Abu as-Su'udAl‑Qasas · 28:44–67

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:44–67

28:44Page 391

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٤٤

And you, [O Muḥammad], were not on the western side [of the mount] when We revealed to Moses the command, and you were not among the witnesses [to that].

﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أنَّ إنْزالَ القرآن الكَرِيمِ أيْضًا واقِعٌ في زَمانِ شِدَّةِ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ، واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ لَهُ البَتَّةَ، وقَدْ صَدَرَ بِتَحْقِيقِ كَوْنِهِ وحْيًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بِبَيانِ أنَّ الوُقُوفَ عَلى ما فُصِّلَ مِنَ الأحْوالِ لا يَتَسَنّى (p-16)إلّا بِالمُشاهَدَةِ، أوِ التَّعَلُّمِ مِمَّنْ شاهَدَها، وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما تَبَيَّنَ أنَّهُ بِوَحْيٍ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ لا مَحالَةَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ... الآيَةَ. أيْ: وما كُنْتَ بِجانِبِ الجَبَلِ الغَرْبِيِّ، أوِ المَكانِ الغَرْبِيِّ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المِيقاتُ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، أوِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ عَلى إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ.

﴿إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ: عَهِدْنا إلَيْهِ، وأحْكَمْنا أمْرَ نُبُوَّتِهِ بِالوَحْيِ، وإيتاءِ التَّوْراةِ.

﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ: مِن جُمْلَةِ الشّاهِدِينَ لِلْوَحْيِ، وهُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ لِلْمِيقاتِ حَتّى تُشاهِدَ ما جَرى مِن أمْرِ مُوسى في مِيقاتِهِ، وكَتَبَةِ التَّوْراةِ لَهُ في الألْواحِ فَتُخْبِرُهُ لِلنّاسِ.

28:45Page 391

وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٤٥

But We produced [many] generations [after Moses], and prolonged was their duration.1 And you were not a resident among the people of Madyan, reciting to them Our verses, but We were senders [of this message].2

﴿وَلَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا﴾ أيْ: ولَكِنّا خَلَقْنا بَيْنَ زَمانِكَ وزَمانِ مُوسى قُرُونًا كَثِيرَةً.

﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ وتَمادى الأمَدُ، فَتَغَيَّرَتِ الشَّرائِعُ والأحْكامُ، وعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ لا سِيَّما عَلى آخِرِهِمْ فاقْتَضى الحالُ التَّشْرِيعَ الجَدِيدَ، فَأوْحَيْنا إلَيْكَ، فَحَذَفَ المُسْتَدْرَكَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ نَفْيٌ لِاحْتِمالِ كَوْنِ مَعْرِفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْقِصَّةِ بِالسَّماعِ مِمَّنْ شاهَدَها، أيْ: وما كُنْتَ مُقِيمًا في أهْلِ مَدْيَنَ مِن شُعَيْبٍ، والمُؤْمِنِينَ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَقْرَأُ عَلى أهْلِ مَدْيَنَ بِطَرِيقِ التَّعَلُّمِ مِنهم.

﴿آياتِنا﴾ النّاطِقَةَ بِالقِصَّةِ إمّا حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ثاوِيًا، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِكُنْتَ.

﴿وَلَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ إيّاكَ، ومُوحِينَ إلَيْكَ تِلْكَ الآياتِ ونَظائِرَها.

28:46Page 391

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٦

And you were not at the side of the mount when We called [Moses] but [were sent] as a mercy from your Lord to warn a people to whom no warner had come before you that they might be reminded.

﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ أيْ: وقْتَ نِدائِنا مُوسى ﴿إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ واسْتِنْبائِنا إيّاهُ، وإرْسالِنا لَهُ إلى فِرْعَوْنَ.

﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقرآن النّاطِقِ بِما ذُكِرَ وبِغَيْرِهِ لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ، وقِيلَ: عَلَّمْناكَ، وقِيلَ: عَرَّفْناكَ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِذاكَ كَما سَتَعْرِفُهُ. والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الرَّبِّ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الرَّحْمَةِ، وتَشْرِيفِهِ ﷺ بِالإضافَةِ وقَدِ اكْتُفِيَ عَنْ ذِكْرِ المُسْتَدْرَكِ هَهُنا بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى، كَما اكْتَفى عَنْهُ في الأوَّلِ بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَةِ النّاسِ، وصَرَّحَ بِهِ فِيما بَيْنَهُما تَنْصِيصًا عَلى ما هو المَقْصُودُ، وإشْعارًا بِأنَّهُ المُرادُ فِيهِما أيْضًا، ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِالرَّحْمَةِ فَهو ما ذَكَرْنا مِن إرْسالِهِ ﷺ بِالقرآن حَتْمًا لِما أنَّهُ المُعَلَّلُ بِالإنْذارِ لا تَعْلِيمُ ما ذُكِرَ، وقُرِئَ: (رَحْمَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ صِفَةٌ لِقَوْمًا، أيْ: لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ لِوُقُوعِهِمْ في فَتْرَةٍ بَيْنَكَ وبَيْنَ عِيسى، وهي خَمْسُمِائِةٍ وخَمْسُونَ سَنَةً، أوْ بَيْنَكَ وبَيْنَ إسْماعِيلَ بِناءً عَلى أنَّ دَعْوَةَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِبَنِي إسْرائِيلَ.

﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: يَتَّعِظُونَ بِإنْذارِكَ، وتَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بَيْنَ (p-17)قَضاءِ الأمْرِ، والثَّواءِ في أهْلِ مَدْيَنَ. والنِّداءُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ بُرْهانٌ مُسْتَقِلٌّ عَلى أنَّ حِكايَتَهُ ﷺ لِلْقِصَّةِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ، ولَوْ ذُكِرَ أوَّلًا نَفْيُ ثَوائِهِ ﷺ مِن أهْلِ مَدْيَنَ، ثُمَّ نُفِيَ حُضُورُهُ ﷺ عِنْدَ النِّداءِ، ثُمَّ نُفِيَ حُضُورُهُ عِنْدَ قَضاءِ الأمْرِ كَما هو المُوافِقُ لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ الكُلَّ دَلِيلٌ واحِدٌ عَلى ما ذُكِرَ كَما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

28:47Page 391

وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

And if not that a disaster should strike them for what their hands put forth [of sins] and they would say, "Our Lord, why did You not send us a messenger so we could have followed Your verses and been among the believers?"...1

﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: عُقُوبَةٌ.

﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: ما اقْتَرَفُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿فَيَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى تُصِيبَهم داخِلٌ في حَيِّزِ "لَوْلا" الِامْتِناعِيَّةِ عَلى أنَّ مَدارَ انْتِفاءِ ما يُجابُ بِهِ هو امْتِناعُهُ لا امْتِناعُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإنَّما ذَكَرَهُ في حَيِّزِها لِلْإيذانِ بِأنَّهُ السَّبَبُ المُلْجِئُ لَهم إلى قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا﴾ أيْ: هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا مُؤَيَّدًا مِن عِنْدِكَ بِالآياتِ.

﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الظّاهِرَةَ عَلى يَدِهِ، وهو جَوابُ لَوْلا الثّانِيَةِ.

﴿وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها. وجَوابُ لَوْلا الأُولى مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: لَوْلا قَوْلُهم هَذا عِنْدَ إصابَةِ عُقُوبَةِ جِناياتِهِمُ الَّتِي قَدَّمُوها، ما أرْسَلْناكَ لَكِنْ لَمّا كانَ قَوْلُهم ذَلِكَ مُحَقَّقًا لا مَحِيدَ عَنْهُ أرْسَلْناكَ قَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ.

28:48Page 391

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ ٤٨

But when the truth came to them from Us, they said, "Why was he not given like that which was given to Moses?" Did they not disbelieve in that which was given to Moses before? They said, "[They are but] two works of magic supporting each other,1 and indeed we are, in both, disbelievers."

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ.

﴿الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ وهو القرآن المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ﷺ.

﴿قالُوا﴾ تَعَنُّتًا واقْتِراحًا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ . يَعْنُونَهُ ﷺ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ جُمْلَةً. وأمّا اليَدُ والعَصا فَلا تَعَلُّقَ لَهُما بِالمَقامِ كَسائِرِ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وإظْهارٌ لِكَوْنِ ما قالُوهُ تَعَنُّتًا مَحْضًا لا طَلَبًا لِما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ، أيْ: ألَمْ يَكْفُرُوا مِن قَبْلِ هَذا القَوْلِ بِما أُوتِيَ مُوسى مِنَ الكِتابِ كَما كَفَرُوا بِهَذا الحَقِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ كُفْرِهِمُ المُسْتَفادِ مِنَ الإنْكارِ السّابِقِ، وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِحْرانِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُما يَعْنُونَ ما أُوتِيَ مُحَمَّدٌ، وما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ سِحْرانِ.

﴿تَظاهَرا﴾ أيْ: تَعاوَنا بِتَصْدِيقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ، وذَلِكَ أنَّهم بَعَثُوا رَهْطًا مِنهم إلى رُؤَساءِ اليَهُودِ في عِيدٍ لَهم فَسَألُوهم عَنْ شَأْنِهِ ﷺ، فَقالُوا: إنّا نَجِدُهُ في التَّوْراةِ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ. فَلَمّا رَجَعَ الرَّهْطُ، وأخْبَرُوهم بِما قالَتِ اليَهُودُ. قالُوا ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا بِكُلٍّ﴾ أيْ: بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ ﴿كافِرُونَ﴾ . تَصْرِيحٌ بِكُفْرِهِمْ بِهِما، وتَأْكِيدٌ لِكُفْرِهِمُ المَفْهُومِ مِن تَسْمِيَتِهِما سِحْرًا، وذَلِكَ لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ، وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وقُرِئَ: (ساحِرانِ تُظاهِرانِ) يَعْنُونَ مُوسى ومُحَمَّدًا ﷺ. هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الجَلِيلِ فَتَأمَّلْ، ودَعْ عَنْكَ ما قِيلَ. وقِيلَ: ألّا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى:

28:49Page 391

قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩

Say, "Then bring a scripture from Allāh which is more guiding than either of them that I may follow it, if you should be truthful."

﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ مِمّا أُوتَياهُ (p-18)مِنَ التَّوْراةِ والقرآن وسَمَّيْتُمُوهُما سِحْرَيْنِ، فَإنَّهُ نَصٌّ فِيما ذُكِرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ، أيْ: إنْ تَأْتُوا بِهِ أتَّبِعْهُ، ومِثْلُ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يَدُلُّ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ، وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ، فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلَقانِ، وفي إيرادِ كَلِمَةِ إنْ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ.

28:50Page 391

فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠

But if they do not respond to you - then know that they only follow their [own] desires. And who is more astray than one who follows his desire without guidance from Allāh? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.

﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أيْ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ما كَلَّفْتَهم مِنَ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِنهُما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِجابَةِ إيذانًا بِأنَّهُ ﷺ عَلى كَمالِ أمْنٍ مِن أمْرِهِ كَأنَّ أمْرَهُ ﷺ لَهم بِالإتْيانِ بِما ذُكِرَ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والِاسْتِجابَةُ تَتَعَدّى إلى الدُّعاءِ بِنَفْسِهِ، وإلى الدّاعِي بِاللّامِ، فَيُحْذَفُ الدُّعاءُ عِنْدَ ذَلِكَ غالِبًا، ولا يَكادُ يُقالُ: اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ دُعاءَهُ.

﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِفَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مُتَمَسَّكٌ ما أصْلًا إذْ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ لَأتَوْا بِهِ.

﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ، أيْ: لا أضَلَّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ.

﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: هو أضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ، وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ لِنَفْيِ الأصْلِ لا لِنَفْيِ المَساوِئِ كَما مَرَّ في نَظائِرِهِ مِرارًا، وتَقْيِيدُ اتِّباعِ الهَوى بِعَدَمِ الهُدى مِنَ اللَّهِ تَعالى لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ، والإشْباعِ في التَّشْنِيعِ، والتَّضْلِيلِ، وإلّا فَمُقارَنَتُهُ لِهِدايَتِهِ تَعالى بَيِّنَةُ الِاسْتِحالَةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.

28:51Page 392

۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥١

And We have [repeatedly] conveyed to them the word [i.e., the Qur’ān] that they might be reminded.

﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: أنْزَلْنا القرآن عَلَيْهِمْ مُتَواصِلًا بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والمَصْلَحَةُ. أوْ مُتَتابِعًا وعْدًا، ووَعِيدًا قَصَصًا، وعِبَرًا، ومَواعِظَ، ونَصائِحَ.

﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ فَيُؤْمِنُونَ بِما فِيهِ.

28:52Page 392

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

Those to whom We gave the Scripture before it - they1 are believers in it.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إيتاءِ القرآن.

﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ مِن أهْلِ الإنْجِيلِ اثْنانِ وثَلاثُونَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ.

28:53Page 392

وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ٥٣

And when it is recited to them, they say, "We have believed in it; indeed, it is the truth from our Lord. Indeed we were, [even] before it, Muslims [i.e., submitting to Allāh]."

﴿وَإذا يُتْلى﴾ أيِ: القرآن عَلَيْهِمْ.

﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ أيِ: الحَقُّ الَّذِي كَما نَعْرِفُ حَقِّيَّتَهُ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أوْجَبَ إيمانَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ.

﴿مُسْلِمِينَ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ إيمانِهِمْ بِهِ أمْرًا مُتَقادِمَ العَهْدِ لِما شاهَدُوا ذِكْرَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، وأنَّهم عَلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ القرآن.

28:54Page 392

أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤

Those will be given their reward twice for what they patiently endured and [because] they avert evil through good, and from what We have provided them they spend.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ. (p-19)﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقرآن.

﴿بِما صَبَرُوا﴾ بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ، أوْ عَلى الإيمان بالقرآن قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ، أوْ عَلى أذى مَن هاجَرَهم أهْلُ دِينِهِمْ ومِنَ المُشْرِكِينَ.

﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ بِالطّاعَةِ المَعْصِيَةَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: "وَأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها".

﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ في سَبِيلِ الخَيْرِ.

28:55Page 392

وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ ٥٥

And when they hear ill speech, they turn away from it and say, "For us are our deeds, and for you are your deeds. Peace will be upon you;1 we seek not the ignorant."

﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ مِنَ الغَيْنِ ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ عَنِ اللَّغْوِ تَكَرُّمًا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ .

﴿وَقالُوا﴾ لَهم ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِطَرِيقِ المُتارَكَةِ والتَّوْدِيعِ.

﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ لا نَطْلُبُ صُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم.

28:56Page 392

إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦

Indeed, [O Muḥammad], you do not guide whom you like, but Allāh guides whom He wills. And He is most knowing of the [rightly] guided.

﴿إنَّكَ لا تَهْدِي﴾ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى البُغْيَةِ لا مَحالَةَ ﴿مَن أحْبَبْتَ﴾ مِنَ النّاسِ، ولا تَقْدِرُ عَلى أنْ تُدْخِلَهُ في الإسْلامِ وإنْ بَذَلْتَ فِيهِ غايَةَ المَجْهُودِ، وجاوَزْتَ في السَّعْيِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ.

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَهْدِيَهُ، فَيُدْخِلَهُ في الإسْلامِ.

﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ بِالمُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، فَإنَّهُ لِما احْتُضِرَ جاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ لَهُ: يا عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحاجُّ بِها لَكَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي قَدْ عَلِمْتُ إنَّكَ لَصادِقٌ، ولَكِنِّي أكْرَهُ أنْ يُقالَ جَزِعَ عِنْدَ المَوْتِ، ولَوْلا أنْ يَكُونَ عَلَيْكَ وعَلى بَنِي أبِيكَ غَضاضَةٌ بَعْدِي لَقُلْتُها، ولَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ عِنْدَ الفِراقِ لِما أرى مِن شِدَّةِ وجْدِكَ ونَصِيحَتِكَ، ولَكِنِّي سَوْفَ أمُوتُ عَلى مِلَّةِ الأشْياخِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهاشِمٍ، وعَبْدِ مَنافٍ.

28:57Page 392

وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧

And they [i.e., the Quraysh] say, "If we were to follow the guidance with you, we would be swept1 from our land." Have We not established for them a safe sanctuary to which are brought the fruits of all things as provision from Us? But most of them do not know.

﴿وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ «نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ حَيْثُ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ عَلى الحَقِّ، ولَكِنّا نَخافُ إنِ اتَّبَعْناكَ وخالَفْنا العَرَبَ، وإنَّما نَحْنُ أكَلَةُ رَأْسٍ أنْ يَتَخَطَّفُونا مِن أرْضِنا. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾» أيْ: ألَمْ نَعْصِمْهُمْ، ولَمْ نَجْعَلْ مَكانَهم حَرَمًا ذا أمْنٍ لِحُرْمَةِ البَيْتِ الحَرامِ الَّذِي تَتَناحَرُ العَرَبُ حَوْلَهُ، وهم آمِنُونَ.

﴿يُجْبى إلَيْهِ﴾ وقُرِئَ: (تُجْبى) أيْ: تُجْمَعُ، وتُحْمَلُ إلَيْهِ.

﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن كُلِّ أوْبٍ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِحَرَمًا، دافِعَةٌ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن تَضَرُّرِهِمْ بِانْقِطاعِ المِيرَةِ.

﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ فَإذا كانَ حالُهم ما ذَكَرُوهُ عَبَدَةُ أصْنامٍ فَكَيْفَ يَخافُونَ التَّخَطُّفَ إذا ضَمُّوا إلى حُرْمَةِ البَيْتِ حُرْمَةَ التَّوْحِيدِ؟! ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: جَهَلَةٌ لا يَتَفَطَّنُونَ لَهُ، ولا يَتَفَكَّرُونَ لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مِن لَدُنّا" أيْ: قَلِيلٌ مِنهم يِتَدَبَّرُونَ فَيَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ عَلِمُوا لَما خافُوا غَيْرَهُ. وانْتِصابُ "رِزْقًا" عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى "يُجْبى" أوْ حالٌ مِن (ثَمَراتُ) عَلى أنَّهُ بِمَعْنى مَرْزُوقٍ لِتَخَصُّصِها بِالإضافَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ (p-20)وَأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يَخافُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ:

28:58Page 392

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨

And how many a city have We destroyed that was insolent in its [way of] living, and those are their dwellings which have not been inhabited after them except briefly.1 And it is We who were the inheritors.

﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ أيْ: وكَثِيرٌ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانَتْ حالُهم كَحالِ هَؤُلاءِ في الأمْنِ، وخَفْضِ العَيْشِ، والدَّعَةِ، حَتّى أشِرُوا فَدَمَّرْنا عَلَيْهِمْ، وخَرَّبْنا دِيارَهم.

﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا.

﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ تَدْمِيرِهِمْ.

﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا، أوْ بَعْضَ يَوْمٍ أوْ لَمْ يَبْقَ مَن يَسْكُنُها إلّا قَلِيلًا مِن شُؤْمِ مَعاصِيِهِمْ.

﴿وَكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ مِنهم إذْ لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم في دِيارِهِمْ، وسائِرِ ذاتِ أيْدِيهِمْ. وانْتِصابُ مَعِيشَتَها بِنَزْعِ الخافِضِ، أوْ يَجْعَلُها ظَرْفًا بِنَفْسِها، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ ظَنِّي مُقِيمٌ. أوْ بِإضْمارِ زَمانٍ مُضافٍ إلَيْهِ، أوْ يَجْعَلُهُ مَفْعُولًا لِبَطِرَتْ بِتَضْمِينِ مَعْنى كَفَرَتْ.

28:59Page 392

وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩

And never would your Lord have destroyed the cities until He had sent to their mother [i.e., principal city] a messenger reciting to them Our verses. And We would not destroy the cities except while their people were wrongdoers.

﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ إثْرَ بَيانِ إهْلاكِ القُرى المَذْكُورَةِ، أيْ: وما صَحَّ، وما اسْتَقامَ بَلِ اسْتَحالَ في سُنَّتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، أوْ ما كانَ في حُكْمِهِ الماضِي، وقَضائِهِ السّابِقِ أنْ يُهْلِكَ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ، بَلْ كانَتْ عادَتُهُ أنْ لا يُهْلِكَها.

﴿حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها﴾ أيْ: في أصْلِها وقَصَبَتِها الَّتِي هي أعْمالُها وتَوابِعُها لِكَوْنِ أهْلِها أفْطَنَ وأنْبَلَ.

﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ النّاطِقَةَ بِالحَقِّ، ويَدْعُوهم إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ لِإلْزامِ الحُجَّةِ، وقَطْعِ المَعْذِرَةِ بِأنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ . والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى﴾ عَطْفٌ عَلى "ما كانَ رَبُّكَ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: وما كُنّا مُهْلِكِينَ لِأهْلِ القُرى بَعْدَ ما بَعَثْنا في أُمِّها رَسُولًا يَدْعُوهم إلى الحَقِّ، ويُرْشِدُهم إلَيْهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ بِتَكْذِيبِ رَسُولِنا، والكُفْرِ بِآياتِنا، فالبَعْثُ غايَةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الإهْلاكِ بِمُوجِبِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ لا لِعَدَمِ وُقُوعِهِ حَتّى يَلْزَمَ تَحَقُّقُ الإهْلاكِ عَقِيبَ البَعْثِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ.

28:60Page 393

وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٠

And whatever thing you [people] have been given - it is [only for] the enjoyment of worldly life and its adornment. And what is with Allāh is better and more lasting; so will you not use reason?

﴿وَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مِن أُمُورِ الدُّنْيا.

﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ أيْ: فَهو شَيْءٌ شَأْنُهُ أنْ يُتَمَتَّعَ، ويُتَزَيَّنَ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ.

﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهو الثَّوابُ.

﴿خَيْرٌ﴾ في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَذَّةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ الألَمِ، وبَهْجَةٌ كامِلَةٌ عارِيَةٌ عَنْ سِمَةِ الهَمِّ.

﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ أبَدِيٌّ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ هَذا الأمْرَ الواضِحَ، فَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ. وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ المَبْنِيِّ عَلى اقْتِضاءِ سُوءِ صَنِيعِهِمُ الإعْراضَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ.

28:61Page 393

أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٦١

Then is he whom We have promised a good promise which he will meet [i.e., obtain] like he for whom We provided enjoyment of worldly life [but] then he is, on the Day of Resurrection, among those presented [for punishment in Hell]?

(p-21)﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ أيْ: وعْدًا بِالجَنَّةِ فَإنَّ حُسْنَ الوَعْدِ بِحُسْنِ المَوْعُودِ.

﴿فَهُوَ لاقِيهِ﴾ أيْ: مُدْرِكُهُ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ تَعالى، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ، وعُطِفَتْ بِالفاءِ المُنْبِئَةِ عَنْ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ.

﴿كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّذِي هو مَشُوبٌ بِالآلامِ مُنَغَّصٌ بِالأكْدارِ مُسْتَتْبِعٌ لِلتَّحَسُّرِ عَلى الِانْقِطاعِ. ومَعْنى "الفاءِ" الأُولى تَرْتِيبُ إنْكارِ التَّشابُهِ بَيْنَ أهْلِ الدُّنْيا، وأهْلِ الآخِرَةِ، عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ التَّفاوُتِ بَيْنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وبَيْنَ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: أبَعْدَ هَذا التَّفاوُتِ الظّاهِرِ يُسَوّى بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَتَّعْناهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مُؤَكِّدٌ لِإنْكارِ التَّشابُهِ، ومُقَرِّرٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ نُحْضِرُهُ، أوْ أحْضَرْناهُ يَوْمَ القِيامَةِ النّارَ، أوِ العَذابَ. وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ حَتْمًا، وفي جَعْلِهِ مِن جُمْلَةِ المُحْضَرِينَ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى. و "ثُمَّ" لِلتَّراخِي في الزَّمانِ، أوْ في الرُّتْبَةِ. وقُرِئَ: (ثُمَّ هْوَ) بِسُكُونِ الهاءِ تَشْبِيهًا لِلْمُنْفَصِلِ بِالمُتَّصِلِ.

28:62Page 393

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢

And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى يَوْمَ القِيامَةِ لِاخْتِلافِهِما عُنْوانًا، وإنِ اتَّحَدا ذاتًا، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ.

﴿فَيَقُولُ﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَهم شُرَكائِي، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ مَعًا ثِقَةً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما.

28:63Page 393

قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣

Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى حِكايَةِ السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَدَرَ عَنْهم حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ وهْمُ شُرَكاؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ رُؤَساؤُهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ أطاعُوهم في كُلِّ ما أمَرُوهم بِهِ، ونَهَوْا عَنْهُ. ومَعْنى حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ أنَّهُ ثَبَتَ مُقْتَضاهُ، وتَحَقَّقَ مُؤَدّاهُ. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، وغَيْرُهُ مِن آياتِ الوَعِيدِ. وتَخْصِيصُهم بِهَذا الحُكْمِ مَعَ شُمُولِهِ لِلْأتْباعِ أيْضًا، لِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ، واسْتِحْقاقِ العَذابِ حَسْبَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ . ومُسارَعَتُهم إلى الجَوابِ مَعَ كَوْنِ السُّؤالِ لِلْعَبَدَةِ إمّا لِتَفَطُّنِهِمْ أنَّ السُّؤالَ عَنْهم لِاسْتِحْضارِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِالإضْلالِ، وجَزْمِهِمْ بِأنَّ العَبَدَةَ سَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ أضَلُّونا، وإمّا لِأنَّ العَبَدَةَ قَدْ قالُوهُ اعْتِذارًا، أوْ هَؤُلاءِ إنَّما قالُوا ما قالُوا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: إلّا أنَّهُ لَمْ يُحْكَ قَوْلُ العَبَدَةِ إيجازًا لِظُهُورِهِ.

﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أغْوَيْناهم فَحَذَفَ الرّاجِعَ إلى المَوْصُولِ، ومُرادُهم بِالإشارَةِ بَيانُ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهُمْ، وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ هو الجَوابُ حَقِيقَةً، وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ، أيْ: (p-22)ما أكْرَهْناهم عَلى الغَيِّ، وإنَّما أغْوَيْناهم بِطَرِيقِ الوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ، لا بِالقَسْرِ والإلْجاءِ. فَغَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ غَيًّا مِثْلَ غَيِّنا بِاخْتِيارِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ وأغْوَيْناهُمُ الخَبَرَ.

﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ مِنهُمْ، ومِمّا اخْتارُوهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي هَوًى مِنهُمْ، وهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: ما كانُوا يَعْبُدُونَنا، وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أهْواءَهم. وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "تَبَرَّأْنا" أيْ: تَبَرَّأْنا مِن عِبادَتِهِمْ إيّانا.

28:64Page 393

وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤

And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!

﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ إمّا تَهَكُّمًا بِهِمْ، أوْ تَبْكِيتًا لَهم.

﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ.

﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ضَرُورَةَ عَدَمِ قدرتهمْ عَلى الِاسْتِجابَةِ والنُّصْرَةِ.

﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ قَدْ غَشِيَهم ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ لِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ يَدْفَعُونَ بِهِ العَذابَ، أوْ إلى الحَقِّ لَمّا لَقُوا ما لَقُوا. وقِيلَ: "لَوْ" لِلتَّمَنِّي، أيْ: تَمَنَّوْا لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ.

28:65Page 393

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥

And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، سُئِلُوا أوَّلًا عَنْ إشْراكِهِمْ، وثانِيًا عَنْ جَوابِهِمْ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ نَهَوْهم عَنْ ذَلِكَ.

28:66Page 393

فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦

But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.

﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: صارَتْ كالعَمى عَنْهم لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وأصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ، وقَدْ عُكِسَ لِلْمُبالَغَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَحْضُرُ الذِّهْنَ يَفِيضُ عَلَيْهِ، ويَصِلُ إلَيْهِ مِن خارِجٍ، فَإذا أخْطَأ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِيلَةٌ إلى اسْتِحْضارِهِ، وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الخَفاءِ والِاشْتِباهِ، والمُرادُ بِالأنْباءِ إمّا ما طُلِبَ مِنهم مِمّا أجابُوا بِهِ الرُّسُلَ، أوْ جَمِيعُ الأنْباءِ، وهي داخِلَةٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإذا كانَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُفَوِّضُونَ العِلْمَ في ذَلِكَ المَقامِ الهائِلِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ مَعَ نَزاهَتِهِمْ عَنْ غايَةِ المَسْؤُولِ. فَما ظَنُّكَ بِأُولَئِكَ الضُّلّالِ مِنَ الأُمَمِ؟! ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الجَوابِ لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ، أوِ العِلْمِ بِأنَّ الكُلَّ سَواءٌ في الجَهْلِ.

28:67Page 393

فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧

But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.

﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ.

﴿وَآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ: جَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ، والعَمَلِ الصّالِحِ.

﴿فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ أيِ: الفائِزِينَ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهُ تَعالى النّاجِينَ عَنِ المَهْرُوبِ. و "عَسى" لِلتَّحْقِيقِ عَلى عادَةِ الكِرامِ، أوْ لِلتَّرَجِّي مِن قِبَلِ التّائِبِ بِمَعْنى فَلْيَتَوَقَّعِ الإفْلاحَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском