Abu as-Su'udAli 'Imran · 3:38–45

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:38–45

3:38Page 55

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

﴿هُنالِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ وقِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سِيقَتْ في تَضاعِيفِ (p-31)حِكايَةِ مَرْيَمَ لِما بَيْنَهُما مِن قُوَّةِ الِارْتِباطِ وشِدَّةِ الِاشْتِباكِ مَعَ ما في إيرادِها مِن تَقْرِيرِ ما سِيقَتْ لَهُ حِكايَتُها مِن بَيانِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، فَإنَّ فَضائِلَ بَعْضِ الأقْرِباءِ أدِلَّةٌ عَلى فَضائِلِ الآخَرِينَ، و "هُنا" ظَرْفُ مَكانٍ و "اللّامُ" لِلدِّلالَةِ عَلى البُعْدِ و "الكافُ" لِلْخِطابِ، أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ حَيْثُ هو قاعِدٌ عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ إذْ يُسْتَعارُ "هُنا" و "ثَمَّةَ" و "حَيْثُ" لِلزَّمانِ.

﴿دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ لَمّا رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ عَلى اللَّهِ ومَنزِلَتَها مِنهُ تَعالى رَغِبَ في أنْ يَكُونَ لَهُ مِن إيشاعَ ولَدٌ مِثْلُ ولَدِ حَنَّةَ في النَّجابَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى و إنْ كانَتْ عاقِرًَا عَجُوزًَا فَقَدْ كانَتْ حَنَّةُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا رَأى الفَواكِهَ في غَيْرِ إبّانِها تَنَبَّهَ لِجَوازِ وِلادَةِ العَجُوزِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ الفانِي، فَأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفِعْلِ لا عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ كانَ هو المُوجِبَ لِلْإقْبالِ عَلى الدُّعاءِ فَقَطْ بَلْ كانَ جُزْءًَا أخِيرًَا مِنَ العِلَّةِ التّامَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كِبَرُ سِنِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و ضَعْفُ قُواهُ وخَوْفُ مَوالِيهِ حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ مَرْيَمَ.

﴿قالَ﴾ تَفْسِيرٌ لِلدُّعاءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهَبْ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، فَـ"اللّامُ" صِلَةٌ لَهُ و "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا، أيْ: أعْطِنِي مِن مَحْضِ قُدْرَتِكَ مِن غَيْرِ وسَطٍ مُعْتادٍ.

﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كَما وهَبْتَها لِحَنَّةَ، و يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ "مِن" بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "ذُرِّيَّةً"، أيْ: كائِنَةً مِن لَدُنْكَ، و "الذُّرِّيَّةُ": النَّسْلُ، تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والذَّكَرِ والأُنْثى، و المُرادُ هَهُنا: ولَدٌ واحِدٌ فالتَّأْنِيثُ في الصِّفَةِ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ المَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ: أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ... وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ

وَهَذا إذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ، أمّا إذا قُصِدَ بِهِ المُعَيَّنُ امْتَنَعَ اعْتِبارُ اللَّفْظِ نَحْوُ: طَلْحَةُ وحَمْزَةُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَتْ طَلْحَةُ وذَهَبَتْ حَمْزَةُ.

﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: مُجِيبُهُ، و هو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَحْرِيكٌ لِسِلْسِلَةِ الإجابَةِ.

3:39Page 55

فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ كانَ المُنادِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ، فَناداهُ جِبْرِيلُ و الجَمْعُ كَما في قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ الثِّيابَ ومالَهُ غَيْرُ فَرَسٍ وثَوْبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أتاهُ النِّداءُ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِينَ هُمُ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: لَمّا كانَ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَئِيسَهم عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الجَماعَةِ تَعْظِيمًَا لَهُ. وقِيلَ: الرَّئِيسُ لا بُدَّ لَهُ مِن أتْباعٍ، فَأسْنَدَ النِّداءَ إلى الكُلِّ مَعَ كَوْنِهِ صادِرًَا عَنْهُ خاصَّةً. وقُرِئَ فَنادِاهُ بِالإمالَةِ.

﴿وَهُوَ قائِمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ النِّداءِ مُقَرِّرٌ لِما أفادَهُ الفاءُ مِن حُصُولِ البِشارَةِ عَقِيبَ الدُّعاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلى﴾ إمّا صِفَةٌ لِ قائِمٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ عِنْدِ مَن يَرى تَعَدُّدَهُ عِنْدَ كَوْنِ الثّانِي جُمْلَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ عَلى القَوْلِ بِتَعَدُّدِها بِلا عَطْفٍ و لا بَدَلِيَّةٍ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "قائِمٌ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي المِحْرابِ﴾ أيْ: في المَسْجِدِ أوْ في غُرْفَةِ مَرْيَمَ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُصَلِّي﴾ أوْ بِـ ﴿قائِمٌ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿يُصَلِّي﴾ حالًَا مِن ضَمِيرِ ﴿قائِمٌ﴾ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ، و في الحالِ حِينَئِذٍ شَيْءٌ واحِدٌ فَلا يَلْزَمُ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ كَما يَلْزَمُ عَلى التَّقادِيرِ الباقِيَةِ.

﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ أيْ: بِأنَّ اللَّهَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ النِّداءِ مَجْراهُ لِكَوْنِهِ (p-32)نَوْعًَا مِنهُ. وقُرِئَ "يُبْشِرُكَ" مِنَ الإبْشارِ، و "يَبْشُرُكَ" مِنَ الثُّلاثِيِّ، وأيًَّا ما كانَ؛ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ إلى آخِرِهِ مَحْكِيًَّا بِعِبارَتِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ﴾ الآيَةُ. كَما يَلُوحُ بِهِ مُراجَعَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجَوابِ إلَيْهِ تَعالى بِالذّاتِ لا بِواسِطَةِ المَلِكِ، والعُدُولُ عَنْ إسْنادِ التَّبْشِيرِ إلى نُونِ العَظَمَةِ حَسْبَما وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ كَما في قَوْلِ الخُلَفاءِ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَرْسُمُ لَكَ بِكَذا، و لِلْإيذانِ بِأنَّ ما حُكِيَ هُناكَ مِنَ النِّداءِ و التَّبْشِيرِ و ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المُحاوَرَةِ كانَ كُلُّ ذَلِكَ بِتَوَسُّطِ المَلِكِ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لا بِالذّاتِ كَما هو المُتَبادِرُ، و بِهَذا يَتَّضِحُ اتِّحادُ المَعْنى في السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ، فَتَأمَّلْ. و "يَحْيى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وإنْ جُعِلَ عَرَبِيًَّا فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلتَّعْرِيفِ و وزْنِ الفِعْلِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: "إنَّما سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ". و قالَ قَتادَةُ: لِأنَّهُ تَعالى أحْيا قَلْبَهُ بِالإيمانِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: كانَ اسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَيًَّا، و لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ يَعُودُ إلَيْهِ الحالُ، أيْ: بِوِلادَةِ يَحْيى فَإنَّ التَّبْشِيرَ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ.

﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن يَحْيى.

﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و إنَّما سُمِّيَ "كَلِمَةً" لِأنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَةِ كُنْ مِن غَيْرِ أبٍ، فَشابَهَ البَدِيعِيّاتِ الَّتِي هي عالَمُ الأمْرِ، و "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةٍ لِـ "كَلِمَةٍ"، أيْ: بِكَلِمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ تَعالى. قِيلَ: هو أوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ وصَدَّقَ بِأنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ و رُوحٌ مِنهُ. و قالَ السُّدِّيُّ: لَقِيَتْ أُمُّ يَحْيى أُمَّ عِيسى فَقالَتْ: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ بِحَبَلِي، فَقالَتْ مَرْيَمُ: وأنا أيْضًَا حُبْلى، قالَتْ: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ إلَخْ... وقالَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ يَحْيى كانَ أكْبَرَ مِن عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ، و قُتِلَ قَبْلَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ بَيْنَ وِلادَةِ يَحْيى وبَيْنَ البِشارَةِ بِها زَمانٌ مَدِيدٌ لِما أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ وهي بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ بِنْتُ عَشْرِ سِنِينَ. وقِيلَ: بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، أيْ: بِكِتابِ اللَّهِ سُمِّيَ كَلِمَةً كَما قِيلَ: كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِقَصِيدَتِهِ.

﴿وَسَيِّدًا﴾ عَطْفٌ عَلى مُصَدِّقًَا، أيْ: رَئِيسًَا يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم في الشَّرَفِ، وكانَ فائِقًَا لِلنّاسِ قاطِبَةً فَإنَّهُ لَمْ يُلِمَّ بِخَطِيئَةٍ ولَمْ يُهِمَّ بِمَعْصِيَةٍ فَيالَها مِن سِيادَةٍ ما أسْناها.

﴿وَحَصُورًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: مُبالِغًَا في حَصْرِ النَّفْسِ وحَبْسِها عَنِ الشَّهَواتِ مَعَ القُدْرَةِ. رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ فَدَعَوْهُ إلى اللَّعِبِ، فَقالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ.

﴿وَنَبِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما عُدِّدَ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ.

﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًَا مِنهُمْ، لِأنَّهُ كانَ مِن أصْلًَابِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ كائِنًَا مِن جُمْلَةِ المَشْهُورِينَ بِالصَّلاحِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ والمُرادُ بِالصَّلاحِ: ما فَوْقَ الصَّلاحِ الَّذِي لابُدَّ مِنهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ البَتَّةَ مِن أقاصِي مَراتِبِهِ، وعَلَيْهِ مَبْنِيٌّ دُعاءُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .

3:40Page 55

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿رَبِّ﴾ لَمْ يُخاطِبِ المَلِكُ المُنادِيَ لَهُ بِمُلابَسَةِ أنَّهُ المُباشِرُ لِلْخِطابِ وإنْ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ عَنْهُ تَعالى، بَلْ جَرى عَلى نَهْجِ دُعائِهِ السّابِقِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ والمُناجاةِ وجِدًَّا في التَّبَتُّلِ إلَيْهِ تَعالى واحْتِرازًَا عَمّا عَسى يُوهِمُ (p-33)خِطابُ المَلِكِ مِن تَوَهُّمِ أنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ يَتَوَقَّفُ عَلى تَوَسُّطِهِ كَما يَتَوَقَّفُ وُقُوفُ البَشَرِ عَلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ عَلى تَوَسُّطِهِ في عامَّةِ الأحْوالِ وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ في بَعْضِها.

﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ فِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ أُخْبِرَ بِكَوْنِهِ غُلامًَا عِنْدَ التَّبْشِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ و "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ، و "كانَ" تامَّةٌ، و "أنّى" و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَتانِ بِها وتَقْدِيمُ الجارِّ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ الاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ يَحْدُثُ لِي غُلامٌ؟ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "غُلامٌ" إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ أوْ ناقِصَةً واسْمُها ظاهِرٌ وخَبَرُها إمّا (أنّى واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما مَرَّ أوْ هو الخَبَرُ و "أنّى" مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ حالٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: أدْرَكَنِي كِبَرُ السِّنِّ و أثَّرَ فِيَّ كَقَوْلِهِمْ: أدْرَكَتْهُ السِّنُّ و أخَذَتْهُ السِّنُّ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ كِبَرَ السِّنِّ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مِن طَلائِعِ المَوْتِ طالِبٌ لِلْإنْسانِ لا يَكادُ يَتْرُكُهُ. قِيلَ: كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً. وقِيلَ: اثْنَتانِ وتِسْعُونَ. وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ. وقِيلَ: سِتُّونَ. وقِيلَ: خَمْسٌ وسِتُّونَ. وقِيلَ: سَبْعُونَ. وقِيلَ: خَمْسٌ وسَبْعُونَ. وقِيلَ: خَمْسٌ وثَمانُونَ ولِامْرَأتِهِ ثَمانٍ وتِسْعُونَ.

﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ أيْ: ذاتُ عُقْرٍ، و هو أيْضًَا حالٌ مِن ياءِ "لِي" عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحالِ أوْ مِن ياءِ "بَلَغَنِي" أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لِي ذَلِكَ؟ والحالُ أنِّي و امْرَأتِي عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ كُلَّ المُنافاةِ، وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ سَبْقِ دُعائِهِ بِذَلِكَ وقُوَّةِ يَقِينِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، لاسِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلشَّواهِدِ السّالِفَةِ اسْتِعْظامًَا لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعْجِيبًَا مِنها واعْتِدادًَا بِنِعْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ في ذَلِكَ لا اسْتِبْعادًَا لَهُ. وقِيلَ: بَلْ كانَ ذَلِكَ لِلِاسْتِبْعادِ حَيْثُ كانَ بَيْنَ الدُّعاءِ والبِشارَةِ سِتُّونَ سَنَةً وكانَ قَدْ نَسِيَ دُعاءَهُ وهو بَعِيدٌ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ اسْتِفْهامًَا عَنْ كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ.

﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ "يَفْعَلُ" في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَهُ مِن تَعاجِيبِ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ، فَـ "اللَّهُ" مُبْتَدَأٌ و "يَفْعَلُ" خَبَرُهُ و "الكافُ" في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها في الأصْلِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَهُ فِعْلًَا مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ العَجِيبِ والصُّنْعِ البَدِيعِ الَّذِي هو خَلْقُ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ، فَقُدِّمَ عَلى العامِلِ لِإفادَةِ القَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو أدْنى مِنَ المُشارِ إلَيْهِ، و اعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ أوْ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مَعْرِفَةً، أيْ: يَفْعَلُ الفِعْلَ كائِنًَا مِثْلَ ذَلِكَ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ و الجَلالَةُ مُبْتَدَأٌ، أيْ: عَلى نَحْوِ هَذا الشَّأْنِ البَدِيعِ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى، و ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانٌ لِذَلِكَ الشَّأْنِ المُبْهَمِ أوْ "كَذَلِكَ" خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانٌ لَهُ.

3:41Page 55

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١

He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى تَحَقُّقِ المَسْؤُولِ و وُقُوعِ الحَبَلِ وإنَّما سَألَها لِأنَّ العُلُوقَ أمْرٌ خَفِيٌّ لا يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَأرادَ أنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيلَةَ مِن حِينِ حُصُولِها بِالشُّكْرِ ولا (p-34)يُؤَخِّرَهُ إلى أنْ يَظْهَرَ ظُهُورًَا مُعْتادًَا، ولَعَلَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ بَعْدَ البِشارَةِ بِزَمانٍ مَدِيدٍ إذْ بِهِ يَظْهَرُ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ التَّفاوُتِ بَيْنَ سِنَّيْ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ أوْ بِثَلاثِ سِنِينَ، لِأنَّ ظُهُورَ العَلامَةِ كانَ عَقِيبَ تَعْيِينِها لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ. اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ المُجاوَبَةُ بَيْنَ زَكَرِيّا ومَرْيَمَ في حالَةِ كِبَرِها، وقَدْ عُدَّتْ مِن جُمْلَةِ مَن تَكَلَّمَ في الصِّغَرِ بِمُوجِبِ قَوْلِها المَحْكِيِّ، و الجَعْلُ إبْداعِيٌّ و اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ و التَّقْدِيمُ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ الاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن ﴿ "آيَةً".﴾ وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المُسْتَدْعِي لِمَفْعُولَيْنِ، أوَّلُهُما: "آيَةً"، وثانِيهِما: "لِي"، و التَّقْدِيمُ لِأنَّهُ لا مُسَوِّغَ لِكَوْنِ "آيَةً" مُبْتَدَأً عِنْدَ انْحِلالِ الجُمْلَةِ إلى مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ سِوى تَقْدِيمِ الجارِّ فَلا يَتَغَيَّرُ حالُهُما بَعْدَ دُخُولِ النّاسِخِ.

﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ: أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ.

﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ: مُتَوالِيَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ و إنَّما جُعِلَتْ آيَتُهُ ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ المُدَّةِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِهِ قَضاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: آيَةُ حُصُولِ المَطْلُوبِ و وُصُولِ النِّعْمَةِ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ إلّا عَنْ شُكْرِها، وأحْسَنُ الجَوابِ ما اشْتُقَّ مِنَ السُّؤالِ.

﴿إلا رَمْزًا﴾ أيْ: إشارَةً بِيَدٍ أوْ رَأْسٍ أوْ نَحْوِهِما وأصْلُهُ التَّحَرُّكُ يُقالُ ارْتَمَزَ، أيْ: تَحَرَّكَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ: "الرّامُوزُ"، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ الإشارَةَ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ الكَلامِ أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَلامِ ما فُهِمَ مِنهُ المَرامُ، و لا رَيْبَ في كَوْنِ الرَّمْزِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ. وقُرِئَ "رَمَزًَا" بِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ رامِزٍ كَخَدَمٍ، وبِضَمَّتَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ رُمُوزٍ كَرُسُلٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ ومِنَ النّاسِ مَعا بِمَعْنى مُتَرامِزَيْنِ كَقَوْلِهِ:

؎ مَتى ما تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرْجُفُ ∗∗∗ رَوانِفُ إلْيَتَيْكَ وتُسْتَطارا

﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيْ: في أيّامِ الحَبْسَةِ شُكْرًَا لِحُصُولِ التَّفَضُّلِ والإنْعامِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية.

﴿كَثِيرًا﴾ أيْ: ذِكْرًَا كَثِيرًَا أوْ زَمانًَا كَثِيرًَا.

﴿وَسَبِّحْ﴾ أيْ: سَبِّحْهُ تَعالى أوِ افْعَلِ التَّسْبِيحَ.

﴿بِالعَشِيِّ﴾ أيْ: مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ.

﴿والإبْكارِ﴾ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى الضُّحى. قِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلاةُ، بِدَلِيلِ تَقْيِيدِهِ بِالوَقْتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ . وقِيلَ: الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ، كَما أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ: الذِّكْرُ القَلْبِيُّ. وقُرِئَ "الأبْكارِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ بِكَرٍ كَسَحَرٍ وأسْحارٍ.

3:42Page 55

وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في شَرْحِ بَقِيَّةِ أحْكامِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ إثْرَ الإشارَةِ إلى نُبَذٍ مِن فَضائِلَ بَعْضِ أقارِبِهِمْ - أعْنِي زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِاسْتِدْعاءِ المَقامِ إيّاهُما حَسْبَما أُشِيرُ إلَيْهِ. وقُرِئَ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ و المُرادُ بِـ "المَلائِكَةُ": جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ، و "إذْ" مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى المُضْمَرِ السّابِقِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الظَّرْفِ السّابِقِ أعْنِي( قَوْلَهُ: إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ فَتَدَبَّرْ، أيْ: واذْكُرْ أيْضًَا مِن شَواهِدِ اصْطِفائِهِمْ وقْتَ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿يا مَرْيَمُ﴾ وتَكْرِيرُ التَّذْكِيرِ لِلْإشْعارِ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِما يُحْكى مِن أحْكامِ الِاصْطِفاءِ والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِها وانْفِرادِها عَنِ الأحْكامِ السّابِقَةِ، فَإنَّها مِن أحْكامِ التَّرْبِيَةِ الجِسْمانِيَّةِ اللّائِقَةِ بِحالِ صِغَرِ مَرْيَمَ، وهَذِهِ مِن بابِ التَّرْبِيَةِ (p-35)الرُّوحانِيَّةِ بِالتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِحالِ كِبَرِها. قِيلَ: كَلَّمُوها شِفاهًَا كَرامَةً لَها أوْ إرْهاصًَا لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَكانِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَسْتَنْبِئِ امْرَأةً، وقِيلَ: ألْهَمُوها.

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ أوَّلًَا حَيْثُ تَقَبَّلَكِ مِن أُمِّكِ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ولَمْ يَتَقَبَّلْ غَيْرَكِ أُنْثى و رَبّاكِ في حِجْرِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ورَزَقَكِ مِن رِزْقِ الجَنَّةِ وخَصَّكِ بِالكَراماتِ السَّنِيَّةِ.

﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أيْ: مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الأحْوالِ والأفْعالِ ومِمّا قَذَفَكِ بِهِ اليَهُودُ بِإنْطاقِ الطِّفْلِ.

﴿واصْطَفاكِ﴾ آخِرًَا.

﴿عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ بِأنْ وهَبَ لَكِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ وجَعَلَكُما آيَةً لِلْعالَمِينَ، فَعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ حِكايَةِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى حِكايَةِ بِشارَتِها بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًَّا مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلِاسْتِقْلالِ بِالتَّذْكِيرِ، و لَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَتَبادَرَ كَوْنُ الكُلِّ شَيْئًَا واحِدًَا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاصْطِفاءَيْنِ واحِدٌ و التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ وتَبْيِينِ مَنِ اصْطَفاها عَلَيْهِنَّ، فَحِينَئِذٍ لا إشْكالَ في تَرْتِيبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ إذْ يُحْمَلُ حِينَئِذٍ الِاصْطِفاءُ عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًَا، و تُجْعَلُ هَذِهِ المُقاوَلَةُ قَبْلَ بِشارَتِها بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيذانًَا بِكَوْنِها قَبْلَ ذَلِكَ مُتَوَفِّرَةً عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ حَسْبَما أُمِرَتْ بِها مُجْتَهِدَةً فِيها مُقْبِلَةً عَلى اللَّهِ تَعالى مُتَبَتِّلَةً إلَيْهِ تَعالى مُنْسَلِخَةً عَنْ أحْكامِ البَشَرِيَّةِ مُسْتَعِدَّةً لِفَيَضانِ الرُّوحِ عَلَيْها.

3:43Page 55

يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

﴿يا مَرْيَمُ﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالخِطابِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ، و أنَّ ما قَبْلَهُ مِن تَذْكِيرِ النِّعَمِ كانَ تَمْهِيدًَا لِذِكْرِهِ وتَرْغِيبًَا في العَمَلِ بِمُوجِبِهِ.

﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ: قُومِي في الصَّلاةِ أوْ أطِيلِي القِيامَ فِيها لَهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَها لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ.

﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أُمِرَتْ بِالصَّلاةِ بِالجَماعَةِ بِذِكْرِ أرْكانِها مُبالَغَةً في إيجابِ رِعايَتِها و إيذانًَا بِفَضِيلَةِ كُلٍّ مِنها و أصالَتِهِ، و تَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ إمّا لِكَوْنِ التَّرْتِيبِ في شَرِيعَتِهِمْ كَذَلِكَ، و إمّا لِكَوْنِ السُّجُودِ أفْضَلَ أرْكانِ الصَّلاةِ وأقْصى مَراتِبِ الخُضُوعِ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنَ التَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ كَذَلِكَ بَلِ اللّائِقُ بِهِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى و إمّا لِيَقْتَرِنَ ارْكَعِي بِالرّاكِعِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لا رُكُوعَ في صَلاتِهِمْ لَيْسُوا مُصَلِّينَ، و أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ فَغايَتُهُ التَّصْحِيحُ لا التَّرْجِيحُ، و تَجْرِيدُ الأمْرِ بِالرُّكْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ عَمّا قُيِّدَ بِهِ الأوَّلُ لِما أنَّ المُرادَ تَقْيِيدُ الأمْرِ بِالصَّلاةِ بِذَلِكَ و قَدْ فَعَلَ، حَيْثُ قَيَّدَ بِهِ الرُّكْنَ الأوَّلَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِالقُنُوتِ إدامَةُ الطّاعاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ و بِالسُّجُودِ الصَّلاةُ لِما مَرَّ مِن أنَّهُ أفْضَلُ أرْكانِها، و بِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ والإخْباتُ. قِيلَ: لَمّا أُمِرَتْ بِذَلِكَ قامَتْ في الصَّلاةِ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها وسالَتْ دَمًَا وقَيْحًَا.

3:44Page 55

ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ و بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: مِنَ الأنْباءِ المُتَعَلِّقَةِ بِالغَيْبِ، (p-36)والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى. و قِيلَ: الخَبَرُ هو الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ، و ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ "نُوحِيهِ" أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، أيْ: نُوحِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ أوْ نُوحِيهِ حالَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ أنْباءِ الغَيْبِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ.

﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا وتَنازَعُوا في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، و هو تَقْرِيرٌ و تَحْقِيقٌ لِكَوْنِهِ وحْيًَا عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ الآيَةُ.

﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ الآيَةُ. فَإنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ أمْثالِ هاتِيكَ الحَوادِثِ والواقِعاتِ إمّا المُشاهَدَةُ، وإمّا السَّماعُ، وعَدَمُهُ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم فَبَقِيَ احْتِمالُ المُعايَنَةِ المُسْتَحِيلَةِ ضَرُورَةً فَنُفِيَتْ تَهَكُّمًَا بِهِمْ.

﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ العامِلِ في لَدَيْهِمْ وأقْلامُهم أقْداحُهُمُ الَّتِي اقْتَرَعُوا بِها. وقِيلَ: اقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ تَبَرُّكًَا.

﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ "يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ" أيْ: يُلْقُونَها يَنْظُرُونَ أوْ لِيَعْلَمُوا أيَّهم يَكْفُلُها.

﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: في شَأْنِها تَنافُسًَا في كَفالَتِها حَسْبَما ذَكَرَ فِيما سَبَقَ و تَكْرِيرُ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ المَقْصُودِ بِعَطْفِ "إذْ يَخْتَصِمُونَ" عَلى "إذْ يُلْقُونَ" كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن:عَدَمِ حُضُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ إلْقاءِ الأقْلامِ وعَدَمِ حُضُورِهِ عِنْدَ الِاخْتِصامِ مُسْتَقِلٌّ بِالشَّهادَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا سِيَّما إذا أُرِيدَ بِاخْتِصامِهِمْ تَنازُعُهم قَبْلَ الِاقْتِراعِ، فَإنَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ مُؤَكِّدٌ لَهُ.

3:45Page 55

إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥

[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh gives you good tidings of a word1 from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allāh].

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو بَدَلٌ مِن "وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ" مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ، و ما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًَا لِما سَبَقَ و تَنْبِيهًَا عَلى اسْتِقْلالِهِ وكَوْنِهِ حَقِيقًَا بِأنْ يُعَدَّ عَلى حِيالِهِ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ، و تَرْكُ العَطْفِ بَيْنَهُما بِناءً عَلى اتِّحادِ المُخاطَبِ وإيذانًَا بِتَقارُنِ الخِطابَيْنِ أوْ تَقارُبِهِما في الزَّمانِ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ناصِبِهِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "إذْ يَخْتَصِمُونَ" كَأنَّهُ قِيلَ: وما كُنْتَ حاضِرًَا في ذَلِكَ الزَّمانِ المَدِيدِ الَّذِي وقَعَ في طَرَفٍ مِنهُ الِاخْتِصامُ و في طَرَفٍ آخَرَ هَذا الخِطابُ إشْعارًَا بِإحاطَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ مَرْيَمَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، و القائِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإيرادُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِما مَرَّ.

﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ "كَلِمَةٍ"، أيْ: بِكَلِمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿اسْمُهُ﴾ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى الكَلِمَةِ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ، و هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿المَسِيحُ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِيسى﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقِيلَ: خَبَرٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي مَدْحًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْمِ ما بِهِ يَتَمَيَّزُ المُسَمّى عَمَّنْ سِواهُ، فالخَبَرُ حِينَئِذٍ مَجْمُوعُ الثَّلاثَةِ إذْ هو المُمَيِّزُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمْيِيزًَا عَنْ جَمِيعِ مَن عَداهُ، و "المَسِيحُ" لَقَبُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو مِنَ الألْقابِ (p-37)المُشَرَّفَةِ كالصِّدِّيقِ و أصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحًَا، ومَعْناهُ: المُبارَكُ. و "عِيسى" مُعَرَّبٌ مِن إيشُوعَ والتَّصَدِّي لِاشْتِقاقِهِما مِنَ المَسْحِ والعَيْسِ، وتَعْلِيلُهُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ أوْ بِما يُطَهِّرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ أوْ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ مَسَحَ الأرْضَ و لَمْ يُقِمْ في مَوْضِعٍ أوْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَمْسَحُ ذا العاهَةِ فَيَبْرَأُ وبِأنَّهُ كانَ في لَوْنِهِ عِيَسٌ أيْ: بَياضٌ يَعْلُوهُ حُمْرَةٌ مِن قَبِيلِ الرَّقْمِ عَلى الماءِ، وإنَّما قِيلَ: ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها تَنْبِيهًَا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَلا يُنْسَبُ إلّا إلى أُمِّهِ، وبِذَلِكَ فُضِّلَتْ عَلى نِساءِ العالَمِينَ.

﴿وَجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ "الوَجِيهُ": ذُو الجاهِ و هو القُوَّةُ والمَنَعَةُ والشَّرَفُ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن "كَلِمَةٍ"، فَإنَّها وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لَكِنَّها صالِحَةٌ لِأنْ يَنْتَصِبَ بِها الحالُ و تَذْكِيرُها بِاعْتِبارِ المَعْنى، و الوَجاهَةُ في الدُّنْيا: النُّبُوَّةُ والتَّقَدُّمُ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ: الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ في الجَنَّةِ.

﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَةِ المَلائِكَةِ، وهو عَطْفٌ عَلى الحالِ الأُولى وقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском