Abu as-Su'udAl‑Qasas · 28:24–43

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:24–43

28:24Page 388

فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ ٢٤

So he watered [their flocks] for them; then he went back to the shade and said, "My Lord, indeed I am, for whatever good You would send down to me, in need."

﴿فَسَقى لَهُما﴾ رَحْمَةً عَلَيْهِما، والكَلامُ في حَذْفِ مَفْعُولِهِ كَما مَرَّ آنِفًا. رُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا سَبْعَةُ رِجالٍ، وقِيلَ: عَشَرَةٌ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ. فَأفَلَهُ وحْدَهُ مَعَ ما كانَ بِهِ مِنَ الوَصَبِ والجِراحَةِ والجُوعِ، ولَعَلَّهُ (p-9)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زاحَمَهم في السَّقْيِ لَهُما، فَوَضَعُوا الحَجَرَ عَلى البِئْرِ لِتَعْجِيزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ. فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَبَّ ما شاهَدَ حالَهُما سارَعَ إلى السَّقْيِ لَهُما. وقَدْ رُوِيَ: أنَّهُ دَفَعَهم عَنِ الماءِ إلى أنْ سَقى لَهُما، وقِيلَ: كانَتْ هُناكَ بِئْرٌ أُخْرى عَلَيْها الصَّخْرَةُ المَذْكُورَةُ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَهم دَلْوًا مِن ماءٍ فَأعْطَوْهُ دَلْوَهُمْ، وقالُوا: اسْتَقِ بِها، وكانَ لا يَنْزِعُها إلّا أرْبَعُونَ فاسْتَقى بِها، وصَبَّها في الحَوْضِ، ودَعا بِالبَرَكَةِ. ورَوى غَنَمَهُما، وأصْدَرَهُما.

﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ الَّذِي كانَ هُناكَ.

﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أنْزَلْتَهُ إلَيَّ ﴿مِن خَيْرٍ﴾ جَلَّ، أوْ قَلَّ، وحَمَلَهُ الأكْثَرُونَ عَلى الطَّعامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ.

﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ. ولِتَضَمُّنِهِ مَعْنى السُّؤالِ والطَّلَبِ جِيءَ بِلامِ الدِّعامَةِ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وقِيلَ المَعْنى لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ عَظِيمٍ هو خَيْرُ الدّارَيْنِ صِرْتُ فَقِيرًا في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ كانَ في سَعَةٍ مِنَ العَيْشِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إظْهارًا لِلْبَجْحِ، والشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ.

28:25Page 388

فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥

Then one of the two women came to him walking with shyness. She said, "Indeed, my father invites you that he may reward you for having watered for us." So when he came to him1 and related to him the story, he said, "Fear not. You have escaped from the wrongdoing people."

﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ قِيلَ: هي كُبْراهُما، واسْمُها صَفُوراءُ أوْ صَفْراءُ، وقِيلَ: صُغْراهُما. واسْمُها صُفَيْراءُ، أيْ: جاءَتْهُ عَقِيبَ ما رَجَعَتا إلى أبِيها. رُوِيَ أنَّهُما لَمّا رَجَعَتا إلى أبِيهِما قَبْلَ النّاسِ، وأغْنامُهُما حُفْلٌ بِطانٌ، قالَ لَهُما: ما أعْجَلَكُما؟ قالَتا: وجَدْنا رَجُلًا صالِحًا رَحِمَنا، فَسَقى لَنا. فَقالَ لِإحْداهُما: اذْهَبِي فادْعِيهِ لِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَمْشِي﴾ حالٌ مِن فاعِلِ جاءَتْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن ضَمِيرِ تَمْشِي، أيْ: جاءَتْهُ تَمْشِي كائِنَةً عَلى اسْتِحْياءٍ، فَمَعْناهُ أنَّها كانَتْ عَلى اسْتِحْياءِ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ مَعًا، لا عِنْدَ المَجِيءِ فَقَطْ. وتَنْكِيرُ اسْتِحْياءٍ لِلتَّفْخِيمِ، قِيلَ: جاءَتْهُ مُتَخَفِّرَةً، أيْ: شَدِيدَةَ الحَياءِ، وقِيلَ: قَدِ اسْتَتَرَتْ بِكُمِّ دِرْعِها.

﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيئِها إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ فَقِيلَ: قالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ . أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا أسْنَدَتِ الدَّعْوَةَ إلى أبِيها، وعَلَّلَتْها بِالجَزاءِ لِئَلّا يُوهِمَ كَلامُها رِيبَةً. وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ العَقْلِ والحَياءِ والعِفَّةِ ما لا يَخَفْى. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أجابَها فانْطَلَقا، وهي أمامَهُ فَألْزَقَتِ الرِّيحُ ثَوْبَها بِجَسَدِها فَوَصَفَتْهُ، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِي الطَّرِيقَ، فَفَعَلَتْ حَتّى أتَيا دارَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.

﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ: ما جَرى عَلَيْهِ مِنَ الخَبَرِ المَقْصُوصِ فَإنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالعِلَلِ.

﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِي يَلُوحُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أجابَ المُسْتَدْعِيَةَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ لِيَتَبَرَّكَ بِرُؤْيَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَسْتَظْهِرَ بِرَأْيِهِ لا لِيَأْخُذَ بِمَعْرُوفِهِ أجْرًا حَسْبَما صَرَّحَتْ بِهِ ألا تَرى إلى ما رُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ طَعامًا، قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِقِلاعِ الأرْضِ ذَهَبًا، ولا نَأْخُذُ عَلى المَعْرُوفِ ثَمَنًا، ولَمْ يَتَناوَلْ. حَتّى قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامَ: هَذِهِ عادَتُنا مَعَ كُلِّ مَن يَنْزِلُ بِنا، فَتَناوَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقَبُّلِ لِمَعْرُوفٍ مُبْتَدَأٍ. كَيْفَ لا وقَدْ قَصَّ عَلَيْهِ قَصَصَهُ، وعَرَّفَهُ أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، (p-10)مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامِ؟ ومِثْلُهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُضَيَّفَ، ويُكْرَمَ. لا سِيَّما في دارِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقْبَلَ الأجْرَ لِاضْطِرارِ الفَقْرِ والفاقَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَ صَوْتَهُ بِدُعائِهِ لِيُسْمِعَها، ولِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: ﴿ "لِيَجْزِيَكَ"...﴾ إلَخْ. ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما فَعَلَهُ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى اسْتِدْعائِهِ، لا إلى اسْتِيفاءِ الأجْرِ.

28:26Page 388

قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦

One of the women said, "O my father, hire him. Indeed, the best one you can hire is the strong and the trustworthy."

﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ وهي الَّتِي اسْتَدْعَتْهُ إلى أبِيها، وهي الَّتِي زَوَّجَها مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ: لِرَعْيِ الغَنَمِ، والقِيامِ بِأمْرِها.

﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ جارٍ مَجْرى الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِالِاسْتِئْجارِ، ولِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ جَعَلَ "خَيْرَ" اسْمًا لِـ "إنَّ"، وذَكَرَ الفِعْلَ عَلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمِينٌ مُجَرَّبٌ. رُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَها: وما أعْلَمَكِ بِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ؟ فَذَكَرَتْ ما شاهَدَتْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إقْلالِ الحَجَرِ، ونَزْعِ الدَّلْوِ، وأنَّهُ صَوَّبَ رَأْسَهُ حَتّى بَلَّغَتْهُ رِسالَتَهُ، وأمَرَها بِالمَشْيِ خَلْفَهُ.

28:27Page 388

قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

He said, "Indeed, I wish to wed you one of these, my two daughters, on [the condition] that you serve me for eight years; but if you complete ten, it will be [as a favor] from you. And I do not wish to put you in difficulty. You will find me, if Allāh wills, from among the righteous."

﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ أيْ: تَكُونَ أجِيرًا لِي، أوْ تُثِيبَنِي مِن أجَّرْتُ كَذا إذا أثَبْتَهُ إيّاهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ عَلى الأوَّلِ: ظَرْفٌ، وعَلى الثّانِي: مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: رِعْيَةَ ثَمانِي حِجَجٍ. ونُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ يُقالُ: أجَّرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ، وآجَرْتُ مَمْدُودًا، والأوَّلُ أكْثَرُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا، والمَعْنى عَلى أنْ تَأْجُرَنِي نَفْسَكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ثَمانِيَ حِجَجٍ، ظَرْفٌ كالوَجْهِ الأوَّلِ.

﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ.

﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: فَهو مِن عِنْدِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا مِن عِنْدِي بِطَرِيقِ الإلْزامِ عَلَيْكَ، وهَذا مِن شُعَيْبٍ عَرْضٌ لِرَأْيِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، واسْتِدْعاءٌ مِنهُ لِلْعَقْدِ لا إنْشاءٌ، وتَحْقِيقٌ لَهُ بِالفِعْلِ.

﴿وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِالزّامِ إتْمامِ العَشْرِ، أوِ المُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، واسْتِيفاءِ الأعْمالِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةِ مِنَ الشِّقِّ، فَإنَّ ما يَصْعُبُ عَلَيْكَ يَشُقُّ عَلَيْكَ اعْتِقادُكَ في إطاقَتِهِ، ويُوَزَّعُ رَأْيُكَ في مُزاوَلَتِهِ.

﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ المُعامَلَةِ، ولِينِ الجانِبِ، والوَفاءِ بِالعَهْدِ. ومُرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاسْتِثْناءِ التَّبَرُّكُ بِهِ، وتَفْوِيضُ أمْرِهِ إلى تَوْفِيقِهِ تَعالى، لا تَعْلِيقُ صَلاحِهِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى.

28:28Page 388

قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٢٨

[Moses] said, "That is [established] between me and you. Whichever of the two terms I complete - there is no injustice to me, and Allāh, over what we say, is Witness."

﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قُلْتَهُ، وعاهَدْتَنِي فِيهِ، وشارَطْتَنِي عَلَيْهِ، قائِمٌ وثابِتٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا يَخْرُجُ عَنْهُ واحِدٌ مِنّا، لا أنا عَمّا شَرَطْتُ عَلَيَّ، ولا أنْتَ عَمّا شَرَطْتَ عَلى نَفْسِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيْ: أكْثَرَهُما أوْ أقْصَرَهُما.

﴿قَضَيْتُ﴾ أيْ: وفَّيْتُكَهُ بِأداءِ الخِدْمَةِ فِيهِ.

﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمُرادِ، وتَقْرِيرٌ لِأمْرِ الخِيَرَةِ، أيْ: لا عُدْوانَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ، وتَعْمِيمُ انْتِفاءِ العُدْوانِ لِكِلا الأجَلَيْنِ بِصَدَدِ المُشارَطَةِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ العُدْوانِ في أكْثَرِهِما رَأْسًا لِلْقَصْدِ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الِانْتِفاءِ، (p-11)أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أوْ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا إثْمَ عَلَيَّ، يَعْنِي كَما لا إثْمَ عَلَيَّ في قَضاءِ الأكْثَرِ، لا إثْمَ عَلَيَّ في قَضاءِ الأقْصَرِ فَقَطْ، وقُرِئَ: (أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ) فَـ "ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ القَضاءِ كَما أنَّها في القِراءَةِ الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ إبْهامٍ، أيْ: وشِياعُها. وقُرِئَ: (أيْما) بِسُكُونِ الياءِ، كَقَوْلِ مَن قالَ:

؎ تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيْهُما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ

﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ مِنَ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا ﴿وَكِيلٌ﴾ شاهِدٌ وحافِظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنّا إلى الخُرُوجِ عَنْهُ أصْلًا، ولَيْسَ ما حُكِيَ عَنْهُما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمامَ ما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الكَلامِ في إنْشاءِ عَقْدِ النِّكاحِ، وعَقْدِ الإجارَةِ، وإيقاعِهِما، بَلْ هو بَيانٌ لِما عَزَّ ما عَلَيْهِ، واتَّفَقا عَلى إيقاعِهِ، حَسْبَما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَساقُ القِصَّةِ إجْمالًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ مَواجِبِ العَقْدَيْنِ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ تَفْصِيلًا. رُوِيَ أنَّهُما لَمّا أتَمّا العَقْدَ قالَ شُعَيْبٌ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ادْخُلْ ذَلِكَ البَيْتَ، فَخُذْ عَصًا مِن تِلْكَ العِصِيِّ -وَكانَتْ عِنْدَهُ عِصِيُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأخَذَ عَصًا هَبَطَ بِها آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ، ولَمْ يَزَلِ الأنْبِياءُ يَتَوارَثُونَها حَتّى وقَعَتْ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَسَّها، وكانَ مَكْفُوفًا فَضَنَّ بِها، فَقالَ: خُذْ غَيْرَها فَما وقَعَ في يَدِهِ إلّا هي سَبْعَ مَرّاتٍ، فَعَلِمَ أنَّ لَهُ شَأْنًا، وقِيلَ: أخَذَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ مَوْتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ مَعَهُ حَتّى لَقِيَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلًا، وقِيلَ: أوْدَعَها شُعَيْبًا مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ، فَأمَرَ بِنْتَهُ أنْ تَأْتِيَهُ بِعَصًا، فَأتَتْهُ بِها فَرَدَّها سَبْعَ مَرّاتٍ فَلَمْ يَقَعْ في يَدِها غَيْرُها فَدَفَعَها إلَيْهِ، ثُمَّ نَدِمَ؛ لِأنَّها ودِيعَةٌ فَتَبِعَهُ. فاخْتَصَما فِيها، ورَضِيا أنْ يَحْكُمَ بَيْنَها أوَّلُ طالِعٍ فَأتاهُما المَلَكُ فَقالَ: ألْقَيِاها فَمَن رَفَعَها فَهي لَهُ فَعالَجَها الشَّيْخُ فَلَمْ يُطِقْها، ورَفَعَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما كانَتْ إلّا عَصًا مِنَ الشَّجَرِ اعْتَرَضَها اعْتِراضًا. وعَنِ الكَلْبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهِ الشَّجَرَةُ الَّتِي مِنها نُودِيَ شَجَرَةُ العَوْسَجِ، ومِنها كانَتْ عَصاهُ، ولَمّا أصْبَحَ قالَ لَهُ شُعِيبٌ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما: إذا بَلَغْتَ مَفْرِقَ الطَّرِيقِ فَلا تَأْخُذْ عَلى يَمِينِكَ فَإنَّ الكَلَأ، وإنْ كانَ بِها أكْثَرَ إلّا أنَّ فِيها تِنِّينًا أخْشاهُ عَلَيْكَ وعَلى الغَنَمِ، فَأخَذَتِ الغَنَمُ ذاتَ اليَمِينِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى كَفِّها، ومَشى عَلى أثَرِها، فَإذا عُشْبٌ ورِيفٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، فَنامَ. فَإذا بِالتِّنِّينِ قَدْ أقْبَلَ فَحارَبَتْهُ العَصا حَتّى قَتَلَتْهُ، وعادَتْ إلى جَنْبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دامِيَةً فَلَمّا أبْصَرَها دامِيَةً، والتِّنِّينَ مَقْتُولًا ارْتاحَ لِذَلِكَ، ولَمّا رَجَعَ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مَسَّ الغَنَمَ فَوَجَدَها مَلْأى البُطُونِ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ، فَأخْبَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالشَّأْنِ فَفَرَحَ، وعَلِمَ أنَّ لِمُوسى والعَصا شَأْنًا. وقالَ لَهُ: إنِّي وهَبْتُ لَكَ مِن نِتاجِ غَنَمِي هَذا العامَ كُلَّ أدْرَعَ، ودَعاهُ فَأُوحِيَ إلَيْهِ في المَنامِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ مُسْتَقى الغَنَمِ فَفَعَلَ، ثُمَّ سَقى فَما أخْطَأتْ واحِدَةٌ إلّا وضَعَتْ أدْرَعَ ودَرْعاءَ فَوَفّى لَهُ بِشَرْطِهِ، و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:

28:29Page 389

۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٢٩

And when Moses had completed the term and was traveling with his family, he perceived from the direction of the mount a fire. He said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire. Perhaps I will bring you from there [some] information or burning wood from the fire that you may warm yourselves."

﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَعَقَدا العَقْدَيْنِ، وباشَرَ مُوسى ما التَزَمَهُ فَلَمّا أتَمَّ الأجَلَ.

﴿وَسارَ بِأهْلِهِ﴾ نَحْوَ مِصْرَ بِإذْنٍ مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَضى أبْعَدَ الأجَلَيْنِ، ومَكَثَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ عَزَمَ عَلى العَوْدِ إلى مِصْرَ، فاسْتَأْذَنَهُ في (p-12)ذَلِكَ فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ.

﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ.

﴿نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ أيْ: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ. وقَدْ كانُوا ضَلُّوهُ ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ أيْ: عُودٍ غَلِيظٍ سَواءٌ كانَتْ في رَأْسِهِ نارًا، ولا قالَ قائِلُهُمْ:

؎ باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها ∗∗∗ جَزْلَ الجُذى غَيْرَ حِوارٍ ولا دَعِرِ

وَقالَ:

؎ وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ جَذْوَةً ∗∗∗ شَدِيدًا عَلَيْها حَرُّها والتِهابُها

وَلِذَلِكَ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ النّارِ﴾ وقُرِئَ: بِكَسْرِ الجِيمِ وبِضَمِّها، وكُلُّها لُغاتٌ.

﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ.

28:30Page 389

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٠

But when he came to it, he was called from the right side of the valley in a blessed spot - from the tree,1 "O Moses, indeed I am Allāh, Lord of the worlds."

﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ: النّارَ الَّتِي آنَسَها.

﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ أيْ: أتاهُ النِّداءُ مِنَ الشّاطِئِ الأيْمَنِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَّصِلٌ بِالشّاطِئِ، أوْ صِلَةٌ لِنُودِيَ.

﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (شاطِئِ)؛ لِأنَّها كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.

﴿أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وهَذا وإنْ خالَفَ لَفْظًا لِما في طَهَ، والنَّمْلِ، لَكِنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ في المَعْنى المُرادِ.

28:31Page 389

وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ ٣١

And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it was a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, approach and fear not. Indeed, you are of the secure.

﴿وَأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْ" "يا مُوسى " وكِلاهُما مُفَسِّرٌ لِنُودِيَ، و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمَلٍ قَدْ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإشْعارًا بِغايَةِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِ مَدْلُولاتِها، أيْ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا، فاهْتَزَّتْ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ، ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ أيْ: في سُرْعَةِ الحَرَكَةِ مَعَ غايَةِ عِظَمِ جُثَّتِها.

﴿وَلّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا مِنَ الخَوْفِ.

﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ.

﴿يا مُوسى﴾ أيْ: قِيلَ: يا مُوسى، ﴿أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ مِنَ المَخاوِفِ، فَإنَّهُ لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ.

28:32Page 389

ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢

Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."

﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: أدْخِلْها فِيهِ.

﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: عَيْبٍ.

﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ أيْ: يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةُ كالخائِفِ الفَزِعِ بِإدْخالِ اليُمْنى تَحْتَ العَضُدِ الأيْسَرِ، واليُسْرى تَحْتَ الأيْمَنِ، أوْ بِإدْخالِهِما في الجَيْبِ فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِغَرَضٍ آخَرَ هو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في وجْهِ العَدُوِّ إظْهارَ جَراءَةٍ، ومَبْدَأً لِظُهُورِ مُعْجِزَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، اسْتِعارَةٌ مِن حالِ الطّائِرِ فَإنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ، وإذا أمِنَ واطْمَأنَّ ضَمَّهُما إلَيْهِ، ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ الرَّهَبِ. أيْ: إذا عَراكَ الخَوْفُ فافْعَلْ ذَلِكَ تَجَلُّدًا، وضَبْطًا لِنَفْسِكَ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الرّاءِ، وسُكُونِ الهاءِ وبِضَمِّهِما، والكُلُّ لُغاتٌ.

﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ، وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ فالمُخَفَّفُ مُثَنّى ذاكَ، والمُشَدَّدُ مُثَنّى ذَلِكَ.

﴿بُرْهانانِ﴾ حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ. وبُرْهانٌ فُعْلانٌ لِقَوْلِهِمْ: أبْرَهَ الرَّجُلُ إذا جاءَ بِالبُرْهانِ. مِن قَوْلِهِمْ: بَرَهَ الرَّجُلُ إذا ابْيَضَّ. ويُقالُ: (p-13)لِلْمَرْأةِ البَيْضاءِ بَرْهاءُ وبَرَهْرَهَةٌ، ونَظِيرُهُ تَسْمِيَةُ الحُجَّةِ سُلْطانًا مِنَ السَّلِيطِ، وهو الزَّيْتُ لِإنارَتِها، وقِيلَ: هو فُعْلالٌ لِقَوْلِهِمْ: بَرْهَنَ. و "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِبُرْهانانِ، أيْ: كائِنانِ مِنهُ تَعالى ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ واصِلانِ، ومُنْتَهِيانِ إلَيْهِمْ.

﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ عَنْ حُدُودِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ، فَكانُوا أحِقّاءَ بِأنْ نُرْسِلَكَ إلَيْهِمْ بِهاتَيْنِ المُعْجِزَتَيْنِ الباهِرَتَيْنِ.

28:33Page 389

قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣

He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.

﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِمُقابَلَتِها.

28:34Page 389

وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤

And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."

﴿وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ: مُعِينًا. وهو في الأصْلِ اسْمُ ما يُعانُ بِهِ كالدِّفْءِ، وقُرِئَ: (رَدَأً) بِالتَّخْفِيفِ.

﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بِتَخْلِيصِ الحَقِّ، وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ بِتَوْضِيحِها، وتَزْيِيفِ الشُّبْهَةِ.

﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ولِسانِي لا يُطاوِعُنِي عِنْدَ المُحاجَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ تَصْدِيقُ القَوْمِ لِتَقْرِيرِهِ، وتَوْضِيحِهِ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ. وقُرِئَ: (يَصْدُقْنِي) بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ.

28:35Page 389

قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥

[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."

﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ أيْ: سَنُقَوِّيكَ بِهِ فَإنَّ قُوَّةَ الشَّخْصِ بِشِدَّةِ اليَدِ عَلى مُزاوَلَةِ الأُمُورِ، ولِذَلِكَ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِاليَدِ، وشِدَّتِها بِشِدَّةِ العَضُدِ.

﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ أيْ: تَسَلُّطًا وغَلَبَةً، وقِيلَ: حُجَّةً، ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ بِاسْتِيلاءٍ أوْ مُحاجَّةٍ.

﴿بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ قَدْ صُرِّحَ بِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ، أيِ: اذْهَبا بِآياتِنا، أوْ بِـ نَجْعَلُ، أيْ: نُسَلِّطُكُما بِآياتِنا، أوْ بِمَعْنى لا يَصِلُونَ، أيْ: تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها، وقِيلَ: هو قَسَمٌ وجَوابُهُ لا يَصِلُونَ، وقِيلَ: هو بَيانٌ لَلْغالِبُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ صِلَةٌ لِما يُبَيِّنُهُ، أوْ صِلَةٌ لَهُ عَلى أنَّ "اللّامَ" لِلتَّعْرِيفِ، لا بِمَعْنى الَّذِي.

28:36Page 390

فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦

But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."

﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ تَعالى، والمُرادُ بِها العَصا واليَدُ إذْ هُما اللَّتانِ أظْهَرَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِصِيغَةِ الجَمْعِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ في سُورَةِ طَهَ.

﴿قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: سِحْرٌ مُخْتَلَقٌ لَمْ يُفْعَلْ قَبْلَ هَذا مِثْلُهُ، أوْ سِحْرٌ تَعْمَلُهُ، ثُمَّ تَفْتَرِيهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ سِحْرٌ مَوْصُوفٌ بِالِافْتِراءِ كَسائِرِ أصْنافِ السحر.

﴿وَما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيِ: السحر، أوِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ.

﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ: واقِعًا في أيّامِهِمْ.

28:37Page 390

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧

And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."

﴿وَقالَ (p-14)مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ، وقُرِئَ: قالَ بِغَيْرِ واوٍ؛ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ مَقالِهِمْ. ووَجْهُ العَطْفِ أنَّ المُرادَ حِكايَةُ القَوْلَيْنِ لِيُوازِنَ السّامِعُ بَيْنَهُما، فَيُمَيِّزُ صَحِيحَهُما مِنَ الفاسِدِ.

﴿وَمَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيِ: العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ في الدّارِ. وهي الدُّنْيا، وعاقِبَتُها الأصْلِيَّةُ هي الجَنَّةُ؛ لِأنَّها خُلِقَتْ مَجازًا إلى الآخِرَةِ، ومَزْرَعَةٌ لَها. والمَقْصُودُ: بِالذّاتِ مِنها الثَّوابُ، وأمّا العِقابُ فَمِن نَتائِجِ أعْمالِ العُصاةِ، وسَيِّئاتِ الغُواةِ. وقُرِئَ: (يَكُونُ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.

﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ، ولا يَنْجُونَ عَنْ مَحْذُورٍ.

28:38Page 390

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨

And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ قالَهُ اللَّعِينُ بَعْدَ ما جَمَعَ السحرةَ، وتَصَدّى لِلْمُعارَضَةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِمْ ما كانَ.

﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ أيِ: اصْنَعْ آجُرًّا.

﴿فاجْعَلْ لِي﴾ مِنهُ ﴿صَرْحًا﴾ أيْ: قَصْرًا رَفِيعًا.

﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ كَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّهُ لَوْ كانَ لَكانَ جِسْمًا في السَّماءِ يُمْكِنُ الرُّقِيُّ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، أوْ أرادَ أنْ يَبْنِيَ لَهُ رَصَدًا يَتَرَصَّدُ مِنهُ أوْضاعَ الكَواكِبِ، فَيَرى هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى بَعْثَةِ رَسُولٍ، وتَبَدُّلِ دَوْلَتِهِ؟ وقِيلَ: المُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ بِما لَيْسَ فِيهِنَّ، وهَذا مِن خَواصِّ العُلُومِ الفِعْلِيَّةِ، فَإنَّها لازِمَةٌ لِتَحَقُّقِ مَعْلُوماتِها فَيَلْزَمُ مِنِ انْتِفائِها انْتِفاءُ مَعْلُوماتِها، ولا كَذَلِكَ العُلُومُ الِانْفِعالِيَّةُ قِيلَ: أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الآجُرَّ فِرْعَوْنُ. ولِذَلِكَ أمَرَ بِاتِّخاذِهِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيمَ الصَّنْعَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَعْظِيمٍ، ولِذَلِكَ نادى هامانَ بِاسْمِهِ بِيا في وسَطِ الكَلامِ.

28:39Page 390

وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩

And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.

﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ.

﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ.

﴿وَظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا، والأوَّلُ مِن رَجَعَ رَجْعًا، وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ.

28:40Page 390

فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠

So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.

﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ﴾ عَقِيبَ ما بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعُتُوِّ أقْصى الغاياتِ.

﴿فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ الأخْذِ، وتَهْوِيلِهِ، واسْتِحْقارِ المَأْخُوذِينَ المَنبُوذِينَ ما لا يَخْفى. كَأنَّهُ تَعالى أخْذَهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ في كَفٍّ، وطَرَحَهم في البَحْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ وبَيَّنَها لِلنّاسِ لِيَعْتَبِرُوا بِها.

28:41Page 390

وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١

And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.

﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ: صَيَّرْناهم في عَهْدِهِمْ.

﴿أئِمَّةً يَدْعُونَ﴾ النّاسَ ﴿إلى النّارِ﴾ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أيْ: قُدْوَةً يَقْتَدِي بِهِمْ أهْلُ الضَّلالِ لَمّا صَرَفُوا اخْتِيارَهم إلى تَحْصِيلِ تِلْكَ الحالَةِ، وقِيلَ: (p-15)سَمَّيْناهم أئِمَّةً دُعاةً إلى النّارِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فالأنْسَبُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ بَعْدَهم فِيما بَيْنَ الأُمَمِ، وتَكُونَ الدَّعْوَةُ إلى نَفْسِ النّارِ. وقِيلَ: مَعْنى "الجَعْلِ" مَنعُ الألْطافِ الصّارِفَةِ عَنْ ذَلِكَ.

﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

28:42Page 390

وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢

And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1

﴿وَأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ طَرْدًا، وإبْعادًا مِنَ الرَّحْمَةِ. و "لَعْنًا" مِنَ اللّاعِنِينَ حَيْثُ لا يَزالُ يَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُؤْمِنُونَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ.

﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ مِنَ المَطْرُودِينَ المُبْعَدِينَ، وقِيلَ: مِنَ المَوْسُومِينَ بِعَلامَةٍ مُنْكَرَةٍ كَزُرْقَةِ العُيُونِ، وسَوادِ الوَجْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. يُقالُ: قَبَّحَهُ اللَّهُ، وقَبَحَهُ إذا جَعَلَهُ قَبِيحًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ المَقْبُوحِينَ مِنَ المُهْلَكِينَ. ويَوْمَ القِيامَةِ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالمَقْبُوحِينَ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ لا بِمَعْنى الَّذِي، أوْ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: وقُبِّحُوا يَوْمَ القِيامَةِ نَحْوَ لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ.

28:43Page 390

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣

And We gave Moses the Scripture, after We had destroyed the former generations, as enlightenment for the people and guidance and mercy that they might be reminded.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ.

﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ هم أقْوامُ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ كَوْنِ إيتائِها بَعْدَ إهْلاكِهِمْ لِلْإشْعارِ بِمِساسِ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن بَيانِ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلى إنْزالِ القرآن الكَرِيمِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ إهْلاكَ القُرُونِ الأُولى مِن مُوجِباتِ انْدِراسِ مَعالِمِ الشَّرائِعِ، وانْطِماسِ آثارِها وأحْكامِها المُؤَدِّيَيْنِ إلى اخْتِلالِ نِظامِ العالَمِ، وفَسادِ أحْوالِ الأُمَمِ المُسْتَدْعِيَيْنِ لِلتَّشْرِيعِ الجَدِيدِ، بِتَقْرِيرِ الأُصُولِ الباقِيَةِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ، وتَرْتِيبِ الفُرُوعِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ العُصُورِ، وتَذْكِيرِ أحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ المُوجِبَةِ لِلِاعْتِبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ عَلى حِينِ حاجَةٍ إلى إيتائِها.

﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: أنْوارًا لِقُلُوبِهِمْ، تُبْصِرُ بِها الحَقائِقَ، وتُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، حَيْثُ كانَتْ عُمْيًا عَنِ الفَهْمِ والإدْراكِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ البَصِيرَةَ نُورُ القَلْبِ الَّذِي بِهِ يَسْتَبْصِرُ كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ.

﴿وَهُدًى﴾ أيْ: هِدايَةً إلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ الَّتِي هي سُبُلُ اللَّهِ تَعالى.

﴿وَرَحْمَةً﴾ حَيْثُ يَنالُ مَن عَمِلَ بِهِ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى. وانْتِصابُ الكُلِّ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ عَلى أنَّهُ نَفْسُ البَصائِرِ والهُدى والرَّحْمَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: ذا بَصائِرَ ... إلَخْ. وقِيلَ: عَلى العِلَّةِ، أيْ: آتَيْناهُ الكِتابَ لِلْبَصائِرِ والهُدى والرَّحْمَةِ.

﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِيَكُونُوا عَلى حالٍ يُرْجى مِنهُ التَّذَكُّرُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ القَوْلِ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском