Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:154–160
3:154Page 70
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤
Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأثابَكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًَّا.
﴿مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾ أيِ: الغَمِّ المَذْكُورِ، والتَّصْرِيحُ بِتَأخُّرِ الإنْزالِ عَنْهُ مَعَ دِلالَةِ "ثُمَّ" عَلَيْهِ وعَلى تَراخِيهِ عَنْهُ لِزِيادَةِ البَيانِ وتَذْكِيرِ عِظَمِ النِّعْمَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ الآيَةِ.
﴿أمَنَةً﴾ أيْ: أمْنًَا، نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُعاسًا﴾ بَدَلٌ مِنها أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ أوْ هو المَفْعُولُ، و ﴿أمَنَةً﴾ حالٌ مِنهُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي أمَنَةٍ أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ آمِنٍ كَبارٍّ وبَرَرَةٍ. وقُرِئَ بِسُكُونِ المِيمِ كَأنَّها مَرَّةٌ مِنَ الأمْنِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ (p-101)غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وتَخْصِيصُ الخَوْفِ مِن بَيْنِ فُنُونِ الغَمِّ بِالإزالَةِ لِأنَّهُ المُهِمُّ عِنْدَهم حِينَئِذٍ لِما أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا انْصَرَفُوا كانُوا يَتَوَعَّدُونَ المُسْلِمِينَ بِالرُّجُوعِ فَلَمْ يَأْمَنُوا كَرَّتَهم وكانُوا تَحْتَ الحَجَفِ مُتَأهِّبِينَ لِلْقِتالِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الأمَنَةَ فَأخَذَهُمُ النُّعاسُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أمَّنَهم يَوْمَئِذٍ بِنُعاسٍ تَغَشّاهم بَعْدَ خَوْفٍ، وإنَّما يَنْعَسُ مَن أمِنَ والخائِفُ لا يَنامُ. وقالَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ اشْتَدَّ الخَوْفُ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنا النَّوْمَ واللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ والنُّعاسُ يَغْشانِي ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلْمِ يَقُولُ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُنا. وقالَ أبُو طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ لا أرى أحَدًَا مِنَ القَوْمِ إلّا وهو يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعاسِ، قالَ: وكُنْتُ مِمَّنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ النُّعاسُ يَوْمَئِذٍ فَكانَ السَّيْفُ يَسْقُطُ مِن يَدِي فَآخُذُهُ ثُمَّ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِن يَدِي فَآخُذُهُ. وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لَمْ يُلْقَ عَلَيْهِ النُّعاسُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُهاجِرُونَ وعامَّةُ الأنْصارِ ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عُمُومِ الإنْزالِ لِلْكُلِّ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ "نُعاسًَا". وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ﴿أمَنَةً﴾، وفِيهِ أنَّ الصِّفَةَ حَقُّها أنْ تَتَقَدَّمَ عَلى البَدَلِ وعَطْفِ البَيانِ وأنْ لا يُفْصَلَ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُوفِ بِالمَفْعُولِ لَهُ وأنَّ المَعْهُودَ أنْ يُحَدَّثَ عَنِ البَدَلِ دُونَ المُبْدَلِ مِنهُ.
﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: أوْقَعَتْهم في الهُمُومِ والأحْزانِ أوْ ما بِهِمْ إلّا هَمُّ أنْفُسِهِمْ، وقَصْدُ خَلاصِها مِن قَوْلِهِمْ: هَمَّنِي الشَّيْءُ، أيْ: كانَ مِن هِمَّتِي وقَصْدِي، والقَصْرُ مُسْتَفادٌ بِمَعُونَةِ المَقامِ، و "طائِفَةٌ" مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَها إمّا خَبَرُها وإنَّما جازَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها نَكِرَةً لِاعْتِمادِها عَلى واوِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ:
سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمُذْ بَدا ... مُحَيّاكِ أخْفى ضَوْءُهُ كُلَّ شارِقِ
أوْ لِوُقُوعِها في مَوْضِعِ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ:
إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ ... وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
وَإمّا صِفَتُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومَعَكم طائِفَةٌ أوْ وهُناكَ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: ومِنكم طائِفَةٌ، وفِيهِ أنَّهُ يَقْتَضِي دُخُولَ المُنافِقِينَ في الخِطابِ بِإنْزالِ الأمَنَةِ، وأيًَّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ إمّا حالِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِفَظاعَةِ الهَوْلِ مُؤَكِّدَةٌ لِعِظَمِ النِّعْمَةِ في الخَلاصِ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ وإمّا مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ حالِ المُنافِقِينَ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿أهَمَّتْهُمْ﴾ أوْ مِن "طائِفَةٌ" لِتَخَصُّصِها بِالصِّفَةِ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لَها أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ في حُكْمِ المَصْدَرِ، أيْ: يَظُنُّونَ بِهِ تَعالى غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُظَنَّ بِهِ سُبْحانَهُ وقَوْلُهُ تَعالى.
﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وهو الظَّنُّ المُخْتَصُّ بِالمِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ، والإضافَةُ كَما في حاتِمِ الجُودِ ورَجُلِ صِدْقٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَظُنُّونَ لِما أنَّ مَسْألَتَهم كانَتْ صادِرَةً عَنِ الظَّنِّ، أيْ: يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى صُورَةِ الِاسْتِرْشادِ.
﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَعْدِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ.
﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن نَصِيبٍ قَطُّ، أوْ هَلْ لَنا مِنَ التَّدْبِيرِ مِن شَيْءٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ أيِ: الغَلَبَةَ بِالآخِرَةِ لِلَّهِ تَعالى ولِأوْلِيائِهِ، فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ أوْ إنَّ التَّدْبِيرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ دَبَّرَ الأمْرَ كَما جَرى في سابِقِ قَضائِهِ فَلا مَرَدَّ لَهُ. وقُرِئَ "كُلُّهُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: يُضْمِرُونَ فِيها أوْ يَقُولُونَ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ الخُفْيَةِ.
﴿ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ "يَقُولُونَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأمْرَ﴾ إلَخَّ اعْتِراضٌ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها، (p-102)أيْ: يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مُظْهِرِينَ أنَّهم مُسْتَرْشِدُونَ طالِبُونَ لِلنَّصْرِ مُبْطِنِينَ الإنْكارَ والتَّكْذِيبَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًَا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يُخْفُونَ؟ فَقِيلَ: يُحَدِّثُونَ أنْفُسَهم أوْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فِيما بَيْنَهم خُفْيَةً.
﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ كَما وعَدَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ تَعالى ولِأوْلِيائِهِ وأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، أوْ لَوْ كانَ لَنا مِنَ التَّدْبِيرِ والرَّأْىِ شَيْءٌ.
﴿ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ أيْ: ما غُلِبْنا أوْ ما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنّا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ،، عَلى أنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى نَفْسِ القَتْلِ لا إلى وُقُوعِهِ فِيها فَقَطْ، ولَما بَرِحْنا مِن مَنازِلِنا كَما رَآهُ ابْنُ أُبَيٍّ، ويُؤَيِّدُهُ تَعْيِينُ مَكانِ القَتْلِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: لَوْ لَمْ تَخْرُجُوا إلى أُحُدٍ وقَعَدْتُمْ بِالمَدِينَةِ كَما يَقُولُونَ.
﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى البُرُوزِ.
﴿إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ إلى مَصارِعِهِمُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى قَتْلَهم فِيها وقُتِلُوا هُنالِكَ البَتَّةَ ولَمْ تَنْفَعِ العَزِيمَةُ عَلى الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ قَطْعًَا، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ تَعالى لا يُرَدُّ وحُكْمَهُ لا يُعَقَّبُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في رَدِّ مَقالَتِهِمِ الباطِلَةِ حَيْثُ لَمْ يُقْتَصَرْ عَلى تَحْقِيقِ نَفْسِ القَتْلِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ بَلْ عُيِّنَ مَكانُهُ أيْضًَا، ولا رَيْبَ في تَعَيُّنِ زَمانِهِ أيْضًَا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ . رُوِيَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ حَضَرَ مَجْلِسَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَظَرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ المَجْلِسِ نَظْرَةً هائِلَةً فَلَمّا قامَ، قالَ الرَّجُلُ: مَن هَذا؟ فَقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَلَكُ المَوْتِ، قالَ: أرْسِلْنِي مَعَ الرِّيحِ إلى عالَمٍ آخَرَ فَإنِّي رَأيْتُ مِنهُ مَرْأىً هائِلًَا فَأمَرَها عَلَيْهِ السَّلامُ فَألْقَتْهُ في قُطْرٍ سَحِيقٍ مِن أقْطارِ العالَمِ، فَما لَبِثَ أنْ عادَ مَلَكُ المَوْتِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: كُنْتُ أُمِرْتُ بِقَبْضِ رُوحِ ذَلِكَ الرَّجُلِ في هَذِهِ السّاعَةِ في أرْضِ كَذا فَلَمّا وجَدْتُهُ في مَجْلِسِكَ قُلْتُ مَتى يَصِلُ هَذا إلَيْها وقَدْ أرْسَلْتَهُ بِالرِّيحِ إلى ذَلِكَ المَكانِ فَوَجَدْتُهُ هُناكَ فَقُضِيَ أمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في زَمانِهِ ومَكانِهِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ "كَتَبَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ القَتْلِ. وقُرِئَ "كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ". وقُرِئَ "لَبُرِّزَ" بِالتَّشْدِيدِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِي ما في صُدُورِكم مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ ويُظْهِرَ ما فِيها مِنَ السَّرائِرِ، وهو عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَلٍ لَها أُخْرى مَطْوِيَّةٍ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِها، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ولِيَبْتَلِيَ إلَخْ وجَعْلُها عِلَلًَا لِ بَرَزَ يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، فَإنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حِكْمَةِ ما وقَعَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ لا بَيانُ حِكْمَةِ البُرُوزِ المَفْرُوضِ أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها، أيْ: ولِلِابْتِلاءِ المَذْكُورِ فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِعَدَمِ العِنايَةِ بِأمْرِ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِ ذَلِكَ وتَقْدِيرُ الفِعْلِ مُقَدَّمًَا خالٍ عَنْ هَذِهِ المَزِيَّةِ.
﴿وَلِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ مِن مَخْفِيّاتِ الأُمُورِ ويَكْشِفَها أوْ يُخَلِّصَها مِنَ الوَساوِسِ.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيِ: السَّرائِرِ والضَّمائِرِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا تَكادُ تُفارِقُ الصُّدُورَ بَلْ تُلازِمُها وتُصاحِبُها، والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الابْتِلاءِ وإنَّما يُبْرِزُ صُورَةَ الِابْتِلاءِ لِتَمْرِينِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ حالِ المُنافِقِينَ أوْ حالٌ مِن مُتَعَلِّقِ الفِعْلَيْنِ، أيْ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِلِابْتِلاءِ والتَّمْحِيصِ، والحالُ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْهُما مُحِيطٌ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
3:155Page 70
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٥٥
Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met [at Uḥud] - it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allāh has already forgiven them. Indeed, Allāh is Forgiving and Forbearing.
﴿إنَّ (p-103)الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ حَسْبَما مَرَّتْ حِكايَتُهم.
﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: إنَّما كانَ سَبَبُ انْهِزامِهِمْ أنَّ الشَّيْطانَ طَلَبَ مِنهُمُ الزَّلَلَ.
﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي الَّتِي هي مُخالَفَةُ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَرْكُ المَرْكَزِ والحِرْصُ عَلى الغَنِيمَةِ أوِ الحَياةِ فَحُرِمُوُا التَّأْيِيدَ وقُوَّةَ القَلْبِ وقِيلَ: اسْتِزْلالُ الشَّيْطانِ تَوَلِّيهِمْ وذَلِكَ بِذُنُوبٍ تَقَدَّمَتْ لَهُمْ، فَإنَّ المَعاصِيَ يَجُرُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ كالطّاعَةِ. وقِيلَ: اسْتَزَلَّهم بِذُنُوبٍ سَبَقَتْ مِنهم وكَرِهُوُا القَتْلَ قَبْلَ إخْلاصِ التَّوْبَةِ والخُرُوجِ مِنَ المَظْلَمَةِ.
﴿وَلَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ واعْتِذارِهِمْ.
﴿أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ.
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِعُقُوبَةِ المُذْنِبِ لِيَتُوبَ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ، وفي إظْهارِ الجَلالَةِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ وتَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.
3:156Page 70
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦
O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allāh makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allāh who gives life and causes death, and Allāh is Seeing of what you do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ القائِلُونَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُنا، وإنَّما ذَكَرَ في صَدْرِ الصِّلَةِ كُفْرَهم تَصْرِيحًَا بِمُبايَنَةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَنْفِيرًَا عَنْ مُماثَلَتِهِمْ أثَرَ ذِي أثِيرٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ تَعْيِينٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ والمُماثَلَةِ الَّتِي نُهُوا عَنْها، أيْ: قالُوا لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ، ومَعْنى أُخُوَّتِهِمُ: اتِّفاقُهم نَسَبًَا أوْ مَذْهَبًَا.
﴿إذا ضَرَبُوا في الأرض﴾ أيْ: سافَرُوا فِيها وأبْعَدُوا لِلتِّجارَةِ أوْ غَيْرِها وإيثارُ "إذا" المُفِيدَةِ لِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ عَلى "إذا" المُفِيدَةِ لِمَعْنى المُضِيِّ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ إذِ المُرادُ بِها: الزَّمانُ المُسْتَمِرُّ المُنْتَظِمُ لِلْحالِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: "إذا" هَهُنا تَنُوبُ عَمّا مَضى مِنَ الزَّمانِ وما يُسْتَقْبَلُ يَعْنِي أنَّها لِمُجَرَّدِ الوَقْتِ أوْ يُقْصَدُ بِها الِاسْتِمْرارُ وظَرْفِيَّتُها لِقَوْلِهِمْ: إنَّما هي بِاعْتِبارِ ما وقَعَ فِيها بَلِ التَّحْقِيقُ أنَّها ظَرْفٌ لَهُ لا لِقَوْلِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالُوا: لِأجْلِ ما أصابَ إخْوانَهم حِينَ ضَرَبُوا إلَخْ.
﴿أوْ كانُوا﴾ أيْ: إخْوانُهم.
﴿غُزًّى﴾ جَمْعُ غازٍ كَعُفّى جَمْعُ عافٍ، قالَ:
؎ ومُغْبَرَّةُ الآفاقِ خاشِعَةُ الصُّوى ∗∗∗ لَها قَلْبُ عُفّى الحِياضِ أجُونُ
وَقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الزّايِ عَلى حَذْفِ التّاءِ مِن غُزاةٍ، وإفْرادُ كَوْنِهِمْ غُزاةً بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ في الأرْضِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بَيانُهُ في المَقامِ، وذِكْرُ الضَّرْبِ في الأرْضِ تَوْطِئَةٌ لَهُ وتَقْدِيمُهُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الضَّرْبِ في الأرْضِ؛ إذِ المُرادُ بِهِ: السَّفَرُ البَعِيدُ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أوْ غَزْوًَا لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ اتِّصافِهِمْ بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ غُزاةً أوْ بِانْقِضاءِ ذَلِكَ، أيْ: كانُوا غُزاةً فِيما مَضى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾ أيْ: مُقِيمِينَ.
﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ مَفْعُولٌ لِـ"قالُوا" ودَلِيلٌ عَلى أنَّ هُناكَ مُضْمَرًَا قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِهِ، أيْ: إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ فَماتُوا أوْ كانُوا غُزًَّا فَقُتِلُوا، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ عَدَمَ مُماثَلَتِهِمْ في النُّطْقِ بِهَذا القَوْلِ بَلْ في الِاعْتِقادِ بِمَضْمُونِهِ والحُكْمِ بِمُوجِبِهِ كَما أنَّهُ المُنْكَرُ عَلى قائِلِيهِ ألا يُرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ فَإنَّهُ الَّذِي جَعَلَ حَسْرَةً فِيها قَطْعًَا، وإلَيْهِ أُشِيرَ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لَوْ لَمْ يَحْضُرُوُا القِتالَ لَمْ يُقْتَلُوا، وتَعَلُّقُهُ بِـ"قالُوا" لَيْسَ بِاعْتِبارِ نُطْقِهِمْ بِذَلِكَ القَوْلِ بَلْ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الحُكْمِ والِاعْتِقادِ، واللّامُ (p-104)لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ واعْتَقَدُوهُ لِيَكُونَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ بِالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ فائِدَةٍ ما عَلى ذَلِكَ أصْلًَا. وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِمَعْنى "لا تَكُونُوا مِثْلَهم في النُّطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ" واعْتِقادِهِ لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ تَعالى حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً ويَصُونَ مِنها قُلُوبَكم فَذَلِكَ كَما مَرَّ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم مِنَ الاعْتِقادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ، أيْ: لا تَكُونُوا مِثْلَهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ انْتِفاءَ كَوْنِكم مِثْلَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ فَإنَّ مُضادَّتَكم لَهم في القَوْلِ والِاعْتِقادِ مِمّا يَغُمُّهم ويَغِيظُهم.
﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمِ الباطِلِ إثْرَ بَيانِ غائِلَتِهِ، أيْ: هو المُؤَثِّرُ في الحَياةِ والمَماتِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْإقامَةِ أوْ لِلسَّفَرِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ مَعَ اقْتِحامِهِما لِمَوارِدِ الحُتُوفِ ويُمِيتُ المُقِيمَ والقاعِدَ مَعَ حِيازَتِهِما لِأسْبابِ السَّلامَةِ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يُماثِلُوهم. وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وما يَعْمَلُونَ عامٌّ مُتَناوِلٌ لِقَوْلِهِمُ المَذْكُورِ ولِمَنشَئِهِ الَّذِي هو اعْتِقادُهم ولِما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ لِعُنْوانِ البَصَرِ لا لِعُنْوانِ السَّمْعِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإلْقاءِ الرَّوْعَةِ والمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ والتَّشْدِيدِ في الوَعِيدِ.
3:157Page 70
وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧
And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ أنَّ ما يَحْذَرُونَ تَرَتُّبَهُ عَلى الغَزْوِ والسَّفَرِ مِنَ القَتْلِ والمَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُحْذَرَ بَلْ مِمّا يَجِبُ أنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ إثْرَ إبْطالِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِما، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ﴾ لامُ الِابْتِداءِ والتَّنْوِينُ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّقْلِيلِ و "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْمُبْتَدَإ وقَدْ حُذِفَتْ صِفَةُ "رَحْمَةٌ" لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها، والجُمْلَةُ جَوابٌ لِلْقَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنَّ السَّفَرَ والغَزْوَ لَيْسَ مِمّا يَجْلِبُ المَوْتَ ويُقَدِّمُ الأجَلَ أصْلًَا ولَئِنْ وقَعَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لَنَفْحَةٌ يَسِيرَةٌ مِن مَغْفِرَةٍ ورَحْمَةٍ كائِنَتَيْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمُقابَلَةِ ذَلِكَ.
﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أيِ: الكَفَرَةُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها مُدَّةَ أعْمارِهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما "خَيْرٌ مِن طِلاعِ الأرْضِ ذَهَبَةً حَمْراءَ". وقُرِئَ بِالتّاءِ، أيْ: مِمّا تَجْمَعُونَهُ أنْتُمْ لَوْ لَمْ تَمُوتُوا، والِاقْتِصارُ عَلى بَيانِ خَيْرِيَّتِهِما مِن ذَلِكَ بِلا تَعَرُّضٍ لِلْإخْبارِ بِحُصُولِهِما لَهم لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ التَّخْيِيبِ مِنهُ تَعالى بَعْدَ الإطْماعِ. وقَدْ قِيلَ: لا بُدَّ مِن حَذْفٍ آخَرَ، أيْ: لَمَغْفِرَةٌ لَكم مِنَ اللَّهِ إلَخْ وحِينَئِذٍ يَكُونُ أيْضًَا إخْراجُ المُقَدَّرِ مَخْرَجَ الصِّفَةِ دُونَ الخَبَرِ لِنَحْوِ ما ذُكِرَ مِنِ ادِّعاءِ الظُّهُورِ والغِنى عَنِ الإخْبارِ بِهِ، وتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ الواقِعِ في قَوْلِهِمْ: ما ماتُوا وما قُتِلُوُا المَبْنِيِّ عَلى كَثْرَةِ الوُقُوعِ وقِلَّتِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ في الجِهادِ بِبَيانِ زِيادَةِ مَزِيَّةِ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ وإنافَتِهِ في اسْتِجْلابِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وفِيهِ دِلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى ما مَرَّ مِن أنَّ المَقْصُودَ بِالنَّهْيِ إنَّما هو عَدَمُ مُماثَلَتِهِمْ في الِاعْتِقادِ بِمَضْمُونِ القَوْلِ المَذْكُورِ والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ لا في النُّطْقِ بِهِ وإضْلالِ النّاسِ بِهِ.
3:158Page 71
وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨
And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ اتُّفِقَ هَلاكُكم حَسَبَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ، وقُرِئَ "مِتُّمْ" بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ (p-105)يَماتُ.
﴿لإلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ العَظِيمِ الشَّأْنِ الواسِعِ الرَّحْمَةِ الجَزِيلِ الإحْسانِ.
﴿تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ فَيُوَفِّيكم أُجُورَكم ويُجْزِلُ لَكم عَطاءَكُمْ، والكَلامُ في لامَيِ الجُمْلَةِ كَما مَرَّ في أُخْتِها.
3:159Page 71
فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩
So by mercy from Allāh, [O Muḥammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allāh. Indeed, Allāh loves those who rely [upon Him].
﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الكَلامِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ السِّياقُ مِنِ اسْتِحْقاقِهِمُ اللّائِمَةَ والتَّعْنِيفَ بِمُوجِبِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ أوْ مِن سَعَةِ ساحَةِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "لِنْتَ" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ و "ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ نَكِرَةٌ و "رَحْمَةٍ" بَدَلٌ مِنها مُبَيِّنٌ لِإبْهامِها والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ و "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"رَحْمَةٍ" أيْ: فَبِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ لَهم كائِنَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهي رَبْطُهُ عَلى جَأْشِهِ وتَخْصِيصُهُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ كُنْتَ لَيِّنَ الجانِبِ لَهم وعامَلْتَهم بِالرِّفْقِ والتَّلَطُّفِ بِهِمْ حَيْثُ اغْتَمَمْتَ لَهم بَعْدَ ما كانَ مِنهم ما كانَ مِن مُخالَفَةِ أمْرِكَ وإسْلامِكَ لِلْعَدُوِّ.
﴿وَلَوْ﴾ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ ﴿كُنْتَ فَظًّا﴾ جافِيًَا في المُعاشَرَةِ قَوْلًَا وفِعْلًَا. وقالَ الرّاغِبُ: الفَظُّ هو الكَرِيهُ الخُلُقِ. وقالَ الواحِدِيُّ: هو الغَلِيظُ الجانِبِ السَّيِّءُ الخُلُقِ.
﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ قاسِيَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَظًَّا في القَوْلِ غَلِيظَ القَلْبِ في الفِعْلِ.
﴿لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ لَتَفَرَّقُوا مِن عِنْدِكَ ولَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ وتَرَدَّوْا في مَهاوِي الرَّدى، والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ العَفْوِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فاعْفُ عَنْهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِكَ كَما عَفا اللَّهُ عَنْهم.
﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ اللَّهَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ تَعالى إتْمامًَا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وإكْمالًَا لِلْبِرِّ بِهِمْ.
﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ أيْ: في أمْرِ الحَرْبِ إذْ هو المَعْهُودُ أوْ فِيهِ وفي أمْثالِهِ مِمّا تَجْرِي فِيهِ المُشاوَرَةُ عادَةً اسْتِظْهارًَا بِآرائِهِمْ وتَطْيِيبًَا لِقُلُوبِهِمْ وتَمْهِيدًَا لِسُنَّةِ المُشاوَرَةِ لِلْأُمَّةِ، وقُرِئَ "وَشاوِرْهم في بَعْضِ الأمْرِ".
﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ أيْ: عَقِيبَ المُشاوَرَةِ عَلى شَيْءٍ واطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُكَ.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في إمْضاءِ أمْرِكَ عَلى ما هو أرْشَدُ لَكَ وأصْلَحُ، فَإنَّ عِلْمَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقُرِئَ "فَإذا عَزَمْتُ" عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ، أيْ: عَزَمْتُ لَكَ عَلى شَيْءٍ وأرْشَدْتُكَ إلَيْهِ فَتَوَكَّلْ عَلَيَّ ولا تُشاوِرْ بَعْدَ ذَلِكَ أحَدًَا، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ أوِ الأمْرِ بِهِ، فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مُسْتَدْعٍ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى أوِ الأمْرِ بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ عَلَيْهِ تَعالى فَيَنْصُرُهم ويُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ خَيْرٌ لَهم وصَلاحٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى.
3:160Page 71
إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠
If Allāh should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allāh let the believers rely.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ تَشْرِيفًَا لِلْمُؤْمِنِينَ لِإيجابِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى وحَثِّهِمْ عَلى اللَّجَإ إلَيْهِ وتَحْذِيرِهِمْ عَمّا يُفْضِي إلى خِذْلانِهِ، أيْ: إنْ يَنْصُرْكم كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ فَلا أحَدَ يَغْلِبُكم عَلى طَرِيقِ نَفْيِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِ الغالِبِ ذاتًَا وصِفَةً ولَوْ قِيلَ: فَلا يَغْلِبُكم أحَدٌ لَدَلَّ عَلى نَفْيِ الصِّفَةِ فَقَطْ ثُمَّ المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ (p-106)الكَرِيمِ وإنْ كانَ نَفْيَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ أيْضًَا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ لَكِنَّ المَفْهُومَ مِنهُ فَهْمًَا قَطْعِيًَّا هو نَفْيُ المُساواةِ وإثْباتُ الغالِبِيَّةِ لِلْمُخاطَبِينَ، فَإذا قُلْتَ: "لا أكْرَمَ مِن فُلانٍ أوْ لا أفْضَلَ مِنهُ"، فالمَفْهُومُ مِنهُ حَتْمًَا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ اللُّغاتِ ولا اخْتِصاصَ لَهُ بِالنَّفْيِ الصَّرِيحِ بَلْ هو مُطَّرِدٌ فِيما ورَدَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ ومِمّا هو نَصٌّ قاطِعٌ فِيما ذَكَرْنا ما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ حَيْثُ قِيلَ بَعْدَهُ في حَقِّهِمْ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ فَإنَّ كَوْنَهم أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ يَسْتَدْعِي قَطْعًَا كَوْنَهم أظْلَمَ مِن كُلِّ ظالِمٍ.
﴿وَإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ كَما فَعَلَ يَوْمَ أُحُدٍ. وقُرِئَ "يُخْذِلْكُمْ" مِن أخْذَلَهُ إذا جَعَلَهُ مَخْذُولًَا.
﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ النّاصِرِ ذاتًَا وصِفَةً بِطَرِيقِ المُبالَغَةِ.
﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ تَعالى أوْ مِن بَعْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى إذا جاوَزْتُمُوهُ.
﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ قَصْرِهِ عَلَيْهِ تَعالى، والفاءُ لِتَرْتِيبِهِ أوْ تَرْتِيبِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما مَرَّ مِن غَلَبَةِ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ نُصْرَتِهِ تَعالى لَهُمْ، ومَغْلُوبِيَّتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ خِذْلانِهِ تَعالى إيّاهُمْ، فَإنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي قَصْرَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى لا مَحالَةَ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: إمّا الجِنْسُ والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، وإمّا هم خاصَّةً بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَفِيهِ تَشْرِيفٌ لَهم بِعُنْوانِ الإيمانِ اشْتِراكًَا أوِ اسْتِقْلالًَا وتَعْلِيلٌ لِتَحَتُّمِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى فَإنَّ وصْفَ الإيمانِ مِمّا يُوجِبُهُ قَطْعًَا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences