Abu as-Su'udAl‑Qasas · 28:68–88

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:68–88

28:68Page 393

وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨

And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أنْ يَخْلُقَهُ.

﴿وَيَخْتارُ﴾ ما يَشاءُ اخْتِيارَهُ مِن غَيْرِ إيجابٍ عَلَيْهِ، ولا مَنعٍ لَهُ أصْلًا.

﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ أيِ: التَّخَيُّرُ، كالطِّيَرَةِ بِمَعْنى التَّطَيُّرِ. والمُرادُ: نَفْيُ الِاخْتِيارِ المُؤْثَرِ عَنْهُمْ، وذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ خَلا عَنِ العاطِفِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ في قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ: لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. والمَعْنى: (p-23)لا يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ بِاخْتِيارِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ.

﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ تَنَزُّهًا خاصًّا بِهِ مِن أنْ يُنازِعَهُ أحَدٌ، أوْ يُزاحِمَ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ.

﴿وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ، أوْ عَنْ مُشارَكَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ.

28:69Page 393

وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩

And your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.

﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ كَعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحِقْدِهِمْ عَلَيْهِ.

﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ كالطَّعْنِ فِيهِ.

28:70Page 393

وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠

And He is Allāh; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.

﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ.

﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ لا أحَدَ يَسْتَحِقُّها إلّا هو.

﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ لِأنَّهُ المُولِي لِلنِّعَمِ كُلِّها عاجِلِها وآجِلِها عَلى الخَلْقِ كافَّةً، يَحْمَدُهُ المُؤْمِنُونَ في الآخِرَةِ كَما حَمِدُوهُ في الدُّنْيا، بِقَوْلِهِمِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ ابْتِهاجًا بِفَضْلِهِ والتِذاذًا بِحَمْدِهِ".

﴿وَلَهُ الحُكْمُ﴾ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في كُلِّ شَيْءٍ مِن غَيْرِ مُشارَكَةٍ فِيهِ لِغَيْرِهِ.

﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ.

28:71Page 394

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ٧١

Say, "Have you considered:1 if Allāh should make for you the night continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you light? Then will you not hear?"

﴿قُلْ﴾ تَقْرِيرًا لِما ذُكِرَ.

﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي.

﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائِمًا مِنَ السَّرْدِ، وهو المُتابَعَةُ والِاطِّرادِ. و "المِيمُ" مَزِيدَةٌ كَما في دُلامِصٍ مِنَ الدِّلاصِ. يُقالُ: دِرْعٌ دِلاصٌ، أيْ: مَلْساءُ لَيِّنَةٌ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإسْكانِ الشَّمْسِ تَحْتَ الأرْضِ، أوْ تَحْرِيكِها حَوْلَ الأُفُقِ الغائِرِ.

﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِـ إلَهٌ ﴿يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ . ونَظائِرِهِما خَلا أنَّهُ قَصَدَ بَيانَ انْتِفاءِ المَوْصُوفِ انْتِفاءَ الصِّفَةِ، ولَمْ يَقُلْ: هَلْ إلَهٌ ... إلَخْ. لِإيرادِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ عَلى زَعْمِهِمْ، وقُرِئَ: (بِضِئاءٍ) بِهَمْزَتَيْنِ.

﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ هَذا الكَلامَ الحَقَّ سَماعَ تَدَبُّرٍ، واسْتِبْصارٍ حَتّى تُذْعِنُوا لَهُ، وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ.

28:72Page 394

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٧٢

Say, "Have you considered: if Allāh should make for you the day continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you a night in which you may rest? Then will you not see?"

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإسْكانِها في وسَطِ السَّماءِ، أوْ بِتَحْرِيكِها عَلى مَدارٍ فَوْقَ الأُفُقِ.

﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ اسْتِراحَةً مِن مَتاعِبِ الأشْغالِ، ولَعَلَّ تَجْرِيدَ الضِّياءِ عَنْ ذِكْرِ مَنافِعِهِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِذاتِهِ ظاهِرَ الِاسْتِتْباعِ لِما نِيطَ بِهِ مِنَ المَنافِعِ.

﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ هَذِهِ المَنفَعَةَ الظّاهِرَةَ الَّتِي لا تَخْفى عَلى مَن لَهُ بَصَرٌ.

28:73Page 394

وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٣

And out of His mercy He made for you the night and the day that you may rest therein and [by day] seek from His bounty and [that] perhaps you will be grateful.

﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ.

﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن (p-24)فَضْلِهِ﴾ في النَّهارِ بِأنْواعِ المَكاسِبِ.

﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَتَهُ تَعالى فَعَلَ ما فَعَلَ، أوْ لِكَيْ تَعْرِفُوا نِعْمَتَهُ تَعالى وتَشْكُرُوهُ عَلَيْها.

28:74Page 394

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤

And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِـ اذْكُرْ ﴿فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ إثْرَ تَقْرِيعٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا شَيْءَ أجْلَبَ لِغَضَبِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الإشْراكِ، كَما لا شَيْءَ أدْخَلَ في مَرْضاتِهِ مِن تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:

28:75Page 394

وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥

And We will extract from every nation a witness and say, "Produce your proof," and they will know that the truth belongs to Allāh, and lost from them is that which they used to invent.

﴿وَنَزَعْنا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِيهِمْ. وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ. والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ النَّزْعِ وتَهْوِيلِهِ، أيْ: أخْرَجْنا.

﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ منَ الأُمَمِ ﴿شَهِيدًا﴾ نَبِيًّا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ ؟ ﴿فَقُلْنا﴾ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ.

﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى صِحَّةِ ما كُنْتُمْ تَدِينُونَ بِهِ.

﴿فَعَلِمُوا﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ.

﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الباطِلِ.

28:76Page 394

۞ إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦

Indeed, Qārūn was from the people of Moses, but he tyrannized them. And We gave him of treasures whose keys would burden a band of strong men; thereupon his people said to him, "Do not exult. Indeed, Allāh does not like the exultant.

﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ كانَ ابْنَ عَمِّهِ يَصْهَرُ بْنُ قاهَثَ بْنِ لاوى بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهَثَ، وقِيلَ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ أخِيهِ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ؛ لِحُسْنِ صُورَتِهِ. وقِيلَ: كانَ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ، ولَكِنَّهُ نافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ، وقالَ: إذا كانَتِ النُّبُوَّةُ لِمُوسى، والمَذْبَحُ والقُرْبانُ لِهارُونَ، فَما لِي؟! ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا جاوَزَ بِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ وصارَتِ الرِّسالَةُ، والحُبُورَةُ، والقُرْبانُ لِهارُونَ. وجَدَ قارُونُ في نَفْسِهِ وحَسَدَهُما، فَقالَ لِمُوسى: الأمْرُ لَكُما، ولَسْتُ عَلى شَيْءٍ إلى مَتى أصْبِرُ؟ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا صُنْعُ اللَّهِ تَعالى. قالَ: لا أُصَدِّقُكَ حَتّى تَأْتِيَ بِآيَةٍ. فَأمَرَ رُؤَساءَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجِيءَ كُلُّ واحِدٍ بِعَصاةٍ فَحَزَمَها، وألْقاها في القُبَّةِ الَّتِي كانَ الوَحْيُ يَنْزِلُ إلَيْهِ فِيها، فَكانُوا يَحْرُسُونَ عِصِيَّهم بِاللَّيْلِ فَأصْبَحُوا فَإذا بِعَصا هارُونَ تَهْتَزُّ ولَها ورَقٌ أخْضَرُ. فَقالَ قارُونُ: ما هو بِأعْجَبَ مِمّا تَصْنَعُ مِنَ السحر. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ فَطَلَبَ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ، وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِهِ، أوْ ظَلَمَهم. قِيلَ: وذَلِكَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: حَسَدَهم. وذَلِكَ ما ذُكِرَ مِنهُ في حَقِّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ.

﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ أيِ: الأمْوالِ المُدَّخَرَةِ.

﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ أيْ: مَفاتِحَ صَنادِيقِهِ، وهو جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ. وقِيلَ: خَزائِنُهُ، وقِياسُ واحِدُها المَفْتَحُ بِالفَتْحِ.

﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ خَبَرُ إنَّ. والجُمْلَةُ صِلَةُ "ما" وهو ثانِي مَفْعُولَيْ "آتى". وناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ، والعُصْبَةُ والعُصابَةُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، وقُرِئَ: (لَيَنُوءُ) بِالياءِ عَلى إعْطاءِ المُضافِ حُكْمَ المُضافِ إلَيْهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ (p-25)قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ .

﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِـ بَغى. ورُدَّ بِأنَّ البَغْيَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ. ورُدَّ بِأنَّ الإيتاءَ أيْضًا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِهِ، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ. فَقِيلَ: هو اذْكُرْ، وقِيلَ: هو أظْهَرَ الفَرَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ﴾ وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةً لِبَغْيِهِ.

﴿لا تَفْرَحْ﴾ أيْ: لا تَبَطَّرْ. والفَرَحُ في الدُّنْيا مَذْمُومٌ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ حُبِّها، والرِّضا بِها، والذُّهُولِ عَنْ ذَهابِها، فَإنَّ العِلْمَ بِأنَّ ما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مُفارَقَةٌ لا مَحالَةَ يُوجِبُ التَّرَحَ حَتْمًا، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ . وعَلَّلَ النَّهْيَ هَهُنا بِكَوْنِهِ مانِعًا مِن مَحَبَّتِهِ عَزَّ وعَلا، فَقِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ أيْ: بِزَخارِفِ الدُّنْيا.

28:77Page 394

وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧

But seek, through that which Allāh has given you, the home of the Hereafter; and [yet], do not forget your share of the world. And do good as Allāh has done good to you. And desire not corruption in the land. Indeed, Allāh does not like corrupters."

﴿وابْتَغِ﴾ وقُرِئَ: (واتَّبِعْ).

﴿فِيما آتاكَ اللَّهُ﴾ مِنَ الغِنى ﴿الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: ثَوابَ اللَّهِ تَعالى فِيها يَصْرِفُهُ إلى ما يَكُونُ وسِيلَةً إلَيْهِ.

﴿وَلا تَنْسَ﴾ أيْ: لا تَتْرُكْ تَرْكَ المَنسِيِّ.

﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ وهو أنْ تُحَصِّلَ بِها آخِرَتَكَ، وتَأْخُذَ مِنها ما يَكْفِيكَ.

﴿وَأحْسِنْ﴾ أيْ: إلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى.

﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ فِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وقِيلَ: أحْسِنْ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِالإنْعامِ.

﴿وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الـأرض﴾ نَهْيٌ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ.

28:78Page 395

قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٧٨

He said, "I was only given it because of knowledge I have." Did he not know that Allāh had destroyed before him of generations those who were greater than him in power and greater in accumulation [of wealth]? But the criminals, about their sins, will not be asked.1

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لِناصِحِيهِ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الرَّدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾؛ لِإنْبائِهِ عَنْ أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، واسْتِحْقاقٍ مِن قِبَلِهِ، أيْ: فُضِّلْتَ بِهِ عَلى النّاسِ، واسْتَوْجَبْتَ بِهِ التَّفَوُّقَ عَلَيْهِمْ بِالمالِ والجاهِ، وعَلى عِلْمٍ في مَوْقِعِ الحالِ، وهو عِلْمُ التَّوْراةِ، وكانَ أعْلَمَهم بِها، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: عِلْمُ النِّجارَةِ والدَّهْقَنَةِ، وسائِرِ المَكاسِبِ، وقِيلَ: عِلْمُ فَتْحِ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ. و "عِنْدِي" صِفَةٌ لَهُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِأُوتِيتُهُ، كَقَوْلِكَ: جازَ هَذا عِنْدِي، أوْ في ظَنِّي ورَأْيِي.

﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ تَوْبِيخٌ لَهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى اغْتِرارِهِ بِقُوَّتِهِ، وكَثْرَةِ مالِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ قِراءَةً في التَّوْراةِ، وتَلَقِّيًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَماعًا مِن حُفّاظِ التَّوارِيخِ، وتَعَجُّبٌ مِنهُ. فالمَعْنى: ألَمْ يَقْرَأِ التَّوْراةَ، ولَمْ يَعْلَمْ ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِأضْرابِهِ مَن أهْلِ القُرُونِ السّابِقَةِ، حَتّى لا يَغْتَرَّ بِما اغْتَرُّوا بِهِ؟ أُورِدَ لِادِّعائِهِ العِلْمَ، وتَعَظُّمِهِ بِهِ بِنَفْيِ هَذا العِلْمِ مِنهُ. فالمَعْنى: أعَلِمَ ما ادَّعاهُ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ.

﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ سُؤالُ اسْتِعْلامٍ بَلْ يُعَذَّبُونَ بِها بَغْتَةً كَأنَّ قارُونَ لَمّا هُدِّدَ بِذِكْرِ إهْلاكِ مَن قَبْلَهُ مِمَّنْ كانَ أقْوى مِنهُ، وأغْنى. أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِمّا يَخُصُّ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ، بَلِ اللَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ذُنُوبِ كافَّةِ المُجْرِمِينَ يُعاقِبُهم عَلَيْها لا مَحالَةَ.

28:79Page 395

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٧٩

So he came out before his people in his adornment. Those who desired the worldly life said, "Oh, would that we had like what was given to Qārūn. Indeed, he is one of great fortune."

(p-26)﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى "قالَ"، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ. هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كائِنًا في زِينَتِهِ. قِيلَ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْهِ الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ، وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَنْ يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَنْ يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والدِّيباجُ، وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُثِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ.

﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَرْيًا عَلى سَنَنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الرَّغْبَةِ في السَّعَةِ واليَسارِ.

﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ويُنْفِقُوهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، وقِيلَ: كانَ المُتَمَنَّوْنَ قَوْمًا كُفّارًا.

﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَمَنِّيهِمْ، وتَأْكِيدٌ لَهُ.

28:80Page 395

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗاۚ وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ ٨٠

But those who had been given knowledge said, "Woe to you! The reward of Allāh is better for he who believes and does righteousness. And none are granted it except the patient."

﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: بِأحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما يَنْبَغِي، وإنَّما لَمْ يُوصَفُوا بِإرادَةِ ثَوابِ الآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِلْمِ بِأحْوالِ النَّشْأتَيْنِ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنِ الأُولى، والإقْبالَ عَلى الثّانِيَةِ حَتْمًا، وأنَّ تَمَنِّيَ المُتَمَنِّينَ لَيْسَ إلّا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِما كَما يَنْبَغِي.

﴿وَيْلَكُمْ﴾ دُعاءٌ بِالهَلاكِ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في الزَّجْرِ عَمّا لا يُرْتَضى.

﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ في الآخِرَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا تَتَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا يَلِيقُ بِكم أنْ تَتَمَنَّوْهُ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِثَوابِهِ تَعالى.

﴿وَلا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها العُلَماءُ، أوِ الثَّوابَ فَإنَّهُ بِمَعْنى: المَثُوبَةِ، أوِ الجَنَّةِ، أوِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّهُما في مَعْنى السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ.

﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ أيْ: عَلى الطّاعاتِ، وعَنِ الشَّهَواتِ.

28:81Page 395

فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ ٨١

And We caused the earth to swallow him and his home. And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor was he of those who [could] defend themselves.

﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يُؤْذِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ وقْتٍ، وهو يُدارِيهِ لِقَرابَتِهِ حَتّى نَزَلَتِ الزَّكاةُ فَصالَحَهُ عَنْ كُلِّ ألْفٍ عَلى واحِدٍ فَحَسَبَهُ فاسْتَكْثَرَهُ، فَعَمَدَ إلى أنْ يَفْضَحَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ فَجَعَلَ لِبَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ ألْفَ دِينارٍ، وقِيلَ: طَشْتًا مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا فَلَمّا كانَ يَوْمُ عِيدٍ قامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَطِيبًا فَقالَ: مَن سَرَقَ قَطَعْناهُ، ومَن زَنى غَيْرَ مُحْصَنٍ جَلَدْناهُ، ومَن زَنى مُحْصَنًا رَجَمْناهُ. فَقالَ قارُونُ: ولَوْ كُنْتَ؟ قالَ: ولَوْ كُنْتُ. قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَزْعُمُونَ أنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلانَةَ، فَأُحْضِرَتْ فَناشَدَها عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تَصْدُقَ فَقالَتْ: جَعَلَ لِي قارُونُ جَعْلًا عَلى أنْ أرْمِيَكَ بِنَفْسِي فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا لِرَبِّهِ يَبْكِي، ويَقُولُ: يا رَبِّ، إنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فاغْضَبْ لِي، فَأُوحِيَ إلَيْهِ أنْ مُرِ الأرْضَ بِما شِئْتَ فَإنَّها مُطِيعَةٌ لَكَ. فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلى قارُونَ كَما بَعَثَنِي إلى فِرْعَوْنَ، فَمَن كانَ مَعَهُ فَلْيَلْزَمْ مَكانَهُ، ومَن كانَ مَعِي فَلْيَعْتَزِلْ (p-27)عَنْهُ. فاعْتَزَلُوا جَمِيعًا غَيْرَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ قالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الرُّكَبِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذْتُهم إلى الأوْساطِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأعْناقِ. وهم يُناشِدُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاللَّهِ تَعالى وبِالرَّحِمِ، وهو لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَيْظِهِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَأصْبَحَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَتَناجَوْنَ بَيْنَهم إنَّما دَعا عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ، وكُنُوزِهِ. فَدَعا اللَّهُ تَعالى حَتّى خُسِفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ﴾ جَماعَةٍ مُشْفِقَةٍ ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهُ.

﴿وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيِ: المُمْتَنِعِينَ مِنهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. يُقالُ: نَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ فانْتَصَرَ، أيْ: مَنَعَهُ فامْتَنَعَ.

28:82Page 395

وَأَصۡبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوۡاْ مَكَانَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَقُولُونَ وَيۡكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُۖ لَوۡلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ وَيۡكَأَنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٢

And those who had wished for his position the previous day began to say, "Oh, how Allāh extends provision to whom He wills of His servants and restricts it! If not that Allāh had conferred favor on us, He would have caused it to swallow us. Oh, how the disbelievers do not succeed!"

﴿وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ﴾ مَنزِلَتَهُ ﴿بِالأمْسِ﴾ مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ.

﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَفْعَلُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ، بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ، ولا لِهَوانٍ يَقْتَضِي القَبْضَ، ووَيْكَأنَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مُرَكَّبٌ مِن "وَيْ" لِلتَّعْجِيبِ، و "كَأنَّ" لِلتَّشْبِيهِ. والمَعْنى: ما أشْبَهَ الأمْرَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ ... إلَخْ. وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن ويْكَ بِمَعْنى: ويْلَكَ وأنَّ. وتَقْدِيرُهُ: ويْكَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ التَّنَبُّهِ عَلى الخَطَأِ، والتَّنَدُّمِ. والمَعْنى أنَّهم قَدْ تَنَبَّهُوا عَلى خَطَئِهِمْ في تَمَنِّيهِمْ، وتَنَدَّمُوا عَلى ذَلِكَ.

﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِعَدَمِ إعْطائِهِ إيّانا ما تَمَنَّيْناهُ، وإعْطائِنا مِثْلَ ما أعْطاهُ إيّاهُ، وقُرِئَ: (لَوْلا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا كَما خَسَفَ بِهِ)، وقُرِئَ: (لَخُسِفَ بِنا) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و "بِنا" هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، وقُرِئَ: (لانْخَسَفَ بِنا) كَقَوْلِكَ: أنْقَطَعَ بِهِ، وقُرِئَ: (لَتُخُسِّفَ بِنا) ﴿وَيْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ، وبِما وُعِدُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ.

28:83Page 395

تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣

That home of the Hereafter We assign to those who do not desire exaltedness upon the earth or corruption. And the [best] outcome is for the righteous.

﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إشارَةُ تَعْظِيمٍ وتَفْخِيمٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ خَبَرَها، وبَلَغَكَ وصْفُها.

﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: غَلَبَةً وتَسَلُّطًا.

﴿وَلا فَسادًا﴾ أيْ: ظُلْمًا وعُدْوانًا عَلى العِبادِ، كَدَأْبِ فِرْعَوْنَ وقارُونَ. وفي تَعْلِيقِ المَوْعِدِ بِتَرْكِ إرادَتِهِما لا بِتَرْكِ أنْفُسِهِما مَزِيدُ تَحْذِيرٍ مِنهُما. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها.

﴿والعاقِبَةُ﴾ الحَمِيدَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ ما لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ.

28:84Page 395

مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٤

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have better than it; and whoever comes with an evil deed - then those who did evil deeds will not be recompensed except [as much as] what they used to do.

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ بِمُقابَلَتِها ﴿خَيْرٌ مِنها﴾ ذاتًا، ووَصْفًا، وقَدْرًا.

﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ وُضِعَ فِيهِ المَوْصُولُ، والظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَهْجِينِ حالِهِمْ بِتَكْرِيرِ إسْنادِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ.

﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المِثْلُ، وأُقِيمَ مَقامَهُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مُبالَغَةً في المُماثَلَةِ.

28:85Page 396

إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ مَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٨٥

Indeed, [O Muḥammad], He who imposed upon you the Qur’ān will take you back to a place of return.1 Say, "My Lord is most knowing of who brings guidance and who is in clear error."

(p-28)﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ، وتَبْلِيغَهُ، والعَمَلَ بِهِ.

﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ أيْ: مَعادٍ. مَعادٍ تَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ، وتَرْنُو إلَيْهِ أحْداقُ الأُمَمِ، وهو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي وعَدَكَ أنْ يَبْعَثَكَ فِيهِ، وقِيلَ: هو مَكَّةُ المُعَظَّمَةُ. عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ في أذِيَّةٍ، وشِدَّةٍ مِن أهْلِها أنَّهُ يُهاجِرُ بِهِ مِنها، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْها بِعِزٍّ ظاهِرٍ، وسُلْطانٍ قاهِرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَ الجُحْفَةَ في مُهاجِرِهِ، وقَدِ اشْتاقَ إلى مَوْلِدِهِ، ومَوْلِدِ آبائِهِ، وحَرَمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُ: أتَشْتاقُ إلى مَكَّةَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأوْحاها إلَيْهِ.

﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ وما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ والنَّصْرِ. و "مَن" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أعْلَمُ، أيْ: يَعْلَمُ، وقِيلَ بِأعْلَمَ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى عالِمٍ.

﴿وَمَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وما اسْتَحَقَّهُ مِنَ العَذابِ والإذْلالِ، يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ والمُشْرِكِينَ، وهو تَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ السّابِقِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:

28:86Page 396

وَمَا كُنتَ تَرۡجُوٓاْ أَن يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبُ إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرٗا لِّلۡكَٰفِرِينَ ٨٦

And you were not expecting that the Book would be conveyed to you, but [it is] a mercy from your Lord. So do not be an assistant to the disbelievers.1

﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: سَيَرُدُّكَ إلى مَعادِكَ، كَما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ، وما كُنْتَ تَرْجُوهُ.

﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، ولَكِنْ ألْقاهُ إلَيْكَ رَحْمَةً مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً، أيْ: لِأجْلِ التَّرَحُّمِ.

﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ بِمُداراتِهِمْ، والتَّحَمُّلِ عَنْهُمْ، والإجابَةِ إلى طِلْبَتِهِمْ.

28:87Page 396

وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بَعۡدَ إِذۡ أُنزِلَتۡ إِلَيۡكَۖ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٨٧

And never let them avert you from the verses of Allāh after they have been revealed to you. And invite [people] to your Lord. And never be of those who associate others with Allāh.

﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ﴾ أيِ: الكافِرُونَ.

﴿عَنْ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ قِراءَتِها، والعَمَلِ بِها.

﴿بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ، وقُرِئَ: (يُصِدُّنَّكَ) مَن أصَدَّ المَنقُولِ مِن صَدَّ اللّازِمِ.

﴿وادْعُ﴾ النّاسَ ﴿إلى رَبِّكَ﴾ إلى عِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ.

﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِمُساعِدَتِهِمْ في الأُمُورِ.

28:88Page 396

وَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۘ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٨

And do not invoke with Allāh another deity. There is no deity except Him. Everything will be destroyed except His Face.1 His is the judgement, and to Him you will be returned.

﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ هَذا وما قَبْلَهُ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ، وقَطْعِ أطْماعِ المُشْرِكِينَ عَنْ مُساعَدَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ، وإظْهارِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في القُبْحِ والشَّرِّيَّةِ، بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهُ أصْلًا.

﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ إلّا ذاتَهُ فَإنَّ ما عَداهُ كائِنًا ما كانَ مُمْكِنٌ في حَدِّ ذاتِهِ عُرْضَةٌ لِلْهَلاكِ والعَدَمِ.

﴿لَهُ الحُكْمُ﴾ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في الخَلْقِ.

﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عِنْدَ البَعْثِ لِلْجَزاءِ بِالحَقِّ والعَدْلِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ طسم القَصَصَ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ مُوسى وكَذَّبَ، ولَمْ يَبْقَ مَلَكٌ في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ صادِقًا.»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском