Abu as-Su'udAn‑Naml · 27:18–34

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:18–34

27:18Page 378

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٨

Until, when they came upon the valley of the ants, an ant said, "O ants, enter your dwellings that you not be crushed by Solomon and his soldiers while they perceive not."

﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ "حَتّى هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ ومَعَ ذَلِكَ هي غايَةٌ لِما قَبْلَها كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ ...﴾ الآيَةَ، وهي هَهُنا غايَةٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مِنَ السَّيْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَسارُوا حَتّى إذا أتَوْا إلَخِ. ووادِي النَّمْلِ: وادٍ بِالشّامِ كَثِيرُ النَّمْلِ عَلى ما قالَهُ مُقاتِلٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وبِالطّائِفِ عَلى ما قالَهُ كَعْبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: هو وادٍ تَسْكُنُهُ الجِنُّ والنَّمْلُ مَراكِبُهم. وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ إلَيْهِ بِكَلِمَةِ "عَلى" إمّا لِأنَّ إتْيانَهم كانَ مِن فَوْقٍ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالإتْيانِ عَلَيْهِ قَطْعُهُ مِن قَوْلِهِمْ: أتى عَلى الشَّيْءِ إذا أنْفَدَهُ وبَلَغَ آخِرَهُ، ولَعَلَّهم أرادُوا أنْ يَنْزِلُوا عِنْدَ مُنْتَهى الوادِي إذْ حِينَئِذٍ يَخافُهم ما في الأرْضِ لا عِنْدَ سَيْرِهِمْ في الهَواءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ جَوابُ إذا كَأنَّها لَمّا رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى الوادِي فَرَّتْ مِنهم فَصاحَتْ صَيْحَةً تَنَبَّهَتْ بِها ما بِحَضْرَتِها مِنَ النَّمْلِ لِمُرادِها فَتَبِعَها في الفِرارِ فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِمُخاطَبَةِ العُقَلاءِ ومُناصَحَتِهِمْ فَأُجْرُوا مُجْراهم حَيْثُ جُعِلَتْ هي قائِلَةً وما عَداها مِنَ النَّمْلِ مَقُولًا لَهم حَيْثُ قِيلَ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيها النُّطْقَ وفِيما عَداها العَقْلَ والفَهْمَ. وقُرِئَ: "نَمْلَةٌ يَأيُّها النَّمُلُ" بِضَمِّ المِيمِ، وهو الأصْلُ، كالرَّجُلِ وتَسْكِينُ المِيمِ تَخْفِيفٌ مِنهُ كالسَّبْعِ في السَّبُعِ. وقُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ والمِيمِ، قِيلَ: كانَتْ نَمْلَةً عَرْجاءَ تَمْشِي وهي تَتَكاوَسُ فَنادَتْ بِما قالَتْ فَسَمِعَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامَ كَلامَها مِن ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقِيلَ: كانَ اسْمُها طاخِيَةَ. وقُرِئَ: "مَسْكَنَكُمْ" .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ﴾ نَهْيٌ في الحَقِيقَةِ لِلنَّمْلِ عَنِ التَّأخُّرِ في دُخُولِ مَساكِنِهِمْ وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِجُنُودِهِ عَنِ الحَطْمِ كَقَوْلِهِمْ: لا أُرِيَنَّكَ هَهُنا، فَهو اسْتِئْنافٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأمْرِ كَقَوْلِ مَن قالَ:

؎ فَقُلْتُ لَهُ ارْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا

....

لا جَوابَ لَهُ، فَإنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُهُ في السَّعَةِ، وقُرِئَ: "لا يُحَطِّمْنَكُمْ" بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، وقُرِئَ: لا يَحَطَمْنَكم بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها، وأصْلُهُ لا يَحْتَطِمَنَّكم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُحَطِّمُنَّكم مُفِيدَةٌ لِتَقْيِيدِ الحَطْمِ بِحالِ عَدَمِ شُعُورِهِمْ بِمَكانِهِمْ حَتّى لَوْ شَعَرُوا بِذَلِكَ لَمْ يُحَطَّمُوا، وأرادَتْ بِذَلِكَ الإيذانَ بِأنَّها عارِفَةٌ بِشُئُونِ سُلَيْمانَ وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن عِصْمَتِهِمْ عَنِ الظُّلْمِ والإيذاءِ. وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ، أيْ فَهْمَ سُلَيْمانَ ما قالَتْهُ والقَوْمُ (p-279)لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ.

27:19Page 378

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩

So [Solomon] smiled, amused at her speech, and said, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to do righteousness of which You approve. And admit me by Your mercy into [the ranks of] Your righteous servants."2

﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها وسُرُورًا بِشُهْرَةِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ فِيما بَيْنَ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هي أبْعَدُها مِن إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكَ هَمْسِها وفَهْمِ مُرادِها. رُوِيَ أنَّها أحَسَّتْ بِصَوْتِ الجُنُودِ ولا تَعْلَمُ أنَّهم في الهَواءِ فَأمَرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامَ الرِّيحَ فَوَقَفَتْ لِئَلّا يَذْعَرْنَ حَتّى دَخَلْنَ مَساكِنَهُنَّ.

﴿وَقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ أيِ: اجْعَلْنِي أزَعُ شُكْرَ نِعْمَتِكَ عِنْدِي وأكْفِهِ وأرْتَبِطُهُ بِحَيْثُ لا يَنْفَلِتُ عَنِّي حَتّى لا أنْفَكَّ عَنْ شُكْرِكَ أصْلًا. وقُرِئَ بِفَتْحِ ياءِ أوْزِعْنِي.

﴿الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أُدْرِجَ فِيهِ ذِكْرُهُما تَكْثِيرًا لِلنِّعْمَةِ، فَإنَّ الإنْعامَ عَلَيْهِما إنْعامٌ عَلَيْهِ مُسْتَوْجِبٌ لِلشُّكْرِ.

﴿وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ إتْمامًا لِلشُّكْرِ واسْتِدامَةً لِلنِّعْمَةِ ﴿وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ في جُمْلَتِهِمُ الجَنَّةَ الَّتِي هي دارُ الصّالِحِينَ.

27:20Page 378

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَالِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ ٢٠

And he took attendance of the birds and said, "Why do I not see the hoopoe - or is he among the absent?

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ أيْ: تَعَرَّفَ أحْوالُ الطَّيْرِ فَلَمْ يَرَ الهُدْهُدَ فِيما بَيْنَها ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أوَّلًا مالِي لا أراهُ لِساتِرٍ سَتَرَهُ، أوْ لِسَبَبٍ آخَرَ ثُمَّ بَدا لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْهُ، فَأخَذَ يَقُولُ: أهْوَ غائِبٌ ؟

27:21Page 378

لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٢١

I will surely punish him with a severe punishment or slaughter him unless he brings me clear authorization."1

﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ قِيلَ: كانَ تَعْذِيبُهُ لِلطَّيْرِ بِنَتْفِ رِيشِهِ وتَشْمِيسِهِ، وقِيلَ: يَجْعَلُهُ مَعَ ضِدِّهِ في قَفَصٍ، وقِيلَ: بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ.

﴿أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ لَيَعْتَبِرَ بِهِ أبْناءُ جِنْسِهِ.

﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ عُذْرَهُ، والحَلِفُ في الحَقِيقَةِ عَلى أحَدِ الأوَّلَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الثّالِثِ. وقُرِئَ: "لَيَأْتِيَنَّنِي" بِنُونَيْنِ أُولاهُما مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ، قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أتَمَّ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ تَجَهَّزَ لِلْحَجِّ بِحَشْرِهِ فَوافى الحَرِمَ وأقامَ بِهِ ما شاءَ وكانَ يُقَرِّبُ كُلَّ يَوْمٍ طُولَ مَقامِهِ خَمْسَةَ آلافِ ناقَةٍ وخَمْسَةَ آلافِ بَقَرَةٍ وعِشْرِينَ ألْفَ شاةٍ، ثُمَّ عَزَمَ عَلى السَّيْرِ إلى اليَمَنِ فَخَرَجَ مِن مَكَّةَ صَباحًا يَؤُمُّ سُهَيْلًا فَوافى صَنْعاءَ وقْتَ الزَّوالِ وذَلِكَ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، فَرَأى أرْضًا حَسْناءَ أعْجَبَتْهُ خُضْرَتُها فَنَزَلَ لَيَتَغَذّى ويُصَلِّيَ فَلَمْ يَجِدِ الماءَ، وكانَ الهُدْهُدُ قَناقَهُ وكانَ يَرى الماءَ مِن تَحْتِ الأرْضِ كَما يَرى الماءَ في الزُّجاجَةِ فَيَجِئُ الشَّياطِينُ فَيَسْلَخُونَها كَما يُسْلَخُ الإهابُ ويَسْتَخْرِجُونَ الماءَ فَتَفَقَّدَهُ لِذَلِكَ.

27:22Page 378

فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ ٢٢

But he [i.e., the hoopoe] stayed not long and said, "I have encompassed [in knowledge] that which you have not encompassed, and I have come to you from Sheba with certain news.

(p-280)وَقَدْ كانَ حِينَ نَزَلَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَلَّقَ الهُدْهُدُ فَرَأى هُدْهُدًا واقِعًا فانْحَطَّ إلَيْهِ فَوَصَفَ لَهُ مُلْكَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما سَخَّرَ لَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وذَكَرَ لَهُ صاحِبُهُ مَلِكَ بِلْقِيسَ وأنَّ تَحْتَ يَدِها اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ قائِدٍ تَحْتَ يَدِ كُلِّ قائِدٍ مِائَةُ ألْفٍ وذَهَبَ مَعَهُ لَيَنْظُرَ فَما رَجَعَ إلّا بَعْدَ العَصْرِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ: زَمانًا غَيْرَ مَدِيدٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ الكافِ. وذُكِرَ أنَّهُ وقَعَتْ نَفْحَةٌ مِنَ الشَّمْسِ عَلى رَأْسِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَظَرَ فَإذا مَوْضِعُ الهُدْهُدِ خالٍ فَدَعا عِرِّيفَ الطَّيْرِ وهو النَّسْرُ فَسَألَهُ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ عِلْمَهُ، ثُمَّ قالَ لِسَيِّدِ الطَّيْرِ وهو العُقابُ عَلَيَّ بِهِ، فارْتَفَعَتْ فَنَظَرَتْ فَإذا هو مُقْبِلٌ فَقَصَدَتْهُ فَناشَدَها اللَّهَ وقالَ: بِحَقِّ اللَّهِ الَّذِي قَوّاكِ وأقْدَرَكِ عَلِيَّ ألا رَحِمْتِنِي فَتَرَكَتْهُ، وقالَتْ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ حَلَفَ لِيُعَذِّبَنَّكَ، قالَ: وما اسْتَثْنى، قالَتْ: بَلى، قالَ: أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِعُذْرٍ مُبِينٍ، فَلَمّا قَرُبَ مِن سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْخى ذَنَبَهُ وجَناحَيْهِ يَجُرُّها عَلى الأرْضِ تَواضُعًا لَهُ فَلَمّا دَنا مِنهُ أخَذَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَأْسِهِ فَمَدَّهُ إلَيْهِ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ اذْكُرْ وُقُوفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فارْتَعَدَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَفا عَنْهُ، ثُمَّ سَألَهُ ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أيْ: عِلْمًا ومَعْرِفَةً وحَفِظَتْهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وقُرِئَ: أحَطْتُ بِإدْغامِ الطّاءِ في التّاءِ بِإطْباقٍ وبِغَيْرِ إطْباقٍ. ولا خَفاءَ في أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِما ادَّعى الإحاطَةَ بِهِ ما هو مِن حَقائِقِ العُلُومِ ودَقائِقِ المَعارِفِ الَّتِي تَكُونُ مَعْرِفَتُها والإحاطَةُ بِها مِن وظائِفِ أرْبابِ العِلْمِ والحِكْمَةِ لِتَوَقُّفِها عَلى عِلْمٍ رَصِينٍ وفَضْلٍ مُبِينٍ حَتّى يَكُونَ إثْباتُها لِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَدِّيًا عَنْ طَوْرِهِ وتَجاوُزًا عَنْ دائِرَةِ قَدْرِهِ ونَفْيُها عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِنايَةً عَلى جِنايَةٍ فَيُحْتاجَ إلى الِاعْتِذارِ عَنْهُ بِأنَّهُ ذَلِكَ كانَ مَنهَلًا بِطَرِيقِ الإلْهامِ فَكافَحَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ مَعَ ما أُوتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن فَضْلِ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ والعُلُومِ الجَمَّةِ والإحاطَةِ بِالمَعْلُوماتِ الكَثِيرَةِ ابْتِلاءً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عِلْمِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ في أدْنى خَلْقِهِ تَعالى وأضْعَفِهِمْ مَن أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ لِتَتَحاقَرَ إلَيْهِ نَفْسُهُ ويَتَصاغَرَ إلَيْهِ عِلْمُهُ ويَكُونُ لُطْفًا لَهُ في تَرْكِ الإعْجابِ الَّذِي هو فِتْنَةُ العُلَماءِ بَلْ أرادَ بِهِ ما هو مِنَ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ الَّتِي لا تُعَدُّ الإحاطَةُ بِها فَضِيلَةً ولا الغَفْلَةُ عَنْها نَقِيصَةً لِعَدَمِ تَوَقُّفِ إدْراكِها إلّا عَلى مُجَرَّدِ إحْساسٍ يَسْتَوِي فِيهِ العُقَلاءُ وغَيْرُهم، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُشاهِدْهُ ولَمْ يَسْمَعْ خَبَرَهُ مِن غَيْرِهِ قَطْعًا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِما ذُكِرَ لِتَرْوِيجِ كَلامِهِ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَرْغِيبِهِ في الإصْغاءِ إلى اعْتِذارِهِ واسْتِمالَةِ قَلْبِهِ نَحْوَ قَبُولِهِ فَإنَّ النَّفْسَ لِلِاعْتِذارِ المُنْبِئِ عَنْ أمْرٍ بَدِيعٍ أقْبَلُ وإلى تَلَقِّي ما لا تَعْلَمُهُ أمْيَلُ، ثُمَّ أيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ حَيْثُ فَسَّرَ إبْهامَهُ نَوْعَ تَفْسِيرٍ وأرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ كانَ بِصَدَدِ إقامَةِ خِدْمَةٍ مُهِمَّةٍ لَهُ حَيْثُ عَبَّرَ عَمّا جاءَ بِهِ بِالنَّبَأِ الَّذِي هو الخَبَرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ الكَبِيرُ ووَصَفَهُ بِما وصَفَهُ وإلّا فَماذا صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ ما حُكِيَ عَنْهُ ما حُكِيَ مِنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، واسْتِدْعاءِ الإيزاعِ حَتّى يَلِيقَ بِالحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَرْكِهِ. وسَبَأٌ مُنْصَرِفٌ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِحَيٍّ سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنُ يَعْرُبَ بْنُ قَحْطانَ، قالُوا: اسْمُهُ عَبْدُ شَمْسٍ لُقِّبَ بِهِ لِكَوْنِهِ أوَّلَ مَن سَبى. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ مَدِينَةُ مَآرِبَ بِسَبَأٍ وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القَبِيلَةُ والمَدِينَةُ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فالمُرادُ: هو الحَيُّ لا غَيْرُ. وعَدَمُ وُقُوفِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَبَئِهِمْ قَبْلَ إنْباءِ الهُدْهُدِ لَيْسَ بِأمْرٍ بَدِيعٍ لا بُدَّ لَهُ مِن حِكْمَةٍ داعِيَةٍ إلَيْهِ البَتَّةَ وإنِ اسْتَحالَ خُلُوُّ إفْعالِهِ تَعالى مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ لِما أنَّ المَسافَةَ بَيْنَ مَحَطِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-281)والسَّلامُ وبَيْنَ مَأْرِبَ وإنْ كانَتْ قَصِيرَةً لَكِنْ مُدَّةُ ما بَيْنَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هُناكَ وبَيْنَ مَجِئِ الهُدْهُدِ بِالخَبَرِ أيْضًا قَصِيرَةٌ نَعِمَ اخْتِصاصُ الهُدْهُدِ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الجِنِّ أقْوى مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ يَسْتَأْثِرُ بِها عَلّامُ الغُيُوبِ.

27:23Page 379

إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣

Indeed, I found [there] a woman ruling them, and she has been given of all things, and she has a great throne.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما جاءَ بِهِ مِنَ النَّبَأِ وتَفْصِيلٌ لَهُ إثْرَ الإجْمالِ، وهي بِلْقِيسُ بِنْتُ شُراحِيلَ بْنِ مالِكِ بْنِ رَيّانَ، وكانَ أبُوها مَلِكَ أرْضِ اليَمَنِ كُلِّها ورِثَ المُلْكَ مِن أرْبَعِينَ أبًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها فَغَلَبَتْ بَعْدَهُ عَلى المُلْكِ ودانَتْ لَها الأُمَّةُ، وكانَتْ هي وقَوْمُها مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ. وإيثارُ "وَجَدْتُ" عَلى "رَأيْتُ" لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ بِصَدَدِ خِدْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإبْرازِ نَفْسِهِ في مَعْرِضِ مَن يَتَفَقَّدُ أحْوالَها ويَتَعَرَّفُها كَأنَّها طِلْبَتُهُ وضالَّتُهُ لَيَعْرِضَها عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ "تَمْلُكُهُمْ" لِسَبَأٍ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِحَيٍّ، أوْ لِأهْلِها المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ مَدِينَتِهِمْ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لَها.

﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها المُلُوكُ.

﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ قِيلَ: كانَ ثَلاثِينَ ذِراعًا في ثَلاثِينَ عَرْضًا وسُمْكًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ في ثَمانِينَ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ مُكَلَّلًا بِالجَواهِرِ، وكانَتْ قِوامُهُ مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ وأخْضَرَ ودُرٍّ وزُمُرُّدٍ وعَلَيْهِ سَبْعَةُ أبْياتٍ عَلى كُلِّ بَيْتٍ بابٌ مُغْلَقٌ، واسْتِعْظامُ الهُدْهُدِ لِعَرْشِها مَعَ ما كانَ يُشاهِدُهُ مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إمّا بِالنِّسْبَةِ إلى حالِها، أوْ إلى عُرُوشِ أمْثالِها مِنَ المُلُوكِ وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامَ مِثْلُهُ، وأيًّا ما كانَ فَوَصْفُهُ بِذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما مَرَّ مِن تَرْغِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الإصْغاءِ إلى حَدِيثِهِ وتَوْجِيهِ عَزِيمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَحْوَ تَسْخِيرِها.

27:24Page 379

وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤

I found her and her people prostrating to the sun instead of Allāh, and Satan has made their deeds pleasing to them and averted them from [His] way, so they are not guided,

وَلِذَلِكَ عَقَبَهُ بِما وجَبَ غَزْوُها مِن كُفْرِها وكُفْرِ قَوْمِها حَيْثُ قالَ: ﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَها مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى.

﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي هي عِبادَةُ الشَّمْسِ ونَظائِرِها مِن أصْنافِ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَصَدَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الحَقِّ والصَّوابِ، فَإنَّ تَزْيِينَ أعْمالِهِمْ لا يَتَصَوَّرُ بِدُونِ تَقْوِيمِ طُرُقِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ ومِن ضَرُورَتِهِ نِسْبَةُ طَرِيقِ الحَقِّ إلى العِوَجِ.

﴿فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يَهْتَدُونَ﴾ إلَيْهِ.

27:25Page 379

أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥

[And] so they do not prostrate to Allāh, who brings forth what is hidden within the heavens and the earth and knows what you conceal and what you declare -

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ إمّا لِلصَّدِّ أوْ لِلتَّزْيِينِ عَلى حَذْفِ اللّامِ مِنهُ، أيْ: فَصَدَّهم لِئَلّا يَسْجُدُوا لَهُ تَعالى، أوْ زَيَّنَ لَهم أعْمالَهم لِئَلّا يَسْجُدُوا، أوْ بَدَلٌ عَلى حالِهِ مِن أعْمالِهِمْ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أيْ: زَيَّنَ لَهم أنْ لا يَسْجُدُوا، وقِيلَ: هو في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لَيَهْتَدُونَ بِإسْقاطِ الخافِضِ، و"لا" مَزِيدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ...﴾ والمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا لَهُ تَعالى. وقُرِئَ: ألا يا اسْجُدُوا عَلى التَّنْبِيهِ، والنِّداءُ والمُنادى مَحْذُوفٌ، أيْ: ألا يا قَوْمُ اسْجُدُوا كَما (p-282)فِي قَوْلِهِ:

؎ ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى

....

وَنَظائِرُهُ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِن سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُوقَفُ عَلى لا يَهْتَدُونَ ويَكُونُ أمْرًا بِالسُّجُودِ، وعَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ ذَمًّا عَلى تَرْكِهِ، وأيًّا ما كانَ فالسُّجُودُ واجِبٌ. وقُرِئَ: "هَلّا" و "هَلا" بِقَلْبِ الهَمْزَتَيْنِ هاءً، وقُرِئَ: "هَلّا" تَسْجُدُونَ بِمَعْنى: ألا تَسْجُدُونَ عَلى الخِطابِ.

﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَظْهَرُ ما هو مَخْبُوءٌ ومُخْفى فِيهِما كائِنًا ما كانَ. وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ بِصَدَدِ بَيانِ تَفَرُّدِهِ تَعالى بِاسْتِحْقاقِ السُّجُودِ لَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ أوْصافِهِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ لِما أنَّهُ أرْسَخُ في مَعْرِفَتِهِ والإحاطَةِ بِأحْكامِهِ بِمُشاهَدَةِ آثارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى في نَفْسِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى مَعْرِفَةِ الماءِ تَحْتَ الأرْضِ، وأشارَ بِعَطْفِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ عَلى يَخْرُجُ إلى أنَّهُ تَعالى يَخْرُجُ ما في العالِمِ الإنْسانِيِّ مِنَ الخَفايا كَما يَخْرُجُ ما في العالَمِ الكَبِيرِ مِنَ الخَبايا لِما أنَّ المُرادَ يَظْهَرُ ما تُخْفُونَهُ مِنَ الأحْوالِ فَيُجازِيكم بِها، وذِكْرُ ما تُعْلِنُونَ لِتَوْسِيعِ دائِرَةِ العِلْمِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَساوِيهِما بِالنِّسْبَةِ إلى العِلْمِ الإلَهِيِّ. وقُرِئَ: "ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ" عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ بِلا التِفاتٍ وإخْراجُ الخَبْءِ يَعُمُّ إشْراقَ الكَواكِبِ وإظْهارَها مِن آفاقِها بَعْدَ اسْتِنارِها وراءَها وإنْزالَ الأمْطارِ وإنْباتَ النَّباتِ، بَلِ الإنْشاءَ الَّذِي هو إخْراجُ ما في الشَّيْءِ بِالقُوَّةِ إلى الفِعْلِ، والإبْداعِ الَّذِي هو إخْراجُ ما في الإمْكانِ والعَدَمِ إلى الوُجُودِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن غُيُوبِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقُرِئَ: "الخَبَ" بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بِالحَذْفِ، وقُرِئَ: "الخَبّا" بِتَخْفِيفِها بِالقَلْبِ، وقُرِئَ: "ألّا تَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يَخْرُجُ الخَبْءَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ" .

27:26Page 379

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦

Allāh - there is no deity except Him, Lord of the Great Throne."

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ الَّذِي هو أوَّلُ الأجْرامِ وأعْظَمُها. وقُرِئَ: "العَظِيمُ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الرَّبِّ، واعْلَمْ أنَّ ما حُكِيَ مِنَ الهُدْهُدِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ﴾ إلى هُنا لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وإنَّما هو مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي اقْتَبَسَها مِن سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْرَدَهُ بَيانًا لِما هو عَلَيْهِ وإظْهارًا لِتَصَلُّبِهِ في الدِّينِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَوْجِيهِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَحْوَ قَبُولِ كَلامِهِ وصَرْفِ عَنانِ عَزِيمَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَزْوِها وتَسْخِيرِ وِلايَتِها.

27:27Page 379

۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧

[Solomon] said, "We will see whether you were truthful or were of the liars.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ كَلامِ الهُدْهُدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامَ عِنْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ أيْ: فِيما ذَكَرْتَهُ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى التَّأمُّلِ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: سَنَتَعَرَّفُ بِالتَّجْرِبَةِ البَتَّةَ.

﴿أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أمْ كَذَبْتَ، وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَذِبَهُ في هَذِهِ المادَّةِ يَسْتَلْزِمُهُ انْتِظامَهُ في سِلْكِ المَوْسُومِينَ بِالكَذِبِ الرّاسِخِينَ فِيهِ فَإنَّ مَساقَ هَذِهِ الأقاوِيلِ المُلَفَّقَةِ عَلى تَرْتِيبٍ أنِيقٍ يَسْتَمِيلُ قُلُوبَ السّامِعِينَ نَحْوَ قَبُولِها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ أصْلًا لا سِيَّما بَيْنَ يَدَيْ نَبِيٍّ عَظِيمِ الشَّأْنِ لا يَكادُ يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ لَهُ قَدَمٌ راسِخٌ في الكَذِبِ والإفْكِ.

27:28Page 379

ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨

Take this letter of mine and deliver it to them. Then leave them and see what [answer] they will return."

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ (p-283)إلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ النَّظَرِ الَّذِي وعَدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما كَتَبَ كِتابَهُ في ذَلِكَ المَجْلِسِ أوْ بَعْدَهُ، وتَخْصِيصُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهُ بِالرِّسالَةِ دُونَ سائِرِ ما تَحْتَ مُلْكِهِ مِن أُمَناءَ الجِنِّ الأقْوِياءِ عَلى التَّصَرُّفِ والتَّعَرُّفِ لِما عايَنَ فِيهِ مِن مَخايِلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ وصِحَّةِ الفِراسَةِ ولِئَلّا يَبْقى لَهُ عُذْرٌ أصْلًا.

﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ إلى مَكانٍ قَرِيبٍ تَتَوارى فِيهِ ﴿فانْظُرْ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَعَرَّفْ ﴿ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: ماذا يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ لِما أنَّ مَضْمُونَ الكِتابِ الكَرِيمِ دَعْوَةُ الكُلِّ إلى الإسْلامِ.

27:29Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩

She said, "O eminent ones, indeed, to me has been delivered a noble letter.

﴿قالَتْ﴾ أيْ: بَعْدَ ما ذَهَبَ الهُدْهُدُ بِالكِتابِ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ وتَنَحّى عَنْهم حَسَبَما أُمِرَ بِهِ، وإنَّما طُوِيَ ذِكْرُهُ إيذانًا بِكَمالِ مُسارَعَتِهِ إلى إقامَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الخِدْمَةِ وإشْعارًا بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَتَبَ كِتابَهُ وطَبْعَهُ بِالمِسْكِ وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ ودَفَعَهُ إلى الهُدْهُدِ، فَوَجَدَها الهُدْهُدُ راقِدَةً في قَصْرِها بِمَأْرَبَ، وكانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطُرِحَ الكِتابُ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وقِيلَ: نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً، وقِيلَ: أتاها والقادَةُ والجُنُودُ حَوالَيْها فَرَفْرَفَ ساعَةً والنّاسُ يَنْظُرُونَ حَتّى رَفَعَتْ رَأْسَها فَألْقى الكِتابَ عَلى حِجْرِها وكانَتْ قارِئَةً كاتِبَةً عَرَبِيَّةً مِن نَسْلِ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ كَما مَرَّ، فَلَمّا رَأتِ الخاتَمَ ارْتَعَدَتْ وخَضَعَتْ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتْ لِأشْرافِ قَوْمِها ﴿يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ وصَفَتْهُ بِالكَرَمِ لِكَرَمِ مَضْمُونِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدَ مَلِكٍ كَرِيمٍ، أوْ لِكَوْنِهِ مَخْتُومًا، أوْ لِغَرابَةِ شَأْنِهِ ووُصُولِهِ إلَيْها عَلى مِنهاجٍ غَيْرِ مُعْتادٍ.

27:30Page 379

إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠

Indeed, it is from Solomon, and indeed, it is [i.e., reads]: 'In the name of Allāh, the Entirely Merciful, the Especially Merciful,

﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مِمَّنْ هو وماذا مَضْمُونُهُ ؟ فَقالَتْ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ "وَإنَّهُ" أيْ: مَضْمُونُهُ، أوِ المَكْتُوبُ فِيهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى سَبَبِ وصْفِها إيّاهُ بِالكَرَمِ. وقُرِئَ: "أنَّهُ" و "أنَّهُ" بِالفَتْحِ عَلى حَذْفِ اللّامِ، كَأنَّها عَلَّلَتْ كَرَمَهُ بِكَوْنِهِ مَن سُلَيْمانَ وبِكَوْنِهِ مُصَدَّرًا باسِمِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن كِتابٍ. وقُرِئَ: "أنْ مِن سُلَيْمانَ" و "أنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " عَلى "أنْ" المُفَسِّرَةِ.

27:31Page 379

أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١

Be not haughty with me but come to me in submission [as Muslims].'"

﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، و"لا" ناهِيَةٌ، أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، و"لا" نافِيَةٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها مِن كِتابٍ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ، أيْ: مَضْمُونُهُ أنْ لا تَعْلُوا، أوِ النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ، أيْ: بِأنْ لا تَعْلُوا عَلَيَّ. وقُرِئَ: "أنْ لا تَغْلُوا" بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ، أيْ: لا تُجاوِزُوا حَدَّكم.

﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: مُنْقادِينَ، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّ الإيمانَ مُسْتَتْبَعٌ لِلِانْقِيادِ حَتْمًا. رُوِيَ أنَّ نُسْخَةَ الكِتابِ مِن عَبْدِ اللَّهِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ إلى بِلْقِيسَ مَلِكَةِ سَبَأٍ: "السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أمّا بَعْدُ فَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وائْتُونِي مُسْلِمِينَ"، ولَيْسَ الأمْرُ فِيهِ بِالإسْلامِ قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى رِسالَتِهِ حَتّى يُتَوَهَّمَ كَوْنُهُ اسْتِدْعاءً لِلتَّقْلِيدِ، فَإنَّ إلْقاءَ الكِتابِ إلَيْها عَلى تِلْكَ الحالَةِ مُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ دالَّةٌ عَلى رِسالَةِ مُرْسِلِها دَلالَةً بَيِّنَةً.

27:32Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢

She said, "O eminent ones, advise me in my affair. I would not decide a matter until you witness [for] me."1

(p-284)﴿قالَتْ﴾ كُرِّرَتْ حِكايَةُ قَوْلِها لِلْإيذانِ بِغايَةِ اعْتِنائِها بِما في حَيِّزِهِ مِن قَوْلِها: ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ أيْ: أجِيبُونِي في أمْرِي الَّذِي حَزَبَنِي وذَكَرْتُ لَكم خُلاصَتَهُ، وعَبَّرْتُ عَنِ الجَوابِ بِالفَتْوى الَّتِي هي الجَوابُ في الحَوادِثِ المُشْكَلَةِ غالِبًا تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ ورَفْعًا لِمَحَلِّهِمْ بِالإشْعارِ بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى حَلِّ المُشْكِلاتِ المُلِمَّةِ.

وَقَوْلُها: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُلْكِ ﴿حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: إلّا بِمَحْضَرِكم وبِمُوجِبِ آرائِكم، اسْتِعْطافٌ لَهم واسْتِمالَةٌ لِقُلُوبِهِمْ لِئَلّا يُخالِفُوها في الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ.

27:33Page 379

قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣

They said, "We are men of strength and of great military might, but the command is yours, so see what you will command."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِها، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في جَوابِها ؟ فَقِيلَ قالُوا: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في الأجْسادِ والآلاتِ والعُدَدِ ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: نَجْدَةٍ وشَجاعَةٍ مُفْرِطَةٍ وبَلاءٍ في الحَرْبِ.

﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: هو مَوْكُولٌ إلَيْكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ ونَحْنُ مُطِيعُونَ لَكِ فَمُرِينا بِأمْرِكَ نَمْتَثِلُ بِهِ ونَتْبَعُ رَأْيَكِ، وأرادُوا: نَحْنُ مِن أبْناءِ الحَرْبِ لا مِن أبْناءِ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ وإلَيْكِ الرَّأْيُ والتَّدْبِيرُ فانْظُرِي ماذا تَرَيْنَ نَكُنْ في الخِدْمَةِ.

27:34Page 379

قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤

She said, "Indeed kings - when they enter a city, they ruin it and render the honored of its people humbled. And thus do they do.

فَلَمّا أحَسَّتْ مِنهُمُ المَيْلَ إلى الحِرابِ والعُدُولِ عَنْ سَنَنِ الصَّوابِ شَرَعَتْ في تَزْيِيفِ مُقْلَتِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَلى الغَفْلَةِ عَنْ شَأْنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ مِنَ القُرى عَلى مِنهاجِ المُقاتِلَةِ والحِرابِ ﴿أفْسَدُوها﴾ بِتَخْرِيبِ عِماراتِها وإتْلافِ ما فِيها مِنَ الأمْوالِ ﴿وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والإجْلاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الإهانَةِ والإذْلالِ.

﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِما وصَفَتْ مِن حالِهِمْ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ وتَقْرِيرٌ لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ عادَتُهُمُ المُسْتَمِرَّةُ، وقِيلَ: تَصْدِيقٌ لَها مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском