Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:170–178
3:170Page 72
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠
Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو شَرَفُ الشَّهادَةِ والفَوْزُ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والتَّمَتُّعُ بِالنَّعِيمِ المُخَلَّدِ عاجِلًَا.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُسَرُّونَ بِالبِشارَةِ.
﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ: بِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بَعْدُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَلْحَقُوا بِهِمْ.
﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يَلْحَقُوا" والمَعْنى: أنَّهم بَقُوا بَعْدَهم وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "يَلْحَقُوا" أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَخَلِّفِينَ عَنْهم باقِينَ في الدُّنْيا.
﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ اسْتِبْشارِهِمْ بِحالِ إخْوانِهِمْ لا بِذَواتِهِمْ و"أنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِن أنَّ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفُ وخَبَرُها الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ، أيْ: ويَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن حُسْنِ حالِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهم وهو أنَّهم عِنْدَ قَتْلِهِمْ يَفُوزُونَ بِحَياةٍ أبَدِيَّةٍ لا يُكَدِّرُها خَوْفُ وُقُوعِ مَحْذُورٍ ولا حُزْنُ فَواتِ مَطْلُوبٍ أوْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ، فَإنَّهُ عَيْنُ الحَياةِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُرْغَبَ فِيها فَضْلًَا (p-113)عَنْ أنْ تُخافَ وتُحْذَرَ، أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهم لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ، والمُرادُ بَيانُ دَوامِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًَا، فَإنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ.
3:171Page 72
۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١
They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ﴾ كُرِّرَ لِبَيانِ أنَّ الِاسْتِبْشارَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الخَوْفِ والحُزْنِ بَلْ بِهِ وبِما يُقارِنُهُ مِن نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها وهي ثَوابُ أعْمالِهِمْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُتَعَلِّقًَا بِحالِ "إخْوانِهِمْ" وهَذا بِحالِ أنْفُسِهِمْ بَيانًَا لِبَعْضِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"نِعْمَةٍ" مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: كائِنَةٍ مِنهُ تَعالى.
﴿وَفَضْلٍ﴾ أيْ: زِيادَةٍ عَظِيمَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوُا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ .
﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِفَتْحِ "أنَّ" عَطْفٌ عَلى فَضْلٍ مُنْتَظَمٌ مَعَهُ في سِلْكِ المُسْتَبْشَرِ بِهِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا الشُّهَداءُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمُؤْمِنِينَ لِلْإيذانِ بِسُمُوِّ رُتْبَةِ الإيمانِ وكَوْنِهِ مَناطًَا لِما نالُوهُ مِنَ السَّعادَةِ، وإمّا كافَّةُ أهْلِ الإيمانِ مِنَ الشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ، ذُكِرَتْ تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ عَلى إيمانِهِمْ وعُدَّتْ مِن جُمْلَةِ ما يَسْتَبْشِرُ بِهِ الشُّهَداءُ بِحُكْمِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُعْتَرِضٌ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَن لا إيمانَ لَهُ أعْمالُهُ مُحْبَطَةٌ لا أجْرَ لَها، وفِيهِ مِنَ الحَثِّ عَلى الجِهادِ والتَّرْغِيبِ في الشَّهادَةِ والبَعْثِ عَلى ازْدِيادِ الطّاعَةِ وبُشْرى المُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ ما لا يَخْفى.
3:172Page 72
ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢
Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -
﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا مُخَصَّصَةٌ أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بِجُمْلَتِهِ و ﴿مِن﴾ لِلْبَيانِ، والمَقْصُودُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَدْحُ والتَّعْلِيلُ لا التَّقْيِيدُ لِأنَّ المُسْتَجِيبِينَ كُلَّهم مُحْسِنُونَ ومُتَّقُونَ.
رُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ لَمّا انْصَرَفُوا مِن أُحُدٍ فَبَلَغُوا الرَّوْحاءَ نَدِمُوا وهَمُّوا بِالرُّجُوعِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُرْهِبَهم ويُرِيَهم مِن نَفْسِهِ وأصْحابِهِ قُوَّةً فَنَدَبَ أصْحابَهُ لِلْخُرُوجِ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ وقالَ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَخَرَجَ ﷺ مَعَ جَماعَةٍ حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ وكانَ بِأصْحابِهِ القَرْحُ فَتَحامَلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ حَتّى لا يَفُوتَهُمُ الأجْرُ وألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ فَذَهَبُوا فَنَزَلَتْ.»
3:173Page 72
ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣
Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1
﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ يَعْنِي الرَّكْبَ الَّذِينَ (p-114)اسْتَقْبَلُوهم مِن عَبْدِ قَيْسٍ أوْ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وإطْلاقُ النّاسِ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ مِن جِنْسِهِمْ وكَلامَهُ كَلامُهُمْ، يُقالُ فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ الثِّيابَ وما لَهُ سِوى فَرَسٍ فَرْدٍ وغَيْرُ ثَوْبٍ واحِدٍ أوْ لِأنَّهُ انْضَمَّ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المَدِينَةِ وأذاعُوا كَلامَهُ.
﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ نادى عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن أُحُدٍ: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا كانَ القابِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرانِ فَألْقى اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ الرُّعْبَ وبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ فَمَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِن بَنِي عَبْدِ قَيْسٍ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ فَشَرَطَ لَهم حِمْلَ بَعِيرٍ مِن زَبِيبٍ إنْ ثَبَّطُوُا المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: لَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًَا، فَسَألَهُ ذَلِكَ والتَزَمَ لَهُ عَشْرًَا مِنَ الإبِلِ وضَمِنَها مِنهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرِوٍ فَخَرَجَ نُعَيْمٌ ووَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ لِلْخُرُوجِ، فَقالَ لَهُمْ: أتَوْكم في دِيارِكم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا شَرِيدٌ، أفَتَرَوْنَ أنْ تَخْرُجُوا وقَدْ جَمَعُوا لَكم فَفِرُّوا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ فَخَرَجَ في سَبْعِينَ راكِبًَا كُلُّهم يَقُولُونَ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، قِيلَ: هي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ.
﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلْمَقُولِ أوْ لِمَصْدَرِ قالَ أوْ لِفاعِلِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ بِهِ يَقِينُهم بِاللَّهِ تَعالى وازْدادَ اطْمِئْنانُهم وأظْهَرُوا حَمِيَّةَ الإسْلامِ وأخْلَصُوُا النِّيَّةَ عِنْدَهُ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَتَفاوَتُ زِيادَةً ونُقْصانًَا فَإنَّ ازْدِيادَ اليَقِينِ بِالإلْفِ وكَثْرَةِ التَّأمُّلِ وتَناصُرِ الحُجَجِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ؟ قالَ نَعَمْ؛ يَزِيدُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ الجَنَّةَ، ويَنْقُصُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ النّارَ.
﴿وَقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: مُحْسِبُنا اللَّهُ وكافِينا مِن أحْسَبَهُ إذا كَفاهُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المُحْسِبِ أنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ بِالإضافَةِ تَعْرِيفًَا في قَوْلِكَ: "هَذا رَجُلٌ حَسْبُكَ".
﴿وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ أيْ: نِعْمَ المَوْكُولُ إلَيْهِ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
3:174Page 73
فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤
So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.
﴿فانْقَلَبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ ووافَوُا المَوْعِدَ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وافى بِجَيْشِهِ بَدْرًَا وأقامَ بِها ثَمانِيَ لَيالٍ وكانَتْ مَعَهم تِجاراتٌ فَباعُوها وأصابُوا خَيْرًَا كَثِيرًَا، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الضَّمِيرِ في "فانْقَلَبُوا" والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: فَرَجَعُوا مِن مَقْصِدِهِمْ مُلْتَبِسِينَ بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"نِعْمَةٍ" مُؤَكِّدَةً لِفَخامَتِها الذّاتِيَّةِ الَّتِي يُفِيدُها التَّنْكِيرُ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: كائِنَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهي العافِيَةُ والثَّباتُ عَلى الإيمانِ والزِّيادَةُ فِيهِ وحَذَرُ العَدُوِّ مِنهم.
﴿وَفَضْلٍ﴾ أيْ: رِبْحٍ في التِّجارَةِ وتَنْكِيرُهُ أيْضًَا لِلتَّفْخِيمِ.
﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ حالٌ أُخْرى مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فانْقَلَبُوا﴾ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: مُنَعَّمِينَ حالَ كَوْنِهِمْ سالِمِينَ عَنِ السُّوءِ، والحالُ إذا كانَ مُضارِعًَا مَنفِيًَّا بِـ"لَمْ" وفِيهِ ضَمِيرُ ذِي الحالِ جازَ فِيهِ دُخُولُ الواوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وعَدَمُهُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ .
﴿واتَّبَعُوا﴾ في كُلِّ ما أتَوْا مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ.
﴿رِضْوانَ اللَّهِ﴾ الَّذِي هو مَناطُ الفَوْزِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.
﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ حَيْثُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ (p-115)بِالتَّثْبِيتِ وزِيادَةِ الإيمانِ والتَّوْفِيقِ لِلْمُبادَرَةِ إلى الجِهادِ والتَّصَلُّبِ في الدِّينِ وإظْهارِ الجَراءَةِ عَلى العَدُوِّ وحِفْظِهِمْ عَنْ كُلِّ ما يَسُوءُهم مَعَ إصابَةِ النَّفْعِ الجَلِيلِ، وفِيهِ تَحْسِيرٌ لِمَن تَخَلَّفَ عَنْهم وإظْهارٌ لِخَطَإ رَأْيِهِمْ حَيْثُ حَرَمُوا أنْفُسَهم ما فازَ بِهِ هَؤُلاءِ. ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذا غَزْوًَا فَأعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى ثَوابَ الغَزْوِ ورَضِيَ عَنْهم.
3:175Page 73
إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥
That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.
﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المُثَبِّطِ أوْ إلى مَن حَمَلَهُ عَلى التَّثْبِيطِ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ﴾ إمّا خَبَرُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِشَيْطَنَتِهِ أوْ حالٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ إلَخْ، وإمّا صِفَتُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: إنَّما ذَلِكم قَوْلُ الشَّيْطانِ، أيْ: إبْلِيسُ والمُسْتَكِنُّ في "يُخَوِّفُ" إمّا المِقْدارُ وإمّا الشَّيْطانُ بِحَذْفِ الرّاجِعِ إلى المُقَدَّرِ، أيْ: يُخَوِّفُ بِهِ، والمُرادُ بِأوْلِيائِهِ: إمّا أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ فالمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ كَما هو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أيْ: أوْلِياءَهُ.
﴿وَخافُونِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي، وإمّا القاعِدُونَ فالمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: يُخَوِّفُهُمُ الخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والضَّمِيرُ البارِزُ في ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ لِلنّاسِ، الثّانِي أيْ: فَلا تَخافُوهم فَتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا وخافُونِي فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ، والخِطابُ لِفَرِيقَيِ الخارِجِينَ والقاعِدِينَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ أوِ الانْتِهاءِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ كَوْنَ المَخُوفِ شَيْطانًَا مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ الخَوْفِ والنَّهْيَ عَنْهُ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي إيثارَ خَوْفِ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ غَيْرِهِ ويَسْتَدْعِي الأمْنَ مِن شَرِّ الشَّيْطانِ وأوْلِيائِهِ.
3:176Page 73
وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦
And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.
﴿وَلا يَحْزُنْكَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ بِتَخْصِيصِهِ بِالتَّسْلِيَةِ والإيذانِ بِأصالَتِهِ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الدِّينِ والِاهْتِمامِ بِشُئُونِهِ.
﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أيْ: يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًَا لِغايَةِ حِرْصِهِمْ عَلَيْهِ وشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ، وإيثارُ كَلِمَةِ "فِي" عَلى ما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ الآيَةِ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْرارِهِمْ في الكُفْرِ ودَوامِ مُلابَسَتِهِمْ لَهُ في مَبْدَإ المُسارَعَةِ ومُنْتَهاها كَما في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِمُلابَسَتِهِمْ لِلْخَيْراتِ وتَقَلُّبِهِمْ في فُنُونِها في طَرَفَيِ المُسارَعَةِ وتَضاعِيفِها وأمّا إيثارُ كَلِمَةِ "إلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ إلَخْ فَلِأنَّ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ مُنْتَهى المُسارَعَةِ وغايَتُها، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: المُنافِقُونَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وطائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ حَسْبَما عُيِّنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾، وقِيلَ: قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى مَظِنَّةِ وُجُودِ المَنهِيِّ عَنْهُ واعْتِرائِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ: لا يُحْزِنُوكَ بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ ومُبادَرَتِهِمْ إلى تَمْشِيَةِ أحْكامِهِ ومُظاهَرَتِهِمْ لِأهْلِهِ وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى جِهَتِهِمْ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ التَّأثُّرِ مِنهم لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ لِما أنَّ (p-116)النَّهْيَ عَنِ التَّأْثِيرِ نَهْيٌ عَنِ التَّأثُّرِ بِأصْلِهِ ونَفْيٌ لَهُ بِالمَرَّةِ، وقَدْ يُوَجَّهُ النَّهْيُ إلى اللّازِمِ والمُرادُ هُوَ: النَّهْيُ عَنِ المَلْزُومِ كَما في قَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا، وقَرَأ "لا يُحْزِنْكَ" مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزِنَ بِكَسْرِ الزّايِ، والمَعْنى: واحِدٌ. وقِيلَ: مَعْنى حَزَنَهُ: جَعَلَ فِيهِ حُزْنًَا كَما في دَهَنَهُ، أيْ: جَعَلَ فِيهِ دُهْنًَا، ومَعْنى أحْزَنَهُ: جَعَلَهُ حَزِينًَا. وقِيلَ: مَعْنى حَزَنَهُ: أحْدَثَ لَهُ الحَزَنَ، ومَعْنى أحْزَنَهُ: عَرَّضَهُ لِلْحُزْنِ.
﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوُا اللَّهَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَكْمِيلٌ لِلتَّسْلِيَةِ بِتَحْقِيقِ نَفْيِ ضَرَرِهِمْ أبَدًَا، أيْ: لَنْ يَضُرُّوا بِذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ البَتَّةَ، وتَعْلِيقُ نَفْيِ الضَّرَرِ بِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِهِمْ والإيذانِ بِأنَّ مُضارَّتَهم بِمَنزِلَةِ مُضارَّتِهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ مَزِيدُ مُبالَغَةٍ في التَّسْلِيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَيْئًا﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: شَيْئًَا مِنَ الضَّرَرِ، والتَّنْكِيرُ لِتَأْكِيدِ ما فِيهِ مِنَ القِلَّةِ والحَقارَةِ. وقِيلَ: عَلى نَزْعِ الجارِّ، أيْ: بِشَيْءٍ ما أصْلًَا. وقِيلَ: المَعْنى: لَنْ يَنْقُصُوا بِذَلِكَ مِن مُلْكِهِ تَعالى وسُلْطانِهِ شَيْئًَا، كَما رَوى أبُو ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وجِنَّكم وإنْسَكم كانُوا عَلى أتْقى قَلْبِ رَجُلٍ مِنكم ما زادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًَا، ولَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وجِنَّكم وإنْسَكم كانُوا عَلى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًَا".» والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّسْلِيَةِ والتَّعْلِيلِ.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِسِرِّ ابْتِلائِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الانْهِماكِ في الكُفْرِ، وفي ذِكْرِ الإرادَةِ مِنَ الإيذانِ بِكَمالِ خُلُوصِ الدّاعِي إلى حِرْمانِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ حَيْثُ تَعَلَّقَتْ بِهِما إرادَةُ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ ما لا يَخْفى. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدِّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمْرارِها، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ بِذَلِكَ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم في الآخِرَةِ حَظًَّا مِنَ الثَّوابِ، ولِذَلِكَ تَرَكَهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ إلى أنْ يَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ.
﴿وَلَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ الحِرْمانِ الكُلِّيِّ.
﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، قِيلَ: لَمّا دَلَّتِ المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ المُسارِعِ، وُصِفَ عَذابُهُ بِالعِظَمِ رِعايَةً لِلْمُناسَبَةِ وتَنْبِيهًَا عَلى حَقارَةِ ما سارَعُوا فِيهِ وخَساسَتِهِ في نَفْسِهِ، والجُمْلَةُ إمّا مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحَظِّهِمْ مِنَ العِقابِ إثْرَ بَيانِ أنْ لا شَيْءَ لَهم مِنَ الثَّوابِ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهُمْ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ حِرْمانَهم مِنَ الثَّوابِ مُعَدًَّا لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ.
3:177Page 73
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧
Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ أيْ: أخَذُوهُ بَدَلًَا مِنهُ رَغْبَةً فِيما أخَذُوهُ وإعْراضًَا عَمّا تَرَكُوهُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ القَوْلِ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ مُسْتَوْفىً.
﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تَفْسِيرُهُ كَما مَرَّ غَيْرَ أنَّ فِيهِ تَعْرِيضًَا ظاهِرًَا بِاقْتِصارِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم فَإنْ جُعِلَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المُسارِعِينَ المَعْهُودِينَ بِأنْ يُرادَ بِاشْتِراءِ الكُفْرِ بِالإيمانِ إيثارُهُ عَلَيْهِ إمّا بِأخْذِهِ بَدَلًَا مِنَ الإيمانِ الحاصِلِ بِالفِعْلِ كَما هو حالُ المُرْتَدِّينَ أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ الحاصِلَةِ بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِهِ في التَّوْراةِ كَما هو شَأْنُ اليَهُودِ ومُنافِقِيهِمْ، فالتَّكْرِيرُ لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ بِبَيانِ عِلَّتِهِ بِتَغْيِيرِ عُنْوانِ المَوْضُوعِ، فَإنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الاشْتِراءِ المَذْكُورِ صَرِيحٌ في لُحُوقِ ضَرَرِهِ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَمِ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِمْ أصْلًَا، كَيْفَ لا؟ وهو عَلَمٌ في الخُسْرانِ الكُلِّيِّ والحِرْمانِ الأبَدِيِّ دالٌّ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ ورَكاكَةِ آرائِهِمْ فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم ما يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ الحَزْمِ ورَزانَةِ الرَّأْيِ ورَصانَةِ التَّدْبِيرِ مِن مُضارَّةِ حِزْبِ اللَّهِ تَعالى وهي أعَزُّ مِنَ الأبْلَقِ الفَرْدِ وأمْنَعُ مِن عُقابِ الجَوِّ، وإنْ أُجْرِيَ المَوْصُولُ عَلى (p-117)عُمُومِهِ بِأنْ يُرادَ بِالِاشْتِراءِ المَذْكُورِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ الشّامِلُ لِلْمَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ ولِأخْذِ الكُفْرِ بَدَلًَا مِمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ نَفْسِ الإيمانِ مِنَ الاسْتِعْدادِ القَرِيبِ لَهُ الحاصِلِ بِمُشاهَدَةِ الوَحْيِ النّاطِقِ ومُلاحَظَةِ الدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ كَما هو دَأْبُ جَمِيعِ الكَفَرَةِ، فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها تَقْرِيرَ القَواعِدِ الكُلِّيَّةِ لِما انْدَرَجَ تَحْتَها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ، هَذا وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ المَوْصُولِ الأوَّلِ عامًَّا لِلْكُفّارِ، والثّانِي خاصًَّا بِالمَعْهُودِينَ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ النُّكَتِ المَذْكُورَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِفَخامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ لِما أنَّ صُدُورَ المُسارَعَةِ في الكُفْرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ وكَوْنَها مَظِنَّةً لِإيراثِ الحَزَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما يُفْهَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ إنَّما يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ عُلِمَ اتِّصافُهُ بِها، وأمّا مَن لا يُعْرَفُ حالُهُ مِنَ الكَفَرَةِ الكائِنِينَ في الأماكِنِ البَعِيدَةِ فَإسْنادُ المُسارَعَةِ المَذْكُورَةِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ كَوْنِها مِن مَبادِي حُزْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِمّا لا وجْهَ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ عَذابِهِمْ بِذِكْرِ غايَةِ إيلامِهِ بَعْدَ ذِكْرِ نِهايَةِ عِظَمِهِ. قِيلَ: لَمّا جَرَتِ العادَةُ بِاغْتِباطِ المُشْتَرِي بِما اشْتَراهُ وسُرُورِهِ بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ كَوْنِ الصَّفْقَةِ رابِحَةً وبِتَألُّمِهِ عِنْدَ كَوْنِها خاسِرَةً، وُصِفَ عَذابُهم بِالإيلامِ مُراعاةً لِذَلِكَ.
3:178Page 73
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨
And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ﴾ الآيَةِ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ وأنَّ بِما في حَيِّزِها سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِتَمامِ المَقْصُودِ بِها، وهو تَعَلُّقُ الفِعْلِ القَلْبِيِّ بِالنِّسْبَةِ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ، أوْ مَسَدَّ أحَدِهِما والآخَرُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها ووَصْلُها في الكِتابَةِ لِاتِّباعِ الإمامِ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ أنَّ إمْلاءَنا لَهم أوْ أنَّ ما نُمْلِيهِ لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ أوْ لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ خَيْرِيَّةَ إمْلائِنا لَهم أوْ خَيْرِيَّةَ ما نُمْلِيهِ لَهم ثابِتَةً أوْ واقِعَةً ومَآلُهُ نَهْيُهم عَنِ السُّرُورِ بِظاهِرِ إمْلائِهِ تَعالى لَهم بِناءً عَلى حُسْبانِ خَيْرِيَّتِهِ لَهم وتَحْسِيرُهم بِبَيانِ أنَّهُ شَرٌّ بَحْتٌ وضَرَرٌ مَحْضٌ كَما أنَّ مَآلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ نَهْيُ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الحُزْنِ بِظاهِرِ حالِ الكَفَرَةِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ الضَّرَرِ مِن قِبَلِهِمْ وتَسْلِيَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا جِنْسُ الكَفَرَةِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ حُكْمِهِ الكُلِّيِّ أحْكامُ المَعْهُودِينَ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا، وإمّا المَعْهُودُونَ خاصَّةً فَإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِرِعايَةِ المُقارَنَةِ الدّائِمَةِ بَيْنَ الصِّلَةِ وبَيْنَ الإمْلاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ إمْهالِهِمْ وتَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنَهم دَهْرًَا طَوِيلًَا فَإنَّ المُقارِنَ لَهُ دائِمًَا إنَّما هو الكُفْرُ المُسْتَمِرُّ لا المُسارَعَةُ المَذْكُورَةُ ولا الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ فَإنَّهُما مِنَ الأحْوالِ المُتَجَدِّدَةِ المُنْقَضِيَةِ في تَضاعِيفِ الكُفْرِ المُسْتَمِرِّ. وقُرِئَ "لا تَحْسَبَنَّ" بِالتّاءِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّسْلِيَةِ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ قَصْدًَا إلى إشاعَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ و"أنَّما نُمْلِي لَهُمْ" إمّا بَدَلٌ مِنهُ وحَيْثُ كانَ التَّعْوِيلُ عَلى البَدَلِ وهو سادٌّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ﴾ اقْتُصِرَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِكَ: "جَعَلْتُ المَتاعَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ" وإمّا مَفْعُولٌ ثانٍ بِتَقْدِيرِ مُضافِ إمّا فِيهِ، أيْ: لا تَحْسَبَنَّ (p-118)الَّذِينَ كَفَرُوا أصْحابَ أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، أوْ في المَفْعُولِ الأوَّلِ، أيْ: لا تَحْسَبَنَّ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ ومَعْنى التَّفْضِيلِ بِاعْتِبارِ زَعْمِهِمْ.
﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَةِ الإمْلاءِ، و"ما" كافَّةٌ واللّامُ لامُ الإرادَةِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لامُ العاقِبَةِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ هَهُنا عَلى إيقاعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ وكَسْرُها فِيما سَبَقَ عَلى أنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ ومَعْمُولِهِ مُفِيدٌ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِإبْطالِ الحُسْبانِ، ورَدِّهِ عَلى مَعْنى لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ أنَّ إمْلاءَنا لَهم لِازْدِيادِ الإثْمِ حَسْبَما هو شَأْنُهم بَلْ إنَّما هو لِتَلافِي ما فَرَطَ مِنهم بِالتَّوْبَةِ والدُّخُولِ في الإيمانِ.
﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لَمّا تَضَمَّنَ الإمْلاءُ التَّمْتِيعَ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا وزِينَتِها وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي التَّعَزُّزَ والتَّجَبُّرَ، وُصِفَ عَذابُهم بِالإهانَةِ لِيَكُونَ جَزاؤُهم جَزاءً وِفاقًَا، والجُمْلَةُ إمّا مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ في الآخِرَةِ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا، وإمّا حالٌ مِنَ الواوِ أىْ: لِيَزْدادُوا إثْمًَا مُعَدًَّا لَهم عَذابٌ مُهِينٌ، وهَذا مُتَعَيِّنٌ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences