Abu as-Su'udAli 'Imran · 3:13–18

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:13–18

3:13Page 51

قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ١٣

Already there has been for you a sign in the two armies which met [in combat at Badr] - one fighting in the cause of Allāh and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight.1 But Allāh supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.

﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وهو مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ وتَحْقِيقِهِ، والخِطابُ لِلْيَهُودِ أيْضًَا، والظَّرْفُ خَبَرُ كانَ عَلى أنَّها ناقِصَةٌ ولِتَوَسُّطِهِ بَيْنَها وبَيْنَ اسْمِها تُرِكَ التَّأْنِي، كَما في قَوْلِهِ:

؎ إنِ امْرَأً غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ ∗∗∗ بَعْدِي وبَعْدَكَ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ

عَلى أنَّ التَّأْنِيثَ هَهُنا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِكانَ عَلى أنَّها تامَّةٌ، وإنَّما قُدِّمَ عَلى فاعِلِها لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ الاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، أيْ: واللَّهِ قَدْ كانَ لَكم أيُّها المُغْتَرُّونَ بِعَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ.

﴿آيَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما أقُولُ لَكم إنَّكم سَتُغْلَبُونَ.

﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أيْ: فِرْقَتَيْنِ أوْ جَماعَتَيْنِ، فَإنَّ المَغْلُوبَةَ مِنهُما كانَتْ مُدِلَّةً بِكَثْرَتِها، مُعْجَبَةً بِعِزَّتِها، وقَدْ لَقِيَها ما لَقِيَها، فَسَيُصِيبُكم ما يُصِيبُكُمْ، ومَحَلُّ الظَّرْفِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَآيَةٍ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى خَبَرِيَّةِ "كانَ"، والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن آيَةِ ﴿التَقَتا﴾ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِئَتَيْنِ، أيْ: تَلاقَتا بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿فِئَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إحْداهُما فِئَةٌ، كَما في قَوْلِهِ:

؎ إذا مِتُّ كانَ النّاسُ حِزْبَيْنِ شامِتٌ ∗∗∗ وآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أصْنَعُ

أيْ: أحَدُهُما شامِتٌ والآخَرُ مُثْنٍ. وقَوْلِهِ:

؎ حَتّى إذا ما اسْتَقَلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ

والجُمْلَةُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْها مُسْتَأْنِفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما في الفِئَتَيْنِ مِنَ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِئَةٍ كامِلَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فِئَةٌ مُؤْمِنَةٌ، ولَكِنْ ذُكِرَ مَكانَهُ مِن أحْكامِ الإيمانِ ما يَلِيقُ بِالمَقامِ مَدْحًَا لَهم واعْتِدادًَا بِقِتالِهِمْ وإيذانًَا بِأنَّهُ المَدارُ في تَحَقُّقِ الآيَةِ وهي رُؤْيَةُ القَلِيلِ كَثِيرًَا. وقُرِئَ "يُقاتِلُ" عَلى تَأوُّلِ الفِئَةِ بِالقَوْمِ أوِ الفَرِيقِ.

﴿وَأُخْرى﴾ نَعْتٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما حُذِفَ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، أيْ: وفِئَةٌ أُخْرى وإنَّما نُكِّرَتْ، والقِياسُ تَعْرِيفُها كَقَرِينَتِها لِوُضُوحِ أنَّ التَّفْرِيقَ لِنَفْسِ المُثَنّى المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّعْرِيفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافِرَةٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَإ المَحْذُوفِ، وإنَّما لَمْ تُوصَفْ هَذِهِ الفِئَةُ بِما يُقابِلُ صِفَةَ الفِئَةِ الأُولى إسْقاطًَا لِقِتالِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ وإيذانًَا بِأنَّهم لَمْ يَتَصَدُّوا لِلْقِتالِ لِما اعْتَراهم مِنَ الرُّعْبِ والهَيْبَةِ، وقِيلَ: كُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "التَقَتا"، وما بَعْدَهُما صِفَةٌ فَلا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ عائِدٍ إلى المُبَدَلِ مِنهُ مُسَوِّغٍ لِوَصْفِ البَدَلِ بِالجُمْلَةِ العارِيَةِ عَنْ ضَمِيرِهِ، أيْ: فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ إلَخْ وفِئَةٌ أُخْرى كافِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُما خَبَرًَا، أيْ: فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ إلَخْ وفِئَةٌ أُخْرى كافِرَةٌ، وقِيلَ: كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُما فِئَةٌ تُقاتِلُ إلَخَّ. وقُرِئَ "فِئَةٍ" بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن فِئَتَيْنِ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقَدْ مَرَّ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى المُبْدَلِ مِنهُ ويُسَمّى بَدَلًَا تَفْصِيلِيًَّا، كَما في قَوْلِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:

؎ وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورِجْلٍ رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ

وَقُرِئَ فِئَةً إلَخَّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ الذَّمِّ أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ التَقَتا، كَأنَّهُ قِيلَ: التَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً فَيَكُونُ فِئَةً وأُخْرى تَوْطِئَةً لِما هو الحالُ حَقِيقَةً، إذِ المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ: وصْفاهُما، كَما في قَوْلِكَ: "جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًَا صالِحًَا".

﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ: يُرِي الفِئَةَ الأخِيرَةَ الفِئَةَ الأُولى وإيثارُ (p-13)صِيغَةِ الجَمْعِ لِلدِّلالَةِ عَلى شُمُولِ الرُّؤْيَةِ لِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِن آحادِ الفِئَةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْفِئَةِ الأخِيرَةِ أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الآيَةِ.

﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِثْلَيْ عَدَدِ الرّائِينَ قَرِيبًَا مِن ألْفَيْنِ، إذْ كانُوا قَرِيبًَا مِن ألْفٍ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ مُقاتِلًَا، رَأسَهم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وفِيهِمْ أبُو سُفْيانَ وأبُو جَهْلٍ، وكانَ فِيهِمْ مِنَ الخَيْلِ والإبِلِ مِائَةُ فَرَسٍ وسَبْعُمِائَةِ بَعِيرٍ، ومِن أصْنافِ الأسْلِحَةِ عَدَدٌ لا يُحْصى.

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الفُراتِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ: أسَرَ المُشْرِكُونَ رَجُلًَا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَسَألُوهُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تُضَعِّفُونَ عَلَيْنا أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المَرْئِيِّينَ، أيْ: سِتَّمِائَةٍ ونَيِّفًَا وعِشْرِينَ حَيْثُ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًَا سَبْعَةٌ وسَبْعُونَ رَجُلًَا مِنَ المُهاجِرِينَ، ومِائَتانِ وسِتَّةٌ وثَلاثُونَ مِنَ الأنْصارِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، وكانَ صاحِبَ رايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُهاجِرِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وصاحِبَ رايَةِ الأنْصارِ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ الخَزْرَجِيُّ، وكانَ في العَسْكَرِ تِسْعُونَ بَعِيرًَا وفَرَسانِ أحَدُهُما لِلْمِقْدادِ بْنِ عَمْرِوٍ، والآخَرُ لِمَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ، وسِتُّ أدْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ، و جَمِيعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًَا سِتَّةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وثَمانِيَةٌ مِنَ الأنْصارِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، أراهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَذَلِكَ مَعَ قِلَّتِهِمْ لِيَهابُوهم ويَجْبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ مَدَدًَا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ، كَما أمَدَّهم بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ التِقاءِ الفِئَتَيْنِ بَعْدَ أنْ قَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ عِنْدَ تَرائِيهِما، لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَهْرَبُوا مِن أوَّلِ الأمْرِ حِينَ يُنْجِيهِمُ الهَرَبُ. وقِيلَ: يُرِي الفِئَةَ الأُولى الفِئَةَ الأخِيرَةَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ لِيَثْبُتُوا ويَطْمَئِنُّوا بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ والأوَّلُ هو الأوْلى، لِأنَّ رُؤْيَةَ المِثْلَيْنِ غَيْرَ المُتَعَيِّنَةِ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ قَدْ وقَعَتْ رُؤْيَةُ المِثْلِ، بَلْ أقَلُّ مِنهُ أيْضًَا، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَدْ نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يُضْعِفُونَ عَلَيْنا، ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًَا واحِدًَا، ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أيْضًَا في أعْيُنِهِمْ حَتّى رَأتْهم عَدَدًَا يَسِيرًَا أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي تَراهم سَبْعِينَ؟ قالَ: أراهم مِائَةً، فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًَا فَقُلْنا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ألْفًَا، فَلَوْ أُرِيدَ رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ أقَلَّ مِن عَدَدِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ كَما في سُورَةِ الأنْفالِ لَكانَتْ رُؤْيَتُهم إيّاهم أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ أحَقَّ بِالذِّكْرِ في كَوْنِها آيَةً مِن رُؤْيَتِهِمْ مِثْلَيْهِمْ، عَلى أنَّ إبانَةَ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِلْكَفَرَةِ بِإراءَتِهِمُ القَلِيلَ كَثِيرًَا والضَّعِيفَ قَوِيًَّا وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أدْخَلُ في كَوْنِها آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ وأقْرَبُ إلى اعْتِرافِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمِ الكَفَرَةَ المُشاهِدِينَ لِلْحالِ، وكَذا تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِالفاعِلِ أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَفْعُولِ، فَجَعْلُ أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ السّابِقَيْنِ فاعِلًَا وأبْعَدِهِما مَفْعُولًَا، سَواءً جَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً أوْ مُسْتَأْنِفَةً أوْلى مِنَ العَكْسِ هَذا ما تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ولا يَنْبَغِي جَعْلُ الخِطابِ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ كَما قِيلَ، أمّا إنْ جُعِلَ الوَعِيدُ عِبارَةً عَنْ هَزِيمَةِ بَدْرٍ كَما صَرَّحُوا بِهِ، فَظاهِرٌ لا سِتْرَةَ بِهِ، وأمّا إنْ جُعِلَ عِبارَةً عَنْ هَزِيمَةٍ أُخْرى فَلِأنَّ الفِئَةَ الَّتِي شاهَدَتْ تِلْكَ الآيَةَ الهائِلَةَ هُمُ المُخاطَبُونَ حِينَئِذٍ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِفِئَةٍ مُبْهَمَةٍ تارَةً ومَوْصُوفَةٍ أُخْرى، ثُمَّ إسْنادُ المُشاهَدَةِ إلَيْها مَعَ كَوْنِ إسْنادِها إلى المُخاطَبِينَ أوْقَعُ في إلْزامِ الحُجَّةِ، وأدْخَلُ في التَّبْكِيتِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ حالُ جَعْلِ الخِطابِ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ، و أمّا قِراءَةُ "تَرَوْنَهُمْ" بِتاءِ (p-14)الخِطابِ فَظاهِرُها و إنِ اقْتَضى تَوْجِيهَ الخِطابِ الثّانِي إلى المُشْرِكِينَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ، لِأنَّهُ و إنِ انْدَفَعَ بِهِ المَحْذُورُ الأخِيرُ فالأوَّلُ باقٍ بِحالِهِ، فَلَعَلَّ رُؤْيَةَ المُشْرِكِينَ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ رُؤْيَةِ اليَهُودِ لِما بَيْنَهم مِنَ الاتِّحادِ في الكُفْرِ والِاتِّفاقِ في الكَلِمَةِ، لاسِيَّما بَعْدَ ما وقَعَ بَيْنَهم بِواسِطَةِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ مِنَ العَهْدِ والمِيثاقِ، فَأُسْنِدَتِ الرُّؤْيَةُ إلَيْهِمْ مُبالَغَةً في البَيانِ وتَحْقِيقًَا لِعُرُوضِ مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ لَهم فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ الكَفَرَةِ ولا رَيْبَ في صِحَّتِهِ وسَدادِهِ. وقُرِئَ "يُرَوْنَهُمْ" و "تُرَوْنَهُمْ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإرادَةِ، أيْ: يُرِيهِمْ أوْ يُرِيكُمُ اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ.

﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِيَرَوْنَهم إنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، أوْ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ إنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً، أيْ: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً جارِيَةً مَجْرى رُؤْيَةِ العَيْنِ.

﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ أيْ: يُقَوِّي.

﴿بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُؤَيِّدَهُ مِن غَيْرِ تَوْسِيطِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، كَما أيَّدَ الفِئَةَ المُقاتِلَةَ في سَبِيلِهِ بِما ذَكَرَ مِنَ النَّصْرِ وهو مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن رُؤْيَةِ القَلِيلِ كَثِيرًَا المُسْتَتْبِعَةِ لِغَلَبَةِ القَلِيلِ العَدِيمِ العُدَّةِ عَلى الكَثِيرِ الشّاكِي السِّلاحِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَضْلِ.

﴿لَعِبْرَةً﴾ العِبْرَةُ فِعْلَةٌ مِنَ العُبُورِ، كالرِّكْبَةِ مِنَ الرُّكُوبِ والجِلْسَةِ مِنَ الجُلُوسِ، و المُرادُ بِها: الِاتِّعاظُ، فَإنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العُبُورِ، أيْ: لَعِبْرَةً عَظِيمَةً كائِنَةً.

﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ والبَصائِرِ، و قِيلَ: لِمَن أُبْصِرُهُمْ، وهو إمّا مِن تَمامِ الكَلامِ الدّاخِلِ تَحْتَ القَوْلِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ، و إمّا وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَصْدِيقًَا لِمَقالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

3:14Page 51

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤

Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allāh has with Him the best return [i.e., Paradise].

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ حَقارَةِ شَأْنِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِأصْنافِها وتَزْهِيدِ النّاسِ فِيها وتَوْجِيهِ رَغَباتِهِمْ إلى ما عِنْدَهُ تَعالى إثْرَ بَيانِ عَدَمِ نَفْعِها لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِها، والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ.

﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ "الشَّهْوَةُ": نُزُوعُ النَّفْسِ إلى ما تُرِيدُهُ، و المُرادُ هَهُنا: المُشْتَهَياتُ، عَبَّرَ عَنْها بِالشَّهَواتِ مُبالَغَةً في كَوْنِها مُشْتَهاةً مَرْغُوبًَا فِيها، كَأنَّها نَفْسُ الشَّهَواتِ أوْ إيذانًَا بِانْهِماكِهِمْ في حُبِّها بِحَيْثُ أحَبُّوا شَهَواتِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ أوِ اسْتِرْذالًَا لَها، فَإنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ مَذْمُومَةٌ مِن صِفاتِ البَهائِمِ، و "المُزَيِّنُ": هو البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، إذْ هو الخالِقُ لِجَمِيعِ الأفْعالِ والدَّواعِي، و الحِكْمَةُ في ذَلِكَ ابْتِلاؤُهم. قالَ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرض زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ الآيَةُ، فَإنَّها ذَرِيعَةٌ لِنَيْلِ سَعادَةِ الدّارَيْنِ عِنْدَ كَوْنِ تَعاطِيها عَلى نَهْجِ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ وسِيلَةً إلى بَقاءِ النَّوْعِ، وإيثارُ صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقِيلَ: "المُزَيِّنُ" هو الشَّيْطانُ لِما أنَّ مَساقَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى ذَمِّها. وفَرَّقَ الجِبائِيُّ بَيْنَ المُباحاتِ، فَأسْنَدَ تَزْيِينَها إلَيْهِ تَعالى وبَيْنَ المُحَرَّماتِ، فَنَسَبَ تَزْيِينَها إلى الشَّيْطانِ.

﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشَّهَواتِ، وهي مُفَسِّرَةٌ لَها في المَعْنى. وقِيلَ: "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَقْدِيمُ النِّساءِ عَلى البَنِينَ لِعَراقَتِهِنَّ في مَعْنى الشَّهْوَةِ، فَإنَّهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْبَناتِ لِعَدَمِ الِاطِّرادِ في حُبِّهِنَّ.

﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ جَمْعُ قِنْطارٍ، وهو المالُ الكَثِيرُ، وقِيلَ: مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ، وقِيلَ: (p-15)سَبْعُونَ ألْفًَا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ ألْفَ مِثْقال، وقِيلَ: ثَمانُونَ ألْفًَا، وقِيلَ: مِائَةُ رَطْلٍ، و قِيلَ: ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ، وقِيلَ: ألْفا دِينارٍ، وقِيلَ: مِائَةُ مَنٍّ و مِائَةُ رِطْلٍ ومِائَةُ مِثْقالٍ ومِائَةُ دِرْهَمٍ، وقِيلَ: دِيَةُ النَّفْسِ. و اخْتُلِفَ في أنَّ وزْنَهُ فِعْلالٌ أوْ فِنْعالٌ، ولَفْظُ "المُقَنْطَرَةِ" مَأْخُوذٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِمْ بَدْرَةٌ مُبْدَرَةٌ، وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُحْكَمَةُ المُحَصَّنَةُ، وقِيلَ: الكَثِيرَةُ المُنَضَّدَةُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ أوِ المَدْفُونَةُ، وقِيلَ: المَضْرُوبَةُ المَنقُوشَةُ.

﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾: بَيانٌ لِلْقَناطِيرِ، أوْ حالٌ.

﴿والخَيْلِ﴾ عَطْفٌ عَلى القَناطِيرِ، قِيلَ: هي جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالقَوْمِ والرَّهْطِ، الواحِدُ فَرَسٌ، وقِيلَ: واحِدُهُ خائِلٌ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الخُيَلاءِ.

﴿المُسَوَّمَةِ﴾ أيِ: المُعَلَّمَةُ مِنَ السُّومَةِ، وهي العَلامَةُ أوِ المَرْعِيَّةُ مِن أسامَ الدّابَّةَ وسَوَّمَها إذا أرْسَلَها وسَيَّبَها لِلرَّعْيِ، أوِ المُطَهَّمَةُ التّامَّةُ الخَلْقِ.

﴿والأنْعامِ﴾ أيِ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ.

﴿والحَرْثِ﴾ أيِ: الزَّرْعُ، مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ المَعْهُودَةِ.

﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا أيّامًَا قَلائِلَ فَتَفْنى سَرِيعًَا.

﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ حُسْنُ المَرْجِعِ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنْ لَيْسَ فِيما عُدِّدَ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ بِجَعْلِ الجَلالَةِ مُبْتَدَأً، وإسْنادِ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ إلَيْهِ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ وتَفْخِيمٍ، ومَزِيدُ اعْتِناءٍ بِالتَّرْغِيبِ فِيما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، والتَّزْهِيدِ في مَلاذِّ الدُّنْيا وطَيِّباتِها الفانِيَةِ.

3:15Page 51

۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -

﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ إثْرَ ما بَيَّنَ شَأْنَ مُزَخْرِفاتِ الدُّنْيا، وذِكْرِ ما عِنْدَهُ تَعالى مِن حُسْنِ المَآبِ إجْمالًَا أمَرَ النَّبِيِّ ﷺ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ المُجْمَلِ لِلنّاسِ مُبالَغَةً في التَّرْغِيبِ والخِطابُ لِلْجَمِيعِ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: أأُخْبِرُكم بِما هو خَيْرٌ مِمّا فُصِّلَ مِن تِلْكَ المُسْتَلَذّاتِ المُزَيَّنَةِ لَكُمْ، وإبْهامُ "الخَيْرِ" لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والتَّشْوِيقِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ المُبْهَمِ، عَلى أنَّ ﴿جَنّاتٌ﴾ مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ، أوْ عَلى أنَّ ﴿جَنّاتٌ﴾ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ عِنْدَ مَن لا يَشْتَرِطُ في ذَلِكَ اعْتِمادَ الجارِّ عَلى ما فَصَلَ في مَحَلِّهِ، والمُرادُ بِالتَّقْوى: هو التَّبَتُّلُ إلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضُ عَمّا سِواهُ، عَلى ما تُنْبِئُ عَنْهُ النُّعُوتُ الآتِيَةُ وتَعْلِيقُ حُصُولِ الجَنّاتِ وما بَعْدَها مِن فُنُونِ الخَيْراتِ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، و "عِنْدَ" نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِن "جَنّاتٌ" أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ مُفِيدٌ لِكَمالِ عُلُوِّ رُتْبَةِ الجَنّاتِ وسُمُوِّ طَبَقَتِها، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَّقِينَ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ. وقِيلَ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "خَيْرٍ" وكَذا الظَّرْفُ و ﴿جَنّاتٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِـ "خَيْرٍ"، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "جَنّاتٍ" بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن "خَيْرٍ" ولا يَخْفى أنَّ تَعْلِيقَ الإخْبارِ و البَيانَ بِما هو خَيْرٌ لِطائِفَةٍ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ هُناكَ خَيْرًَا آخَرَ لِآخَرِينَ.

﴿تَجْرِي﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ والجَرِّ صِفَةً لِجَنّاتٍ عَلى حَسَبِ القِراءَتَيْنِ.

﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَجْرِي"، فَإنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ نَفْسُ الأشْجارِ كَما هو الظّاهِرُ فَجَرَيانُها مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها مَجْمُوعُ الأرْضِ والأشْجارِ فَهو بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ مِرارًَا.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "لِلَّذِينَ" والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.

﴿وَأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ"، أيْ: مُبَرَّأةٌ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ مِنَ (p-16)الأحْوالِ البَدَنِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ.

﴿وَرِضْوانٌ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ، أيْ: رِضْوانٌ، و أيُّ رِضْوانٍ يُقادِرُ قَدْرَهُ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ.

﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وبِأعْمالِهِمْ فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ حَسْبَما يَلِيقُ بِها، أوْ بَصِيرٌ بِأحْوالِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، و لِذَلِكَ أعَدَّ لَهم ما ذُكِرَ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلتَّسْمِيَةِ بِاسْمِ العَبْدِ.

3:16Page 52

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦

Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أُولَئِكَ المُتَّقُونَ الفائِزُونَ بِهَذِهِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ، فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ إلَخْ أوِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ تابِعٌ لِلْمُتَّقِينَ نَعْتًَا أوْ بَدَلًَا أوْ لِلْعِبادِ كَذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ حِينَئِذٍ مُعْتَرِضَةٌ وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإظْهارِ أنَّ إيمانَهم ناشِئٌ مِن وُفُورِ الرَّغْبَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، وفي تَرْتِيبِ الدُّعاءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ دِلالَةٌ عَلى كِفايَتِهِ في اسْتِحْقاقِ المَغْفِرَةِ والوِقايَةِ مِنَ النّارِ.

3:17Page 52

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.

﴿الصّابِرِينَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ مَنصُوبًَا عَلى المَدْحِ بِإضْمارِ أعْنِي، وأمّا تَقْدِيرُ: كَوْنِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ فَهو نَعْتٌ لَهُ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ: هو الصَّبْرُ عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وعَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ.

﴿والصّادِقِينَ﴾ في أقْوالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ وعَزائِمِهِمْ.

﴿والقانِتِينَ﴾ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعاتِ المُواظِبِينَ عَلى العِباداتِ.

﴿والمُنْفِقِينَ﴾ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ قالَ مُجاهِدُ وقَتادَةُ والكَلْبِيُّ أيِ: المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ في جَماعَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: مَدُّوُا الصَّلاةَ إلى السحر ثُمَّ اسْتَغْفَرُوا. و قالَ نافِعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحْيِي اللَّيْلَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحَرْنا، فَأقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَّلاةَ. فَإذا قُلْتُ: نَعَمْ قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ويَدْعُو حَتّى يُصْبِحَ. وعَنِ الحَسَنِ: كانُوا يُصَلُّونَ في أوَّلِ اللَّيْلِ حَتّى إذا كانَ السحر أخَذُوا في الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ وتَخْصِيصُ الأسْحارِ بِالِاسْتِغْفارِ، لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، إذِ العِبادَةُ حِينَئِذٍ أشُقُّ والنَّفْسُ أصْفى والرُّوحُ أجْمَعُ، لا سِيَّما لِلْمُجْتَهِدِينَ، وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ الصِّفاتِ المَعْدُودَةِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها، وكَمالِهِمْ فِيها أوْ لِتَغايُرِ المَوْصُوفِينَ بِها.

3:18Page 52

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨

Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: بِأنَّهُ أوْ عَلى أنَّهُ.

﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: بَيَّنَ وحْدانِيَّتَهُ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ وإنْزالِ الآياتِ التَّشْرِيعِيَّةِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالشَّهادَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ إيذانًَا بِقُوَّتِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ و إشْعارًَا بِإنْكارِ المُنْكِرِ. وقُرِئَ "إنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، إمّا بِإجْراءِ "شَهِدَ" مَجْرى "قالَ"، و إمّا بِجَعْلِ الجُمْلَةِ اعْتِراضًَا وإيقاعِ الفِعْلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّ الدِّينَ" إلَخْ عَلى قِراءَةِ "أنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي، وقُرِئَ "شُهَداءً لِلَّهِ" بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ (p-17)حالٌ مِنَ المَذْكُورِينَ أوْ عَلى المَدْحِ، وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ومَآلُهُ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ، أيْ: هم شُهَداءُ لِلَّهِ، وهو إمّا جَمْعُ شَهِيدٍ كَظُرَفاءَ في جَمْعِ ظَرِيفٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ كَشُعَراءَ في جَمْعِ شاعِرٍ.

﴿والمَلائِكَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ بِحَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى مَعْنىً مَجازِيٍّ شامِلٍ لِلْإقْرارِ والإيمانِ بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ، أيْ: أقَرُّوا بِذَلِكَ.

﴿وَأُولُو العِلْمِ﴾ أيْ: آمَنُوا بِهِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِما ذَكَرَ مِنَ الأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِمُ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وقِيلَ: عُلَماءُ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وقِيلَ: جَمِيعُ عُلَماءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا وحْدانِيَّتَهُ تَعالى بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ. و ارْتِفاعُهُما عَلى القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ: قِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في "شُهَداءَ" لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ يُؤَدِّي إلى تَقْيِيدِ حالِ المَذْكُورِينَ بِشَهادَةِ المَلائِكَةِ وأُوُلِي العِلْمِ، ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، فالوَجْهُ حِينَئِذٍ: كَوْنُ ارْتِفاعِهِما بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِ دِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، أيْ: والمَلائِكَةُ و أُوُلُو العِلْمِ شُهَداءُ بِذَلِكَ، ولَكَ أنْ تَحْمِلَ القِراءَتَيْنِ عَلى المَدْحِ نَصْبًَا ورَفْعًَا، فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ العَطْفُ عَلى المُسْتَتِرِ عَلى كُلِّ حالٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ أيْ: مُقِيمًَا لِلْعَدْلِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ بَيانٌ لِكَمالِهِ تَعالى في أفْعالِهِ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في ذاتِهِ، وانْتِصابِهِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ اللَّهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ وإنَّما جازَ إفْرادُهُ مَعَ عَدَمِ جَوازِ "جاءَ زَيْدٌ وعَمْرُوٌ راكِبًَا" لِعَدَمِ اللَّبْسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ ولَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنِ المَعْطُوفَيْنِ لِلدِّلالَةِ عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِما وقُرْبِ مَنزِلَتِهِما والمُسارَعَةِ إلى إقامَةِ شُهُودِ التَّوْحِيدِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ ورَفْعًَا لِمَحَلِّهِ، والسِّرُّ في تَقْدِيمِهِ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأصالَتِهِ تَعالى في الشَّهادَةِ بِهِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أوْ مِن هو - وهو الأوْجَهُ- والعامِلُ فِيها مَعْنى الجُمْلَةِ، أيْ: تَفَرُّدًَا، وأحَقُّهُ لِأنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوْ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَنفِيِّ، أيْ: لا إلَهَ قائِمًَا إلَخْ، والفَصْلُ بَيْنَهُما مِن قَبِيلِ تَوَسُّعاتِهِمْ وهو مُنْدَرِجٌ في المَشْهُودِ بِهِ إذا جُعِلَ صِفَةً أوْ حالًَا مِنَ الضَّمِيرِ أوْ نَصْبًَا عَلى المَدْحِ مِنهُ. وقُرِئَ "القائِمُ بِالقِسْطِ" عَلى البَدَلِيَّةِ مِن هُوَ، فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَهُما كَما في الصِّفَةِ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقُرِئَ "قَيِّمًَا بِالقِسْطِ".

﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، ومَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَعْرِفَةِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والحُكْمِ بِهِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ، ولِيَجْرِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:

﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَيُعْلَمَ أنَّهُ المَنعُوتُ بِهِما، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ تَقَدُّمُ العِلْمِ بِقدرته عَلى العِلْمِ بِحكمته تعالى، ورَفْعُهُما عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ الوَصْفِيَّةِ لِفاعِلِ "شَهِدَ" أوِ الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ. وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِها أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: « "يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّ لِعَبْدِي هَذا عِنْدِي عَهْدًَا وأنا أحَقُّ مَن وفّى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِيَ الجَنَّةَ"،» وهو دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ و شَرَفِ أهْلِهِ. و رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ حَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًَا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ خَرَرْنَ سُجَّدًَا، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ حَبْرانِ مِن أحْبارِ الشّامِ، فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ قالَ أحَدُهُما: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةَ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَلَمّا دَخَلا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَرَفاهُ بِالصِّفَةِ، فَقالا لَهُ: - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْتَ مُحَمَّدٌ، قالَ ﷺ: نَعَمْ، قالا: وأنْتَ أحْمَدُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا مُحَمَّدٌ وأحْمَدُ، قالا: فَإنّا نَسْألُكَ عَنْ شَيْءٍ فَإنْ أخْبَرْتَنا بِهِ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: سَلا، فَقالا: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَأنْزَلَ (p-18)اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، فَأسْلَمَ الرَّجُلًَانِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском