Abu as-Su'udAli 'Imran · 3:99–107

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:99–107

3:99Page 62

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allāh those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allāh is not unaware of what you do."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ أمْرٌ بِتَوْبِيخِهِمْ بِالإضْلالِ إثْرَ تَوْبِيخِهِمْ بِالضَّلالِ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ وتَرْكُ عَطْفِهِ عَلى الأمْرِ السّابِقِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِمْ كَما أنَّ قَطْعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن كُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ شَناعَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَقِلَّةٌ في اسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ والتَّقْرِيعِ وتَكْرِيرُ الخِطابِ بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِقْلالِ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ، فَإنَّ ذَلِكَ العُنْوانَ كَما يَسْتَدْعِي الإيمانَ بِما هو مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم يَسْتَدْعِي تَرْغِيبَ النّاسِ فِيهِ، فَصَدُّهم عَنْهُ في أقْصى مَراتِبِ القَباحَةِ ولِكَوْنِ صَدِّهِمْ في بَعْضِ الصُّوَرِ بِتَحْرِيفِ الكِتابِ والكُفْرِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقُرِئَ "تُصِدُّونَ" مِن أصَدَّهُ.

﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينِهِ الحَقِّ المُوصِلِ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ وهو التَّوْحِيدُ ومِلَّةُ الإسْلامِ.

﴿مَن آمَنَ﴾ مَفْعُولٌ لِـ "تَصُدُّونَ" قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ ويَحْتالُونَ لِصَدِّهِمْ عَنْهُ ويَمْنَعُونَ مَن أرادَ الدُّخُولَ فِيهِ بِجُهْدِهِمْ ويَقُولُونَ إنَّ صِفَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ في كِتابِهِمْ ولا تَقَدَّمَتِ البِشارَةُ بِهِ عِنْدَهم. وقِيلَ: أتَتِ اليَهُودُ الأوْسَ والخَزْرَجَ فَذَكَّرُوهم ما كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَداواتِ والحُرُوبِ لِيَعُودُوا إلى ما كانُوا فِيهِ.

﴿تَبْغُونَها﴾ عَلى إسْقاطِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى ∗∗∗ أظَلِيمًَا أصِيدُكم أمْ حِمارًَا

بِمَعْنى أصِيدُ لَكُمْ، أيْ: تَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي هي أقْوَمُ السُّبُلِ.

﴿عِوَجًا﴾ اعْوِجاجًَا بِأنْ تُلَبِّسُوا عَلى النّاسِ وتُوهِمُوا أنَّ فِيهِ مَيْلًَا عَنِ الحَقِّ بِنَفْيِ النُّسَخِ وتَغْيِيرِ صِفَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ وجْهِها ونَحْوِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ "تَصُدُّونَ".﴾ وقِيلَ: مِن "سَبِيلِ اللَّهِ".

﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تَصُدُّونَ﴾ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ الأُولى أوْ مِن فاعِلِ تَبْغُونَها، أيْ: والحالُ أنَّكم شُهَداءُ تَشْهَدُونَ بِأنَّها سَبِيلُ اللَّهِ لا يَحُومُ حَوْلَها شائِبَةُ اعْوِجاجٍ وأنَّ الصَّدَّ عَنْها إضْلالٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أىْ شُهَداءُ أنَّ في التَّوْراةِ إنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ هو الإسْلامُ أوْ وأنْتُمْ عُدُولٌ فِيما بَيْنَكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا (p-64)وَعَظائِمِ الأُمُورِ.

﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ فِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ. قِيلَ: لَمّا كانَ صَدُّهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الخُفْيَةِ خُتِمَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ حِيلَتِهِمْ مِن إحاطَةِ علمه تعالى بِأعْمالِهِمْ، كَما أنَّ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَ بِطَرِيقِ العَلانِيَةِ خُتِمَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ بِشَهادَتِهِ تَعالى عَلى ما يَعْمَلُونَ.

3:100Page 62

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى المُؤْمِنِينَ تَحْذِيرًَا لَهم عَنْ طاعَةِ أهْلِ الكِتابِ والِافْتِتانِ بِفِتْنَتِهِمْ إثْرَ تَوْبِيخِهِمْ بِالإغْواءِ والإضْلالِ رَدْعًَا لَهم عَنْ ذَلِكَ، وتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِطاعَةِ فَرِيقٍ مِنهم لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَنْ طاعَتِهِمْ وإيجابِ الِاجْتِنابِ عَنْ مُصاحَبَتِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: لا تُطِيعُوا فَرِيقًَا إلَخْ... كَما أنَّ تَعْمِيمَ التَّوْبِيخِ فِيما قَبْلَهُ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى سَبَبِ النُّزُولِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ نَفَرًَا مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ كانُوا جُلُوسًَا يَتَحَدَّثُونَ فَمَرَّ بِهِمْ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ وكانَ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الحَسَدِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَغاظَهُ ما رَأى مِنهم مِن تَآلُفِ القُلُوبِ واتِّحادِ الكَلِمَةِ واجْتِماعِ الرَّأْيِ بَعْدَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ والشَّنَآنِ، فَأمَرَ شابًَّا يَهُودِيًَّا كانَ مَعَهُ بِأنْ يَجْلِسَ إلَيْهِمْ ويُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثَ -وَكانَ ذَلِكَ يَوْمًَا عَظِيمًَا اقْتَتَلَ فِيهِ الحَيّانِ وكانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِلْأوْسِ- ويُنْشِدَهم ما قِيلَ فِيهِ مِنَ الأشْعارِ فَفَعَلَ فَتَفاخَرَ القَوْمُ وتَغاضَبُوا حَتّى تَواثَبُوا، وقالُوا: السِّلاحَ السِّلاحَ فاجْتَمَعَ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جاءَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ فَقالَ: أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ أنْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ وألَّفَ بَيْنَكُمْ؟ فَعَلِمُوا أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ مِن عَدُوِّهِمْ فَألْقَوُا السِّلاحَ واسْتَغْفَرُوا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًَا وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قالَ الإمامُ الواحِدِيُّ: اصْطَفُّوا لِلْقِتالِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى قامَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَقَرَأهُنَّ ورَفَعَ صَوْتَهُ فَلَمّا سَمِعُوا صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْصَتُوا لَهُ وجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ فَلَمّا فَرَغَ ألْقَوُا السِّلاحَ وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًَا وجَعَلُوا يَبْكُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافِرِينَ﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا

؎ فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًَا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًَا

أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ والأوَّلُ أدْخَلُ في تَنْزِيهِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى الكُفْرِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ الكُفْرِ المَفْرُوضِ بِطَرِيقِ القَسْرِ وإيرادُ الظَّرْفِ مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ ضَرُورَةَ سَبْقِ الخِطابِ بِعُنْوانِ المُؤْمِنِينَ واسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ بِدُونِ سَبْقِ الإيمانِ مَعَ تَوْسِيطِهِ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ الكُفْرِ وغايَةِ بُعْدِهِ مِنَ الوُقُوعِ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ الصّارِفِ العاقِلَ عَنْ مُباشَرَتِهِ أوْ لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ، وفِيهِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى.

3:101Page 63

وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allāh and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allāh1 has [indeed] been guided to a straight path.

(p-65)﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ إلَخْ لا بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ إلَخْ وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ إلى كَيْفِيَّةِ الكُفْرِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: أتَكْفُرُونَ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ؟! فَإذا أنْكَرَ ونَفى جَمِيعَ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفى وجُودُهُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ حالًَا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في "تَكْفُرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ بِما فِيها مِنَ الشُّؤُونِ الدّاعِيَةِ إلى الثَّباتِ عَلى الإيمانِ الوازِعَةِ عَنِ الكُفْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِيكم رَسُولُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْها داخِلٌ في حُكْمِها، فَإنَّ تِلاوَةَ آياتِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَوْنَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ بِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإزاحَةِ الشُّبَهِ مِن أقْوى الزَّواجِرِ عَنِ الكُفْرِ وعَدَمُ إسْنادِ التِّلاوَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في البابِ.

﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: ومَن يَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ الحَقِّ الَّذِي بَيَّنَهُ بِآياتِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ المُعَبَّرُ عَنْهُ فِيما سَبَقَ بِسَبِيلِ اللَّهِ.

﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، و "قَدْ" لِإفادَةِ مَعْنى التَّحْقِيقِ، كَأنَّ الهُدى قَدْ حَصَلَ؛ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ حاصِلًَا ومَعْنى التَّوَقُّعِ فِيهِ ظاهِرٌ فَإنَّ المُعْتَصِمَ بِهِ تَعالى مُتَوَقِّعٌ لِلْهُدى كَما أنَّ قاصِدَ الكَرِيمِ مُتَوَقِّعٌ لِلنَّدى.

﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوصِلٍ إلى المَطْلُوبِ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والوَصْفُ بِالِاسْتِقامَةِ لِلتَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ عَلى الَّذِينَ يَبْغُونَ لَهُ عِوَجًَا، وهَذا وإنْ كانَ هو دِينَهُ الحَقَّ في الحَقِيقَةِ والِاهْتِداءُ إلَيْهِ هو الِاعْتِصامَ بِهِ بِعَيْنِهِ لَكِنْ لَمّا اخْتَلَفَ الِاعْتِبارانِ وكانَ العُنْوانُ الأخِيرُ مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ أُبْرِزَ في مَعْرِضِ الجَوابِ لِلْحَثِّ والتَّرْغِيبِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ .

3:102Page 63

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢

O you who have believed, fear Allāh as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَكْرِيرُ الخِطابِ بِعُنْوانِ الإيمانِ تَشْرِيفٌ إثْرَ تَشْرِيفٍ.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الِاتِّقاءُ افْتِعالٌ مِنَ الوِقايَةِ وهي فَرْطُ الصِّيانَةِ.

﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ: حَقَّ تَقْواهُ وما يَجِبُ مِنها، وهو اسْتِفْراغُ الوُسْعِ في القِيامِ بِالمُوجَبِ والِاجْتِنابُ عَنِ المَحارِمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوُا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هو أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى ويُذْكَرَ ولا يُنْسى ويُشْكَرَ ولا يُكْفَرَ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًَا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: هو أنْ لا تَأْخُذَهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ ويَقُومَ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ أوِ ابْنِهِ أوْ أبِيهِ. وقِيلَ: هو أنْ يُنَزِّهَ الطّاعَةَ عَنِ الالتِفاتِ إلَيْها وعَنْ تَوَقُّعِ المُجازاةِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ الحَقِّ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ و "التُّقاةُ" مِنِ اتَّقى كالتُّؤَدَةِ مِنِ اتَّأدَ وأصْلُها وُقْيَةٌ قُلِبَتْ واوُها المَضْمُومَةُ تاءً كَما في تُهْمَةٍ وتُخَمَةٍ وياؤُها المَفْتُوحَةُ ألِفًَا.

﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُخْلِصُونَ نُفُوسَكم (p-66)لِلَّهِ تَعالى لا تَجْعَلُونَ فِيها شِرْكَةً لِما سِواهُ أصْلًَا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: تَمُوتُنَّ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ تَحَقُّقِ إسْلامِكم وثَباتِكم عَلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ. ولَوْ قِيلَ: إلّا مُسْلِمِينَ لَمْ يُفِدْ فائِدَتَها، والعامِلُ في الحالِ ما قَبْلَ إلّا بَعْدَ النَّقْضِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وإنْ كانَ نَهْيًَا عَنِ المَوْتِ المُقَيَّدِ بِقَيْدٍ هو الكَوْنُ عَلى أيِّ حالٍ مِن غَيْرِ حالِ الإسْلامِ لَكِنَّ المَقْصُودَ هو النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ القَيْدِ عِنْدَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ الَّذِي هو الكَوْنُ عَلى حالِ الإسْلامِ حِينَئِذٍ، وحَيْثُ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ كانَ المُرادُ إيجابَ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ إلى المَوْتِ، وتَوْجِيهُهُ النَّهْيَ إلى المَوْتِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قَيْدِهِ المَذْكُورِ، فَإنَّ النَّهْىَ عَنِ المُقَيَّدِ في أمْثالِهِ نَهْيٌ عَنِ القَيْدِ ورَفْعٌ لَهُ مِن أصْلِهِ بِالكُلِّيَّةِ مُفِيدٌ لِما لا يُفِيدُهُ النَّهْيُ عَنْ نَفْسِ القَيْدِ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ: "لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ" يُفِيدُ مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ الخُشُوعِ في الصَّلاةِ ما لا يُفِيدُهُ قَوْلُكَ: "لا تَتْرُكِ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ" لِما أنَّ هَذا نَهْيٌ عَنْ تَرْكِ الخُشُوعِ فَقَطْ وذاكَ نَهْيٌ عَنْهُ وعَمّا يُقارِنُهُ ومُفِيدٌ لِكَوْنِ الخُشُوعِ هو العُمْدَةَ في الصَّلاةِ وأنَّ الصَّلاةَ بِدُونِهِ حَقُّها أنْ لا تُفْعَلَ، وفِيهِ نَوْعُ تَحْذِيرٍ عَمّا وراءَ المَوْتِ.

3:103Page 63

وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣

And hold firmly to the rope1 of Allāh all together and do not become divided. And remember the favor of Allāh upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allāh make clear to you His verses that you may be guided.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِدِينِ الإسْلامِ أوْ بِكِتابِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿القرآن حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ لا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ ولا يَخْلَقُ مِن كَثْرَةِ الرَّدِّ مَن قالَ بِهِ صَدَقَ ومَن عَمِلَ بِهِ رَشَدَ ومَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إمّا تَمْثِيلٌ لِلْحالَةِ الحاصِلَةِ مِنَ اسْتِظْهارِهِمْ بِهِ ووُثُوقِهِمْ بِحِمايَتِهِ بِالحالَةِ الحاصِلَةِ مِن تَمَسُّكِ المُتَدَلِّي مِن مَكانٍ رَفِيعٍ بِحَبْلٍ وثِيقٍ مَأْمُونِ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مَجازٍ في المُفْرَداتِ، وإمّا اسْتِعارَةٌ لِلْحَبْلِ لِما ذُكِرَ مِنَ الدِّينِ أوِ الكِتابِ، والِاعْتِصامُ تَرْشِيحٌ لَها أوْ مُسْتَعارٌ لِلْوُثُوقِ بِهِ والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ.

﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "اعْتَصِمُوا" أيْ: مُجْتَمِعِينَ في الِاعْتِصامِ.

﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أيْ: لا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الحَقِّ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ بَيْنَكم كَأهْلِ الكِتابِ أوْ كَما كُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ في الجاهِلِيَّةِ يُحارِبُ بَعْضُكم بَعْضًَا أوْ لا تُحْدِثُوا ما يُوجِبُ التَّفْرِيقَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها.

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ﴾ ظَرْفٌ لَهُ أوْ لِلِاسْتِقْرارِ في "عَلَيْكُمْ" أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكم أوِ اذْكُرُوا إنْعامَهُ مُسْتَقِرًَّا عَلَيْكم وقْتَ كَوْنِكم ﴿أعْداءً﴾ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَكُمُ الإحَنُ* والعَداواتُ والحُرُوبُ المُتَواصِلَةُ، وقِيلَ: هُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ كانا أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ فَوَقَعَتْ بَيْنَ أوْلادِهِما العَداوَةُ والبَغْضاءُ وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ فِيما بَيْنَهم مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً.

﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بِتَوْفِيقِكم لِلْإسْلامِ.

﴿فَأصْبَحْتُمْ﴾ أيْ: فَصِرْتُمْ.

﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ الَّتِي هي ذَلِكَ التَّأْلِيفُ.

﴿إخْوانًا﴾ خَبَرُ "أصْبَحْتُمْ" أيْ: إخْوانًَا مُتَحابِّينَ مُجْتَمِعِينَ عَلى الأُخُوَّةِ في اللَّهِ مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى كَلِمَةِ الحَقِّ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَأصْبَحْتُمْ﴾: فَدَخَلْتُمْ في الصَّباحِ، فالباءُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الفاعِلِ وكَذا "إخْوانًَا" أيْ: فَأصْبَحْتُمْ (p-67)مُلْتَبِسِينَ حالَ كَوْنِكم إخْوانًَا.

﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ شَفا الحُفْرَةِ وشَفَتُها حَرْفُها، أيْ: كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ عَلى الوُقُوعِ في نارِ جَهَنَّمَ لِكُفْرِهِمْ إذْ لَوْ أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَوَقَعْتُمْ فِيها.

﴿فَأنْقَذَكُمْ﴾ بِأنْ هَداكم لِلْإسْلامِ.

﴿مِنها﴾ الضَّمِيرُ لِلْحُفْرَةِ أوْ لِلنّارِ أوْ لِلشَّفا والتَّأْنِيثُ لِلْمُضافِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ:

كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ

أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّفَةِ، فَإنَّ شَفا البِئْرِ وشَفَتَها جانِبُها كالجانِبِ و الجانِبَةِ وأصْلُهُ شَفَوٌ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًَا في المُذَكَّرِ وحُذِفَتْ في المُؤَنَّثِ.

﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ وكَمالِ تَمَيُّزِهِ بِهِ عَمّا عَداهُ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الواضِحِ.

﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَهُ.

﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ طَلَبًَا لِثَباتِكم عَلى الهُدى وازْدِيادِكم فِيهِ.

3:104Page 63

وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong,1 and those will be the successful.

﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ وإرْشادِهِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِتَكْمِيلِ النَّفْسِ وتَهْذِيبِها بِما قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي تَثْبِيتًَا لِلْكُلِّ عَلى مُراعاةِ ما فِيها مِنَ الأحْكامِ بِأنْ يَقُومَ بَعْضُهم بِمَواجِبِها ويُحافِظَ عَلى حُقُوقِها وحُدُودِها ويُذَكِّرَها النّاسَ كافَّةً ويَرْدَعَهم عَنِ الإخْلالِ بِها، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ لامِ الأمْرِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ وهو مِن كانَ التّامَّةِ، و "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالأمْرِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الفاعِلِ وهو ﴿أُمَّةٌ﴾ و ﴿يَدْعُونَ﴾ صِفَتُها، أيْ: لِتُوجَدْ مِنكم أُمَّةٌ داعِيَةٌ إلى الخَيْرِ، والأُمَّةُ هي الجَماعَةُ الَّتِي يَؤُمُّها فِرَقُ النّاسِ، أيْ: يَقْصِدُونَها ويَقْتَدُونَ بِها أوْ مِنَ النّاقِصَةِ و ﴿أُمَّةٌ﴾ اسْمُها و"يَدْعُونَ" خَبَرُها، أيْ: لِتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ داعِينَ إلى الخَيْرِ وأيًَّا ما كانَ؛ فَتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى الكُلِّ مَعَ إسْنادِ الدَّعْوَةِ إلى البَعْضِ لِتَحْقِيقِ مَعْنى فَرْضِيَّتِها عَلى الكِفايَةِ وأنَّها واجِبَةٌ عَلى الكُلِّ لَكِنْ بِحَيْثُ إنْ أقامَها البَعْضُ سَقَطَتْ عَنِ الباقِينَ ولَوْ أخَلَّ بِها الكُلُّ أثِمُوا جِمِيعًَا لا بِحَيْثُ يَتَحَتَّمُ عَلى الكُلِّ إقامَتُها عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ الآيَةُ. ولِأنَّها مِن عَظائِمِ الأُمُورِ وعَزائِمِها الَّتِي لا يَتَوَلّاها إلّا العُلَماءُ بِأحْكامِهِ تَعالى ومَراتِبِ الِاحْتِسابِ وكَيْفِيَّةِ إقامَتِها فَإنَّ مَن يَعْلَمُها يُوشِكُ أنْ يَأْمُرَ بِمُنْكَرٍ ويَنْهى عَنْ مَعْرُوفٍ ويُغْلِظَ في مَقامِ اللِّينِ ويَلِينَ في مَقامِ الغِلْظَةِ ويُنْكِرَ عَلى مَن لا يَزِيدُهُ الإنْكارُ إلّا التَّمادِيَ والإصْرارَ، وقِيلَ: "مِن" بَيانِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوُا الصّالِحاتِ مِنهُمْ﴾ الآيَةُ. والأمْرُ مِن كانَ النّاقِصَةِ والمَعْنى: كُونُوا أُمَّةً يَدْعُونَ الآيَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ الآيَةُ. ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنَ الدَّعْوَةِ فَرْضَ عَيْنٍ فَإنَّ الجِهادَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ مَعَ ثُبُوتِهِ بِالخِطاباتِ العامَّةِ، والدُّعاءُ إلى الخَيْرِ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ إلى ما فِيهِ صَلاحٌ دِينِيٌّ أوْ دُنْيَوِيٌّ فَعَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ مَعَ انْدِراجِهِما فِيهِ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِإظْهارِ فَضْلِهِما وإنافَتِهِما عَلى سائِرِ الخَيْراتِ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكالَ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ إمّا لِلْإيذانِ بِظُهُورِهِ، أيْ: يَدْعُونَ النّاسَ ويَأْمُرُونَهم ويَنْهَوْنَهُمْ، (p-68)وَإمّا لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ كَما في قَوْلِكَ: "فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ" أيْ: يَفْعَلُونَ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ.

﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأُمَّةِ المَذْكُورَةِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ وكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِذَلِكَ عَمَّنْ عَداهم وانْتِظامِهِمْ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، والإفْرادُ في كافِ الخِطابِ إمّا لِأنَّ المُخاطَبَ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ وإمّا لِأنَّ التَّعْيِينَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الكامِلَةِ.

﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِكَمالِ الفَلاحِ، و "هُمْ" ضَمِيرُ فَصْلٍ يَفْصِلُ بَيْنَ الخَبَرِ والصِّفَةِ ويُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ ويُفِيدُ اخْتِصاصَ المُسْنَدِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "المُفْلِحُونَ" والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ "أُولَئِكَ" وتَعْرِيفُ ﴿المُفْلِحُونَ﴾ إمّا لِلْعَهْدِ أوْ لِلْإشارَةِ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن حَقِيقَةِ المُفْلِحِينَ. رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَيْرِ النّاسِ فَقالَ: "آمَرُهم بِالمَعْرُوفِ وأنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ وأتْقاهم لِلَّهِ وأوْصَلُهم لِلرَّحِمِ".» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ وخَلِيفَةُ كِتابِهِ".» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًَا مِن عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ".» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أفْضَلُ الجِهادِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ ومَن شَنَأ الفاسِقِينَ وغَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ"، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ في الوُجُوبِ والنَّدْبِ تابِعٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وأمّا النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَواجِبٌ كُلُّهُ فَإنَّ جَمِيعَ ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ حَرامٌ، والعاصِي يَجِبُ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَمّا ارْتَكَبَهُ إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ وإنْكارُهُ فَلا يَسْقُطُ بِتَرْكِ أحَدِهِما وُجُوبُ شَيْءٍ مِنهُما. والتَّوْبِيخُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ إنَّما هو عَلى نِسْيانِ أنْفُسِهِمْ لا عَلى أمْرِهِمْ بِالبِرِّ، وعَنِ السَّلَفِ: مُرُوا بِالخَيْرِ وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا.

3:105Page 63

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ هم أهْلُ الكِتابَيْنِ حَيْثُ تَفَرَّقَتِ اليَهُودُ فِرَقًَا والنَّصارى فِرَقًَا.

﴿واخْتَلَفُوا﴾ بِاسْتِخْراجِ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ وكَتْمِ الآياتِ النّاطِقَةِ وتَحْرِيفِها بِما أخْلَدُوا إلَيْهِ مِن حُطامِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ.

﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الآياتُ الواضِحَةُ المُبَيِّنَةُ لِلْحَقِّ المُوجِبَةُ لِلِاتِّفاقِ عَلَيْهِ واتِّحادِ الكَلِمَةِ، فالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى المُتَصَدِّينَ لِلدَّعْوَةِ أصالَةً وإلى أعْقابِهِمْ تَبَعًَا، ويَجُوزُ تَعْمِيمُ المَوْصُولِ لِلْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ وقِيلَ: هُمُ المُبْتَدِعَةُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالمَنهِيُّ عَنْهُ إنَّما هو الِاخْتِلافُ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ إلّا أنْ يَكُونَ مُخالِفًَا لِلنُّصُوصِ البَيِّنَةِ أوِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ".» وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "مَنِ اجْتَهَدَ فَأصابَ فَلَهُ أجْرانِ ومَن أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ"،» و "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وهو مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ خَبَرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ أوْ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ، وفِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في وعِيدِ المُتَفَرِّقِينَ والتَّشْدِيدِ في تَهْدِيدِ المُشَبَّهِينَ بِهِمْ ما لا يَخْفى.

3:106Page 63

يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ١٠٦

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve [i.e., reject faith] after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

(p-69)﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ أيْ: وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وقُرِئَ "تَبْياضِ".

﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ كَثِيرَةٌ. وقُرِئَ "تَسْوادِ". وعَنْ عَطاءٍ: "تَبْيَضُّ وُجُوهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وتَسْوَدُّ وُجُوهُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ"، و ﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ في لَهُمْ، أيْ: لِثُبُوتِ العَذابِ العَظِيمِ لَهم أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ تَحْذِيرًَا لَهم عَنْ عاقِبَةِ التَّفْرِيقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ وتَرْغِيبًَا في الِاتِّفاقِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ، أيِ: اذْكُرُوا يَوْمَ تَبْيَضُّ إلَخْ... وبَياضُ الوَجْهِ وسَوادُهُ كِنايَتانِ عَنْ ظُهُورِ بَهْجَةِ السُّرُورِ وكَآبَةِ الخَوْفِ فِيهِ. وقِيلَ: يُوسَمُ أهْلُ الحَقِّ بِبَياضِ الوَجْهِ والصَّحِيفَةِ وإشْراقِ البَشْرَةِ وسَعْيِ النُّورِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِيَمِينِهِ وأهْلُ الباطِلِ بِأضْدادِ ذَلِكَ.﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ الإشارَةِ إلَيْها إجْمالًَا، وتَقْدِيمُ بَيانِ هَؤُلاءِ لِما أنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والإفْضاءِ إلى خَتْمِ الكَلامِ بِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ كَما بُدِئَ بِذَلِكَ عِنْدَ الإجْمالِ.

﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ، والهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّهم أهْلُ الكِتابَيْنِ وكُفْرُهم بَعْدَ إيمانِهِمْ كُفْرُهم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إيمانِ أسْلافِهِمْ أوْ إيمانِ أنْفُسِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ جَمِيعُ الكَفَرَةِ حَيْثُ كَفَرُوا بَعْدَ ما أقَرُّوا بِالتَّوْحِيدِ يَوْمَ المِيثاقِ أوْ بَعْدَ ما تَمَكَّنُوا مِنَ الإيمان بالنَّظَرِ الصَّحِيحِ والدَّلائِلِ الواضِحَةِ والآياتِ البَيِّنَةِ. وقِيلَ: المُرْتَدُّونَ. وقِيلَ: أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ. والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيِ: العَذابَ المَعْهُودَ المَوْصُوفَ بِالعِظَمِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ بِذَوْقِ العَذابِ عَلى طَرِيقِ الإهانَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى كُفْرِهِمِ المَذْكُورِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ نَفْسَ الذَّوْقِ مُعَلَّلٌ بِذَلِكَ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ أوْ عَلى مُضِيِّهِ في الدُّنْيا.

3:107Page 63

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٠٧

But as for those whose faces turn white, [they will be] within the mercy of Allāh. They will abide therein eternally.

﴿وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أعْنِي الجَنَّةَ والنَّعِيمَ المُخَلَّدَ، عُبِّرَ عَنْها بِالرَّحْمَةِ تَنْبِيهًَا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمْرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى. وقُرِئَ "ابْياضَّتْ". كَما قُرِئَ "اسْوادَّتْ".

﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًَا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها؟ فَقِيلَ: هم فِيها خالِدُونَ لا يَظْعَنُونَ عَنْها ولا يَمُوتُونَ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском