Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:51–66
27:51Page 381
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١
Then look how was the outcome of their plan - that We destroyed them and their people, all.
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما تَرَتَّبَ عَلى ما باشَرُوهُ مِنَ المَكْرِ، وكَيْفَ مُعَلَّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: فَتُفَكِّرُ في أنَّهُ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ إمّا بَدَلٌ مِن ﴿عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ كانَ وهي تامَّةٌ وكَيْفَ حالٌ، أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ حَصَلَ، أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ حَدَثَ تَدْمِيرُنا إيّاهم، وإمّا خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما في ﴿عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ مِنَ الإبْهامِ، أيْ: هي تَدْمِيرُنا إيّاهُمُ ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم في مُباشَرَةِ التَّبْيِيتِ ﴿أجْمَعِينَ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذُّ مِنهم شاذٌّ، وإمّا تَعْلِيلٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في كَيْفِيَّةِ عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ مِن غايَةِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ بِحَذْفِ الجارِّ، أيْ: لِأنّا دَمَّرْناهم إلَخِ. وقِيلَ: كانَ ناقِصَةٌ اسْمُها عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ وخَبَرُها كَيْفَ كانَ، فالأوْجُهُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ .." إلَخِ تَعْلِيلًا لِما ذُكِرَ. وقُرِئَ: "إنّا دَمَّرْناهُمْ" إلَخِ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحَجَرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً مِنَ الهَضْبِ حِيالَهم فَبادَرُوا فَطَبَّقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ فَلَمْ يَدْرِ قَوْمُهم أيْنَ هم ولَمْ يَدْرُوا ما فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ وعَذَّبَ اللَّهُ تَعالى كُلًّا مِنهم في مَكانِهِ ونَجّى صالِحًا ومَن مَعَهُ. وقِيلَ: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِي سُيُوفَهم وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مَلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ يَرَوْنَ الحِجارَةَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
27:52Page 381
فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥٢
So those are their houses, desolate because of the wrong they had done. Indeed in that is a sign for people who know.
﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ جُمْلَةً مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خاوِيَةً﴾ أيْ: خالِيَةً، أوْ ساقِطَةً مُتَهَدِّمَةً ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ المَذْكُورِ، حالٌ مِن بُيُوتُهم، والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ. وقُرِئَ: "خاوِيَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّدْمِيرِ العَجِيبِ بِظُلْمِهِمْ ﴿لآيَةً﴾ لَعِبْرَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ لِقَوْمٍ يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ.
27:53Page 381
وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٣
And We saved those who believed and used to fear Allāh.
﴿وَأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيِ: الكُفْرَ والمَعاصِيَ اتِّقاءً مُسْتَمِرًّا فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِالنَّجاةِ.
27:54Page 381
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٥٤
And [mention] Lot, when he said to his people, "Do you commit immorality1 while you are seeing?2
﴿وَلُوطًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى "أرْسَلْنا" (p-292)فِي صَدْرِ قِصَّةِ صالِحٍ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ القَسَمِ، أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لِلْإرْسالِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أمْرٌ مُمْتَدٌّ وقَعَ فِيهِ الإرْسالُ وما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ الأقْوالِ والأحْوالِ، وقِيلَ: انْتِصابُ لُوطًا بِإضْمارِ اذْكُرْ، و"إذْ" بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى "الَّذِينَ آمَنُوا"، أيْ: ونَجَّيْنا لُوطًا، وهو بَعِيدٌ.
﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ والسَّماجَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ "تَأْتُونَ" مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، فَإنَّ تَعاطِيَ القَبِيحِ مِنَ العالَمِ بِقُبْحِهِ أقْبَحُ وأشْنَعُ. و"تُبْصِرُونَ" مِن بَصَرِ القَلْبِ، أيْ: أتُفْعِلُونَها، والحالُ أنَّكم تَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينِيًّا بِكَوْنِها كَذَلِكَ، وقِيلَ: يُبْصِرُها بَعْضُكم مِن بَعْضٍ لَمّا كانُوا يُعْلِنُونَ بَها.
27:55Page 381
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ٥٥
Do you indeed approach men with desire instead of women? Rather, you are a people behaving ignorantly."
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ تَثْنِيَةٌ لِلْإنْكارِ وتَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ وبَيانٌ لِما يَأْتُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَضْمُونَها مِمّا لا يُصَدِّقُ وُقُوعَهُ أحَدٌ لِكَمالِ بُعْدِهِ مِنَ العُقُولِ. وإيرادُ المَفْعُولِ بِعُنْوانِ الرُّجُولِيَّةِ لِتَرْبِيَةِ التَّقْبِيحِ وتَحْقِيقِ المُبايَنَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي عُلِّلَ بِها الإتْيانُ ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ.
﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِقُبْحِهِ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ، أوِ الجَهْلُ بِمَعْنى: السَّفاهَةُ والمُجُونُ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ سُفَهاءُ ماجِنُونَ. والتّاءُ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ صِفَةً لِقَوْمٍ لِكَوْنِهِمْ في حَيِّزِ الخِطابِ.
27:56Page 382
۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦
But the answer of his people was not except that they said, "Expel the family of Lot from your city. Indeed, they are people who keep themselves pure."
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أفْعالِنا أوْ عَنِ الأقْذارِ، ويُعِدُّونَ فِعْلَنا قَذَرًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ اسْتِهْزاءٌ. وقَدْ مَرَّ في (سُورَةِ الأعْرافِ ) أنَّ هَذا الجَوابَ هو الَّذِي صَدَرَ عَنْهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ مِن مَرّاتِ مَواعِظِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم كَلامٌ آخَرُ غَيْرُهُ.
27:57Page 382
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَٰهَا مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٥٧
So We saved him and his family, except for his wife; We destined her to be of those who remained behind.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ.
27:58Page 382
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٥٨
And We rained upon them a rain [of stones], and evil was the rain of those who were warned.
﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ غَيْرَ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ قَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
27:59Page 382
قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ ٥٩
Say, [O Muḥammad], "Praise be to Allāh, and peace upon His servants whom He has chosen. Is Allāh better or what they associate with Him?"
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ إثْرَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ قِصَصَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأخْبارَهُمُ النّاطِقَةَ بِكَمالِ قدرته تعالى وعِظَمِ شَأْنِهِ وبِما خَصَّهم بِهِ مِنَ الآياتِ القاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى جَلالَةِ أقْدارِهِمْ وصِحَّةِ أخْبارِهِمْ وبَيَّنَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ حَقِّيَّةَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الكُفْرِ والإشْراكِ وأنَّ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ فَقَدِ اهْتَدى ومَن أعْرَضَ عَنْهم فَقَدْ تَرَدّى في مَهاوِي الرَّدى، وشَرَحَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما في تَضاعِيفِ تِلْكَ (p-293)القِصَصِ مِن فُنُونِ المَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ ونَوَّرَ قَلْبَهُ بِأنْوارِ المَلَكاتِ السُّبْحانِيَّةِ الفائِضَةِ مِن عالَمِ القُدْسِ وقَرَّرَ بِذَلِكَ فَحَوى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القرآن مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أمْرَهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَحْمَدَهُ تَعالى عَلى ما أفاضَ عَلَيْهِ مِن تِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي لا مَطْمَعَ وراءَها لِطامِعٍ ولا مُطَمِّحٍ مِن دُونِها لِطامِحٍ ويُسَلِّمُ عَلى كافَّةِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ الَّذِينَ قَصَّتْ عَلَيْهِ أخْبارُهُمُ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ المَعارِفِ الَّتِي أوْجَبَتْ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أداءً لِحَقِّ تَقَدُّمِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في الدِّينِ. وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْمَدَهُ تَعالى عَلى إهْلاكِ كَفَرَةِ قَوْمِهِ ويُسَلِّمَ عَلى مَنِ اصْطَفاهُ بِالعِصْمَةِ عَنِ الفَواحِشِ والنَّجاةِ عَنِ الهَلاكِ ولا يَخْفى بَعْدُهُ.
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذُكِرَتْ شُئُونُهُ العَظِيمَةُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ ومَرْجِعُ التَّرْدِيدِ إلى التَّعْرِيضِ بِتَبْكِيتِ الكَفَرَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى وتَسْفِيهِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ إذْ مِنَ البَيِّنِ أنْ لَيْسَ فِيما أشْرَكُوهُ بِهِ تَعالى شائِبَةُ خَيْرٍ ما حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن لا خَيْرَ إلّا خَيْرُهُ ولا إلَهَ غَيْرُهُ. وقُرِئَ: "تُشْرِكُونَ" بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهِهِ إلى الكَفَرَةِ وهو الألْيَقُ بِما بَعْدَهُ مِن سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ المَبْنِيِّ عَلى خِطابِهِمْ، وجَعْلُهُ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا ...﴾ إلَخِ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ التَّبْكِيتَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالذّاتِ، وحَمْلُهُ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما أمَرَ بِهِ بِعِبارَتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ...﴾ تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ.
27:60Page 382
أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ ٦٠
[More precisely], is He [not best] who created the heavens and the earth and sent down for you rain from the sky, causing to grow thereby gardens of joyful beauty which you could not [otherwise] have grown the trees thereof? Is there a deity with Allāh?1 [No], but they are a people who ascribe equals [to Him].
وَ"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ، وما فِيها مِن كَلِمَةِ "بَلْ" عَلى القِراءَةِ الأُولى لِلضِّرابِ والِانْتِقالِ مِنَ التَّبْكِيتِ تَعْرِيضًا إلى التَّصْرِيحِ بِهِ خِطابًا عَلى وجْهٍ أظْهَرَ مِنهُ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَلِتَثْنِيَةِ التَّبْكِيتِ وتَكْرِيرِ الإلْزامِ كَنَظائِرِها الآتِيَةِ. والهَمْزَةُ لِتَقْرِيرِهِمْ، أيْ: حَمْلِهِمْ عَلى الإقْرارِ بِالحَقِّ عَلى وجْهِ الِاضْطِرارِ فَإنَّهُ لا يَتَمالَكُ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ ولا يَقْدِرُ عَلى أنْ لا يَعْتَرِفَ بِخَيْرِيَّةِ مَن خَلَقَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ وأفاضَ عَلى كُلٍّ مِنها ما يَلِيقُ بِهِ مِن مَنافِعِهِ مِن أخَسِّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ وأدْناها، بَلْ بِأنْ لا خَيْرَ يُرى فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ قَطْعًا. و"مِن" مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مَعَ أمِ المُعادِلَةِ لِلْهَمْزَةِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ خَلا أنْ تُشْرِكُونَ هَهُنا بِتاءِ الخِطابِ عَلى القِراءَتَيْنِ مَعًا وهَكَذا في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ الآتِيَةِ، والمَعْنى: بَلْ أمَّنَ خَلْقَ قُطْرَيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ ومَبْدَأيْ مَنافِعَ ما بَيْنَهُما.
﴿وَأنْزَلَ لَكُمْ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الكَفَرَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى لِتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ، أيْ: أنْزَلَ لِأجْلِكم ومَنعَتَكم ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنهُ هو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ أيْ: بَساتِينَ مُحْدِقَةً ومُحاطَةً بِالحَوائِطِ ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ يَبْتَهِجُ بِهِ النَّظّارُ ﴿ما كانَ لَكُمْ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما أمْكَنَ لَكم ﴿أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ فَضْلًا عَنْ ثَمَرِها وسائِرِ صِفاتِها البَدِيعَةِ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ. وقُرِئَ: "أمَن" بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ، وتَقْدِيمٌ صِلَتَيِ الإنْزالِ عَلى مَفْعُولِهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ في (p-294)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فَأنْبَتْنا﴾ .." لِتَأْكِيدِ اخْتِصاصِ الفِعْلِ بِذاتِهِ تَعالى والإيذانِ بِأنَّ إنْباتَ تِلْكَ الحَدائِقِ المُخْتَلِفَةِ الأصْنافِ والأوْصافِ والألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ مَعَ ما لَها مِنَ الحُسْنِ البارِعِ والبَهاءِ الرّائِعِ بِماءٍ واحِدٍ مِمّا لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو وحْدَهُ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْيِيدُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ما كانَ لَكُمْ﴾ ..." إلَخِ سَواءٌ كانَتْ صِفَةً لَها أوْ حالًا، وتَوْحِيدُ وصْفِها الأوَّلِ - أعْنِي ذاتَ بَهْجَةٍ - لِما أنَّ المَعْنى جَماعَةُ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِمُ: النِّساءُ ذَهَبَتْ، وكَذا الحالُ في ضَمِيرِ شَجَرِها.
﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: أإلَهٌ آخَرُ كائِنٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُ أفْعالِهِ الَّتِي لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ حَتّى يَتَوَهَّمَ جَعْلَهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَمّا يُشْرِكُونَهُ بِهِ تَعالى في ضِمْنِ النَّفْيِ الكُلِّيِّ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّرْدِيدِ، فَإنَّ أحَدًا مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ في الجُمْلَةِ كَما لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِالمَرَّةِ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْهُ رَأْسًا لا سِيَّما بَعْدَ مُلاحَظَةِ انْتِفاءِ أحْكامِها عَمّا سِواهُ تَعالى، وهَكَذا الحالُ في المَواقِعِ الأرْبَعَةِ الآتِيَةِ. وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ تَعالى إلَهٌ آخَرُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ وما عَطَفَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ التَّبْكِيتَ بِنَفْسِ ذَلِكَ النَّفْيِ فَقَطْ كَيْفَ لا وهم لا يُنْكِرُونَهُ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ بَلْ بِإشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ ما يَعْتَرِفُونَ بِعَدَمِ مُشارَكَتِهِ لَهُ تَعالى فِيما ذُكِرَ مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: "أإلَهٌ آخَرُ مَعَ اللَّهِ" في خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ حَتّى يُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: أغَيْرُهُ يُقْرَنُ بِهِ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ مَعَ تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّكْوِينِ، فالإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ مَعَ تَحْقِيقِ المُنْكِرِ دُونَ النَّفْيِ كَما في الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ المُوافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ ...﴾ والأوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإفادَتِهِ نَفْيِ وُجُودِ إلَهٍ آخَرَ مَعَهُ تَعالى رَأْسًا لا نَفْيَ مَعِيَّتِهِ في الخَلْقِ وفُرُوعِهِ فَقَطْ. وقُرِئَ: "أإلَهٌ" بِتَوْسِيطِ مُدَّةٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ وبِإخْراجِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ. وقُرِئَ: "أإلَهًا" بِإضْمارِ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ مِثْلَ: أتَدْعُونَ، أوْ أتُشْرِكُونَ.
﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَبْكِيتِهِمْ بِطَرِيقِ الخِطابِ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ وحِكايَتِهِ لِغَيْرِهِمْ، أيْ: بَلْ هم قَوْمٌ عادَتُهُمُ العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بِالكُلِّيَّةِ والِانْحِرافِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، والعُكُوفُ عَلى الباطِلِ البَيِّنِ الَّذِي هو الإشْراكُ. وقِيلَ: يَعْدِلُونَ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ، وهو بَعِيدٌ خالٍ عَنِ الإفادَةِ.
27:61Page 382
أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١
Is He [not best] who made the earth a stable ground and placed within it rivers and made for it firmly set mountains and placed between the two seas a barrier? Is there a deity with Allāh? [No], but most of them do not know.
﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أمْ مَن خَلَقَ السَّمَواتِ ..." إلَخِ، وكَذا ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ، وحُكْمُ الكُلِّ واحِدٌ، والأظْهَرُ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّبْكِيتِ بِما قَبْلَها إلى التَّبْكِيتِ بِوَجْهٍ آخَرَ أدْخَلُ في الإلْزامِ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، أيْ: جَعَلَها بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها الإنْسانُ والدَّوابُّ بِإيذاءِ بَعْضِها مِنَ الماءِ ودَحْوِها وتَسْوِيَتِها حَسَبَما تَدُورُ عَلَيْهِ مَنافِعُهم.
﴿وَجَعَلَ خِلالَها﴾ أوْساطَها ﴿أنْهارًا﴾ جارِيَةً يَنْتَفِعُونَ بِها (p-295)﴿وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تَمْنَعُها أنْ تَمِيدَ بِأهْلِها ويَتَكَوَّنُ فِيها المَعادِنُ ويَنْبُعُ في حَضِيضِها اليَنابِيعُ ويَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَصالِحِ ما لا يُحْصى.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ﴾ أيِ: العَذْبِ والمالِحِ، أوْ خَلِيجَيِّ فارِسَ والرُّومِ ﴿حاجِزًا﴾ بَرْزَخًا مانِعًا مِنَ المُمازَجَةِ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ الفُرْقانِ، والجَعْلُ في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ إبْداعِيٌّ، وتَأْخِيرُ مَفْعُولِهِ عَنِ الظَّرْفِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ.
﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ في الوُجُودِ "أوْ" في إبْداعِ هَذِهِ البَدائِعِ عَلى ما مَرَّ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، ولِذَلِكَ لا يَفْهَمُونَ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ.
27:62Page 382
أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢
Is He [not best] who responds to the desperate one when he calls upon Him and removes evil and makes you inheritors of the earth?1 Is there a deity with Allāh? Little do you remember.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ وهو الَّذِي أحْوَجَتْهُ شِدَّةٌ مِنَ الشَّدائِدِ وألْجَأتْهُ إلى اللَّجَأِ والضَّراعَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ الَّذِي هو افْتِعالٌ مِنَ الضَّرُورَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هو المَجْهُودُ. وعَنِ السُّدِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: مَن لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ، وقِيلَ: المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ. واللّامُ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ حَتّى يَلْزَمَ إجابَةَ كُلِّ مُضْطَّرٍّ.
﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ وهو الَّذِي يَعْتَرِي الإنْسانَ مِمّا يَسُوؤُهُ ﴿وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: خُلَفاءَ فِيها بِأنْ ورَّثَكم سُكْناها والتَّصَرُّفَ فِيها مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخِلافَةِ المُلْكُ والتَّسَلُّطُ.
﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُفِيضُ عَلى كافَّةِ الأنامِ هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذْكُرا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ. و"ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها العَدَمُ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ في الحَقارَةِ وعَدَمِ الجَدْوى. وفي تَذْيِيلِ الكَلامِ بِنَفْيِ التَّذَكُّرِ عَنْهم إيذانٌ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مَرْكُوزٌ في ذِهْنِ كُلِّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ، وأنَّهُ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ وتَذَكُّرِهِ. وقُرِئَ: "تَتَذَكَّرُونَ" عَلى الأصْلِ، و"تَذَّكَّرُونَ" و "يُذَكِّرُونَ" بِالتّاءِ والياءِ مَعَ الإدْغامِ.
27:63Page 382
أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣
Is He [not best] who guides you through the darknesses of the land and sea and who sends the winds as good tidings before His mercy? Is there a deity with Allāh? High is Allāh above whatever they associate with Him.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: في ظُلُماتِ اللَّيالِي فِيهِما عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلْمُلابَسَةِ، أوْ في مُشْتَبِهاتِ الطُّرُقِ، يُقالُ: طَرِيقَةٌ ظَلْماءُ وعَمْياءُ لِلَّتِي لا مَنارَ بِها.
﴿وَمَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وهي المَطَرُ، ولَئِنْ صَحَّ أنَّ السَّبَبَ الأكْثَرِيَّ في تَكَوُّنِ الرِّيحِ مُعاوَدَةُ الأدْخِنَةِ الصّاعِدَةِ مِنَ الطَّبَقَةِ البارِدَةِ لِانْكِسارِ حَرِّها وتَمْوِيجِها لِلْهَواءِ، فَلا رَيْبَ في أنَّ الأسْبابَ الفاعِلِيَّةَ والقابِلِيَّةَ لِذَلِكَ كُلِّهِ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والفاعِلُ لِلسَّبَبِ فاعِلٌ لِلْمُسَبِّبِ قَطْعًا.
﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَقْرِيرٌ وتَحْقِيقٌ لَهُ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أيْ: تَعالى وتَنَزَّهَ بِذاتِهِ المُنْفَرِدَةِ بِالأُلُوهِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَمالِ والجَلالِ المُقْتَضِيَةِ لِكَوْنِ كُلِّ المَخْلُوقاتِ مَقْهُورًا تَحْتَ قدرته عَمّا يُشْرِكُونَ، أيْ: عَنْ وُجُودِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ تَعالى لا مُطْلَقًا فَإنَّ وُجُودَهُ مِمّا لا مَرَدَّ لَهُ بَلْ عَنْ (p-296)وَجُودِهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ إلَهًا وشَرِيكًا لَهُ تَعالى، أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ.
27:64Page 383
أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤
Is He [not best] who begins creation and then repeats it and who provides for you from the heaven and earth? Is there a deity with Allāh? Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: بَلْ أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ ﴿وَمَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ وأرْضِيَّةٍ قَدْ رَتَّبَها عَلى تَرْتِيبٍ بَدِيعٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الَّتِي عَلَيْها بُنِيَ أمْرُ التَّكْوِينِ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَهُ بِهِ في العِبادَةِ مِن جَمادٍ لا يَتَوَهَّمُ قدرته عَلى شَيْءٍ ما أصْلًا.
﴿أإلَهٌ﴾ آخَرُ مَوْجُودٌ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى يُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ تَبْكِيتٍ، أيْ: هاتُوا بُرْهانًا عَقْلِيًّا أوْ نَقْلِيًّا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعَهُ تَعالى إلَهًا لا عَلى أنَّ غَيْرَهُ تَعالى يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِن أفْعالِهِ تَعالى كَما قِيلَ، فَإنَّهم لا يَدْعُونَهُ صَرِيحًا ولا يَلْتَزِمُونَ كَوْنَهُ مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ وإنْ كانَ مِنها في الحَقِيقَةِ فَمُطالَبَتُهم بِالبُرْهانِ عَلَيْهِ لا عَلى صَرِيحِ دَعْواهم مِمّا لا وجْهَ لَهُ. وفي إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِما فِيها مِن إيهامِ أنَّ لَهم بُرْهانًا وأنّى لَهم ذَلِكَ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في تِلْكَ الدَّعْوى.
27:65Page 383
قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٦٥
Say, "None in the heavens and earth knows the unseen except Allāh, and they do not perceive when they will be resurrected."
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ بَعْدَما حَقَّقَ تَفَرُّدَهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بِبَيانِ اخْتِصاصِهِ بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ التّامَّةِ والرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ العامَّةِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما هو مِن لَوازِمِهِ وهو اخْتِصاصُهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ تَكْمِيلًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ورَفْعُ المُسْتَثْنى عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَةِ عِلْمِ الغَيْبِ مِن أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ بِتَعْلِيقِهِ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنهم، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ فِيهِما فَفِيهِمْ مَن يَعْلَمُ الغَيْبَ، أوْ مُتَّصِلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن في السَّمَواتِ والأرْضِ: مَن تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِهِما واطَّلَعَ عَلَيْهِما اطِّلاعَ الحاضِرِ فِيهِما، فَإنَّ ذَلِكَ مَعْنًى مَجازِيٌّ عامٌّ لَهُ تَعالى ولِأُولِي العِلْمِ مِن خَلْقِهِ. و"مَن" مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ.
﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لا بُدَّ لَهم مِنهُ ومِن أهَمِّ الأُمُورِ عِنْدَهم. و"أيّانَ" مُرَكَّبَةٌ مِن: "أيْ" و "آنَ" . وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ، وإنْ كانَ عَدَمُ الشُّعُورِ بِما ذُكِرَ عامًّا لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْكِيكُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَيَأْتِي مِنَ الضَّمائِرِ الخاصَّةِ بِهِمْ قَطْعًا. وقِيلَ: الكُلُّ لِمَن، وإسْنادُ خَواصِّ الكَفَرَةِ إلى الجَمِيعِ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، والفاعِلُ بَعْضٌ مِنهم.
27:66Page 383
بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ٦٦
Rather, their knowledge is arrested concerning the Hereafter. Rather, they are in doubt about it. Rather, they are, concerning it, blind.
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ لَمّا نَفى عَنْهم عَلِمَ الغَيْبِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِنَفْيِ شُعُورِهِمْ بِوَقْتِ ما هو مَصِيرُهم لا مَحالَةَ بُولِغَ في تَأْكِيدِهِ وتَقْرِيرِهِ بِأنْ أضْرَبَ عَنْهُ وبَيَّنَ أنَّهم في جَهْلٍ أفْحَشَ مِن جَهْلِهِمْ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أحْوالَ الآخِرَةِ مُطْلَقًا مَعَ تَعاضُدِ أسْبابِ مَعْرِفَتِها عَلى أنَّ مَعْنى ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ: تَدارَكَ وتَتابَعَ عِلْمُهم في شَأْنِ الآخِرَةِ الَّتِي ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ حالٌ مِن أحْوالِها حَتّى انْقَطَعَ ولَمْ يَبْقَ لَهم عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِمّا سَيَكُونُ فِيها قَطْعًا، لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ (p-297)كانَ لَهم عِلْمٌ بِذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ ثُمَّ انْتَفى شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ بِتَنْزِيلِ أسْبابِ العِلْمِ ومَبادِئِهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ وإجْراءَ تَساقُطِها عَنْ دَرَجَةِ اعْتِبارِهِمْ كُلَّما لاحَظُوها مُجْرى تَتابُعِها إلى الِانْقِطاعِ، ثُمَّ أضْرَبَ وانْتَقَلَ عَنْ بَيانِ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِها إلى بَيانِ ما هو أسْوَأُ مِنهُ وهو حِيرَتُهم في ذَلِكَ حَيْثُ قِيلَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: في شَكٍّ مُرِيبٍ مِن نَفْسِ الآخِرَةِ وتَحَقُّقِها كَمَن تَحَيَّرَ في أمْرٍ لا يَجِدُ عَلَيْهِ دَلِيلًا فَضْلًا عَنِ الأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ فِيها، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى بَيانِ أنَّ ما هم فِيهِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الشَّكِّ حَيْثُ قِيلَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يُدْرِكُونَ دَلائِلَها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. وقُرِئَ: "بَلْ أدَّرِكَ عِلْمُهُمْ" بِمَعْنى: انْتَهى وفَنِيَ، وقَدْ فَسَّرَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: اضْمَحَلَّ عِلْمُهم. وقِيلَ: كِلْتا الصِّيغَتَيْنِ عَلى مَعْناها الظّاهِرِ، أيْ: تَكامَلَ واسْتَحْكَمَ، أوْ تَمَّ أسْبابُ عِلْمِهِمْ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ مِنَ الآياتِ القاطِعَةِ والحُجَجِ السّاطِعَةِ وتَمَكَّنُوا مِنَ المَعْرِفَةِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ وهم جاهِلُونَ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن وصْفِهِمْ بِمُطْلَقِ الجَهْلِ إلى وصْفِهِمْ بِالشَّكِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ إضْرابٌ مِن وصْفِهِمْ بِالشَّكِّ إلى وصْفِهِمْ بِما هو أشَدُّ مِنهُ وأفْظَعُ مِنَ العَمى، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَنْزِيلَ أسْبابِ العِلْمِ مَنزِلَةَ العِلْمِ سَنَنٌ مَسْلُوكٌ لَكِنْ دَلالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى جَهْلِهِمْ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِوَصْفِهِمْ بِاسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ: التَّهَكُّمُ بِهِمْ، فَيَكُونَ وصْفًا لَهم بِالجَهْلِ مُبالَغَةً، والإضْرابانِ عَلى ما ذُكِرَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، وبِهِ قَرَأ أُبَيٌّ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وسُكِّنَتْ فَتَعَذَّرَ الِابْتِداءُ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ فَصارَ ادّارَكَ. وقُرِئَ: "بَلِ ادَّرَكَ" وأصْلُهُ افْتَعَلَ، و"بَلْ أأدَّرِكُ" بِهَمْزَتَيْنِ، و"بَلْ آأدْرَكَ" بِألْفٍ بَيْنَهُما، و"بَلْ أدْرَكَ" بِالتَّخْفِيفِ والنَّقْلِ، و"بَلِ ادَّرَكَ" بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وأصْلُهُ بَلْ أدَّرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، و"بَلى ادَّرَكَ" و "بَلى أأدْرَكَ" و "أمْ تَدارَكَ" و "أمِ ادَّرَكَ" فَهَذِهِ ثِنْتا عَشْرَةَ قِراءَةً فَما فِيهِ اسْتِفْهامٌ صَرِيحٌ أوْ مُضَمَّنٌ مِن ذَلِكَ فَهو إنْكارٌ ونَفْيٌ، وما فِيهِ بَلى فَإثْباتٌ لِشُعُورِهِمْ وتَفْسِيرٌ لَهُ بِالإدْراكِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ الَّذِي هو أبْلَغُ وُجُوهِ النَّفْيِ والإنْكارِ، وما بَعْدَهُ إضْرابٌ عَنِ التَّفْسِيرِ مُبالَغَةً في النَّفْيِ ودَلالَةً عَلى أنَّ شُعُورَهم بِها أنَّهم شاكُّونَ فِيها بَلْ إنَّهم مِنها عَمُونَ أوْ رَدٌّ وإنْكارٌ لِشُعُورِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences