Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:22–46
29:22Page 398
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢
And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.
﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لَهُ تَعالى عَنْ إجْراءِ حُكْمِهِ، وقَضائِهِ عَلَيْكم.
﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ: بِالتَّوارِي في الأرْضِ، أوِ الهُبُوطِ في مَهاوِيها، ولا بِالتَّحَصُّنِ في السَّماءِ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها لَوِ اسْتَطَعْتُمُ الرُّقِيَّ فِيها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ أوِ (p-36)القِلاعِ الذّاهِبَةِ فِيها، وقِيلَ: في السَّماءِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى أنْتُمْ، أيْ: ولا مَن في السَّماءِ.
﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَحْرُسُكم مِمّا يُصِيبُكم مِن بَلاءٍ يَظْهَرُ مِنَ الأرْضِ، أوْ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ويَدْفَعُهُ عَنْكم.
29:23Page 398
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣
And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِدَلائِلِهِ التَّكْوِينِيَّةِ، والتَّنْزِيلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ. فَيَدْخُلُ فِيها النَّشْأةُ الأُولى الدّالَّةُ عَلى تَحَقُّقِ البَعْثِ، والآياتُ النّاطِقَةُ بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُها بِدَلائِلَ وحْدانِيَّتِهِ تَعالى لا يُناسِبُ المَقامَ.
﴿وَلِقائِهِ﴾ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ تِلْكَ الآياتُ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِهِ تَعالى ولِقائِهِ.
﴿يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ أيْ: يَيْأسُونَ مِنها يَوْمَ القِيامَةِ. وصِيغَةُ الماضِي لِلدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ، أوْ يَئِسُوا مِنها في الدُّنْيا لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.
﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وفي تَكْرِيرِ اسْمِ الإشارَةِ، وتَكْرِيرِ الإسْنادِ، وتَنْكِيرِ العَذابِ، ووَصْفِهِ بِالألِيمِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ولِقائِهِ، وبِاليَأْسِ مِن رَحْمَتِهِ المُمْتازُونَ بِذَلِكَ عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ لَهم بِسَبَبِ تِلْكَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ عَذابٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ في الشِّدَّةِ والإيلامِ.
29:24Page 399
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤
And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ واسْمُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى العَكْسِ. وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ في نَظائِرِهِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم بِصَدَدِ الجَوابِ عَنْ حُجَجِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الشَّنِيعَةُ كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ إنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ جَوابُهم بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي في المَرَّةِ الأخِيرَةِ، وإلّا فَقَدْ صَدَرَ عَنْهم مِنَ الخُرافاتِ والأباطِيلِ ما لا يُحْصى ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَألْقَوْهُ في النّارِ فَأنْجاهُ اللَّهُ تَعالى مِنها بِأنْ جَعَلَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَرْدًا وسَلامًا حَسْبَما بُيِّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بَيانُ كَيْفِيَّةِ إلْقائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها، وإنْجائِهِ تَعالى إيّاهُ تَفْصِيلًا، قِيلَ: لَمْ يَنْتَفِعْ يَوْمَئِذٍ بِالنّارِ في مَوْضِعٍ أصْلًا.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في إنْجائِهِ مِنها.
﴿لآياتٍ﴾ بَيِّنَةً عَجِيبَةً هي حِفْظُهُ تَعالى إيّاهُ مِن حَرِّها، وإخْمادُها في زَمانٍ يَسِيرٍ، وإنْشاءُ رَوْضٍ في مَكانِها.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وأمّا مَن عَداهم فَهم عَنِ اجْتِلائِها غافِلُونَ، ومِنَ الفَوْزِ بِمَغانِمِ آثارِها مَحْرُومُونَ.
29:25Page 399
وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥
And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."
﴿وَقالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخاطِبًا لَهم ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكُمْ، وتَتَواصَلُوا لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها، وائْتِلافِكُمْ، وثانِي مَفْعُولَيِ اتَّخَذْتُمْ مَحْذُوفٌ، أيْ: أوْثانًا آلِهَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَوَدَّةَ" هو المَفْعُولَ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أوْ بِتَأْوِيلِها بِالمَوْدُودَةِ، أوْ يَجْعَلُها نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً، أيِ: اتَّخَذْتُمْ أوْثانًا سَبَبَ المَوَدَّةِ (p-37)بَيْنَكم. أوْ مَوْدُودَةً أوْ نَفْسَ المَوَدَّةِ، وقُرِئَ: (مَوَدَّةً) مُنَوَّنَةً مَنصُوبَةً ناصِبَةَ الظَّرْفِ، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوْدُودَةٌ، أوْ نَفْسُ المَوَدَّةِ، أوْ سَبَبُ مَوَدَّةِ بَيْنِكُمْ، والجُمْلَةُ صِفَةُ أوْثانًا، أوْ خَبَرُ إنَّ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ. قَدْ حُذِفَ عائِدُها وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وقُرِئَتْ مَرْفُوعَةً مُنَوَّنَةً، ومُضافَةً بِفَتْحِ بَيْنِكم كَما قُرِئَ: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وقُرِئَ: (إنَّما مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) والمَعْنى أنَّ اتِّخاذَكم إيّاها مَوَدَّةَ بَيْنِكم لَيْسَ إلّا في الحَياةِ، وقَدْ أجْرَيْتُمْ أحْكامَهُ حَيْثُ فَعَلْتُمْ بِي ما فَعَلْتُمْ لِأجْلِ مَوَدَّتِكم لَها انْتِصارًا مِنِّي، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ .
﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَنْقِلَبُ الأُمُورُ، ويَتَبَدَّلُ التَّوادُّ تَباغُضًا، والتَّلاطُفُ تَلاعُنًا حَيْثُ ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ﴾ وهُمُ العَبَدَةُ.
﴿بِبَعْضٍ﴾ وهُمُ الأوْثانُ.
﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: يَلْعَنُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنكُمْ، ومِنَ الأوْثانِ. حَيْثُ يُنْطِقُها اللَّهُ تَعالى الفَرِيقَ الآخَرَ.
﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: هي مَنزِلُكُمُ الَّذِي تَأْوُونَ إلَيْهِ، ولا تَرْجِعُونَ مِنهُ أبَدًا.
﴿وَما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَكم مِنها كَما خَلَّصَنِي رَبِّي مِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَيْتُمُونِي فِيها، وجَمْعُ النّاصِرِ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ الجَمْعِ أيْ: ما لِأحَدٍ مِنكم مِن ناصِرٍ أصْلًا.
29:26Page 399
۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦
And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أيْ: صَدَّقَهُ في جَمِيعِ مَقالاتِهِ لا في نُبُوَّتِهِ، وما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقَطْ فَإنَّهُ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الكُفْرِ، وما قِيلَ إنَّهُ آمَنَ لَهُ حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تَحْرِقْهُ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى ما ذَكَرْنا، أوْ عَلى أنْ يُرادَ بِالإيمانِ الرُّتْبَةُ العالِيَةُ مِنها، وهي الَّتِي لا يَرْتَقِي إلَيْها إلّا هِمَمُ الأفْرادِ الكُمَّلِ، ولُوطُ هو ابْنُ أخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿وَقالَ إنِّي مُهاجِرٌ﴾ أيْ: مِن قَوْمِي.
﴿إلى رَبِّي﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ فَيَمْنَعُنِي مِن أعْدائِي.
﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ فِعْلًا إلّا وفِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ، فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِما فِيهِ صَلاحِي. رُوِيَ أنَّهُ هاجَرَ مِن كُوثى سَوادِ الكُوفَةِ مَعَ لُوطَ وسارَّةَ ابْنَةِ عَمِّهِ إلى حِرانَ، ثُمَّ مِنها إلى الشَّأْمِ فَنَزَلَ فِلَسْطِينَ، ونَزَلَ لُوطُ سَدُومَ.
29:27Page 399
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧
And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ ولَدًا، ونافِلَةً حِينَ أيِسَ مِن عَجُوزٍ عاقِرٍ.
﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ فَكَثُرَ مِنهُمُ الأنْبِياءُ.
﴿والكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ المُتَناوِلِ لِلْكُتُبِ الأرْبَعَةِ.
﴿وَآتَيْناهُ أجْرَهُ﴾ بِمُقابَلَةِ هِجْرَتِهِ إلَيْنا ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِإعْطاءِ الوَلَدِ، والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ، واسْتِمْرارِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وانْتِماءِ أهْلِ المِلَلِ إلَيْهِ، والثَّناءِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الصَّلاحِ.
29:28Page 399
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
And [mention] Lot, when he said to his people, "Indeed, you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds.
﴿وَلُوطًا﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا، أوْ عَلى إبْراهِيمَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ كالَّذِي مَرَّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ. وقُرِئَ: (أئِنَّكُمْ) ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِكَمالِ قُبْحِها، فَإنَّ إجْماعَ جَمِيعِ أفْرادِ العالَمِينَ عَلى التَّحاشِي عَنْها لَيْسَ إلّا لِكَوْنِها مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ الطِّباعُ، وتَنْفِرُ مِنهُ النُّفُوسُ.
29:29Page 399
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩
Indeed, you approach men and obstruct the road1 and commit in your meetings [every] evil." And the answer of his people was not but that they said, "Bring us the punishment of Allāh, if you should be of the truthful."
(p-38)﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ وتَتَعَرَّضُونَ لِلسّابِلَةِ، أيِ: الفاحِشَةِ حَيْثُ رُوِيَ أنَّهم كانُوا كَثِيرًا ما يَفْعَلُونَها بِالغُرَباءِ. وقِيلَ: تَقْطَعُونَ سَبِيلَ النِّساءِ بِالإعْراضِ عَنِ الحَرْثِ، وإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ. وقِيلَ: تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ بِالقَتْلِ، وأخْذِ المالِ.
﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: تَفْعَلُونَ في مَجْلِسِكُمُ الجامِعِ لِأصْحابِكم.
﴿المُنْكَرَ﴾ كالجِماعِ، والضُّراطِ، وحَلِّ الإزارِ، وغَيْرِها مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأفاعِيلِ المُنْكَرَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما هو الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمِيُّ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العِلْكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الإزارِ، والسِّبابُ، والفُحْشُ في المِزاحِ. وقِيلَ: السُّخْرِيَةُ بِمَن مَرَّ بِهِمْ، وقِيلَ: المُجاهَرَةُ في نادِيهِمْ بِذَلِكَ العَمَلِ.
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فَما كانَ جَوابًا مِن جِهَتِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا هَذِهِ الكَلِمَةُ الشَّنِيعَةُ أيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في هَذِهِ المَرَّةِ مِن مَرّاتِ مَواعِظِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ كانَ أوْعَدَهم فِيها بِالعَذابِ، وأمّا ما في سُورَةِ الأعْرافِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ ... الآيَةَ. وما في سُورَةِ النَّمْلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ ... الآيَةَ. فَهو الَّذِي صَدَرَ عَنْهم بَعْدَهُ هَذِهِ المَرَّةُ، وهي المَرَّةُ الأخِيرَةُ مِن مَرّاتِ المُقاوَلاتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
29:30Page 399
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠
He said, "My Lord, support me against the corrupting people."
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ: بِإنْزالِ العَذابِ المَوْعُودِ.
﴿عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ بِابْتِداعِ الفاحِشَةِ، وسَنِّها فِيمَن بَعْدَهُمْ، والإصْرارِ عَلَيْها، واسْتِعْجالِ العَذابِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنَّما وصَفَهم بِذَلِكَ مُبالَغَةً في اسْتِنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ.
29:31Page 400
وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١
And when Our messengers [i.e., angels] came to Abraham with the good tidings,1 they said, "Indeed, we will destroy the people of that [i.e., Lot's] city. Indeed, its people have been wrongdoers."
﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ ﴿قالُوا﴾ أيْ: لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ الكَلامِ حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ، وسُورَةِ الحِجْرِ.
﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: قَرْيَةِ سَدُومَ. والإضافَةُ لَفْظِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ.
﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ بِإصْرارِهِمْ عَلى الظُّلْمِ، وتَمادِيهِمْ في فُنُونِ الفَسادِ، وأنْواعِ المَعاصِي.
29:32Page 400
قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢
[Abraham] said, "Indeed, within it is Lot." They said, "We are more knowing of who is within it. We will surely save him and his family, except his wife. She is to be of those who remain behind."
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ فَكَيْفَ تُهْلِكُونَها ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ أرادُوا أنَّهم غَيْرُ غافِلِينَ عَنْ مَكانِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها بَلْ عَمَّنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أتْباعِهِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم مُعْتَنُونَ بِشَأْنِهِمْ أتَمَّ اعْتِناءٍ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَصْدِيرُ الوَعْدِ بِالتَّنْجِيَةِ بِالقِسْمِ، أيْ: واللَّهِ لَنُنْجِيَنَّهُ وأهْلَهُ.
﴿إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ أوِ القَرْيَةِ.
29:33Page 400
وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣
And when Our messengers [i.e., angels] came to Lot, he was distressed for them and felt for them great discomfort.1 They said, "Fear not, nor grieve. Indeed, we will save you and your family, except your wife; she is to be of those who remain behind.
(p-39)﴿وَلَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ المَذْكُورُونَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ اعْتَراهُ المَساءَةُ بِسَبِّهِمْ مَخافَةَ أنْ يَتَعَرَّضَ لَهم قَوْمُهُ بِسُوءٍ، وكَلِمَةُ "أنْ" صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ ما بَيْنَ الفِعْلَيْنِ مِنَ الِاتِّصالِ.
﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: ضاقَ بِشَأْنِهِمْ، وتَدْبِيرِ أمْرِهِمْ، ذَرْعُهُ. أيْ: طاقَتُهُ كَقَوْلِهِمْ ضاقَتْ يَدُهُ، وبِإزائِهِ رَحُبَ ذَرْعُهُ بِكَذا إذا كانَ مُطِيقًا بِهِ قادِرًا عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ طَوِيلَ الذِّراعِ يَنالُ ما لا يَنالُهُ قَصِيرُ الذِّراعِ.
﴿وَقالُوا﴾ رَيْثَما شاهَدُوا فِيهِ مَخايِلَ التَّضَجُّرِ مِن جِهَتِهِمْ، وعايَنُوا أنَّهُ عَجَزَ عَنْ مُدافَعَةِ قَوْمِهِ بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي حَتّى آلَتْ بِهِ الحالُ إلى أنْ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
﴿لا تَخَفْ﴾ أيْ: مِن قَوْمِكَ عَلَيْنا.
﴿وَلا تَحْزَنْ﴾ أيْ: عَلى شَيْءٍ. وقِيلَ: بِإهْلاكِنا إيّاهم.
﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ مِمّا يُصِيبُهم مِنَ العَذابِ.
﴿إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ وقُرِئَ: (لَنُنَجِيَنَّكَ) و (مُنَجُّوكَ) مِنَ الإنْجاءِ، وأيًّا ما كانَ فَمَحَلُّ الكافِ الجَرُّ عَلى المُخْتارِ، ونَصْبُ أهْلِكَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّها بِاعْتِبارِ الأصْلِ.
29:34Page 400
إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤
Indeed, we will bring down on the people of this city punishment from the sky because they have been defiantly disobedient."
﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِوَعْدِ التَّنْجِيَةِ مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، والرِّجْزُ العَذابُ الَّذِي يُقْلِقُ المُعَذَّبَ، أيْ: يُزْعِجُهُ مِن قَوْلِهِمُ: ارْتَجَزَ إذا ارْتَجَسَ واضْطَرَبَ. وقُرِئَ: (مُنَزِّلُونَ) بِالتَّشْدِيدِ.
﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ.
29:35Page 400
وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥
And We have certainly left of it a sign as clear evidence for a people who use reason.
﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها﴾ أيْ: مِنَ القَرْيَةِ.
﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ هي قِصَّتُها العَجِيبَةُ، وآثارُ دِيارِها الخَرِبَةِ. وقِيلَ: الحِجارَةُ المَمْطُورَةُ فَإنَّها كانَتْ باقِيَةً بَعْدَها، وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في الِاسْتِبْصارِ، والِاعْتِبارِ. وهو مُتَعَلِّقٌ إمّا بِتَرَكْنا أوْ "بَيِّنَةً".
29:36Page 400
وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦
And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: وأرْسَلَنا إلى مَدْيَنَ شُعَيْبًا.
﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ.
﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: تَوَقَّعُوهُ، وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ، وافْعَلُوا اليَوْمَ مِنَ الأعْمالِ ما تَأْمَنُونَ غائِلَتَهُ. وقِيلَ: وارْجُوا ثَوابَهُ بِطَرِيقِ إقامَةِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ، وقِيلَ: الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ.
﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
29:37Page 400
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧
But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ. وفي سُورَةِ هُودٍ ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها المُوجِبَةُ لِلرَّجْفَةِ بِسَبَبِ تَمْوِيجِها لِلْهَواءِ، وما يُجاوِرُها مِنَ (p-40)الأرْضِ.
﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ: بَلَدِهِمْ، أوْ مَنازِلِهِمْ. والإفْرادُ لِأمْنِ اللَّبْسِ.
﴿جاثِمِينَ﴾ بارِكِينَ عَلى الرُّكَبِ مَيِّتِينَ.
29:38Page 400
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.
﴿وَعادًا وثَمُودَ﴾ مَنصُوبانِ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ، أيْ: أهْلَكْنا. وقُرِئَ: (ثَمُودا) بِتَأْوِيلِ الحَيِّ.
﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: وقَدْ ظَهَرَ لَكم إهْلاكُنا إيّاهم مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ بِالنَّظَرِ إلَيْها عِنْدَ اجْتِيازِكم بِها ذَهابًا إلى الشّامِ، وإيابًا مِنهُ.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ السَّوِيِّ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَّظَرِ، والِاسْتِدْلالِ. ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، أوْ مُتَبَيِّنِينَ أنَّ العَذابَ لاحِقٌ بِهِمْ بِإخْبارِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ، ولَكِنَّهم لَجُّوا حَتّى لَقُوا ما لَقُوا.
29:39Page 401
وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩
And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].
﴿وَقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "عادًا". قِيلَ: تَقْدِيمُ قارُونَ لِشَرَفِ نَسَبِهِ.
﴿وَلَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ مُفَلَّتِينَ فائِتِينَ مِن قَوْلِهِمْ: سَبَقَ طالِبَهُ إذا فاتَهُ، ولَمْ يُدْرِكْهُ، ولَقَدْ أدْرَكَهم أمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أيَّ إدْراكٍ فَتَدارَكُوا نَحْوَ الدَّمارِ والهَلاكِ.
29:40Page 401
فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠
So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.
﴿فَكُلا﴾ تَفْسِيرٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ سَبْقِهِمْ بِطَرِيقِ الإبْهامِ، أيْ: فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ ﴿أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أيْ: عاقَبْناهُ بِجِنايَتِهِ، لا بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، كَما يُشْعِرُ بِهِ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ.
﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ تَفْصِيلٌ لِلْأخْذِ، أيْ: رِيحًا عاصِفًا فِيها حَصْباءُ، وقِيلَ: مَلَكًا رَماهم بَهاؤُهم قَوْمُ لُوطٍ.
﴿وَمِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كَمَدْيَنَ وثَمُودَ.
﴿وَمِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ كَقارُونَ.
﴿وَمِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ، وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بِما فَعَلَ بِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى.
﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى مُباشَرَةِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي.
29:41Page 401
مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١
The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: فِيما اتَّخَذُوهُ مُعْتَمَدًا ومُتَّكَلًا.
﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فِيما نَسَجَتْهُ في الوَهْنِ والخَوْرِ، بَلْ ذَلِكَ أوْهَنُ مِن هَذا لِأنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وانْتِفاعًا في الجُمْلَةِ، أوْ مَثَلُهم بِالإضافَةِ إلى المُوَحَّدِ، كَمَثَلِهِ بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا مِن حَجَرٍ وجَصٍّ. والعَنْكَبُوتُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ، والجَمْعِ، والمُذَكَّرِ، والمُؤَنَّثِ، والغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ التَّأْنِيثُ، وِتاؤُهُ (p-41)كَتاءِ طاغُوتٍ، ويُجْمَعُ عَلى عَناكِبَ وعَنْكُبُوتاتٍ. وأمّا العِكابُ والعُكُبُ والأعْكُبُ فَأسْماءُ الجُمُوعِ.
﴿وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ حَيْثُ لا يُرى شَيْءٌ يُدانِيهِ في الوَهَنِ والوَهْيِ.
﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لَجَزَمُوا أنَّ هَذا مِثَلُهُمْ، أوْ أنَّ دِينَهُمْ، أوْ هي مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ عِبارَةً عَنْ دِينِهِمْ تَحْقِيقًا لِلتَّمْثِيلِ، فالمَعْنى: وإنَّ أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ بِهِ في الدِّينِ دِينُهم.
29:42Page 401
إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢
Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قُلْ لِلْكَفَرَةِ إنَّ اللَّهَ... إلَخْ. و "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ "يَدْعُونَ" مُعَلَّقَةٌ لِـ "يَعْلَمُ"، و "مِن" لِلتَّبْيِينِ أوْ نافِيَةٌ، و "مِن" مَزِيدَةٌ، و "شَيْءٍ" مَفْعُولُ "يَدْعُونَ"، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، و "شَيْءٍ" عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، أوْ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ لِـ "يَعْلَمُ"، ومَفْعُولُ "يَدْعُونَ" عائِدُهُ المَحْذُوفُ. وقُرِئَ: (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِينَ تَجْهِيلٌ لَهُمْ، وتَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وعَلى الأخِيرَيْنِ وعِيدٌ لَهم.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ عَلى المَعْنَيَيْنِ فَإنَّ إشْراكَ ما لا يُعَدُّ شَيْئًا بِمَن هَذا شَأْنُهُ مِن فَرْطِ الغَباوَةِ، وإنَّ الجَمادَ بِالنِّسْبَةِ إلى القادِرِ القاهِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ البالِغِ في العِلْمِ، وإتْقانِ الفِعْلِ الغايَةُ القاصِيَةُ كالمَعْدُومِ البَحْتِ، وأنَّ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ قادِرٌ عَلى مُجازاتِهِمْ.
29:43Page 401
وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣
And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.
﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ وأمْثالُهُ.
﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ تَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ.
﴿وَما يَعْقِلُها﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ، واسْتِتْباعِ الفَوائِدِ ﴿إلا العالِمُونَ﴾ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ في الأشْياءِ عَلى ما يَنْبَغِي. وعَنْهُ ﷺ أنَّهُ تَلا هَذِهِ فَقالَ: « "العالِمُ مَن عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، واجْتَنَبَ سَخَطَهُ".»
29:44Page 401
خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤
Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُحِقٍّا مُراعِيًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ خَلَقَ، أوْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ مُسْتَتْبَعَةٌ لِلْمَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ فَإنَّها مَعَ اشْتِمالِها عَلى جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعايِشُهم شَواهِدُ دالَّةٌ عَلى شُئُونِهِ تَعالى المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ دالَّةً لَهم عَلى ما ذُكِرَ مِن شُئُونِهِ سُبْحانَهُ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الهِدايَةِ، والإرْشادِ في خَلْقِهِما لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
29:45Page 401
ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥
Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.
﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى بِقِراءَتِهِ، وتَذَكُّرًا لِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ المَعانِي، وتَذْكِيرًا لِلنّاسِ، وحَمْلًا لَهم عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، ومَحاسِنِ الآدابِ، ومَكارِمِ الأخْلاقِ.
﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ: داوِمْ عَلى إقامَتِها، وحَيْثُ كانَتِ الصَّلاةُ مُنْتَظِمَةً لِلصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ المُؤَدّاةِ بِالجَماعَةِ، وكانَ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإقامَتِها مُتَضَمِّنًا لِأمْرِ الأُمَّةِ بِها عُلِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ (p-42)والمُنْكَرِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وصَلِّ بِهِمْ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ومَعْنى: "نَهْيُها عَنْهُما" أنَّها سَبَبٌ لِلِانْتِهاءِ عَنْهُما لِأنَّها مُناجاةٌ لِلَّهِ تَعالى فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَعَ إقْبالٍ تامٍّ عَلى طاعَتِهِ، وإعْراضٍ كُلِّيٍّ عَنْ مَعاصِيِهِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: في الصَّلاةِ مُنْتَهًى ومُزْدَجَرٌ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ تَعالى، فَمَن لَمْ تَأْمُرْهُ صَلاتُهُ بِالمَعْرُوفِ، ولَمْ تَنْهَهُ عَنِ المُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِصَلاتِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا بُعْدًا. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَصَلاتُهُ وبالٌ عَلَيْهِ. ورَوى أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ إلّا رَكِبَهُ، فَوَصَفَ لَهُ ﷺ حالَهُ فَقالَ: إنَّ صَلاتَهُ سَتَنْهاهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وحَسُنَ حالُهُ.» ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ أيْ: ولِلصَّلاةِ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما فِيها مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى هو العُمْدَةُ في كَوْنِها مُفَضَّلَةً عَلى الحَسَناتِ ناهِيَةً عَنِ السَّيِّئاتِ. وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وذِكْرُ نَهْيِهِ عَنْهُما، ووَعِيدِهِ عَلَيْهِما أكْبَرُ في الزَّجْرِ عَنْهُما. وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم بِرَحْمَتِهِ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ بِطاعَتِهِ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ مِنهُ، ومِن سائِرِ الطّاعاتِ فَيُجازِيكم بِها أحْسَنَ المُجازاةِ.
29:46Page 402
۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦
And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."
﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ كَمُقابَلَةِ الخُشُونَةِ بِاللِّينِ، والغَضَبِ بِالكَظْمِ، والمُشاغَبَةِ بِالنُّصْحِ والسَّوْرَةِ بِالأناةِ عَلى وجْهٍ لا يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ، ولا يُؤَدِّي إلى إعْطاءِ الدَّنِيَّةِ. وقِيلَ: مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِالإفْراطِ في الِاعْتِداءِ والعِنادِ، أوْ بِإثْباتِ الوَلَدِ. وقَوْلُهُمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ. فَإنَّهُ يَجِبُ حِينَئِذٍ المُدافَعَةُ بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ.
﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القرآن، ﴿وَأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: وبِالَّذِي أُنْزِلُ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ كَيْفِيَّةِ الإيمانِ بِهِما في خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ، ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ وبِرُسُلِهِ، فَإنْ قالُوا باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ، وإنْ قالُوا حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ".» ﴿وَإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُطِيعُونَ خاصَّةً، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحالِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences