمَّلُوا في أمْرِهِمْ فَيَقِفُوا عَلى أنَّهم مِن سُوءِ الحالِ في دَرَجَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها، فَإنَّ حالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ كَوْنِهِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ في الغايَةِ القاصِيَةِ حَيْثُ كانَتْ بِتِلْكَ المَثابَةِ، فَما ظَنُّكَ بِحالِ أُولَئِكَ المَغْمُورِينَ في الكُفْرِ وفُنُونِ المَعاصِي والخَطايا. وحَمْلُ الخَطِيئَةِ عَلى كَلِماتِهِ الثَّلاثِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: هي أُخْتِي مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، لِأنَّها مَعَ كَوْنِها مَعارِيضَ لا مِن قَبِيلِ الخَطايا المُفْتَقِرَةِ إلى الِاسْتِغْفارِ، إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، أمّا الثّالِثَةُ فَظاهِرَةٌ لِوُقُوعِها بَعْدَ مُهاجَرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى (p-250)الشّامِ، وأمّا الأوْلَيانِ فَلِأنَّهُما وقَعَتا مُكْتَنِفَتَيْنِ بِكَسْرِ الأصْنامِ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّ جَرَيانَ هَذِهِ المَقالاتِ فِيما بَيْنَهم كانَ في مَبادِئِ الأمْرِ تَعْلِيقُ مَغْفِرَةِ الخَطِيئَةِ بِيَوْمِ الدِّينِ مَعَ أنَّها إنَّما تُغْفَرُ في الدُّنْيا لِأنَّ أثَرَها يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ، ولِأنَّ في ذَلِكَ تَهْوِيلًا لَهُ وإشارَةً إلى وُقُوعِ الجَزاءِ فِيهِ إنْ لَمْ تُغْفَرْ.
26:83Page 370
رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ٨٣
[And he said], "My Lord, grant me authority and join me with the righteous.
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ بَعْدَ ما ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم فَنُونَ الألْطافِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن مَبْدَأِ خَلْقِهِ إلى يَوْمِ بَعْثِهِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى مُناجاتِهِ تَعالى ودُعائِهِ لِرَبْطِ العَتِيدِ وجَلْبِ المَزِيدِ. والحُكْمُ: الحِكْمَةُ الَّتِي هي الكَمالُ في العِلْمِ والعَمَلِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ بِهِ مِن خِلافَةِ الحَقِّ ورِياسَةِ الخَلْقِ.
﴿وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ووَفِّقْنِي مِنَ العُلُومِ والأعْمالِ والمَلَكاتِ لِما يُرَشِّحُنِي لِلِانْتِظامِ في زُمْرَةِ الكامِلِينَ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ المُنَـزَّهِينَ عَنْ كَبائِرِ الذُّنُوبِ وصَغائِرِها، أوِ اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهم في الجَنَّةِ. ولَقَدْ أجابَهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ.
26:84Page 371
وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤
And grant me a mention [i.e., reputation] of honor among later generations.
﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيْ: جاهًا وحُسْنَ صِيتٍ في الدُّنْيا بِحَيْثُ يَبْقى أثَرُهُ إلى يَوْمِ الدِّينِ ولِذَلِكَ لا تَرى أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ إلّا وهي مُحِبَّةٌ لَهُ ومُثْنِيَةٌ عَلَيْهِ، أوْ صادِقًا مِن ذُرِّيَّتِي يُحَدِّدُ أصْلَ دِينِي ويَدْعُو النّاسَ إلى ما كُنْتُ أدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وهو النَّبِيُّ ﷺ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ﴿أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ﴾ .
26:85Page 371
وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥
And place me among the inheritors of the Garden of Pleasure.
﴿واجْعَلْنِي﴾ في الآخِرَةِ ﴿مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ وقَدْ مَرَّ مَعْنى الوِراثَةِ في (سُورَةِ مَرْيَمَ ) .
26:86Page 371
وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦
And forgive my father. Indeed, he has been of those astray.
﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: طَرِيقَ الحَقَّ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ المَقامِ في تَفْسِيرِ (سُورَةِ التَّوْبَةِ ) و (سُورَةِ مَرْيَمَ ) بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
26:87Page 371
وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ ٨٧
And do not disgrace me on the Day they are [all] resurrected -
﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ بِمُعاتَبَتِي عَلى ما فَرَّطْتُ، أوْ يُنْقِصُ رُتْبَتِي عَنْ بَعْضِ الوُرّاثِ، أوْ بِتَعْذِيبِي لِخَفاءِ العاقِبَةِ وجَوازِ التَّعْذِيبِ عَقْلًا، كُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى هَضْمِ النَّفْسِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ بِتَعْذِيبِ ولَدِي، أوْ يَبْعَثُهُ في عِدادِ الضّالِّينَ بِعَدَمِ تَوْفِيقِهِ لِلْإيمانِ. وهو مِنَ الخِزْيِ بِمَعْنى: الهَوانِ، أوْ مِنَ الخِزايَةِ بِمَعْنى: الحَياءِ.
﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيِ: النّاسُ كافَّةً، والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ لِما في عُمُومِ البَعْثِ مِنَ الشُّهْرَةِ الفاشِيَّةِ المُغْنِيَةِ عَنْهُ، وتَخْصِيصُهُ بِالضّالِّينَ مِمّا يُخِلُّ بِتَهْوِيلِ اليَوْمِ.
26:88Page 371
يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨
The Day when there will not benefit [anyone] wealth or children
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن "يَوْمَ يَبْعَثُونَ" جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا لِلتَّهْوِيلِ وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، وهو مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: (p-251)
لا يَنْفَعُ مالٌ وإنْ كانَ مَصْرُوفًا في الدُّنْيا إلى وُجُوهِ البِرِّ والخَيْراتِ، ولا بَنُونَ وإنْ كانُوا صُلَحاءَ مُسْتَأْهِلِينَ لِلشَّفاعَةِ أحَدًا.
26:89Page 371
إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ٨٩
But only one who comes to Allāh with a sound heart."
﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أيْ: عَنْ مَرَضِ الكُفْرِ والنِّفاقِ ضَرُورَةَ اشْتِراطِ نَفْعٍ كُلٍّ مِنهُما بِالإيمانِ، وفِيهِ تَأْيِيدٌ لِكَوْنِ اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ طَلَبًا لِهِدايَتِهِ إلى الإيمانِ لِاسْتِحالَةِ طَلَبِ مَغْفِرَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كافِرًا مَعَ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعَدَمِ نَفْعِهِ لِأنَّهُ مِن بابِ الشَّفاعَةِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن فاعِلِ "يَنْفَعُ" بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: إلّا مالٌ أوْ بَنُو مَن أتى اللَّهَ.." الآيَةَ. وقِيلَ: المُضافُ المَحْذُوفُ لَيْسَ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ حَقِيقَةً بَلْ بِضَرْبٍ مِنَ الِاعْتِبارِ كَما في قَوْلِهِ:
....
؎ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ
أيْ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنْ سَلامَةِ القَلْبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا سَلامَةَ قَلْبِ مَن أتى اللَّهَ ... الآيَةُ. وقِيلَ: المُضافُ المَحْذُوفُ ما دَلَّ عَلَيْهِ المالُ والبَنُونَ مِنَ الغِنى وهو المُسْتَثْنى مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهُ ... الآيَةَ، لِأنَّ غِنى المَرْءِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ. وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ سَلامَةَ قَلْبِهِ تَنْفَعُهُ.
26:90Page 371
وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٩٠
And Paradise will be brought near [that Day] to the righteous.
﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى "لا يَنْفَعُ"، وصِيغَةُ الماضِي فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ المُنْتَظِمَةِ مَعَهُ في سِلْكَ العَطْفِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ وتَقَرُّرِهِ، كَما أنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ انْتِفاءِ النَّفْعِ ودَوامِهِ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ، أيْ: قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها مِنَ المَوْقِفِ ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها مِن فُنُونِ المَحاسِنِ فَيَبْتَهِجُونَ بِأنَّهُمُ المَحْشُورُونَ إلَيْها.
26:91Page 371
وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ ٩١
And Hellfire will be brought forth for the deviators,
﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم لِلْغاوِينَ﴾ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي هو الإيمانُ والتَّقْوى، أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم بِحَيْثُ يَرَوْنَها مَعَ ما فِيها مِن أنْواعِ الأحْوالِ الهائِلَةِ ويُوقِنُونَ بِأنَّهم مُواقِعُوها، ولا يَجِدُونَ عَنْها مَصْرِفًا.
26:92–93Page 371
وَقِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٩٢
And it will be said to them, "Where are those you used to worship
مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ ٩٣
Other than Allāh? Can they help you or help themselves?"
﴿قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدُّنْيا أنَّهم شُفَعاؤُكم في هَذا المَوْقِفِ.
﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْكم ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
26:94Page 371
فَكُبۡكِبُواْ فِيهَا هُمۡ وَٱلۡغَاوُۥنَ ٩٤
So they will be overturned into it [i.e., Hellfire], they and the deviators
وَهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَبْكِيتٍ لا يُتَوَقَّعُ لَهُ جَوابٌ ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ أيْ: أُلْقُوا في الجحيم عَلى وُجُوهِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها.
﴿هُمْ﴾ أيْ: آلِهَتُهم ﴿والغاوُونَ﴾ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَهم. وفي تَأْخِيرِ (p-252)
ذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ آلْهَتِهِمْ رَمْزٌ إلى أنَّهم يُؤَخِّرُونَ عَنْها في الكَبْكَبَةِ لِيُشاهِدُوا سُوءَ حالِها فَيَزْدادُوا غَمًّا إلى غَمِّهِمْ.
﴿وَجُنُودُ إبْلِيسَ﴾ أيْ: شَياطِينَهُ الَّذِينَ كانُوا يُغْرُونَهم ويُوَسْوِسُونَ إلَيْهِمْ ويُسَوِّلُونَ لَهم ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وسائِرِ فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي لَيَجْتَمِعُوا في العَذابِ حَسَبَما كانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيما يُوجِبُهُ، وقِيلَ: مُتَّبِعُوهُ مِن عُصاةِ الثَّقَلَيْنِ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ.
" أجْمَعِينَ " تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ ؟ فَقِيلَ: قالَ العَبَدَةُ ﴿وَهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: قالُوا مُعْتَرِفِينَ بِخَطَئِهِمْ في انْهِماكِهِمْ في الضَّلالَةِ مُتَحَسِّرِينَ مُعَيِّرِينَ لِأنْفُسِهِمْ، والحالُ أنَّهم في الجحيم بِصَدَدِ الِاخْتِصامِ مَعَ مَن مَعَهم مِنَ المَذْكُورِينَ مُخاطِبِينَ لِمَعْبُودِيهِمْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ الأصْنامَ صالِحَةً لِلِاخْتِصامِ بِأنْ يُعْطِيَها القُدْرَةَ عَلى الفَهْمِ والنُّطْقِ.
26:97Page 371
تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٩٧
"By Allāh, we were indeed in manifest error
﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ قَدْ حُذِفَ اسْمُها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: إنَّ الشَّأْنَ كُنّا في ضَلالٍ واضِحٍ لِإخْفاءٍ فِيهِ ووَصْفِهِمْ لَهُ بِالوُضُوحِ لِلْإشْباعِ في إظْهارِ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ وبَيانِ عِظَمِ خَطَئِهِمْ في رَأْيِهِمْ مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَصْدِيرُ قَسَمِهِمْ بِحَرْفِ التّاءِ المُشْعِرَةِ بِالتَّعَجُّبِ.
26:98Page 371
إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٨
When we equated you with the Lord of the worlds.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ظَرْفٌ لِكَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ، وقِيلَ: لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: ضَلَلْنا، وقِيلَ: لِلضَّلالِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ فِيهِ ضِعْفٌ صِناعِيٌّ مِن حَيْثُ إنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ بَعْدَ الوَصْفِ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لـِ "مُبِينٍ" . وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ، أيْ: تاللَّهِ لَقَدْ كُنّا في غايَةِ الضَّلالِ الفاحِشِ وقْتَ تَسْوِيَتِنا إيّاكم أيُّها الأصْنامُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي أنْتُمْ أدْنى مَخْلُوقاتِهِ وأدُلُّهم وأعْجَزُهم.
26:99Page 371
وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٩٩
And no one misguided us except the criminals.
وَقَوْلُهم: ﴿وَما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ﴾ بَيانٌ لِسَبَبِ ضَلالِهِمْ بَعْدَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِهِ عَنْهم، لَكِنْ لا عَلى مَعْنى قَصْرِ الإضْلالِ عَلى المُجْرِمِينَ دُونَ مَن عَداهم بَلْ عَلى مَعْنى قَصْرِ ضَلالِهِمْ عَلى كَوْنِهِ بِسَبَبِ إضْلالِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَقِلُّوا في تَحَقُّقِهِ، أوْ يَكُونَ بِسَبَبِ إضْلالِ الغَيْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما صَدَرَ عَنّا ذَلِكَ الضَّلالُ الفاحِشُ إلّا بِسَبَبِ إضْلالِهِمْ. والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ الَّذِينَ أضَلُّوهم: رُؤَساؤُهم، وكُبَراؤُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾، وعَنِ السُّدِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ. وأيّا ما كانَ فَفِيهِ أوْفَرُ نَصِيبٍ مِنَ التَّعْرِيضِ لِلَّذِينَ قالُوا ﴿بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ (p-253): إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ وأنْواعَ المَعاصِي.
﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ كَما نَرى لَهم أصْدِقاءَ، أوْ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ مِنَ الَّذِينَ كُنّا نَعُدُّهم شُفَعاءَ وأصْدِقاءً عَلى أنَّ عَدَمَهُما كِنايَةٌ عَنْ عَداوَتِهِما، كَما أنَّ عَدَمَ المَحَبَّةِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ البَغْضِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ أوْ وقَعْنا في مَهْلَكَةٍ لا يُخَلِّصُنا مِنها شافِعٌ ولا صَدِيقٌ، عَلى أنَّ المُرادَ بِعَدَمِهِما عَدَمُ أثَرِهِما. وجَمَعَ الشّافِعَ لِكَثْرَةِ الشُّفَعاءِ عادَةً كَما أنَّ إفْرادَ الصَّدِيقِ لِقِلَّتِهِ أوْ لِصِحَّةِ إطْلاقِهِ عَلى الجَمْعِ كالعَدُوِّ تَشْبِيهًا لَهُما بِالمَصادِرِ كالحَنِينِ والقَبُولِ.
26:102Page 371
فَلَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٢
Then if we only had a return [to the world] and could be of the believers..."1
وَكَلِمَةُ "لَوْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ لِلتَّمَنِّي كَلَيْتَ لِما أنَّ بَيْنَ مَعْنَيَيْهِما تَلاقِيًا في مَعْنى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَيْتَ لَنا كَرَّةً، أيْ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وقِيلَ: هي عَلى أصْلِها مِنَ الشَّرْطِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً لَفَعَلْنا مِنَ الخَيْراتِ كَيْتَ وكَيْتَ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ لِتَحَتُّمِ كَوْنِهِ جَوابًا لِلتَّمَنِّي مُفِيدًا لِتَرْتِيبِ إيمانِهِمْ عَلى وُقُوعِ الكَرَّةِ البَتَّةَ بِلا تَخَلُّفٍ كَما هو مُقْتَضى حالِهِمْ. وعَطَفَهُ عَلى كَرَّةً طَرِيقَةٌ "لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي" . كَما يَسْتَدْعِيهِ كَوْنُ "لَوْ" عَلى أصْلِها إنَّما يُفِيدُ تَحَقُّقَ مَضْمُونِ الجَوابِ عَلى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِ كَرَّتِهِمْ وإيمانِهِمْ مَعًا مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى اسْتِلْزامِ الكَرَّةِ لِلْإيمانِ أصْلًا مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ حَتْمًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences