Abu as-Su'udAli 'Imran · 3:118–126

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:118–126

3:118Page 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

(p-76)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ بِطانَةُ الرَّجُلِ ووَلِيجَتُهُ مَن يُعَرِّفُهُ أسْرارَهُ ثِقَةً بِهِ شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَّوْبِ كَما شُبِّهَ بِالشِّعارِ، قالَ ﷺ: « "الأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ".» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ اليَهُودَ لِما بَيْنَهم مِنَ القَرابَةِ والصَّداقَةِ والحِلْفِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ مُجاهِدُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُواصِلُونَ المُنافِقِينَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ وهي صِفَةُ المُنافِقِ وأيًَّا ما كانَ؛ فالحُكْمُ عامٌّ لِلْكَفَرَةِ كافَّةً.

﴿مِن دُونِكُمْ﴾ أيْ: مِن دُونِ المُسْلِمِينَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةٍ لِـ ﴿بِطانَةً﴾ أيْ: كائِنَةً مِن دُونِكم مُجاوِزَةً لَكم.

﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ داعِيَةٌ إلى الِاجْتِنابِ عَنْهم أوْ صِفَةُ "بِطانَةً"، يُقالُ: ألّا في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدّىً إلى المَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: "لا آلُوكَ نُصْحًَا ولا آلُوكَ جُهْدًَا" عَلى تَضْمِينِ مَعْنى المَنعِ والنَّقْصِ والخَبالُ الفَسادُ، أيْ: لا يُقَصِّرُونَ لَكم في الفَسادِ.

﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ: تَمَنَّوْا عَنَتَكُمْ، أيْ: مَشَقَّتَكم وشِدَّةَ ضَرَرِكُمْ، وهو أيْضًَا اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِلنَّهْيِ مُوجِبٌ لِزِيادَةِ الِاجْتِنابِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مُفِيدٌ لِمَزِيدِ الِاجْتِنابِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ: قَدْ ظَهَرَتِ البَغْضاءُ في كَلامِهِمْ لِما أنَّهم لا يَتَمالَكُونَ مَعَ مُبالَغَتِهِمْ في ضَبْطِ أنْفُسِهِمْ وتَحامُلِهِمْ عَلَيْها أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. وقُرِئَ "قَدْ بَدا البَغْضاءُ". و "الأفْواهُ" جَمْعُ فَمٍ وأصْلُهُ فُوهٌ فَلامُهُ هاءٌ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ جَمْعُهُ عَلى أفْواهٍ وتَصْغِيرُهُ عَلى فُوَيْهٍ والنِّسْبَةُ إلَيْهِ فُوهِيٌّ.

﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ مِمّا بَدا، لِأنَّ بُدُوَّهُ لَيْسَ عَنْ رَوِيَّةٍ واخْتِيارٍ.

﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةَ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِّينِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ ومُعاداةِ الكافِرِينَ.

﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العَقْلِ أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ما بُيِّنَ لَكم مِنَ الآياتِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ.

3:119Page 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ صُدِّرَتْ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ إظْهارًَا لِكَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها، أيْ: أنْتُمْ أُولاءِ المُخْطِئُونَ في مُوالاتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في ذَلِكَ، وهو خَبَرٌ ثانٍ لِـ ﴿أنْتُمْ﴾ أوْ خَبَرٌ لِـ ﴿أُولاءِ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ ﴿أنْتُمْ﴾ كَقَوْلِكَ: "أنْتَ زَيْدٌ تُحِبُّهُ" أوْ صِلَةٌ لَهُ أوْ حالٌ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ "أُولاءِ" بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًَا.

﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ أيْ: بِجِنْسِ الكُتُبِ جَمِيعًَا، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في "لا يُحِبُّونَكُمْ" والمَعْنى: لا يُحِبُّونَكُمْ، والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِكُمْ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم.

﴿وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نِفاقًَا.

﴿وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ: مِن أجْلِهِ تَأسُّفًَا وتَحَسُّرًَا حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا إلى التَّشَفِّي سَبِيلًَا.

﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِدَوامِ الغَيْظِ.

(p-77)وَزِيادَتِهِ بِتَضاعُفِ قُوَّةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ إلى أنْ يَهْلِكُوا بِهِ أوْ بِاشْتِدادِهِ إلى أنْ يُهْلِكَهم.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَيَعْلَمُ ما في صُدُورِكم مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ والحَنَقِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَقُولِ أيْ: وقُلْ لَهم أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ غَيْظًَا، وأنْ يَكُونَ خارِجًَا عَنْهُ بِمَعْنى: لا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ فَإنِّي عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. وقِيلَ: هو أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطِيبِ النَّفْسِ وقُوَّةِ الرَّجاءِ والِاسْتِبْشارِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْلِكُوا غَيْظًَا بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ثَمَّةَ قَوْلٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَدِّثْ نَفْسَكَ بِذَلِكَ.

3:120Page 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ بَيانٌ لِتَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ حَسَدُوا ما نالَهم مِن خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ وشَمِتُوا بِما أصابَهم مِن ضُرٍّ، وشِدَّةٍ وذِكْرُ المَسِّ مَعَ الحَسَنَةِ والإصابَةِ مَعَ السَّيِّئَةِ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ مَساءَتِهِمْ أدْنى مَراتِبِ إصابَةِ الحَسَنَةِ ومَناطَ فَرَحِهِمْ تَمامُ إصابَةِ السَّيِّئَةِ وإمّا لِأنَّ المَسَّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الإصابَةِ.

﴿وَأنْ تَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى عِداتِهِمْ أوْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ.

﴿وَتَتَّقُوا﴾ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم ونَهاكم عَنْهُ.

﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ﴾ مَكْرُهم وحِيلَتُهُمُ الَّتِي دَبَّرُوها لِأجْلِكم. وقُرِئَ "لا يَضِرْكُمْ" بِكَسْرِ الضّادِ وجَزْمِ الرّاءِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى: ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، وضَمَّةُ الرّاءِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِلِاتِّباعِ كَضَمَّةِ مَدٍّ.

﴿شَيْئًا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: يَضُرُّكم شَيْئًَا مِنَ الضَّرَرِ بِفَضْلِ اللَّهِ وحِفْظِهِ المَوْعُودِ لِلصّابِرِينَ والمُتَّقِينَ، ولِأنَّ المُجِدَّ في الأمْرِ المُتَدَرِّبَ بِالِاتِّقاءِ والصَّبْرِ يَكُونُ جَرِيئًَا عَلى الخَصْمِ.

﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ﴾ في عَداوَتِكم مِنَ الكَيْدِ.

﴿مُحِيطٌ﴾ عِلْمًَا فَيُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ. وقُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَيُجازِيكم بِما أنْتُمْ أهْلُهُ.

3:121Page 65

وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -

﴿وَإذْ غَدَوْتَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فِيهِ مِنِ اسْتِتْباعِ عَدَمِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِلضَّرَرِ عَلى أنَّ وُجُودَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِما وُعِدَ مِنَ النَّجاةِ مِن مَضَرَّةِ كَيْدِ الأعْداءِ، و "إذْ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ خاصَّةً مَعَ عُمُومِ الخِطابِ فِيما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ لِاخْتِصاصِ مَضْمُونِ الكَلامِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ غُدُوِّكَ لِيَتَذَكَّرُوا ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ النّاشِئَةِ عَنْ عَدَمِ الصَّبْرِ فَيَعْلَمُوا أنَّهم إنْ لَزِمُوُا الصَّبْرَ والتَّقْوى لا يَضُرُّهم كَيْدُ الكَفَرَةِ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها واسْتِحْضارِ الحادِثَةِ بِتَفاصِيلِها كَما سَلَفَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ إلَخْ... والمُرادُ بِهِ: خُرُوجُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُحُدٍ وكانَ ذَلِكَ مِن مَنزِلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أهْلِكَ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ أهْلِكَ.

﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: تُنْزِلُهم أوْ تُهَيِّئُ وتُسَوِّي لَهم.

﴿مَقاعِدَ﴾ ويُؤَيِّدُ قِراءَةَ مَن قَرَأ تُبَوِّئُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "غَدَوْتَ" لَكِنْ لا عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ: ناوِيًَا وقاصِدًَا لِلتَّبْوِئَةِ كَما قِيلَ، (p-78)بَلْ عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ الزَّمانِ المُمْتَدِّ المُتَّسِعِ لِابْتِداءِ الخُرُوجِ والتَّبْوِئَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إذْ هو المُذَكِّرُ لِلْقِصَّةِ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالغُدُوِّ الَّذِي هو الخُرُوجُ غُدْوَةً مَعَ كَوْنِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ - كَما سَتَعْرِفُهُ - إذْ حِينَئِذٍ وقَعَتِ التَّبْوِئَةُ الَّتِي هي العُمْدَةُ في البابِ؛ إذِ المَقْصُودُ بِتَذْكِيرِ الوَقْتِ تَذْكِيرُ مُخالَفَتِهِمْ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَزايُلِهِمْ عَنْ أحْيازِهِمِ المُعَيَّنَةِ لَهم عِنْدَ التَّبْوِئَةِ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ خَلَلُ رَأْيِ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلى جَوازِ أداءِ صَلاةِ الجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوالِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْقِتالِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿تُبَوِّئُ﴾ أيْ: لِأجْلِ القِتالِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَقاعِدَ، أيْ: كائِنَةً ومَقاعِدُ القِتالِ أماكِنُهُ ومَواقِفُهُ، فَإنَّ اسْتِعْمالَ المَقْعَدِ والمَقامِ بِمَعْنى المَكانِ اتِّساعًَا شائِعٌ ذائِعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ . رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ ودَعا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ولَمْ يَكُنْ دَعاهُ قَبْلَ ذَلِكَ فاسْتَشارَهُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ وأكْثَرُ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقِمْ بِالمَدِينَةِ ولا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ فَوَ اللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا ولا دَخَلَها عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ فَكَيْفَ وأنْتَ فِينا فَدَعْهم فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ وإنْ دَخَلُوا قاتَلَهُمُ الرِّجالُ في وُجُوهِهِمْ ورَماهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ بِالحِجارَةِ وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ اخْرُجْ بِنا إلى هَؤُلاءِ الأكْلُبِ لا يَرَوْنَ أنّا قَدْ جَبُنّا عَنْهُمْ، فَقالَ ﷺ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ في مَنامِي بَقَرًَا مُذَبَّحَةً حَوْلِي فَأوَّلْتُها خَيْرًَا، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًَا فَأوَّلْتُهُ هَزِيمَةً، ورَأيْتُ كَأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ فَتَدَعُوهُمْ، فَقالَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ - قَدْ فاتَتْهم بَدْرٌ وأكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَئِذٍ-: اخْرُجْ بِنا إلى أعْدائِنا. وقالَ النُّعْمانُ بْنُ مالِكٍ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ تَحْرِمُنِي الجَنَّةَ فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأدْخُلَنَّ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَ بِقَوْلِي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي لا أفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ، فَلَمْ يَزالُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى دَخَلَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ فَلَمّا رَأوْهُ كَذَلِكَ نَدِمُوا وقالُوا: بِئْسَما صَنَعْنا نُشِيرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والوَحْيُ يَأْتِيهِ، وقالُوا: اصْنَعْ يارَسُولَ اللَّهِ ما رَأيْتَ، فَقالَ ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ فَخَرَجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وأصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنأُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ لِسَنَةِ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ فَمَشى عَلى رِجْلَيْهِ فَجَعَلَ يَصُفُّ أصْحابَهُ لِلْقِتالِ فَكَأنَّما يُقَوِّمُ بِهِمُ القِدْحَ إنْ رَأى صَدْرًَا خارِجًَا قالَ: تَأخَّرْ، وكانَ نُزُولُهُ في عُدْوَةِ الوادِي وجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وأمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ عَلى الرُّماةِ وقالَ لَهُمُ: انْضَحُوا عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مِن ورائِنا ولا تَبْرَحُوا مِن مَكانِكم فَلَنْ نَزالَ غالِبِينَ ما ثَبَتُّمْ مَكانَكم.

﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِكم.

﴿عَلِيمٌ﴾ بِضَمائِرِكم. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْهم هُناكَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ما لا يَنْبَغِي صُدُورُهُ عَنْهم.

3:122Page 66

إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢

When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.

﴿إذْ هَمَّتْ﴾ بَدَلٌ مِن "إذْ غَدَوْتَ" مُبَيِّنٌ لِما هو المَقْصُودُ بِالتَّذْكِيرِ أوْ ظَرْفٌ لِـ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى جامِعٌ بَيْنَ سَماعِ الأقْوالِ والعِلْمِ بِالضَّمائِرِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إذْ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ تَعالى سَمِيعًَا عَلِيمًَا بِذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى قَوْلِكَ: "ضَرَبْتُ وأكْرَمْتُ زَيْدًَا" أنَّ زَيْدًَا مَنصُوبٌ بِهِما وأنَّهُما تَسَلَّطا عَلَيْهِ مَعًَا.

﴿طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "هَمَّتْ" والباءُ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: بِأنْ تَفْشَلا، أيْ: تَجْبُنا وتَضْعُفا، وهُما حَيّانِ مِنَ (p-79)الأنْصارِ بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وهُما الجَناحانِ مِن عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانُوا ألْفَ رَجُلٍ، وقِيلَ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وعَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا فَلَمّا قارَبُوا عَسْكَرَ الكَفَرَةِ وكانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ انْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النّاسِ فَقالَ: يا قَوْمُ عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا وأوْلادَنا؟، فَتَبِعَهم عَمْرُوُ بْنُ حَزْمٍ الأنْصارِيُّ فَقالَ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ في نَبِيِّكم وأنْفُسِكُمْ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًَا لاتَّبَعْناكم فَهَمَّ الحَيّانِ بِاتِّباعِ عَبْدِ اللَّهِ فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَمَضَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أضْمَرُوا أنْ يَرْجِعُوا فَعَزَمَ اللَّهُ لَهم عَلى الرُّشْدِ فَثَبَتُوا، والظّاهِرُ أنَّها ما كانَتْ إلّا هِمَّةً وحَدِيثَ نَفْسٍ قَلَّما تَخْلُو النَّفْسُ عَنْهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ.

﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ: عاصِمُهُما عَنِ اتِّباعِ تِلْكَ الخَطْرَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًَا مِن فاعِلِ ﴿هَمَّتْ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في "تَفْشَلا" مُفِيدَةٌ لِاسْتِبْعادِ فَشَلِهِما أوْ هَمِّهِما بِهِ مَعَ كَوْنِهِما في وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى. وقُرِئَ "واللَّهُ ولِيُّهُمْ" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ .

﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ مُطْلَقًَا اسْتِقْلالًَا أوِ اشْتِراكًَا.

﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فَإنَّهُ حَسْبُهُمْ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلتَّبَرُّكِ والتَّعْلِيلِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى، واللّامُ في المُؤْمِنِينَ لِلْجِنْسِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطّائِفَتانِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ وصْفَ الإيمانِ مِن دَواعِي التَّوَكُّلِ ومُوجِباتِهِ.

3:123Page 66

وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣

And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِإيجابِ الصَّبْرِ والتَّقْوى بِتَذْكِيرِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِما مِنَ النَّصْرِ إثْرَ تَذْكِيرِ ما تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِهِما مِنَ الضَّرَرِ. وقِيلَ: لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِتَذْكِيرِ ما يُوجِبُهُ، و "بَدْرٌ" اسْمُ ماءٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ كانَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ بَدْرُ بْنُ كِلْدَةَ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ. وقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِصَفائِهِ كالبَدْرِ واسْتِدارَتِهِ. وقِيلَ: هو اسْمُ المَوْضِعِ أوِ الوادِي، وكانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ في السّابِعَ عَشَرَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ.

﴿وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "نَصَرَكُمْ"، و ﴿أذِلَّةٌ﴾ جَمْعُ ذَلِيلٍ وإنَّما جُمِعَ جَمْعَ قِلَّةٍ لِلْإيذانِ بِاتِّصافِهِمْ حِينَئِذٍ بِوَصْفَيِ القِلَّةِ، والذِّلَّةِ إذْ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ وكانَ ضَعْفُ حالِهِمْ في الغايَةِ خَرَجُوا عَلى النَّواضِحِ يَتَعَقَّبُ النَّفَرُ مِنهم عَلى البَعِيرِ الواحِدِ ولَمْ يَكُنْ في العَسْكَرِ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ. وقِيلَ: فَرَسانِ لِلْمِقْدادِ ومَرْثَدٍ وتِسْعُونَ بَعِيرًَا وسِتُّ أدْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ، وكانَ العَدُوُّ زُهاءَ ألْفٍ ومَعَهم مِائَةُ فَرَسٍ وشِكَّةٌ وشَوْكَةٌ.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اقْتَصَرَ عَلى الأمْرِ بِالتَّقْوى مَعَ كَوْنِهِ مَشْفُوعًَا بِالصَّبْرِ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ لِلْإشْعارِ بِأصالَتِهِ وكَوْنِ الصَّبْرِ مِن مَبادِيهِ اللّازِمَةِ لَهُ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّقْوى عَلى الإخْبارِ بِالنَّصْرِ إيذانٌ بِأنَّ نَصْرَهُمُ المَذْكُورَ كانَ بِسَبَبِ تَقْواهُمْ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاتَّقُوُا اللَّهَ كَما اتَّقَيْتُمْ يَوْمَئِذٍ.

﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: راجِينَ أنْ تَشْكُرُوا ما يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْكم بِتَقْواكم مِنَ النُّصْرَةِ كَما شَكَرْتُمْ فِيما قَبْلُ أوْ لَعَلَّكم يُنْعِمُ اللَّهُ عَلَيْكم بِالنَّصْرِ كَما فَعَلَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ فَوُضِعَ الشُّكْرُ مَوْضِعَ سَبَبِهِ الَّذِي هو الإنْعامُ.

3:124Page 66

إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

﴿إذْ تَقُولُ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ بِتَخْصِيصِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ والإيذانِ بِأنَّ وُقُوعَ النَّصْرِ كانَ بِبِشارَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، و ﴿إذْ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿نَصَرَكُمُ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ الأمْرُ (p-80)بِالتَّقْوى لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ والمُرادُ بِهِ: الوَقْتُ المُمْتَدُّ الَّذِي وقَعَ فِيهِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ وما طُوِيَ ذِكْرُهُ تَعْوِيلًَا عَلى شَهادَةِ الحالِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُودُ النَّصْرِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، أيْ: نَصَرَكم وقْتَ قَوْلِكَ.

﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حِينَ أظْهَرُوُا العَجْزَ عَنِ المُقاتَلَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ: بَلَغَ المُؤْمِنِينَ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرٍ الحَنَفِيَّ يُرِيدُ أنْ يُمِدَّ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَنَزَلَ حِينَئِذٍ ثُمَّ حُكِيَ هَهُنا.

﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ الكِفايَةُ سَدُّ الخَلَّةِ والقِيامُ بِالأمْرِ والإمْدادُ في الأصْلِ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًَا بَعْدَ حالٍ. قالَ المِفْضَلُ: ما كانَ مِنهُ بِطَرِيقِ التَّقْوِيَةِ والإعانَةِ يُقالُ فِيهِ: أمَدَّهُ يُمِدُّهُ إمْدادًَا، وما كانَ بِطَرِيقِ الزِّيادَةِ يُقالُ فِيهِ: مَدَّهُ يَمُدُّهُ مَدًَّا ومِنهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ . وقِيلَ: المَدُّ في الشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ والإمْدادُ في الخَيْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية هَهُنا وفِيما سَيَأْتِي مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِهِمْ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الإمْدادِ، والمَعْنى: إنْكارُ عَدَمِ كِفايَةِ الإمْدادِ بِذَلِكَ المِقْدارِ ونَفْيُهُ وكَلِمَةُ "لَنْ" لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِضَعْفِهِمْ وقِلَّتِهِمْ وقُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَتِهِمْ.

﴿مِنَ المَلائِكَةِ﴾ بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لِآلافٍ أوْ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، أيْ: كائِنِينَ مِنَ المَلائِكَةِ.

﴿مُنْزَلِينَ﴾ صِفَةٌ لِثَلاثَةِ آلافٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وقُرِئَ "مُنَزَّلِينَ" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ. قِيلَ: أمَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًَا بِألْفٍ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ ثُمَّ خَمْسَةَ آلافٍ، وقُرِئَ مَبْنِيًَّا لِلْفاعِلِ مِنَ الصِّيغَتَيْنِ، أيْ: مُنْزِلِينَ النَّصْرَ.

3:125Page 66

بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥

Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."

﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ "لَنْ" وتَحْقِيقٌ لَهُ، أيْ: بَلى؛ يَكْفِيكم ذَلِكَ ثُمَّ وعَدَ لَهُمُ الزِّيادَةَ بِشَرْطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى حَثًَّا لَهم عَلَيْهِما وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ ومُناهَضَتِهِمْ.

﴿وَتَتَّقُوا﴾ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ومُخالَفَةَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ.

﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: مِن ساعَتِهِمْ هَذِهِ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ فارَتِ القِدْرُ، أيِ: اشْتَدَّ غَلَيانُها ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ حالَةٍ لا رَيْثَ فِيها أصْلًَا، ووَصْفُهُ بِهَذا لِتَأْكِيدِ السُّرْعَةِ بِزِيادَةِ تَعْيِينِهِ وتَقْرِيبِهِ، ونَظْمُ إتْيانِهِمْ بِسُرْعَةٍ في سِلْكِ شَرْطَيِ الإمْدادِ المُسْتَتْبِعَيْنِ لَهُ وُجُودًَا وعَدَمًَا أعْنِي: الصَّبْرَ والتَّقْوى مَعَ تَحَقُّقِ الإمْدادِ لا مَحالَةَ سَواءً أسْرَعُوا أوْ أبْطَئُوا لِتَحْقِيقِ سُرْعَةِ الإمْدادِ لا لِتَحْقِيقِ أصْلِهِ أوْ لِبَيانِ تَحَقُّقِهِ عَلى أيِّ حالٍ فُرِضَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ بِتَعْلِيقِهِ بِأبْعَدِ التَّقادِيرِ لِيُعْلَمَ تَحَقُّقُهُ عَلى سائِرِها بِالطَّرِيقِ الأوْلى، فَإنَّ هُجُومَ الأعْداءِ وإتْيانَهم بِسُرْعَةٍ مِن مَظانِّ عَدَمِ لُحُوقِ المَدَدِ عادَةً فَعُلِّقَ بِهِ تَحَقُّقُ الإمْدادِ إيذانًَا بِأنَّهُ حَيْثُ تَحَقَّقَ مَعَ ما يُنافِيهِ عادَةً فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ بِدُونِهِ أوْلى وأحْرى، كَما إذا أرَدْتَ وصْفَ دِرْعٍ بِغايَةِ الحَصانَةِ تَقُولُ إنْ لَبِسْتَها وبارَزْتَ بِها الأعْداءَ فَضَرَبُوكَ بِأيْدٍ شِدادٍ وسُيُوفٍ حِدادٍ لَمْ تَتَأثَّرْ مِنها قَطْعًَا.

﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ مِنَ التَّسْوِيمِ الَّذِي هو إظْهارُ سِيما الشَّيْءِ، أيْ: مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهُمْ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا بِعَمائِمَ بِيضٍ إلّا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ بِعِمامَةٍ صَفْراءَ عَلى مِثالِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ. ورُوِيَ (p-81)أنَّهم كانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كانَتِ المَلائِكَةُ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ عَلَيْهِمْ عَمائِمُ بِيضٌ قَدْ أرْسَلُوها بَيْنَ أكْتافِهِمْ. وقالَ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ: عَمائِمُ صُفْرٌ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: وكانُوا قَدْ أعْلَمُوا بِالعِهْنِ في نَواصِي الخَيْلِ وأذْنابِها. رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: « "تَسَوَّمُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ".» وقُرِئَ "مُسَوَّمِينَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ: مُعَلَّمِينَ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مُرْسَلِينَ مِنَ التَّسْوِيمِ بِمَعْنى الإسامَةِ.

3:126Page 66

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦

And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -

﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ القَوْلِ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ وأنَّ حَقِيقَةَ النَّصْرِ مُخْتَصٌّ بِهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ ولا يَقْنَطُوا مِنهُ عِنْدَ فُقْدانِ أسْبابِهِ وأماراتِهِ، مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، فَإنَّ الإخْبارَ بِوُقُوعِ النَّصْرِ عَلى الإطْلاقِ وتَذْكِيرَ وقْتِهِ وحِكايَةَ الوَعْدِ بِوُقُوعِهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وتَعْيِينَ وقْتِهِ فِيما مَضى يَقْضِي بِوُقُوعِهِ حِينَئِذٍ قَضاءً قَطْعِيًَّا لَكِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ تَعْوِيلًَا عَلى تَعاضُدِ الدَّلائِلِ وتَآخُذِ الأماراتِ والمَخايِلِ وإيذانًَا بِكَمالِ الغِنى عَنْهُ بَلِ احْتِرازًَا عَنْ شائِبَةِ التَّكْرِيرِ أوْ عَنْ إيهامِ احْتِمالِ الخُلْفِ في الوَعْدِ المَحْتُومِ، كَأنَّهُ قِيلَ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ فَأمَدَّكم بِهِمْ( ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ إلَخْ... والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ وهو الضَّمِيرُ العائِدُ إلى مَصْدَرِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وأمّا عَوْدُهُ إلى المَصْدَرِ المَذْكُورِ أعْنِي: قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ أوْ إلى المَصْدَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ كَما قِيلَ، فَغَيْرُ حَقِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ لِأنَّ الهَيْئَةَ البَسِيطَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى المُرَكَّبَةِ، فَبَيانُ العِلَّةِ الغائِبَةِ لِوُجُودِ الإمْدادِ كَما هو المُرادُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ بَيانِ وجُودِهِ في نَفْسِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ المَصْدَرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ غَيْرُ مُعْتَبَرَيْنِ مِن حَيْثُ الوُجُودُ والوُقُوعُ كَمَصْدَرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ حَتّى يَتَصَدّى لِبَيانِ أحْكامِ وجُودِهِما بَلِ الأوَّلُ مُعْتَبَرٌ مِن حَيْثُ الكِفايَةُ، والثّانِي مِن حَيْثُ الوَعْدُ، عَلى أنَّ الأوَّلَ هو الإمْدادُ بِثَلاثَةِ آلافٍ والواقِعَ هو الإمْدادُ بِخَمْسَةِ آلافٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ وتَلْوِينُ الخِطابِ لِتَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ ولِلْإيذانِ بِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ إلى البِشارَةِ وتَسْكِينِ القُلُوبِ بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَنِيٌّ عَنْهُ بِمالَهُ مِنَ التَّأْيِيدِ الرُّوحانِيِّ، أيْ: وما جَعَلَ إمْدادَكم بِإنْزالِ المَلائِكَةِ عَيانًَا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلْبُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ.

﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ أيْ: بِالإمْدادِ وتَسْكُنَ إلَيْهِ كَما كانَتِ السَّكِينَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ كَذَلِكَ، فَكِلاهُما عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ، وقَدْ نُصِبَ الأوَّلُ لِاجْتِماعِ شَرائِطِهِ مِنِ اتِّحادِ الفاعِلِ والزَّمانِ وكَوْنِهِ مَصْدَرًَا مَسُوقًَا لِلتَّعْلِيلِ وبَقِيَ الثّانِي عَلى حالِهِ لِفُقْدانِها. وقِيلَ: لِلْإشارَةِ أيْضًَا إلى أصالَتِهِ في العِلِّيَّةِ وأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ وفي قَصْرِ الإمْدادِ عَلَيْهِما إشْعارٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمِ السَّلامُ لَمْ يُباشِرُوا يَوْمَئِذٍ القِتالَ وإنَّما كانَ إمْدادُهم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُباشَرِينَ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ ونَحْوِهِ كَما هو رَأْيُ بَعْضِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقِيلَ: الجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى (p-82)اثْنَيْنِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: وما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًَا مِنَ الأشْياءِ إلّا بِشارَةً لَكُمْ، فاللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ.

﴿وَما النَّصْرُ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ النَّصْرِ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ في حُكْمِهِ النَّصْرُ المَعْهُودُ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا.

﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: إلّا كائِنٌ مِن عِنْدِهِ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ شِرْكَةٌ مِن جِهَةِ الأسْبابِ والعَدَدِ وإنَّما هي مَظاهِرُ لَهُ بِطَرِيقِ جَرَيانِ سُنَّتِهِ تَعالى أوْ وما النَّصْرُ المَعْهُودُ إلّا مِن عِنْدِهِ تَعالى لا مِن عِنْدِ المَلائِكَةِ فَإنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ وإنَّما قُصارى أمْرِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ البِشارَةِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ.

﴿العَزِيزِ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ وأقْضِيَتِهِ، وإجْراءُ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِ تَعالى لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ اخْتِصاصِ النَّصْرِ بِهِ تَعالى كَما أنَّ وصْفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ أيِ: الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ لِلْإيذانِ بِعِلَّةِ جَعْلِ النَّصْرِ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكَمِ البالِغَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском