Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:47–69
29:47Page 402
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧
And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَضْلِ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ المُوافِقِ لِإنْزالِ سائِرِ الكُتُبِ ﴿أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القرآن الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِما ذُكِرَ مِنَ المُجادَلَةِ بِالحُسْنى.
﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أُرِيدَ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأضْرابُهُ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ خاصَّةً كَأنَّ مَن عَداهم لَمْ يُؤْتُوا الكِتابَ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ (p-43)ﷺ مِنهم حَيْثُ كانُوا مُصَدِّقِينَ بِنُزُولِهِ حَسْبَما شاهَدُوا في كِتابَيْهِما، وتَخْصِيصُهم بِإيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن بَعْدَهم مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَدْ نُزِعَ عَنْهُمُ الكِتابُ بِالنَّسْخِ فَلَمْ يُؤْتَوْهُ، و "الفاءُ" لِتَرْتِيبٍ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ إيمانَهم بِهِ مُتَرَتِّبٌ عَلى إنْزالِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ.
﴿وَمِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: ومِنَ العَرَبِ، أوْ أهْلِ مَكَّةَ عَلى الأوَّلِ، أوْ مِمَّنْ في عَصْرِهِ ﷺ عَلى الثّانِي.
﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ: بِالقرآن.
﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ عَبَّرَ عَنِ الكِتابِ بِالآياتِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ظُهُورِ دَلالَتِها عَلى مَعانِيها، وعَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وأُضِيفَتْ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِمَزِيدِ تَفْخِيمِها، وغايَةِ تَشْنِيعِ مَن يَجْحَدُ بِها.
﴿إلا الكافِرُونَ﴾ المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ المُصَمِّمُونَ عَلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَصُدُّهم عَنِ التَّأمُّلِ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلى مَعْرِفَةِ حَقِّيَّتِها، وقِيلَ: هم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وأصْحابُهُ.
29:48Page 402
وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨
And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.
﴿وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: ما كُنْتَ قَبْلَ إنْزالِنا إلَيْكَ الكِتابَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَتْلُوَ شَيْئًا مِن كِتابٍ.
﴿وَلا تَخُطُّهُ﴾ أيْ: ولا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَخُطَّهُ.
﴿بِيَمِينِكَ﴾ حَسْبَما هو المُعْتادُ، أوْ ما كانَتْ عادَتُكَ أنْ تَتْلُوَهُ، ولا أنْ تَخُطَّهُ.
﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ، أوْ مِمَّنْ يَعْتادُهُما لارْتابُوا، وقالُوا: لَعَلَّهُ التَقَطَهُ مِن كُتُبِ الأوائِلِ، وحَيْثُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ في شَأْنِكَ مَنشَأُ رَيْبٍ أصْلًا، وتَسْمِيَتُهم مُبْطِلِينَ في ارْتِيابِهِمْ عَلى التَّقْدِيرِ المَفْرُوضِ لِكَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ في اتِّباعِهِمْ لِلِاحْتِمالِ المَذْكُورِ مَعَ ظُهُورِ نَزاهَتِهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ.
29:49Page 402
بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩
Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.
﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ: القرآن.
﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتٌ ثابِتَةٌ راسِخَةٌ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُلْتَقَطَ مِن كِتابٍ يَحْفَظُونَهُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيفِهِ ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ كَوْنِها كَما ذُكِرَ.
﴿إلا الظّالِمُونَ﴾ المُتَجاوِزُونَ لِلْحُدُودِ في الشَّرِّ، والمُكابَرَةِ، والفَسادِ.
29:50Page 402
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠
But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."
﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِثْلُ ناقَةِ صالِحٍ، وعَصا مُوسى، ومائِدَةُ عِيسى، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقُرِئَ: آيَةٌ ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنَزِّلُها حَسْبَما يَشاءُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ قَطْعًا.
﴿وَإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لَيْسَ مِن شَأْنِي إلّا الإنْذارُ بِما أُوتِيتُ مِنَ الآياتِ.
29:51Page 402
أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١
And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى رَدًّا عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانًا لِبُطْلانِهِ، و "الهَمْزَةُ" لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، و "الواوُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أقَصَّرَ، ولَمْ يَكْفِهِمْ آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنْ سائِرِ الآياتِ.
﴿أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ النّاطِقَ بِالحَقِّ المُصَدِّقَ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وأنْتَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مُدارَسَتِها، ومُمارَسَتِها.
﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ فَلا يَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ كَوْنِها، وتَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، أوْ يُتْلى عَلى اليَهُودِ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الكِتابِ العَظِيمِ (p-44)الشَّأْنِ الباقِي عَلى مَرِّ الدُّهُورِ.
﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً عَظِيمَةً.
﴿وَذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِرَةً.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِقَوْمِ هَمُّهُمُ الإيمانُ لا التَّعَنُّتُ كَأُولَئِكَ المُقْتَرِحِينَ. وقِيلَ: إنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَتِفٍ فِيها بَعْضُ ما يَقُولُهُ اليَهُودُ، فَقالَ: كَفى بِها ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ، فَنَزَلَتْ.
29:52Page 402
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢
Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ بِما صَدَرَ عَنِّي وعَنْكم.
﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شَأْنِي وشَأْنُكُمْ، فَهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن كِفايَتِهِ تَعالى شَهِيدًا.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ وهو ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإيمانِ بِهِ.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ المَغْبُونُونَ في صَفْقَتِهِمْ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ بِأنْ ضَيَّعُوا الفِطْرَةَ الأصْلِيَّةَ، والأدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ المُوجِبَةَ لِلْإيمانِ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنِسْبَةِ الإيمان بالباطِلِ، والكُفْرِ بِاللَّهِ، والخُسْرانِ إلَيْهِمْ، بَلْ ذُكِرَ عَلى مِنهاجِ الإبْهامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
29:53Page 403
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣
And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ ؟ وقَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ.
﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَذابِهِمْ، وبَيَّنَهُ في اللَّوْحِ.
﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ المُعَيَّنُ لَهم حَسْبَما اسْتَعْجَلُوا بِهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ: يَوْمُ القِيامَةِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعْدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُعَذِّبَ قَوْمَهُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وأنْ يُؤَخِّرَ عَذابَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ، وقِيلَ: وقْتُ فَنائِهِمْ بِآجالِهِمْ. وفِيهِ بُعْدٌ ظاهِرٌ لِما أنَّهم ما كانُوا يُوعَدُونَ بِفَنائِهِمُ الطَّبِيعِيِّ، ولا كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن مَجِيءِ العَذابِ عِنْدَ مَحَلِّ الأجْلِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَيَأْتِيَنَّهمُ العَذابُ الَّذِي عُيِّنَ لَهم عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ.
﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً.
﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِإتْيانِهِ. ولَعَلَّ المُرادَ بِـ إتْيانِهِ كَذَلِكَ أنَّهُ لا يَأْتِيهِمْ بِطَرِيقِ التَّعْجِيلِ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ، والإجابَةِ إلى مَسْؤُولِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ إتْيانٌ بِرَأْيِهِمْ وشُعُورِهِمْ، لا أنَّهُ يَأْتِيهِمْ وهم غارُّونَ آمِنُونَ لا يُخْطِرُونَهُ بِالبالِ كَدَأْبِ بَعْضِ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ بَياتًا وهم نائِمُونَ، أوْ ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ، لِما أنَّ إتْيانَ عَذابِ الآخِرَةِ وعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ.
29:54Page 403
يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤
They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِغايَةِ تَجْهِيلِهِمْ ورَكاكَةِ رَأْيِهِمْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما اسْتَعْجَلُوهُ عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ. والحالُ أنَّ مَحَلَّ العَذابِ الَّذِي عَذابٌ فَوْقَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ، وإنَّ العَذابَ لَمُحِيطٌ بِهِمْ، أيْ: سَيُحِيطُ بِهِمْ. وإنَّما (p-45)جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ الإحاطَةِ، واسْتِمْرارِها، أوْ تَنْزِيلًا لِحالِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ حالِ المُسَبَّبِ. فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ هي النّارُ في الحَقِيقَةِ لَكِنَّها ظَهَرَتْ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ ولامُ الكافِرِينَ إمّا لِلْعَهْدِ ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أوْ لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
29:55Page 403
يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥
On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ قَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ إيذانًا بِغايَةِ كَثْرَتِهِ وفَظاعَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِإحاطَةِ جَهَنَّمَ بِهِمْ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِهِ المَقالُ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِلْإحاطَةِ.
﴿مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ.
﴿وَيَقُولُ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِنُونِ العَظَمَةِ، أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ.
﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ السَّيِّئاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاسْتِعْجالُ بِالعَذابِ.
29:56Page 403
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابُ تَشْرِيفٍ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن إقامَةِ أُمُورِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي لِمُمانَعَةٍ مِن جِهَةِ الكَفَرَةِ، وإرْشادٌ لَهم إلى الطَّرِيقِ الأسْلَمِ.
﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ أيْ: إذا لَمْ يَتَسَهَّلُ لَكُمُ العِبادَةُ في بَلَدٍ ولَمْ يَتَيَسَّرْ لَكم إظْهارُ دِينِكُمْ، فَهاجِرُوا إلى حَيْثُ يَتَسَنّى لَكم ذَلِكَ. وعَنْهُ ﷺ: « "مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ ولَوْ كانَ شِبْرًا اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ، وكانَ رَفِيقَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ".» و "الفاءُ" جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، إذِ المَعْنى إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ إنْ لَمْ تُخْلِصُوا العِبادَةَ لِي في أرْضٍ فَأخْلِصُوها في غَيْرِها، ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ، وعُوِّضَ عَنْهُ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ مَعَ إفادَةِ تَقْدِيمِهِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ والإخْلاصِ.
29:57Page 403
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧
Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها حَثًّا عَلى المُسارَعَةِ في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ وكَرْبَهُ، فَراجِعَةٌ إلى حُكْمِنا وجَزائِنا، بِحَسَبِ أعْمالِها. فَمَن كانَتْ هَذِهِ عاقِبَتُهُ فَلَيْسَ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّزَوُّدِ، والِاسْتِعْدادِ لَها، وقُرِئَ: (يُرْجَعُونَ).
29:58Page 403
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨
And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لَنُنَزِّلَنَّهم.
﴿مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ أيْ: عَلالِي. وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِلتَّبْوِئَةِ، وقُرِئَ: (لَنُثَوِّيَنَّهُمْ) مِنَ الثُّواءِ، بِمَعْنى الإقامَةِ. فانْتِصابُ "غُرَفًا" حِينَئِذٍ إمّا بِإجْرائِهِ مَجْرى لَنُنَزِّلَنَّهُمْ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ، أوْ بِتَشْبِيهِ الظَّرْفِ المُوَقَّتِ بِالمُبْهَمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ .
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةً لِغُرَفًا ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: في الغُرَفِ، أوْ في الجَنَّةِ.
﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيِ: الأعْمالُ الصّالِحَةُ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (فَنِعْمَ).
29:59Page 403
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩
Who have been patient and upon their Lord rely.
(p-46)﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ إمّا صِفَةٌ لِلْعامِلِينَ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أيْ: صَبَرُوا عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ، وشَدائِدِ المُهاجَرَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المِحَنِ والمَشاقِّ.
﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: ولَمْ يَتَوَكَّلُوا فِيما يَأْتُونَ، ويَذَرُونَ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى.
29:60Page 403
وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠
And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.
﴿وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ بِالمُهاجَرَةِ إلى المَدِينَةِ، قالُوا: كَيْفَ نَقْدَمُ بَلْدَةً لَيْسَ لَنا فِيها مَعِيشَةٌ؟ فَنَزَلَتْ. أيْ: وكَمْ مِن دابَّةٍ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها أوْ لا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما تُصْبِحُ ولا مَعِيشَةَ عِنْدَها.
﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّها مَعَ ضَعْفِها وتَوَكُّلِها وإيّاكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم سَواءٌ في أنَّهُ لا يَرْزُقُها، وإيّاكم إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ رِزْقَ الكُلِّ بِأسْبابٍ هو المُسَبِّبُ لَها وحْدَهُ، فَلا تَخافُوا الفَقْرَ بِالمُهاجَرَةِ.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ المُبالِغُ في السَّمْعِ، فَيَسْمَعُ قَوْلَكم هَذا.
﴿العَلِيمُ﴾ المُبالِغُ في العِلْمِ فَيَعْلَمُ ضَمائِرَكم.
29:61Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١
If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?
﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ.
﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ إذْ لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، ولا إلى التَّرَدُّدِ فِيهِ.
﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَرْكِهِمُ العَمَلَ بِمُوجِبِهِ، أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ مَعَ إقْرارِهِمْ بِتَفَرُّدِهِ تَعالى فِيما ذَكَرَ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْخِيرِ؟
29:62Page 403
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢
Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ لَهُ.
﴿مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ: يَقْدِرُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْدِرَ لَهُ مِنهم كائِنًا مَن كانَ. عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُبْهَمٌ حَسَبَ إبْهامِ مَرْجِعِهِ، أوْ يَقْدِرُ لِمَن بِبَسْطِهِ لَهُ عَلى التَّعاقُبِ.
﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِبَسْطِ الرِّزْقِ فَيَبْسُطُهُ لَهُ، ومَن يَلِيقُ بِقَدْرِهِ فَيَقْدِرُهُ لَهُ. أوْ فَيَعْلَمُ أنَّ كُلًّا مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ في أيِ وقْتٍ يُوافِقُ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ فَيَفْعَلُ كُلًّا مِنهُما في وقْتِهِ.
29:63Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣
And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.
﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ المُوجِدُ لِلْمُكِنّاتِ بِأسْرِها أُصُولِها وفُرُوعِها، ثُمَّ إنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلى شَيْءٍ ما أصْلًا.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ المُبْطِلُونَ عَلى جُحُودِهِ، وأنَّهُ أظْهَرَ حُجَّتَكَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: عَلى أنْ عَصَمَكَ مِن أمْثالِ هَذِهِ الضَّلالاتِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. " بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ " أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَلِذَلِكَ لا يَعْلَمُونَ بِمُقْتَضى قَوْلِهِمْ هَذا، فَيُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، وقِيلَ: لا يَعْقِلُونَ ما تُرِيدُ بِتَحْمِيدِكَ عِنْدَ مَقالِهِمْ ذَلِكَ.
29:64Page 404
وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤
And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.
(p-47)﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةُ تَحْقِيرِ وازْدِراءِ الدُّنْيا، وكَيْفَ لا؟ وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى الكافِرَ مِنها شَرْبَةَ ماءٍ".» ﴿إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ أيْ: إلّا كَما يُلْهى ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ، يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ويَبْتَهِجُونَ بِهِ ساعَةً، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ.
﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ أيْ: لَهي دارُ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ لِامْتِناعِ طَرَيانِ المَوْتِ والفَناءِ عَلَيْها، أوْ هي في ذاتِها حَياةٌ لِلْمُبالَغَةِ. و "الحَيَوانُ" مَصْدَرُ حَيَّ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ، وأصْلُهُ "حَيَيانٌ" فَقُلِبَتِ الياءُ الثّانِيَةُ واوًا لِما في بِناءِ فَعَلانٍ مِن مَعْنى الحَرَكَةِ، والِاضْطِرابِ اللّازِمِ لِلْحَيَوانِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ عَلى الحَياةِ في هَذا المَقامِ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ.
﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَما آثَرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي أصْلُها عَدَمُ الحَياةِ، ثُمَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ الحَياةِ عارِضَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ.
29:65Page 404
فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥
And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him
﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ مُتَّصِلٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ شَرْحُ حالِهِمْ. والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ عَلى الشَّيْءِ المُتَحَرِّكِ، وهو مُتَّعَدٍ بِنَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ . واسْتِعْمالُهُ هَهُنا، وفي أمْثالِهِ بِكَلِمَةِ "فِي" لِلْإيذانِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ، وحَرَكَتُهُ قَسْرِيَّةٌ غَيْرُ إرادِيَّةٍ كَما مَرَّ في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى أنَّهم عَلى ما وُصِفُوا مِنَ الإشْراكِ فَإذا رَكِبُوا في البَحْرِ، ولَقُوا شِدَّةً﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لِدِينِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لا يَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَكْشِفُ الشَّدائِدَ عَنْهم إلّا هو.
﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ.
29:66Page 404
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦
So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا﴾ أيْ: يُفاجِئُونَ الإشْراكَ لِيَكُونُوا كافِرِينَ بِما آتَيْناهم مِن نِعْمَةِ الإنْجاءِ الَّتِي حَقُّها أنْ يَشْكُرُوها.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ ذَلِكَ، وغائِلَتَهُ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ.
29:67Page 404
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧
Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُشاهِدُوا.
﴿أنّا جَعَلْنا﴾ أيْ: بَلَدَهم.
﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ مَصُونًا مِنَ النَّهْبِ والتَّعَدِّي سالِمًا أهْلُهُ مِن كُلِّ سُوءٍ.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم يُخْتَلَسُونَ مِن حَوْلِهِمْ قَتْلًا وسَبْيًا، إذْ كانَتِ العَرَبُ حَوْلَهُ في تَغاوُرٍ وتَناهُبٍ.
﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: أبَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، بِالباطِلِ خاصَّةً يُؤْمِنُونَ دُونَ الحَقِّ؟!.
﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهي المُسْتَوْجِبَةُ لِلشُّكْرِ حَيْثُ يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ في المَوْضِعَيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا.
29:68Page 404
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ (p-48)زَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ. وإنْ كانَ سَبْكُ النَّظْمِ دالًّا عَلى نَفْيِ الأظْلَمِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المَساوِئِ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا.
﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: بِالرَّسُولِ، أوْ بِالقرآن. وفي "لَمّا" تَسْفِيهٌ لَهم بِأنْ لَمْ يَتَوَقَّفُوا ولَمْ يَتَأمَّلُوا حِينَ جاءَهم بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ آثَرَ ذِي أثِيرٍ.
﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ؟ تَقْرِيرٌ لِثَوائِهِمْ فِيها كَقَوْلِ مَن قالَ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا
أيْ: ألا يَسْتَوْجِبُونَ الثَّواءَ فِيها، وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والتَّكْذِيبِ بِالحَقِّ الصَّرِيحِ، أوْ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِاجْتِرائِهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِحالِ الكَفَرَةِ. أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ حَتّى اجْتَرَءُوا هَذِهِ الجَراءَةَ.
29:69Page 404
وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩
And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways.1 And indeed, Allāh is with the doers of good.
﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ أيْ: في شَأْنِنا. ولِوَجْهِنا خالِصًا، أطْلَقَ المُجاهَدَةَ لِيَعُمَّ جِهادَ الأعادِي الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ.
﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ سُبُلَ السَّيْرِ إلَيْنا، والوُصُولِ إلى جَنابِنا، أوْ لَنَزِيدَنَّهم هِدايَةً إلى سُبُلِ الخَيْرِ وتَوْفِيقِها لِسُلُوكِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ . وفي الحَدِيثِ: « "مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ".» ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ مَعِيَّةَ النَّصْرِ والمَعُونَةِ.
عَنْهُ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ العَنْكَبُوتِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدٍ كُلِّ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ.﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences