Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:19–30
3:19Page 52
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩
Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.
﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، أيْ: لا دِينَ مُرْضِيًَا لِلَّهِ تَعالى سِوى الإسْلامِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِالشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، والإقْرارُ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. وقُرِئَ "إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ لَلْإسْلامُ". وقُرِئَ "إنَّ الدِّينَ" إلَخْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أنَّهُ بَدَلُ الكُلِّ إنْ فُسِّرَ الإسْلامُ بِالإيمانِ أوْ بِما يَتَضَمَّنُهُ، وبَدَلُ الِاشْتِمالِ إنْ فُسِّرَ بِالشَّرِيعَةِ، أوْ عَلى أنَّ شَهِدَ واقِعٌ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ قِراءَةِ إنَّهُ بِالكَسْرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.
﴿وَما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى حِينَ تَرَكُوُا الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وأنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ وجَعْلُ إيتاءِ الكِتابِ صِلَةً لَهُ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، فَإنَّ الِاخْتِلافَ مِمَّنْ أُوتِيَ ما يُزِيلُهُ ويَقْطَعُ شَأْفَتَهُ في غايَةِ القُبْحِ والسَّماحَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأوْقاتِ، أيْ: وما اخْتَلَفُوا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِأنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، أوْ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا حَقِيقَةَ الأمْرِ وتَمَكَّنُوا مِنَ العِلْمِ بِها بِالحُجَجِ النَّيِّرَةِ والآياتِ الباهِرَةِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَرامِي حالِهِمْ في الضَّلالَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الِاخْتِلافَ بَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: حَسَدًَا كائِنًَا بَيْنَهم وطَلَبًَا لِلرِّياسَةِ لا لِشُبْهَةٍ وخَفاءٍ، في الأمْرِ تَشْنِيعٌ إثْرَ تَشْنِيعٍ.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِآياتِهِ النّاطِقَةِ بِما ذُكِرَ مِن أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى هو الإسْلامُ، ولَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضاها أوْ بِأيَّةِ آيَةٍ كانَتْ من آياته تَعالى عَلى أنْ يَدْخُلَ فِيها ما نَحْنُ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.
﴿فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ عِلَّةً لَهُ، أيْ: ومَن يَكْفُرُ بِآياتِهِ تَعالى يُجازِيهِ ويُعاقِبُهُ عَنْ قَرِيبٍ فَإنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ، أيْ: يَأْتِي حِسابُهُ عَنْ قَرِيبٍ أوْ يَتِمُّ ذَلِكَ بِسُرْعَةٍ، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وفي تَرْتِيبِ العِقابِ عَلى مُطْلَقِ الكُفْرِ بِآياتِهِ تَعالى -مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِخُصُوصِيَّةِ حالِهِمْ مِن كَوْنِ كُفْرِهِمْ بَعْدَ إيتاءِ الكِتابِ وحُصُولِ الِاطِّلاعِ عَلى ما فِيهِ وكَوْنِ ذَلِكَ لِلْبَغْيِ- دِلالَةٌ عَلى كَمالِ شِدَّةِ عِقابِهِمْ.
3:20Page 52
فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠
So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.
﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ أيْ: في كَوْنِ الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامَ، أوْ جادَلُوكَ فِيهِ بَعْدَ ما أقَمْتَ عَلَيْهِمِ الحُجَجَ.
﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ: أخْلَصْتُ نَفْسِي وقَلْبِي وجُمْلَتِي، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِالوَجْهِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والمَشاعِرِ ومَجْمَعُ مُعْظَمِ ما يَقَعُ بِهِ العِبادَةُ مِنَ السُّجُودِ والقِراءَةِ وبِهِ يَحْصُلُ التَّوَجُّهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ.
﴿لِلَّهِ﴾ لا أُشْرِكُ بِهِ فِيها غَيْرَهُ، وهو الدِّينُ القَوِيمُ الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الحُجَجُ، ودَعَتْ إلَيْهِ الآياتُ والرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عَطْفٌ عَلى المُتَّصِلِ في أسْلَمْتُ وحَسُنَ ذَلِكَ لِمَكانِ الفَصْلِ الجارِي (p-19)مَجْرى التَّأْكِيدِ بِالمُنْفَصِلِ، أيْ: وأسْلَمَ مَنِ اتَّبَعَنِي أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ.
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِرِعايَةِ التَّقابُلِ بَيْنَ وصْفَيِ المُتَعاطِفَيْنِ.
﴿والأُمِّيِّينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم مِن مُشْرِكِي العَرَبِ.
﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ مُتَّبِعِينَ لِي كَما فَعَلَ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَيِّناتِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ لا مَحالَةَ، فَهَلْ أسْلَمْتُمْ وعَمِلْتُمْ بِقَضِيَّتِها أوْ أنْتُمْ عَلى كُفْرِكم بَعْدُ، كَما يَقُولُ مَن لَخَّصَ لِصاحِبِهِ المَسْألَةَ ولَمْ يَدَعْ مِن طُرُقِ التَّوْضِيحِ والبَيانِ مَسْلَكًَا إلّا سَلَكَهُ فَهَلْ فَهِمْتَها عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . إثْرَ تَفْصِيلِ الصَّوارِفِ عَنْ تَعاطِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ وفِيهِ مِنِ اسْتِقْصارِهِمْ وتَعْيِيرِهِمْ بِالمُعانَدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ وتَوْبِيخِهِمْ بِالبَلادَةِ وكِلَّةِ القَرِيحَةِ ما لا يَخْفى.
﴿فَإنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ: كَما أسْلَمْتُمْ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ حَسْمًَا لِبابِ إطْلاقِ اسْمِ الإسْلامِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أيْ: فازُوا بِالحَظِّ الأوْفَرِ ونَجَوْا عَنْ مَهاوِي الضَّلالِ.
﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الاتِّباعِ وقَبُولِ الإسْلامِ.
﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ قائِمٌ مَقامَ الجَوابِ، أيْ: لَمْ يَضُرُّوكَ شَيْئًَا، إذْ ما عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ وقَدْ فَعَلْتَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى أهْلِ الكِتابِ قالُوا: أسْلَمْنا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْيَهُودِ: أتَشْهَدُونَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ وعَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لِلنَّصارى: أتَشْهَدُونَ أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ عِيسى عَبْدًَا،» وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ وإنْ تَوَلَّوْا.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ عالِمٌ بِجَمِيعِ أحْوالِهِمْ، وهو تَذْيِيلٌ فِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
3:21Page 52
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١
Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيَّ آيَةٍ كانَتْ، فَيَدْخُلُ فِيهِمُ الكافِرُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ تَفْصِيلُهُ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ، قَتَلَ أوَّلُوهُمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَتَلُوا أتْباعَهم وهم راضُونَ بِما فَعَلُوا، وكانُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى حائِمِينَ حَوْلَ قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَوْلا أنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعالى ساحَتَهُ المَنِيعَةَ، وقَدْ أُشِيرُ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، والتَّقْيِيدُ "بِغَيْرِ حَقٍّ" لِلْإيذانِ بِأنَّهُ كانَ عِنْدَهم أيْضًَا بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ الفِعْلِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ القَتْلَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ أوْ بِاخْتِلافِهِما في الوَقْتِ. «عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًَا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًَّا أوْ رَجُلًَا أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأها ثُمَّ قالَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًَّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًَا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرُوا قَتَلَتَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًَا مِن آخِرِ النَّهارِ.» وقُرِئَ "وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ".
﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ إنَّ والفاءُ لِتَضَمُّنِ اسْمِها مَعْنى الشَّرْطِ، فَإنَّها بِالنَّسْخِ تُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ بَلْ تَزِيدُهُ تَأْكِيدًَا وكَذا الحالُ في النَّسْخِ بِأنَّ المَفْتُوحَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وكَذا النَّسْخُ بِـ "لَكِنَّ" كَما في قَوْلِهِ:
فَوَ اللَّهِ ما فارَقْتُكم عَنْ مَلالَةٍ ... ولَكِنَّ ما يُقْضى فَسَوْفَ يَكُونُ
وَإنَّما يَتَغَيَّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ (p-20)فِي النَّسْخِ بِـ "لَيْتَ" و "لَعَلَّ"، وقَدْ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ إلى مَنعِ دُخُولِ الفاءِ عِنْدَ النَّسْخِ مُطْلَقًَا فالخَبَرُ عِنْدَهُما قَوْلُهُ تَعالى:(
3:22Page 52
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢
They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ كَما في قَوْلِكَ: الشَّيْطانُ فاحْذَرْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وعَلى الأوَّلِ: هو اسْتِئْنافٌ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَرامِي أمْرِهِمْ في الضَّلالِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في فَظاعَةِ الحالِ والمَوْصُولُ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ خَبَرُهُ، أيْ: أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ، أوِ المُبْتَلُونَ بِأسْوَإ الحالِ الَّذِينَ بَطُلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها مِنَ البِرِّ والحَسَناتِ ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ في الدّارَيْنِ، بَلْ بَقِيَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ والخِزْيُ في الدُّنْيا وعَذابٌ ألِيمٌ في الآخِرَةِ.
﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ وعَذابِهِ في إحْدى الدّارَيْنِ، وصِيغَةُ الجَمِيعِ لِرِعايَةِ "ما" وقَعَ في مُقابَلَتِهِ "لا" لِنَفْيِ تَعَدُّدِ الأنْصارِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
3:23Page 53
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.
﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ أهْلِ الكِتابِ وسُوءِ صَنِيعِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ اخْتِلافَهم في الإسْلامِ إنَّما كانَ بَعْدَ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بِحَقِّيَّتِهِ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرُ.
﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ: التَّوْراةِ، عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ، وحَمْلُهُ عَلى جِنْسِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ تَطْوِيلٌ لِلْمَسافَةِ إذْ تَمامُ التَّقْرِيبِ حِينَئِذٍ بِكَوْنِ التَّوْراةِ مِن جُمْلَتِها، لِأنَّ مَدارَ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ إنَّما هو إعْراضُهم عَنِ المُحاكَمَةِ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ وهم لَمْ يُدْعُوا إلّا إلى التَّوْراةِ، والمُرادُ بِما أُوتُوهُ مِنها ما بُيِّنَ لَهم فِيها مِنَ العُلُومِ والأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ وحَقِّيَّةِ الإسْلامِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ اخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِهِ حَقًَّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والعَمَلُ بِمُوجِبِها، وما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ لِلتَّفْخِيمِ وحَمْلُهُ عَلى التَّحْقِيرِ لا يُساعِدُهُ مَقامُ المُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ.
﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ الَّذِي أُوتُوا نَصِيبًَا مِنهُ وهو التَّوْراةُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإيجابِ الإجابَةِ وإضافَتُهُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَشْرِيفِهِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: "ماذا يَصْنَعُونَ حَتّى يَنْظُرَ إلَيْهِمْ"، فَقِيلَ: "يُدْعَوْنَ إلى كِتابَ اللَّهِ تَعالى"، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَوْصُولِ.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَدارِسَهم فَدَعاهم إلى الإيمانِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرِوٍ والحَرْثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ؟ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، قالا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًَّا، فَقالَ ﷺ لَهُما: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ التَّوْراةُ فَهَلُمُّوا إلَيْها، فَأبَيا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الرَّجْمِ وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وقِيلَ: كِتابُ اللَّهِ القرآن، فَإنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. وقُرِئَ "لِيُحْكَمَ" عَلى بِناءِ المَجْهُولِ، فَيَكُونُ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم بِأنْ أسْلَمَ بَعْضُهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ وعاداهُمُ الآخَرُونَ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ اسْتِبْعادٌ لِتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ.
﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن فَرِيقٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أيْ: يَتَوَلَّوْنَ مِنَ المَجْلِسِ وهم مُعْرِضُونَ بِقُلُوبِهِمْ أوِ اعْتِراضٌ، أيْ: وهم قَوْمٌ دَيْدَنُهُمُ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ والإصْرارُ عَلى الباطِلِ.
3:24Page 53
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.
(p-21)﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ، و هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ بِاقْتِرافِ الذُّنُوبِ ورُكُوبِ المَعاصِي.
﴿إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وهي مِقْدارُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، ورَسَخَ اعْتِقادُهم عَلى ذَلِكَ و هَوَّنُوا عَلَيْهِمُ الخُطُوبَ.
﴿وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ وما أشْبَهَهُ مِن قَوْلِهِمْ إنَّ آباءَنا الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَنا، أوْ إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُعَذِّبَ أوْلادَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، ولِذَلِكَ ارْتَكَبُوا ما ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ.
3:25Page 53
فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥
So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.
﴿فَكَيْفَ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ المَذْكُورِ و إبْطالٌ لِما غَرَّهم بِاسْتِعْظامِ ما سَيَدْهَمُهم وتَهْوِيلِ ما سَيَحِيقُ بِهِمْ مِنَ الأهْوالِ، أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم.
﴿إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في وُقُوعِهِ و وُقُوعِ ما فِيهِ. رُوِيَ أنَّ أوَّلَ رايَةٍ تُرْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن راياتِ الكُفْرِ رايَةُ اليَهُودِ، فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ ما كَسَبَتْ مِن غَيْرِ نَقْصٍ أصْلًَا كَما يَزْعُمُونَ، وإنَّما وُضِعَ المَكْسُوبُ مَوْضِعَ جَزائِهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ الِاتِّصالِ و التَّلازُمِ بَيْنَهُما كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ العِبادَةَ لا تَحْبَطُ وأنَّ المُؤْمِنَ لا يُخَلَّدُ في النّارِ لِأنَّ تَوْفِيَةَ جَزاءِ إيمانِهِ وعَمَلِهِ لا تَكُونُ في النّارِ ولا قَبْلَ دُخُولِها، فَإذَنْ هي بَعْدَ الخَلاصِ مِنها.
﴿وَهُمْ﴾ أيْ: كُلُّ النّاسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ.
﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِزِيادَةِ عَذابٍ أوْ بِنَقْصِ ثَوابٍ بَلْ يُصِيبُ كُلًَّا مِنهم مِقْدارُ ما كَسَبَهُ.
3:26Page 53
قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦
Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ المِيمُ عِوَضٌ عَنْ حَرْفِ النِّداءِ ولِذَلِكَ لا يَجْتَمِعانِ وهَذا مِن خَصائِصَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، كَدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَعَ حَرْفِ التَّعْرِيفِ وقَطْعِ هَمْزَتِهِ ودُخُولِ تاءِ القَسَمِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: أصْلُهُ يا أللَّهُ أُمَّنا بِخَيْرٍ، أيِ: اقْصُدْنا بِهِ، فَخُفِّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ ومُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وهَمْزَتِهِ.
﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ: مالِكَ جِنْسِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ مِلْكًَا حَقِيقِيًَّا، بِحَيْثُ تَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما تَشاءُ إيجادًَا و إعْدامًَا، وإحْياءً وإماتَةً، وتَعْذِيبًَا و إثابَةً، مِن غَيْرِ مُشارِكٍ ولا مُمانِعٍ وهو نِداءٌ ثانٍ عِنْدِ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّ المِيمَ عِنْدَهُ تَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ.
﴿تُؤْتِي المُلْكَ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ مالِكِيَّةُ المَلِكِ وتَحْقِيقٌ لِاخْتِصاصِها بِهِ تَعالى حَقِيقَةً وكَوْنِ مالِكِيَّةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ المَجازِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الإيتاءِ الَّذِي هو مُجَرَّدُ الإعْطاءِ عَلى التَّمْلِيكِ المُؤْذِنُ بِثُبُوتِ المالِكِيَّةِ حَقِيقَةً.
﴿مَن تَشاءُ﴾ أيْ: إيتاءَهُ إيّاهُ.
﴿وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ أيْ: نَزْعَهُ مِنهُ، فالمُلْكُ الأوَّلُ حَقِيقِيٌّ عامٌّ ومَمْلُوكِيَّتُهُ حَقِيقِيَّةٌ، والآخَرانِ مَجازِيّانِ خاصّانِ ونِسْبَتُهُما إلى صاحِبِهِما مَجازِيَّةٌ، وقِيلَ: المُلْكُ الأوَّلُ عامٌّ والآخَرانِ بَعْضانِ مِنهُ، فَتَأمَّلْ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُلْكِ: النُّبُوَّةُ، و نَزْعُها: نَقْلُها مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ.
﴿وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ أنْ تُعِزَّهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما بِالنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ.
﴿وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ أنْ تُذِلَّهُ في إحْداهُما أوْ فِيهِما مِن غَيْرِ مُمانَعَةٍ مِنَ الغَيْرِ ولا مُدافَعَةٍ.
﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تَعْرِيفُ الخَيْرِ لِلتَّعْمِيمِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ: بِقُدْرَتِكَ الخَيْرُ كُلُّهُ لا بِقُدْرَةِ أحَدٍ غَيْرِكَ، تَتَصَرَّفُ (p-22)فِيهِ قَبْضًَا وبَسْطًَا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُكَ، وتَخْصِيصُ الخَيْرِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّهُ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ، وأمّا الشَّرُّ فَمَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، إذْ ما مِن شَرٍّ جُزْئِيٍّ إلّا وهو مُتَضَمِّنٌ لِخَيْرٍ كُلِّيٍّ أوْ لِأنَّ في حُصُولِ الشَّرِّ دَخْلًَا لِصاحِبِهِ في الجُمْلَةِ، لِأنَّهُ مِن أجْزِيَةِ أعْمالِهِ، وأمّا الخَيْرُ فَفَضْلٌ مَحْضٌ أوْ لِرِعايَةِ الأدَبِ أوْ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ. فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا خَطَّ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ وقَطَعَ لِكُلِّ عَشْرَةٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ أرْبَعِينَ ذِراعًَا وأخَذُوا يَحْفِرُونَهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ صَخْرَةٌ كالتَّلِّ لَمْ تَعْمَلْ فِيها المَعاوِلُ، فَوَجَّهُوا سَلْمانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَجاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخَذَ مِنهُ المِعْوَلَ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَّعَتْها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها لَكَأنَّ مِصْباحًَا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ، وقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ الحِيرَةِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورُ الحُمْرُ مِن أرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي قُصُورُ صَنْعاءَ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّها، فَأبْشِرُوا، فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ يُمَنِّيكم ويَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ إنَّما تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الفَرَقِ لا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا، فَنَزَلَتْ.
﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ وتَحْقِيقٌ لَهُ.
3:27Page 53
تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧
You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ أيْ: تُدْخِلُهُ فِيهِ بِتَعْقِيبِهِ إيّاهُ أوْ بِنَقْصِ الأوَّلِ وزِيادَةِ الثّانِي.
﴿وَتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ.
﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ: تُنْشِئُ الحَيَواناتِ مِن مَوادِّها أوْ مِنَ النُّطْفَةِ، وقِيلَ: تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ.
﴿وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيْ: تُخْرِجُ النُّطْفَةَ مِنَ الحَيَوانِ، وقِيلَ: تُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ.
﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قالَ أبُو العَبّاسِ المُقْرِيُّ: ورَدَ لَفْظُ الحِسابِ في القرآن عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، بِمَعْنى التَّعَبِ: قالَ تَعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ و بِمَعْنى العَدَدِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وبِمَعْنى المُطالَبَةِ: قالَ تَعالى: ﴿فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ و "الباءُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "تَرْزُقُ" أوْ مِن مَفْعُولِهِ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى أمْثالِ هاتِيكَ الأفاعِيلِ العِظامِ المُحَيِّرَةِ لِلْعُقُولِ والأفْهامِ، فَقدرته عَلى أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهم ويُؤْتِيَهُ العَرَبَ ويُعِزَّهم أهْوَنُ مِن كُلِّ هَيِّنٍ. عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "إنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ وآيَةَ الكُرْسِيِّ وآيَتَيْنِ مِن آلِ عِمْرانَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ و( ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مُعَلَّقاتٌ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى حِجابٌ، قُلْنَ: يا رَبُّ تُهْبِطُنا إلى أرْضِكَ وإلى مَن يَعْصِيكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: إنِّي حَلَفْتُ أنَّهُ لا يَقْرَؤُكُنَّ أحَدٌ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ إلّا جَعَلْتُ الجَنَّةَ مَثْواهُ عَلى ما كانَ مِنهُ وأسْكَنْتُهُ في حَظِيرَةِ القُدُسِ ونَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وقَضَيْتُ لَهُ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ وأعَذْتُهُ مِن كُلِّ عَدُوٍّ وحاسِدٍ ونَصَرْتُهُ عَلَيْهِمْ"،» وفي بَعْضِ الكُتُبِ: "أنا اللَّهُ مَلِكُ المُلُوكِ قُلُوبُ المُلُوكِ ونَواصِيهِمْ بِيَدِي فَإنِ العِبادُ أطاعُونِي جَعَلْتُهم لَهم رَحْمَةً وإنِ العِبادُ عَصَوْنِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً فَلا (p-23)تَشْتَغِلُوا بِسَبِّ المُلُوكِ ولَكِنْ تُوبُوا إلَيَّ أُعْطِفُهم عَلَيْكُمْ"، وهو مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكُمْ".»
3:28Page 53
لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨
Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.
﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ نُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمْ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ جاهِلِيَّةٍ ونَحْوِهِما مِن أسْبابِ المُصادَقَةِ والمُعاشَرَةِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوُا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ حَتّى لا يَكُونَ حُبُّهم و لا بُغْضُهم إلّا لِلَّهِ تَعالى أوْ عَنِ الاسْتِعانَةِ بِهِمْ في الغَزْوِ وسائِرِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمِ اسْتِقْلالًَا أوِ اشْتِراكًَا، و فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِالمُوالاةِ وأنَّ في مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةً عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ.
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: اتِّخاذَهم أوْلِياءَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفِعْلِ لِلِاخْتِصارِ أوْ لِإيهامِ الِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِهِ.
﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن وِلايَتِهِ تَعالى.
﴿فِي شَيْءٍ﴾ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الوِلايَةِ فَإنَّ مُوالاةَ المُتَعادِيَيْنِ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ، قالَ:
؎ تَوُدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي ∗∗∗ صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبِ
والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا﴾ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والعامِلُ فِعْلُ النَّهْيِ مُعْتَبَرًَا فِيهِ الخِطابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ ظاهِرًَا أوْ باطِنًَا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ اتِّقائِكم.
﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جِهَتِهِمْ.
﴿تُقاةً﴾ أيِ: اتِّقاءً أوْ شَيْئًَا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ، عَلى أنَّ المَصْدَرَ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ إظْهارُ المُوالاةِ حِينَئِذٍ مَعَ اطْمِئْنانِ النَّفْسِ بِالعَداوَةِ والبَغْضاءِ وانْتِظارِ زَوالِ المانِعِ مِن قَشْرِ العَصا وإظْهارِ ما في الضَّمِيرِ، كَما قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: "كُنْ وسَطًَا و امْشِ جانِبًَا"، وأصْلُ "تُقاةً": وُقْيَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الواوُ تاءً كَتُخَمَةٍ وتُهْمَةٍ وقُلِبَتِ الياءُ ألِفًَا وقُرِئَ تُقْيَةً.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ: ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ، فَإنَّ جَوازَ إطْلاقِ لَفْظِ النَّفْسِ مُرادًَا بِهِ الذّاتُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِلا مُشاكَلَةٍ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ بِعَدَمِ الجَوازِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ إلّا مُشاكَلَةً وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى عِظَمُهُ، وذِكْرُ النَّفْسِ لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهُ عِقابًَا هائِلًَا لا يُؤْبَهُ دُونَهُ بِما يُحْذَرُ مِنَ الكَفَرَةِ.
﴿وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُحَقِّقٌ لِوُقُوعِهِ حَتْمًَا.
3:29Page 53
قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩
Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.
﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وِلايَةُ الكَفَرَةِ.
﴿أوْ تُبْدُوهُ﴾ فِيما بَيْنَكم.
﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فَيُؤاخِذْكم بِذَلِكَ عِنْدَ مَصِيرِكم إلَيْهِ، وتَقْدِيمُ الإخْفاءِ عَلى الإبْداءِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ و قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .
﴿وَيَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ وهو مِن بابِ إيرادِ العامِ بَعْدَ الخاصِّ تَأْكِيدًَا لَهُ وتَقْرِيرًَا.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى عُقُوبَتِكم بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَهْوِيلِ (p-24)الخَطْبِ، وهو تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ بِأنَّ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ المُتَمَيِّزَةَ عَنْ سائِرِ الذَّواتِ المُتَّصِفَةَ بِما لا يَتَّصِفُ بِهِ شَيْءٌ مِنها مِنَ العِلْمِ الذّاتِيِّ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مُتَّصِفَةٌ بِالقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ المَقْدُوراتِ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ قَطُّ.
3:30Page 54
يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠
The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ.
﴿ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ عِنْدَها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لَيْسَ في حاضِرًَا.
﴿وَما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما عَمِلَتْ" والإحْضارُ مُعْتَبَرٌ فِيهِ أيْضًَا إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالذِّكْرِ في الخَيْرِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ الخَيْرِ مُرادًَا بِالذّاتِ وكَوْنِ إحْضارِ الشَّرِّ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ.
﴿تَوَدُّ﴾ عامِلٌ في الظَّرْفِ، و المَعْنى: تَوَدُّ وتَتَمَنّى يَوْمَ تَجِدُ صَحائِفَ أعْمالِها مِنَ الخَيْرِ و الشَّرِّ أوْ أجْزِيَتَها مُحْضَرَةً.
﴿لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ﴾ أيْ: بَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾ لِغايَةِ هَوْلِهِ، وفي إسْنادِ الوِدادَةِ إلى كُلِّ نَفْسٍ سَواءً كانَ لَها عَمَلٌ سَيِّءٌ أوْ لا، بَلْ كانَتْ مُتَمَحِّضَةً في الخَيْرِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ فَظاعَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَوْلِ مَطْلَعِهِ ما لا يَخْفى. - اللَّهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِن ذَلِكَ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ يَوْمَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِإضْمارِ اذْكُرُوا، و "تَوَدُّ" إمّا حالٌ مِن كُلِّ نَفْسٍ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، أيِ: اذْكُرُوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ مُحْضَرًَا وادَّةً أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًَا بَعِيدًَا، أوْ كَأنَّ سائِلًَا قالَ حِينَ أُمِرُوا بِذِكْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ: فَماذا يَكُونُ إذْ ذاكَ؟ فَقِيلَ: تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها إلَخْ، أوْ تَجِدُهُ مَقْصُورًَا عَلى ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، و "تَوَدُّ" خَبَرُ "ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ" ولا تَكُونُ "ما" شَرْطِيَّةً لِارْتِفاعِ "تَوَدُّ". وقُرِئَ "وَدَّتْ" فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ كَوْنُها شَرْطِيَّةً، لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الخَبَرِ أوْقَعُ مَعْنىً لِأنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ وأوْفَقُ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ وإعادَةٌ لَهُ لَكِنْ لا لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ بَلْ لِإفادَةِ ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ تَعالى مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ ورَحْمَتِهِ الواسِعَةِ أوْ أنَّ رَأْفَتَهُ بِهِمْ لا تَمْنَعُ تَحْقِيقَ ما حَذَّرَهُمُوهُ مِن عِقابِهِ وأنَّ تَحْذِيرَهُ لَيْسَ مَبْنِيًَّا عَلى تَناسِي صِفَةِ الرَّأْفَةِ بَلْ هو مُتَحَقِّقٌ مَعَ تَحَقُّقِها أيْضًَا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضٌ، وعَلى الثّانِي حالٌ، وتَكْرِيرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences