Abu as-Su'udAli 'Imran · 3:187–190

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:187–190

3:187Page 75

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧

And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ بَعْضِ أذِيّاتِهِمْ وهو كِتْمانُهم ما في كِتابِهِمْ مِن شَواهِدِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِها و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ خاصَّةً بِطَرِيقِ تَجْرِيدِ الخِطابِ إثْرَ الخِطابِ الشّامِلِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِلْمُؤْمِنِينَ لِكَوْنِ مَضْمُونِهِ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها عَلى ما مَرَّ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ﴾ إلَخْ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ أخْذِهِ تَعالى.

﴿مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ﴾ وهم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى ذُكِرُوا بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ.

﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ حِكايَةٌ لِما خُوطِبُوا بِهِ، والضَّمِيرُ لِلْكِتابِ وهو جَوابٌ لِقَسَمٍ يُنْبِئُ عَنْهُ أخْذُ المِيثاقِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: بِاللَّهِ لَتُبَيِّنُنَّهُ.

﴿لِلنّاسِ﴾ وتُظْهِرُنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو المَقْصُودُ بِالحِكايَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ لِأنَّهم غُيَّبٌ.

﴿وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ وإنَّما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالنُّونِ لِكَوْنِهِ مَنفِيًَّا كَما في قَوْلِكَ: "واللَّهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ". وقِيلَ: اكْتُفِيَ بِالتَّأْكِيدِ في الأوَّلِ لِأنَّهُ تَأْكِيدٌ لَهُ. وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إمّا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ بَعْدَ الواوِ، أيْ: وأنْتُمْ لا تَكْتُمُونَهُ، وإمّا عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ دُخُولَ الواوِ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ عِنْدَ وُقُوعِهِ حالًَا، أيْ: لَتُبَيِّنُنَّهُ غَيْرَ كاتِمِينَ والنَّهْيُ عَنِ الكِتْمانِ بَعْدَ الأمْرِ بِالبَيانِ (p-125)إمّا لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ، وإمّا المُرادُ بِالبَيانِ المَأْمُورِ بِهِ ذِكْرُ الآياتِ النّاطِقَةِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِالكِتْمانِ المَنهِيِّ عَنْهُ إلْقاءُ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ والشُّبُهاتِ الباطِلَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ كَما قَبْلَهُ.

﴿فَنَبَذُوهُ﴾ النَّبْذُ: الرَّمْيُ والإبْعادُ، أيْ: طَرَحُوا ما أُخِذَ مِنهم مِنَ المِيثاقِ المُوَثَّقِ بِفُنُونِ التَّأْكِيدِ وألْقَوْهُ ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ولَمْ يُراعُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ أصْلًَا، فَإنَّ نَبْذَ الشَّيْءِ وراءَ الظَّهْرِ مَثَلٌ في الِاسْتِهانَةِ بِهِ والإعْراضِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما أنَّ جَعْلَهُ نَصْبَ العَيْنِ عَلَمٌ في كَمالِ العِنايَةِ بِهِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَحَتُّمِ بَيانِ الحَقِّ عَلى عُلَماءِ الدِّينِ وإظْهارِ ما مُنِحُوهُ مِنَ العِلْمِ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ وحُرْمَةِ كِتْمانِهِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ أوْ لِطَمَعٍ في عَرَضٍ مِنَ الأعْراضِ الفانِيَةِ الكاسِدَةِ ما لا يَخْفى. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ "مَن كَتَمَ عِلْمًَا عَنْ أهْلِهِ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ". وعَنْ طاوُوسَ أنَّهُ قالَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: "إنِّي أرى اللَّهَ سَوْفَ يُعَذِّبُكَ بِهَذِهِ الكُتُبِ"، وقالَ: "واللَّهِ لَوْ كُنْتُ نَبِيًَّا فَكَتَمْتُ العِلْمَ كَما تَكْتُمُهُ لَرَأيْتُ أنَّ اللَّهَ سَيُعَذِّبُكَ". وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ "لا يَحِلُّ لِأحَدٍ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَسْكُتَ عَلى عِلْمِهِ ولا يَحِلُّ لِجاهِلٍ أنْ يَسْكُتَ عَلى جَهْلِهِ حَتّى يَسْألَ". وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "ما أخَذَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتّى أخَذَ عَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يُعَلِّمُوا".

﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾ أيْ: بِالكِتابِ الَّذِي أُمِرُوا بِبَيانِهِ ونُهُوا عَنْ كِتْمانِهِ، فَإنَّ ذِكْرَ نَبْذِ المِيثاقِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دِلالَةً واضِحَةً وإيقاعُ الفِعْلِ عَلى الكُلِّ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِ كَتْمُ بَعْضِهِ كَدَلائِلِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَحْوِها لِما أنَّ ذَلِكَ كَتْمٌ لِلْكُلِّ إذْ بِهِ يَتِمُّ الكِتابُ كَما أنَّ رَفْضَ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ رَفْضٌ لِكُلِّها أوْ بِمَنزِلَةِ كَتْمِ الكُلِّ مِن حَيْثُ إنَّهُما سِيّانِ في الشَّناعَةِ واسْتِجْرارِ العِقابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ والِاشْتِراءُ مُسْتَعارٌ لِاسْتِبْدالِ مَتاعِ الدُّنْيا بِما كَتَمُوهُ، أيْ: تَرَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ وأخَذُوا بَدَلَهُ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: شَيْئًَا تافِهًَا حَقِيرًَا مِن حُطامِ الدُّنْيا وأعْراضِها، وفي تَصْوِيرِ هَذِهِ المُعامَلَةِ بِعَقْدِ المُعاوَضَةِ لاسِيَّما بِالِاشْتِراءِ المُؤْذِنِ بِالرَّغْبَةِ في المَأْخُوذِ والإعْراضِ عَنِ المُعْطى والتَّعْبِيرِ عَنِ المُشْتَرى الَّذِي هو العُمْدَةُ في العَقْدِ، والمَقْصُودُ بِالمُعامَلَةِ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً إلَيْهِ وجَعْلِ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ مَصْحُوبًَا بِالباءِ الدّاخِلَةِ عَلى الآلاتِ والوَسائِلِ مِن نِهايَةِ الجَزالَةِ والدِّلالَةِ عَلى كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ وغايَةِ قُبْحِها بِإيثارِهِمُ الدَّنِيءَ الحَقِيرَ عَلى الشَّرِيفِ الخَطِيرِ وتَعْكِيسِهِمْ بِجَعْلِهِمُ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ وسِيلَةً والوَسِيلَةَ مَقْصِدًَا ما لا يَخْفى جَلالَةُ شَأْنِهِ ورِفْعَةُ مَكانِهِ.

﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ "ما" نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ "بِئْسَ" و"يَشْتَرُونَ" صِفَتُهُ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِئْسَ شَيْئًَا يَشْتَرُونَهُ ذَلِكَ الثَّمَنُ.

3:188Page 75

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ.

﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أيْ: بِما فَعَلُوا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ "يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا"، وقُرِئَ "بِما آتَوْا" بِمَعْنى أعْطَوْا "وَبِما أُوتُوا" أىْ: بِما أُوتُوهُ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ اليَهُودُ حَرَّفُوُا التَّوْراةَ وفَرِحُوا بِذَلِكَ وأحَبُّوا أنْ يُوصَفُوا بِالدِّيانَةِ والفَضْلِ. رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَّوْراةِ فَكَتَمُوا (p-126)الحَقَّ وأخْبَرُوهُ بِخِلافِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ صَدَقُوهُ واسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ وفَرِحُوا بِما فَعَلُوا. وقِيلَ: فَرِحُوا بِكِتْمانِ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم مُتَّبِعُونَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المَذْكُورِينَ أوْ عَنْ مَشاهِيرِهِمْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما تَسْتَتْبِعُهُ أعْمالُهُمُ المَحْكِيَّةُ مِنَ العِقابِ الأُخْرَوِيِّ إثْرَ بَيانِ قَباحَتِها، وقَدْ أُدْمِجَ فِيها بَيانُ بَعْضٍ آخَرَ مِن شَنائِعِهِمْ وهو إصْرارُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ وفَرَحُهم بِذَلِكَ ومَحَبَّتُهم لِأنْ يُوصَفُوا بِما لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وقَدْ نُظِمَ ذَلِكَ في سِلْكِ الصِّلَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُولِ عِنْدَ المُخاطَبِ إيذانًَا بِشُهْرَةِ اتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ ثُمَّ اعْتَذَرُوا بِأنَّهم رَأوُا المَصْلَحَةَ في ذَلِكَ واسْتَحْمَدُوا بِهِ. وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ كافَّةً، وهو الأنْسَبُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ لِشُهْرَةِ أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن إظْهارِ الإيمانِ وقُلُوبُهم مُطْمَئِنَّةٌ بِالكُفْرِ ويَسْتَحْمِدُونَ إلى المُسْلِمِينَ بِالإيمانِ وهم عَنْ فِعْلِهِ بِألْفِ مَعْزِلٍ وكانُوا يُظْهِرُونَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ وهم في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ العَداوَةِ. فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ طائِفَةٍ مَعْهُودَةٍ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ فَإنَّ أكْثَرَ المُنافِقِينَ كانُوا مِنَ اليَهُودِ، ولَعَلَّ الأوْلى إجْراءُ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ شامِلًَا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنَ الحَسَناتِ فَيَفْرَحُ بِهِ فَرَحَ إعْجابٍ ويَوَدُّ أنْ يَمْدَحَهُ النّاسُ بِما هو عارٍ مِنهُ مِنَ الفَضائِلِ مُنْتَظِمًَا لِلْمَعْهُودِينَ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا، وأيًَّا ما كانَ؛ فَهو مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ"تَحْسَبَنَّ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، والفاءُ زائِدَةٌ والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِنَجاةٍ مِنهُ عَلى أنَّ المَفازَةَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ ولا يَضُرُّ تَأْنِيثُها بِالتّاءِ لِما أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلَيْها ولَيْسَتْ لِلدِّلالَةِ عَلى الوَحْدَةِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ فَلَوْلا رَجاءُ النَّصْرِ مِنكَ ورَهْبَةُ ∗∗∗ عِقابِكَ قَدْ كانُوا لَنا بِالمَوارِدِ

وَلا سَبِيلَ إلى جَعْلِها اسْمَ مَكانٍ عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، أيْ: بِمَفازَةٍ كائِنَةٍ مِنَ العَذابِ لِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العَذابِ، وتَقْدِيرُ فِعْلٍ خاصٍّ لِيَصِحَّ بِهِ المَعْنى، أيْ: بِمَفازَةٍ مُنْجِيَةٍ مِنَ العَذابِ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنىً عَنْهُ. وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّ الخِطابَ شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًَا. وقُرِئَ بِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الباءِ فِيهِما عَلى أنَّ الفِعْلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ ومَفْعُولاهُ كَما ذُكِرَ. وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ في الثّانِي فَقَطْ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْمَوْصُولِ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ عَيْنَ الفاعِلِ والثّانِي بِمَفازَةٍ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ أنْفُسَهم فائِزِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ والفاءُ زائِدَةٌ كَما مَرَّ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الفِعْلُ الأوَّلُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولَيْنِ مَعًَا اخْتِصارًَا لِدِلالَةِ مَفْعُولَيِ الثّانِي عَلَيْهِما عَلى عَكْسِ ما في قَوْلِهِ:

؎ بِأيِّ كِتابٍ أوْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًَا عَلَيَّ وتَحْسَبُ

حَيْثُ حُذِفَ فِيهِ مَفْعُولا الثّانِي لِدِلالَةِ مَفْعُولَيِ الأوَّلِ عَلَيْهِما أوْ عَلى أنَّ الفِعْلَ الأوَّلَ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ لِكُلِّ حاسِبٍ ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ المَوْصُولُ والثّانِي مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الثّانِي عَلَيْهِ والفِعْلُ الثّانِي مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ والفاءُ لِلْعَطْفِ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ عَدَمِ حُسْبانِهِمْ عَلى عَدَمِ حُسْبانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَفْعُولاهُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِمَفازَةٍ﴾ وتَصْدِيرُ الوَعِيدِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الحُسْبانِ المَذْكُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِمِ الفارِغَةِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَنْجُونَ بِما صَنَعُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ كَما نَجَوْا بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وعَلَيْهِ كانَ مَبْنى فَرَحِهِمْ، وأمّا نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِلتَّعْرِيضِ بِحُسْبانِهِمِ المَذْكُورِ لا لِاحْتِمالِ وُقُوعِ الحُسْبانِ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بَعْدَما أُشِيرَ (p-127)إلى عَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن مُطْلَقِ العَذابِ حَقَّقَ أنَّ لَهم فَرْدًَا مِنهُ لا غايَةَ لَهُ في المُدَّةِ والشِّدَّةِ كَما تَلُوحُ بِهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ والتَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ والوَصْفُ.

3:189Page 75

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.

﴿وَلِلَّهِ﴾ أيْ: خاصَّةً.* ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: السُّلْطانُ القاهِرُ فِيهِما بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ فِيهِما وفِيما فِيهِما كَيْفَما يَشاءُ ويُرِيدُ إيجادًَا وإعْدامًَا إحْياءً وإماتَةً تَعْذِيبًَا وإثابَةً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ شائِبَةُ دَخْلٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِاخْتِصاصِ مُلْكِ العالَمِ الجُثْمانِيِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِقُطْرَيْهِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًَا عَلى الكُلِّ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ يَسْتَدْعِي كَوْنَ ما سِواهُ كائِنًَا ما كانَ مَقْدُورًَا لَهُ، ومِن ضَرُورَتِهِ اخْتِصاصُ القُدْرَةِ بِهِ تَعالى واسْتِحالَةُ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ في القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَضْلًَا عَنِ المُشارَكَةِ في مِلْكِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وفِيهِ تَقْرِيرُهُ لِما مَرَّ مِن ثُبُوتِ العَذابِ الألِيمِ لَهم وعَدَمِ نَجاتِهِمْ مِنهُ أثَرَ تَقْرِيرٍ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ فَإنَّ شُمُولَ القُدْرَةِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالتَّقْرِيرِ.

3:190Page 75

إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالسُّلْطانِ القاهِرِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ التَّأْكِيدِ اعْتِناءً بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها، أيْ: في إنْشائِها عَلى ما هي عَلَيْهِ في ذَواتِها وصِفاتِها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَحارُ في فَهْمِ أجْلاها العُقُولُ.

﴿والأرْضِ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ ذاتًَا وصِفَةً.

﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: في تَعاقُبِهِما في وجْهِ الأرْضِ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعَيْنِ لِحَرَكاتِ السَّمَواتِ وسُكُونِ الأرْضِ أوْ في تَفاوُتِهِما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ وانْتِقاصِهِ بِازْدِيادِهِ بِاخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًَا وبُعْدًَا بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ أوْ في اخْتِلافِهِما وتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ إمّا في الطُّولِ والقِصَرِ، فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِنَ القُطْبِ الشَّمالِيِّ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلُ ولَيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها، وإمّا في أنْفُسِها فَإنَّ كُرِيَّةَ الأرْضِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بَعْضِ الأماكِنِ لَيْلًَا وفي مُقابِلِهِ نَهارًَا وفي بَعْضِها صَباحًَا وفي بَعْضِها ظُهْرًَا أوْ عَصْرًَا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، و"اللَّيْلُ" قِيلَ: إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ واحِدِهِ، وجَمْعِهِ بِالتّاءِ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ واللَّيالِي جَمْعُ جَمْعٍ والصَّحِيحُ أنَّهُ مُفْرَدٌ ولا يُحْفَظُ لَهُ جَمْعٌ واللَّيالِي جَمْعُ لَيْلَةٍ وهو جَمْعٌ غَرِيبٌ كَأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّها لَيْلاةٌ كَما في كَيْكَةٍ وكَياكِي كَأنَّها جَمْعُ كَيْكاةٍ، و"النَّهارُ" اسْمٌ لِما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وغُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: هو ضِياءُ ما بَيْنَهُما، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ إمّا لِأنَّهُ الأصْلُ فَإنَّ غُرَرَ الشُّهُورِ تَظْهَرُ في اللَّيالِي، وإمّا لِتَقَدُّمِهِ في الخَلْفِيَّةِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ أيْ: نُزِيلُهُ مِنهُ فَيَخْلُفُهُ.

﴿لآياتٍ﴾ اسْمُ إنَّ دَخَلَتْهُ اللّامُ لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًَّا وكَيْفًَا، أيْ: لَآياتٍ كَثِيرَةً عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها دالَّةٍ عَلى تَعاجِيبِ شُئُونِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما مَرَّ مِنِ اخْتِصاصِ المُلْكِ العَظِيمِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، وعَدَمُ (p-128)التَّعَرُّضِ لِما ذُكِرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِنَ الفُلْكِ والمَطَرِ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ لِما أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ المُلْكِ والقُدْرَةِ فاكْتُفِيَ بِمُعْظَمِ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، وأمّا هُناكَ فَقَدَ قُصِدَ في ضِمْنِ بَيانِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بَيانُ اتِّصافِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَنُظِمَتْ دَلائِلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ في سِلْكِ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ فَإنَّ ما فُصِّلَ هُناكَ مِن آياتِ رَحْمَتِهِ تَعالى كَما أنَّهُ آياتُ أُلُوهِيَّتِهِ ووَحْدَتِهِ.

﴿لأُولِي الألباب﴾ أيْ: لِذَوِي العُقُولِ المَجْلُوَّةِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الحِسِّ والوَهْمِ المُتَجَرِّدِينَ عَنِ العَلائِقِ النَّفْسانِيَّةِ المُتَخَلِّصِينَ مِنَ العَوائِقِ الظَّلْمانِيَّةِ المُتَأمِّلِينَ في أحْوالِ الحَقائِقِ وأحْكامِ النُّعُوتِ المُراقِبِينَ في أطْوارِ المُلْكِ وأسْرارِ المَلَكُوتِ المُتَفَكِّرِينَ في بَدائِعِ صَنائِعِ المَلِكِ الخَلّاقِ المُتَدَبِّرِينَ في رَوائِعِ حِكَمِهِ المُودَعَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ النّاظِرِينَ إلى العالَمِ بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ والشُّهُودِ المُتَفَحِّصِينَ عَنْ حَقِيقَةِ سِرِّ الحَقِّ في كُلِّ مَوْجُودٍ المُثابِرِينَ عَلى مُراقَبَتِهِ وذِكْراهُ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى شَيْءٍ مِمّا سِواهُ إلّا مِن حَيْثُ إنَّهُ مِرْآةٌ لِمُشاهَدَةِ جَمالِهِ وآلَةٌ لِمُلاحَظَةِ صِفاتِ كَمالِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما ظَهَرَ في مَظاهِرِ الإبْداعِ وحَضَرَ مَحاضِرَ التَّكْوِينِ والِاخْتِراعِ سَبِيلٌ سَوِيٌّ إلى عالَمِ التَّوْحِيدِ ودَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى الصّانِعِ المُجِيدِ ناطِقٌ بِآياتِ قدرته فَهَلْ مِن سامِعٍ واعٍ ومُخْبِرٍ بِأنْباءِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ؟ فَهَلْ لَهُ مِن داعٍ يُكَلِّمُ النّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ ويَرُدُّ جَوابَهم بِحَسَبِ مَقُولِهِمْ يُحاوِرُ تارَةً بِأوْضَحِ عِبارَةٍ ويُلَوِّحُ أُخْرى بِألْطَفِ إشارَةٍ مُراعِيًَا في الحِوارِ إبْهامَهم وتَصْرِيحَهُمْ، وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ؛ فَتَأمَّلْ في هَذِهِ الشُّؤُونِ والأسْرارِ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ.

«عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: هَلْ لَكِ يا عائِشَةُ أنْ تَأْذَنِي لِيَ اللَّيْلَةَ في عِبادَةِ رَبِّي؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وأُحِبُّ هَواكَ قَدْ أذِنْتُ لَكَ فَقامَ إلى قِرْبَةٍ مِن ماءٍ في البَيْتِ فَتَوَضَّأ ولَمْ يُكْثِرْ مِن صَبِّ الماءِ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَقَرَأ مِنَ القرآن وجَعَلَ يَبْكِي حَتّى بَلَغَ الدُّمُوعُ حِقْوَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ وجَعَلَ يَبْكِي ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَبْكِي حَتّى رَأيْتُ دُمُوعَهُ قَدْ بَلَّتِ الأرْضَ، فَأتاهُ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلاةِ الغَداةِ فَرَآهُ يَبْكِي فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَبْكِي وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟! فَقالَ: يا بِلالُ أفَلا أكُونُ عَبْدًَا شَكُورًَا ثُمَّ قالَ: ومالِي لا أبْكِي وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلىَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلَخْ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها.» ورُوِيَ ﴿وَيْلٌ لِمَن لاكَها بَيْنَ فَكَّيْهِ ولَمْ يَتَأمَّلْها﴾ وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَسَوَّكُ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском