Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:88–93
27:88Page 384
وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨
And you see the mountains, thinking them motionless,1 while they will pass as the passing of clouds. [It is] the work of Allāh, who perfected all things. Indeed, He is Aware of that which you do.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُنْفَخُ" داخِلٌ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: ثابِتَةً في أماكِنِها، إمّا بَدَلٌ مِنهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ "تَرى" أوْ مِن مَفْعُولِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجِبالِ في تَحْسَبُها أوْ في جامِدَةً؛ أيْ: تَراها رَأْيَ العَيْنِ ساكِنَةً، والحالُ أنَّها تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ سَيْرًا حَثِيثًا، وذَلِكَ أنَّ الأجْرامَ العِظامَ إذا تَحَرَّكَتْ نَحْوَ سَمْتٍ لا تَكادُ تَتَبَيَّنُ حَرَكَتَها. وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ:
؎ بِأرْعَنَ مِثْلَ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وَقَدْ أُدْمِجَ في هَذا التَّشْبِيهِ حالُ الجِبالِ بِحالِ السَّحابِ في تَخَلْخُلِ الأجْزاءِ وانْتِفاشِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾، وهَذا أيْضًا مِمّا يَقَعُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ عِنْدَ حَشْرِ الخَلْقِ، يُبَدِّلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضَ ويُغِيِّرُ هَيْأتَها ويُسَيِّرُ الجِبالَ عَنْ مَقارِّها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الهَيْئَةِ الهائِلَةِ لِيُشاهِدَها أهْلُ المَحْشَرِ، وهي وإنِ انْدَكَّتْ وتَصَدَّعَتْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى لَكِنْ تَسْيِيرُها وتَسْوِيَةُ الأرْضِ إنَّما يَكُونانِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ...﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ اتِّباعَ الدّاعِي الَّذِي هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبُرُوزُ الخَلْقِ لِلَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وقَدْ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم ...﴾ إنَّ صِيغَةَ الماضِي في المَعْطُوفِ مَعَ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُسْتَقْبَلًا لِلدِّلالَةِ عَلى تَقَدُّمِ الحَشْرِ عَلى التَّسْيِيرِ والرُّؤْيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحَشَرْناهم قَبْلَ ذَلِكَ. هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ: هي النَّفْخَةُ الأُولى، والفَزَعُ هو الَّذِي يَسْتَتْبِعُ المَوْتَ لِغايَةِ شِدَّةِ الهَوْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ...﴾ الآيَةُ، فَيُخْتَصُّ أثَرُها بِما كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِها دُونَ مَن ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الأُمَمِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإتْيانِ داخِرِينَ: رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ تَعالى وانْقِيادُهم لَهُ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ تُنَزَّهَ ساحَةُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ. وأبْعَدُ مِن هَذا ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ النَّفْخَةِ: نَفْخَةُ الفَزَعِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ، وهي الَّتِي أُرِيدَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ فَيُسَيِّرُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَها الجِبالَ فَتَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ فَتَكُونُ سَرابًا وتُرَجُّ الأرْضُ بِأهْلِها رَجًّا فَتَكُونُ كالسَّفِينَةِ المُوَثَّقَةِ في البَحْرِ أوْ كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ تَرْجُجْهُ الأرْواحُ (p-305)فَإنَّهُ مِمّا لا ارْتِباطَ لَهُ بِالمَقامِ قَطْعًا والحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ما قَدَّمْناهُ ومِمّا هو نَصٌّ في البابِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ .
﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَمِيعًا قُصِدَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ تِلْكَ الأفاعِيلِ وتَهْوِيلِ أمْرِها، والإيذانُ بِأنَّها لَيْسَتْ بِطَرِيقِ إخْلالِ نِظامِ العالَمِ وإفْسادِ أحْوالِ الكائِناتِ بِالكُلِّيَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَدْعُوَ إلَيْها داعِيَةٌ، أوْ يَكُونَ لَها عاقِبَةٌ؛ بَلْ هي مِن قَبِيلِ بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْغاياتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي لِأجْلِها رُتِّبَتْ مُقَدِّماتُ الخَلْقِ ومَبادِئِ الإبْداعِ عَلى الوَجْهِ المَتِينِ والهُجِّ الرَّصِينِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أحْكَمَ خَلَقَهُ وسَوّاهُ عَلى ما تَقْتَضِيِهِ الحِكْمَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ ما ذُكِرَ صُنْعًا مُحْكَمًا لَهُ تَعالى بِبَيانِ أنَّ علمه تعالى بِظَواهِرِ أفْعالِ المُكَلَّفِينَ وبَواطِنِها مِمّا يَدْعُو إلى إظْهارِها وبَيانِ كَيْفِيّاتِها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ والسُّوءِ. وتَرْتِيبُ أجْزِيَتِها عَلَيْها بَعْدَ بَعْثِهِمْ وحَشْرِهِمْ وجَعْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ والجِبالِ عَلى وفْقَ ما نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ لَيَتَحَقَّقُوا بِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ. وقُرِئَ: "خَبِيرٌ بِما يَفْعَلُونَ" .
27:89Page 385
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩
Whoever comes [at Judgement] with a good deed will have better than it, and they, from the terror of that Day, will be safe.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ بَيانٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِإحاطَةِ علمه تعالى بِأفْعالِهِمْ مِن تَرْتِيبٍ أجَزِيَتِها عَلَيْها؛ أيْ: مَن جاءَ مِنكم، أوْ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ أتَوْهُ تَعالى بِالحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ ما هو خَيْرٌ مِنها، إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ أضْعافُها، وإمّا بِاعْتِبارِ دَوامِهِ وانْقِضائِها. وقِيلَ: فَلُهْ خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها وهو الجَنَّةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الحَسَنَةُ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ.
﴿وَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ جاءُوا بِالحَسَناتِ ﴿مِن فَزَعٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ هائِلٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ وهو الفَزَعُ الحاصِلُ مِن مُشاهَدَةِ العَذابِ بَعْدَ تَمامِ المُحاسَبَةِ وظُهُورِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ...﴾ . وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: حِينَ يُؤْمَرُ بِالعَبْدِ إلى النّارِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ، ويُنادِي المُنادِي: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴿آمِنُونَ﴾ لا يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ الفَزَعُ الهائِلُ ولا يَلْحَقُهم ضَرَرُهُ أصْلًا، وأمّا الفَزَعُ الَّذِي يَعْتَرِي كُلَّ مَن في السَّمَواتِ ومَن في الأرْضِ غَيْرَ مَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّما هو التَّهَيُّبُ والرُّعْبُ الحاصِلُ في ابْتِداءِ النَّفْخَةِ مِن مُعايَنَةِ فُنُونِ الدَّواهِي والأهْوالِ، ولا يَكادُ يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ وإنْ كانَ آمِنًا مِن لُحُوقِ الضَّرَرِ والأمْنُ يُسْتَعْمَلُ بِالجارِّ وبِدُونِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ...﴾ .وَقُرِئَ: "مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ" بِالإضافَةِ مَعَ كَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها أيْضًا، والمُرادُ: هو الفَزَعُ المَذْكُورُ في القِراءَةِ الأُولى لا جَمِيعُ الأفْزاعِ الحاصِلَةِ يَوْمَئِذٍ، ومَدارُ الإضافَةِ كَوْنُهُ أعْظَمَ الأفْزاعِ وأكْبَرَها كَأنَّ ما عَداهُ لَيْسَ بِفَزَعٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.
27:90Page 385
وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٠
And whoever comes with an evil deed1 - their faces will be overturned into the Fire, [and it will be said], "Are you recompensed except for what you used to do?"
﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قِيلَ: هو الشِّرْكُ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أيْ: كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ مَنكُوسِينَ، أوْ كُبَّتْ فِيها أنْفُسُهم عَلى طَرِيقَةِ ولا تُلْقُواْ بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ.
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ عَلى الِالتِفاتِ لِلتَّشْدِيدِ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ؛ أيْ: مَقُولًا لَهم ذَلِكَ.
27:91Page 385
إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١
[Say, O Muḥammad], "I have only been commanded to worship the Lord of this city,1 who made it sacred and to whom [belongs] all things. And I am commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]
(p-306)﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ أُمِرَ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهم أحْوالَ المَبْدَإ والمَعادِ وشَرَحَ أحْوالَ القِيامَةِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّهُ قَدْ أتَمَّ أمْرَ الدَّعْوَةِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لَهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ شَأْنٌ سِوى الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِاسْتِغْراقِ في مُراقَبَتِهِ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ضَلُّوا أمْ رَشَدُوا، صَلَحُوا أوْ فَسَدُوا، لَيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى أنْ يَهْتَمُّوا بِأُمُورِ أنْفُسِهِمْ ولا يَتَوَهَّمُوا مِن شِدَّةِ اعْتِنائِهِ ﷺ بِأمْرِ دَعْوَتِهِمْ أنَّهُ ﷺ يُظْهِرُ لَهم ما يُلْجِئُهم إلى الإيمانِ لا مَحالَةَ، ويَشْتَغِلُوا بِتَدارُكِ أحْوالِهِمْ، ويَتَوَجَّهُوا نَحْوَ التَّدَبُّرِ فِيما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ. والبَلْدَةُ: هي مَكَّةُ المُعَظَّمَةُ، وتَخْصِيصُها بِالإضافَةِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها وإجْلالِ مَكانِها والتَّعَرُّضِ لِتَحْرِيمِهِ تَعالى إيّاها تَشْرِيفٌ لَها بَعْدَ تَشْرِيفٍ، وتَعْظِيمٌ إثْرَ تَعْظِيمٍ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ ومُوجَبِ الِامْتِثالِ بِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ ومِنَ الرَّمْزِ إلى غايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا فِيها ألّا يَرى أنَّهم مَعَ كَوْنِها مُحَرَّمَةً مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُها بِاخْتِلاءِ خَلاها وعَضْدِ شَجَرِها وتَنْفِيرِ صَيْدِها وإرادَةِ الإلْحادِ فِيها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ قَدِ اسْتَمَرُّوا فِيها عَلى تَعاطِي أفْجَرِ أفْرادِ الفُجُورِ وأشْنَعِ آحادِ الإلْحادِ، حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ رَبِّها ونَصَبُوا فِيها الأوْثانَ وعَكَفُوا عَلى عِبادَتِها قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ. وقُرِئَ: "حَرَمَها" بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ أيْ: خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إفْرادَ مَكَّةَ بِالإضافَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّشْرِيفِ مَعَ عُمُومِ الربوبية لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ.
﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: أثْبَتَ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِي مِن جُمْلَةِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، أيِ: الَّذِينَ أسْلَمُوا وُجُوهَهم لِلَّهِ خالِصَةً مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ .
27:92Page 385
وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢
And to recite the Qur’ān." And whoever is guided is only guided for [the benefit of] himself; and whoever strays - say, "I am only [one] of the warners."
﴿وَأنْ أتْلُوَ القرآن﴾ أيْ: أُواظِبَ عَلى تِلاوَتِهِ لِتَنْكَشِفَ لِي حَقائِقُهُ الرّائِعَةُ المَخْزُونَةُ في تَضاعِيفِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، أوْ عَلى تِلاوَتِهِ عَلى النّاسِ بِطَرِيقِ تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ وتَثْنِيَةِ الإرْشادِ فَيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى كِفايَتِهِ في الهِدايَةِ والإرْشادِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إظْهارِ مُعْجِزَةٍ أُخْرى. فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ حِينَئِذٍ فَمَنِ اهْتَدى بِالإيمانِ بِهِ والعَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وعَلى الأوَّلِ: فَمَنِ اهْتَدى بِاتِّباعِهِ إيّايَ فِيما ذُكِرَ مِنَ العِبادَةِ والإسْلامِ وتِلاوَةِ القرآن فَإنَّما مَنافِعُ اهْتِدائِهِ عائِدَةٌ إلَيْهِ لا إلَيَّ.
﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بِالكُفْرِ بِهِ والإعْراضِ عَنِ العَمَلِ بِما فِيهِ، أوْ بِمُخالَفَتِي فِيما ذُكِرَ.
﴿فَقُلْ﴾ في حَقِّهِ ﴿إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ وقَدْ خَرَجْتُ عَنْ عُهْدَةِ الإنْذارِ فَلَيْسَ عَلَيَّ مِن وبالِ ضَلالِهِ شَيْءٌ وإنَّما هو عَلَيْهِ فَقَطْ.
27:93Page 385
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٣
And say, "[All] praise is [due] to Allāh. He will show you His signs, and you will recognize them. And your Lord is not unaware of what you do."
(p-307)﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: عَلى ما أفاضَ عَلَيَّ مِن نَعْمائِهِ الَّتِي أُجِلُّها نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ووَفَّقَنِي لِتَحَمُّلِ أعْبائِها وتَبْلِيغِ أحْكامِها إلى كافَّةِ الوَرى بِالآياتِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ النَّيِّرَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ؛ أيْ: سَيُرِيكُمُ البَتَّةَ في الدُّنْيا آياتِهِ الباهِرَةَ الَّتِي نَطَقَ بِها القرآن كَخُرُوجِ الدّابَّةِ وسائِرِ الأشْراطِ، وقَدْ عُدَّ مِنها وقْعَةُ بَدْرٍ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ أيْ: فَتَعْرِفُونَ أنَّها آياتُ اللَّهِ تَعالى حِينَ لا تَنْفَعُكُمُ المُعَرِّفَةُ لِأنَّهم لا يَعْتَرِفُونَ بِكَوْنِ وقْعَةِ بَدْرٍ كَذَلِكَ، وقِيلَ: سَيُرِيكم في الآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ كَما يُنْبِئِ عَنْهُ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ - ﷺ، وتَخْصِيصُ الخِطابُ أوَّلًا بِهِ ﷺوَتَعْمِيمُهُ ثانِيًا لِلْكَفَرَةِ تَغْلِيبًا؛ أيْ: وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُ أنْتَ مِنَ الحَسَناتِ وما تَعْمَلُونَ أنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ مِنَ السَّيِّئاتِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنكم بِعَمَلِهِ لا مَحالَةَ. وقُرِئَ: "عَمّا يَعْمَلُونَ" عَلى الغَيْبَةِ، فَهو وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَنْ أعْمالِهِمْ فَسَيُعَذِّبُهُمُ البَتَّةَ فَلا يَحْسَبُوا أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ لِغَفْلَتِهِ تَعالى عَنْ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لَهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ " طس " كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِسُلَيْمانَ وهُودٍ وصالِحٍ وإبْراهِيمَ وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَن كَذَّبَ بِهِمْ، ويَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ وهو يُنادِي: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences