Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:197–200
3:197Page 76
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧
[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو مَتاعٌ قَلِيلٌ لا قَدْرَ لَهُ في جَنْبِ ما ذُكِرَ مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ﴾ فَإذَنْ لا يُجْدِي وجُودُهُ لِواجِدِيهِ ولا يَضُرُّ فُقْدانُهُ لِفاقِدِيهِ.
﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ﴾ أيْ: مَصِيرُهُمُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ لا يَبْرَحُونَهُ.
﴿جَهَنَّمُ﴾ الَّتِي لا يُوصَفُ عَذابُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ ذَمٌّ لَها وإيذانٌ بِأنَّ مَصِيرَهم إلَيْها مِمّا جَنَتْهُ أنْفُسُهم وكَسَبَتْهُ أيْدِيهِمْ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ جَهَنَّمُ.
3:198Page 76
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨
But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ بَيانٌ لِكَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ غِبَّ بَيانٍ وتَكْرِيرٌ لَهُ إثْرَ تَقْرِيرٍ مَعَ زِيادَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنّاتِ لِيَتِمَّ بِذَلِكَ سُرُورُهم ويَزْدادَ تَبَجُّحُهم ويَتَكامَلَ بِهِ سُوءُ حالِ الكَفَرَةِ، وإيرادُ التَّقْوى في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ التَّقْوى، والمُرادُ بِهِ: الِاتِّقاءُ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، فالمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ و"جَنّاتٌ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ أوِ الظَّرْفُ خَبَرٌ لِـ"جَنّاتٌ" والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ، و"خالِدِينَ فِيها" أيْ: في الجَنّاتِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ مِن ﴿جَنّاتٌ﴾ لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ والعامِلُ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.
﴿نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وقُرِئَ بِسُكُونِ الزّايِ وهو ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وغَيْرِهِما. قالَ أبُو الشِّعْرِ الضَّبِّيُّ:
؎ وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافِنًَا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن ﴿جَنّاتٌ﴾ لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ والعامِلُ فِيهِ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًَا أوْ عَطاءً مِن عِنْدِ اللَّهِ.
﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلأبْرارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ"خَيْرٌ" أيْ: ما عِنْدَهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الدّائِمَةِ خَيْرٌ كائِنٌ لِلْأبْرارِ، أيْ: مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.
3:199Page 76
وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩
And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.
(p-136)﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسَ كُلُّهم كَمَن حُكِيَتْ هَناتُهم مِن نَبْذِ المِيثاقِ وتَحْرِيفِ الكِتابِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ مِنهم مَن لَهُ مَناقِبُ جَلِيلَةٌ. قِيلَ: هم عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: هم أرْبَعُونَ مِن أهْلِ نَجْرانَ واثْنانِ وثَلاثُونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِنَ الرُّومِ كانُوا نَصارى فَأسْلَمُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أصْحَمَةُ النَّجاشِيُّ، فَإنَّهُ لَمّا ماتَ نَعاهُ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلى أخٍ لَكم ماتَ بِغَيْرِ أرْضِكم فَخَرَجَ إلى البَقِيعِ فَنَظَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ فَأبْصَرَ سَرِيرَ النَّجاشِيِّ وصَلّى عَلَيْهِ واسْتَغْفَرَ لَهُ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ ولَيْسَ عَلى دِينِهِ فَنَزَلَتْ. وإنَّما دَخَلَتْ لامُ الِابْتِداءِ عَلى اسْمِ "إنَّ" لِفَصْلِ الظَّرْفِ بَيْنَهُما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ .
﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِنَ القرآن.
﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ مِنَ الكِتابَيْنِ، وتَأْخِيرُ إيمانِهِمْ بِهِما عَنْ إيمانِهِمْ بِالقرآن في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ في الوُجُودِ لِما أنَّهُ عِيارٌ ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِما، فَإنَّ إيمانَهم بِهِما إنَّما يُعْتَبَرُ بِتَبَعِيَّةِ إيمانِهِمْ بِهِ؛ إذْ لا عِبْرَةَ بِأحْكامِهِما المَنسُوخَةِ وما لَمْ يُنْسَخْ مِنها إنَّما يُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ ثُبُوتُهُ بِالقرآن ولِتَعَلُّقِ ما بَعْدَهُ بِهِما، والمُرادُ بِإيمانِهِمْ بِهِما: إيمانُهم بِهِما مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا كَتْمٍ كَما هو دَيْدَنُ المُحَرِّفِينَ وأتْباعِهِمْ مِنَ العامَّةِ.
﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يُؤْمِنُ" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ تَصْرِيحٌ بِمُخالَفَتِهِمْ لِلْمُحَرِّفِينَ، والجُمْلَةُ حالٌ كَما قَبْلَهُ ونَظْمُها في سِلْكِ مَحاسِنِهِمْ لَيْسَ مِن حَيْثُ عَدَمُ الِاشْتِراءِ فَقَطْ بَلْ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ لِإظْهارِ ما في الكِتابَيْنِ مِن شَواهِدِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِما عُدَّ مِن صِفاتِهِمِ الحَمِيدَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدِّلالَةِ عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿أجْرُهُمْ﴾ أيِ: المُخْتَصُّ بِهِمُ المَوْعُودُ لَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ أوْ عَلى الِابْتِداءِ والظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ"أُولَئِكَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِن أجْرُهُمْ، والمُرادُ بِهِ: التَّشْرِيفُ كالصِّفَةِ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لِنُفُوذِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ فَهو عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ عامِلٍ مِنَ الأجْرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَأمُّلٍ، والمُرادُ بَيانُ سُرْعَةِ وصُولِ الأجْرِ المَوْعُودِ إلَيْهِمْ.
3:200Page 76
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠
O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إثْرَ ما بُيِّنَ في تَضاعِيفِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن فُنُونِ الحِكَمِ والأحْكامِ خُتِمَتْ بِما يُوجِبُ المُحافَظَةَ عَلَيْها، فَقِيلَ: ﴿اصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَكارِهِ والشَّدائِدِ.
﴿وَصابِرُوا﴾ أيْ: غالِبُوا أعْداءَ اللَّهِ تَعالى بِالصَّبْرِ في مَواطِنِ الحُرُوبِ وأعْدى عَدُوِّكم بِالصَّبْرِ عَلى مُخالَفَةِ الهَوى، وتَخْصِيصُ المُصابَرَةِ بِالأمْرِ بَعْدَ الأمْرِ بِمُطْلَقِ الصَّبْرِ لِكَوْنِها أشَدَّ مِنهُ وأشَقَّ.
﴿وَرابِطُوا﴾ أيْ: أقِيمُوا في الثُّغُورِ رابِطِينَ خَيْلَكم فِيها مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. قالَ تَعالى: ﴿وَمِن رِباطِ (p-137)الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ . وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن رابَطَ يَوْمًَا ولَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ كَعَدْلِ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ وقِيامِهِ ولا يُفْطِرُ ولا يَنْفَتِلُ عَنْ صَلاتِهِ إلّا لِحاجَةٍ".» ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ما ذُكِرَ في تَضاعِيفِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ كَيْ تَنْتَظِمُوا في زُمْرَةِ المُفْلِحِينَ الفائِزِينَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجِينَ مِن كُلِّ الكُرُوبِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنها أمانًَا عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ".»
وَعَنْهُ ﷺ « "مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تُحْجَبَ الشَّمْسُ".» واللَّهُ أعْلَمُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences