Abu as-Su'udAli 'Imran · 3:46–54

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:46–54

3:46Page 56

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦

He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."

﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ: يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًَا وكَهْلًَا كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، و "المَهْدُ" مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُمْهَدُ لِلصَّبِيِّ، أيْ: يُسَوّى مِن مَضْجَعِهِ. وقِيلَ: إنَّهُ شابًَّا رُفِعَ، والمُرادُ: وكَهْلًَا بَعْدَ نُزُولِهِ، وفي ذِكْرِ أحْوالِهِ المُخْتَلِفَةِ المُتَنافِيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ.

﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حالٌ أُخْرى مِن كَلِمَةٍ مَعْطُوفَةٍ عَلى الأحْوالِ السّالِفَةِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "يُكَلِّمُ".

3:47Page 56

قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧

She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allāh; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.

"قالَتْ" اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ مَرْيَمُ حِينَ قالَتْ لَها المَلائِكَةُ ما قالَتْ؟ فَقِيلَ: قالَتْ مُتَضَرِّعَةً إلى رَبِّها: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ أوْ مِن أيْنَ يَكُونُ؟! ﴿لِي ولَدٌ﴾ عَلى وجْهِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ والتَّعَجُّبِ واسْتِعْظامِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقِيلَ: عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِفْسارِ بِأنَّهُ بِالتَّزَوُّجِ أوْ بِغَيْرِهِ و "يَكُونُ" إمّا تامَّةٌ و "أنّى" و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَتانِ بِها، وتَأْخِيرُ الفاعِلِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِنَ الاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "وَلَدٌ" إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، وإمّا ناقِصَةٌ واسْمُها "وَلَدٌ" وخَبَرُها إمّا "أنّى" و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًَا كَما مَرَّ، أوْ خَبَرٌ و "أنّى" نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، أيْ: و الحالُ أنِّي عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِلْوِلادَةِ. "قالَ" اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ، والقائِلُ هو اللَّهُ تَعالى أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ الكَلامُ في إعْرابِهِ كَما مَرَّ في قِصَّةِ زَكَرِيّا بِعَيْنِهِ، خَلا أنَّ إيرادَ "يَخْلُقُ" هَهُنا مَكانَ "يَفْعَلُ" هُناكَ لِما أنَّ وِلادَةَ العَذْراءِ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّها بَشَرٌ أبْدَعُ وأغْرَبُ مِن وِلادَةِ عَجُوزٍ عاقِرٍ مِن شَيْخٍ فانٍ، فَكانَ الخَلْقُ المُنْبِئُ عَنِ الاخْتِراعِ أنْسَبَ بِهَذا المَقامِ مِن مُطْلَقِ الفِعْلِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ فَقِيلَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ، أيْ: أرادَ شَيْئًَا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾ وأصْلُ القَضاءِ: الإحْكامُ، أُطْلِقَ عَلى الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ القَطْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ لِإيجابِها إيّاهُ (p-38)البَتَّةَ، وقِيلَ: الأمْرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: وقَضى رَبُّكَ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ لا غَيْرَ.

﴿فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ رَيْثٍ، وهو كَما تَرى تَمْثِيلٌ لِكَمالِ قدرته تعالى وسُهُولَةِ تَأتِّي المَقْدُوراتِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ حُدُوثِها بِما هو عُلِمَ فِيها مِن طاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ لِلْآمِرِ القَوِيِّ المُطاعِ، وبَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى كَما يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الأشْياءِ مُدْرِجًَا بِأسْبابٍ ومَوادَّ مُعْتادَةٍ يَقْدِرُ عَلى خَلْقِها دَفْعَةً مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى شَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ والمَوادِّ.

3:48Page 56

وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨

And He will teach him writing and wisdom1 and the Torah and the Gospel

﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ أيِ: الكِتابَةَ أوْ جِنْسَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ: العُلُومَ وتَهْذِيبَ الأخْلاقِ.

﴿والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إفْرادُهُما بِالذِّكْرِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالكِتابِ جِنْسَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ لِزِيادَةِ فَضْلِهِما و إنافَتِهِما عَلى غَيْرِهِما، و الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ أوْ عَلى ﴿وَجِيهًا﴾ أوْ عَلى ﴿يَخْلُقُ﴾ أوْ هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَطْيِيبًَا لِقَلْبِها و إزاحَةً لِما أهَمَّها مِن خَوْفِ اللّائِمَةِ لَمّا عَلِمَتْ أنَّها تَلِدُ مِن غَيْرِ زَوْجٍ. وقُرِئَ "وَنُعَلِّمُهُ" بِالنُّونِ.

3:49Page 56

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩

And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allāh. And I cure the blind [from birth] and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allāh. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.

﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَعُودُ إلَيْهِ المَعْنى مَعْطُوفٌ عَلى "يُعَلِّمُهُ" أيْ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًَا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: كُلِّهِمْ. و قالَ بَعْضُ اليَهُودِ: إنَّهُ كانَ مَبْعُوثًَا إلى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، ثُمَّ قِيلَ: كانَ رَسُولًَا حالَ الصِّبا، وقِيلَ: بَعْدَ البُلُوغِ وكانَ أوَّلَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وآخِرَهم عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ، و قِيلَ أوَّلُهم مُوسى وآخِرُهم عِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ و السَّلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِ "رَسُولًَا" لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّطْقِ، أيْ: رَسُولًَا ناطِقًَا بِأنِّي إلَخْ... وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْمُولٍ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى مَن يُعَلِّمُهُ، أيْ: ويَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًَا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم إلَخْ... وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ و لا يَقْدَحُ فِيهِ كَوْنُها في حُكْمِ الغَيْبَةِ مَعَ كَوْنِ هَذا في حُكْمِ التَّكَلُّمِ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حالَ كَوْنِهِ وجِيهًَا و رَسُولًَا ناطِقًَا بِأنِّي إلَخْ... وقُرِئَ "وَرَسُولٍ" بِالجَرِّ عَطْفًَا عَلى "كَلِمَةٍ" و الباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِآيَةٍ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ الفِعْلِ عَلى أنَّها لِلْمُلابَسَةِ، و التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ دُونَ الوَحْدَةِ لِظُهُورِ تَعَدُّدِها وكَثْرَتِها. وقُرِئَ "بِآياتٍ" أوْ "بِجِئْتُكُمْ" عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ، و "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ أيْ: قَدْ جِئْتُكم مُلْتَبِسًَا بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِن رَبِّكم أوْ أتَيْتُكم بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِما سَيَأْتِي مِنَ الأوامِرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الجارِّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، والجَرُّ عَلى رَأْيِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ، أوْ بَدَلٌ مِن "آيَةٍ". وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: أعْنِي أنِّي إلَخْ... وقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أيْ: هي أنِّي أخْلُقُ لَكم. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: أُقَدِّرُ لَكُمْ، أيْ: لِأجْلِ تَحْصِيلِ إيمانِكم ودَفْعِ تَكْذِيبِكم إيّاىَ مِنَ (p-39)الطِّينِ شَيْئًَا مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ.

﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكافِ، أيْ: في ذَلِكَ الشَّيْءِ المُماثِلِ لِهَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقُرِئَ "فَأنْفُخُ فِيها" عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْهَيْئَةِ المُقَدَّرَةِ، أيْ: أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيها.

﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ حَيًَّا طَيّارًَا كَسائِرِ الطُّيُورِ.

﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِأمْرِهِ تَعالى، أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ إلى أنَّ إحْياءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنهُ. قِيلَ: لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ طالَبُوهُ بِخَلْقِ الخُفّاشِ فَأخَذَ طِينًَا وصَوَّرَهُ ونَفَخَ فِيهِ فَإذا هو يَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَ: وهْبٌ كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًَا لِيَتَمَيَّزَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: إنَّما طَلَبُوا خَلْقَ الخُفّاشِ لِأنَّهُ أكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًَا وأبْلَغُ دِلالَةً عَلى القُدْرَةِ لِأنَّ لَهُ ثُدِيًَّا وأسْنانًَا وهي تَحِيضُ وتَطْهُرُ وتَلِدُ كَسائِرِ الحَيَوانِ وتَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ وتَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ ولا تُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وإنَّما تَرى في ساعَتَيْنِ ساعَةٍ بَعْدَ الغُرُوبِ وساعَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ. وقِيلَ: خَلَقَ أنْواعًَا مِنَ الطَّيْرِ.

﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ أيِ: الَّذِي وُلِدَ أعْمى أوِ المَمْسُوحَ العَيْنِ.

﴿والأبْرَصَ﴾ المُبْتَلى بِالبَرَصِ، لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَنْفِرُ مِن شَيْءٍ نِفَرَها مِنهُ. ويُقالُ لَهُ: الوَضَحُ أيْضًَا، و تَخْصِيصُ هَذَيْنِ الدّاءَيْنِ لِأنَّهُما مِمّا أعْيا الأطِبّاءَ وكانُوا في غايَةِ الحِذاقَةِ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأراهُمُ اللَّهُ تَعالى المُعْجِزَةَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُبَّما كانَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أُلُوفٌ مِنَ المَرْضى مَن أطاقَ مِنهم أتاهُ ومَن لَمْ يُطِقْ أتاهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يُداوِيهِ إلّا بِالدُّعاءِ.

﴿وَأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَهُ مُبالَغَةً في دَفْعِ وهْمِ مَن تَوَهَّمَ فِيهِ اللّاهُوتِيَّةَ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحْيِي المَوْتى بِـيا حَيُّ يا قَيُّومُ. أحْيا عازَرَ وكانَ صَدِيقًَا لَهُ فَعاشَ و وُلِدَ لَهُ، ومَرَّ عَلى ابْنِ عَجُوزٍ مَيِّتٍ فَدَعا اللَّهَ تَعالى فَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ حَيًَّا و رَجَعَ إلى أهْلِهِ و بَقِيَ و وُلِدَ لَهُ وبِنْتُ العاشِرِ أحْياها و ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالُوا: إنَّكَ تُحْيِي مَن كانَ قَرِيبَ العَهْدِ مِنَ المَوْتِ فَلَعَلَّهم لَمْ يَمُوتُوا بَلْ أصابَتْهم سَكْتَةٌ فَأحْىِ لَنا سامَ بْنَ نُوحٍ، فَقالَ: دُلُّونِي عَلى قَبْرِهِ فَفَعَلُوا فَقامَ عَلى قَبْرِهِ فَدَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَقامَ مِن قَبْرِهِ وقَدْ شابَ رَأْسُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَيْفَ شِبْتَ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِكم شَيْبٌ؟ قالَ: يا رُوحَ اللَّهِ لَمّا دَعَوْتَنِي سَمِعْتُ صَوْتًَا يَقُولُ: أجِبْ رُوحَ اللَّهِ، فَظَنَنْتُ أنَّ السّاعَةَ قَدْ قامَتْ فَمِن هَوْلِ ذَلِكَ شِبْتُ، فَسَألَهُ عَنِ النَّزْعِ قالَ: يا رُوحَ اللَّهِ إنَّ مَرارَتَهُ لَمْ تَذْهَبْ مِن حَنْجَرَتِي، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْتِهِ أكْثَرُ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ، وقالَ لِلْقَوْمِ: صَدِّقُوهُ فَإنَّهُ نَبِيُ اللَّهِ فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَذَّبَهُ آخَرُونَ فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ فَأرِنا آيَةً، فَقالَ يا فُلانٌ أكَلْتَ كَذا و يا فُلانٌ خُبِّئَ لَكَ كَذا وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: بِالمُغَيَّباتِ مِن أحْوالِكُمُ الَّتِي لا تَشُكُّونَ فِيها. وقُرِئَ "تَذْخَرُونَ" بِالذّالِ و التَّخْفِيفِ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ.

﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً، وقُرِئَ "لَآياتٍ".

﴿لَكُمْ﴾ دالَّةً عَلى صِحَّةِ رِسالَتِي دِلالَةً واضِحَةً.

﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِانْصِبابِ المَعْنى إلَيْهِ أوْ دِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، أيِ: انْتَفَعْتُمْ بِها أوْ إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ دَلَّتْكم عَلى صِحَّةِ رِسالَتِي والإيمانِ بِها.

3:50Page 56

وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠

And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allāh and obey me.

﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ (p-40)عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "بِآيَةٍ" أيْ: قَدْ جِئْتُكم مُلْتَبِسًَا بِآيَةٍ إلَخْ...

﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ إلَخْ... أوْ عَلى "رَسُولًَا" عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّ "مُصَدِّقًَا" فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ كَما في "رَسُولًَا" أيْ: ويَجْعَلُهُ مُصَدِّقًَا ناطِقًَا بِأنِّي أُصَدِّقُ إلَخْ... أوْ و يَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًَا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم إلَخْ ومُصَدِّقًَا إلَخْ أوْ حالَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًَا ناطِقًَا بِأنِّي أُصَدِّقُ إلَخْ أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أيْ: وجِئْتُكم مُصَدِّقًَا إلَخْ وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ التَّوْراةِ﴾ إمّا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ "مُصَدِّقًَا" وإمّا مِن ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً و العامِلُ الِاسْتِقْرارُ المُضْمَرُ في الظَّرْفِ أوْ نَفْسُ الظَّرْفِ لِقِيامِهِ مَقامَ الفِعْلِ.

﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ: وجِئْتُكم لِأُحِلَّ إلَخْ وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى مَعْنى "مُصَدِّقًَا" كَقَوْلِهِمْ: جِئْتُهُ مُعْتَذِرًَا ولِأجْتَلِبَ رِضاهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْتُكم لِأُصَدِّقَ ولِأُحِلَّ إلَخْ وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى "بِآيَةٍ" أيْ: قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم ولِأُحِلَّ لَكم.

﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الشُّحُومِ والثُّرُوبِ والسَّمَكِ ولُحُومِ الإبِلِ والعَمَلِ في السَّبْتِ. قِيلَ: أحَلَّ لَهم مِنَ السَّمَكِ والطَّيْرِ ما لا صِئْصِئَةَ لَهُ، و اخْتُلِفَ في إحْلالِ السَّبْتِ. وقُرِئَ "حَرَّمَ" عَلى تَسْمِيَةِ الفاعِلِ وهو ما بَيْنَ يَدَيَّ أوِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقُرِئَ "حَرُمَ" بِوَزْنِ كَرُمَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْعَهُ كانَ ناسِخًَا لِبَعْضِ أحْكامِ التَّوْراةِ، ولا يُخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًَا لَها لِما أنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ بَيانٌ وتَخْصِيصٌ في الأزْمانِ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ المُبادَرَةِ إلى ذِكْرِ ما يَسُرُّ المُخاطَبِينَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ.

﴿وَجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ شاهِدَةٍ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِي. وقُرِئَ "بِآياتٍ".

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في عَدَمِ قَبُولِها ومُخالَفَةِ مَدْلُولِها.

﴿وَأطِيعُونِ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ وأنْهاكم عَنْهُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وتِلْكَ الآيَةُ هي قَوْلِي.

3:51Page 56

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path.'"

﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ فَإنَّهُ الحَقُّ الصَّرِيحُ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ قاطِبَةً، فَيَكُونُ آيَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن جُمْلَتِهِمْ. وقُرِئَ "إنَّ اللَّهَ" بِالفَتْحِ بَدَلًَا مِن "آيَةٍ" أوْ "قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ" عَلى أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم. وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ اعْتِراضٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ أيْ: قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ بَعْدَ آيَةٍ مِمّا ذَكَرْتُ لَكم مِن خَلْقِ الطَّيْرِ وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ والإحْياءِ والإنْباءِ بِالخَفِيّاتِ ومِن غَيْرِهِ مِن وِلادَتِي بِغَيْرِ أبٍ ومِن كَلامِي في المَهْدِ ومِن غَيْرِ ذَلِكَ، والأوَّلُ: لِتَمْهِيدِ الحُجَّةِ، والثّانِي: لِتَقْرِيبِها إلى الحُكْمِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ قَوْلُهُ: "فاتَّقُوُا اللَّهَ" أيْ: لَمّا جِئْتُكم بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ والآياتِ الظّاهِرَةِ فاتَّقُوُا اللَّهَ في المُخالَفَةِ وأطِيعُونِ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ. ومَعْنى قِراءَةِ مَن فَتَحَ "وَلِأنَّ اللَّهَ رَبّى و رَبُّكم فاعْبُدُوهُ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلَخْ ثُمَّ شَرَعَ في الدَّعْوَةِ وأشارَ إلَيْها بِالقَوْلِ المُجْمَلِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّ اسْتِكْمالَ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ الَّذِي غايَتُهُ التَّوْحِيدُ، و قالَ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ إشارَةً إلى اسْتِكْمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، فَإنَّهُ يُلازِمُ الطّاعَةَ الَّتِي هي الإتْيانُ بِالأوامِرِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَناهِي، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هو الطَّرِيقُ المَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ".»

3:52Page 56

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢

But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allāh?" The disciples said, "We are supporters for Allāh. We have believed in Allāh and testify that we are Muslims [submitting to Him].

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَآلِ (p-41)أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إثْرَ ما أُشِيرَ إلى طَرَفٍ مِنها بِطَرِيقِ النَّقْلِ عَنِ المَلائِكَةِ، و "الفاءُ" فَصِيحَةٌ؛ تُفْصِحُ عَنْ تَحَقُّقِ جَمِيعِ ما قالَتْهُ المَلائِكَةُ وخُرُوجِهِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ حَسْبَما شَرَحْتُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَحَمَلَتْهُ فَوَلَدَتْهُ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ. و قالَ ذَيْتَ و ذَيْتَ وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ اكْتِفاءً بِحِكايَةِ المَلائِكَةِ و إيذانًَا بِعَدَمِ الخُلْفِ وثِقَةً بِما فُصِّلَ في المَواضِعِ الأُخَرِ، وأمّا عَدَمُ نَظْمِ بَقِيَّةِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في سِلْكِ النَّقْلِ فَإمّا لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِها أوْ لِعَدَمِ مُناسَبَتِها لِمَقامِ البِشارَةِ لِما فِيها مِن ذِكْرِ مُقاساتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلشَّدائِدِ ومُعاناتِهِ لِلْمَكايِدِ، والمُرادُ بِالإحْساسِ: الإدْراكُ القَوِيُّ الجارِي مَجْرى المُشاهَدَةِ و بِالكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ وعُتُوُّهم ومُكابَرَتُهم فِيهِ مَعَ العَزِيمَةِ عَلى قَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإحْساسُ، فَإنَّهُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ عِنْدَ كَوْنِ مُتَعَلِّقِهِ أمْرًَا مَحْذُورًَا مَكْرُوهًَا، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ وكَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أحَسَّ" والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، أيِ: ابْتَدَأ الإحْساسُ مِن جِهَتِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. و قِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الكُفْرِ.

﴿قالَ﴾ أيْ: لَخَّصَ لِأصْحابِهِ لا لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ﴾ الآيَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ لَيْسَ بِنَصٍّ في تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الكُلِّ بَلْ يَكْفِي فِيهِ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِمْ.

﴿مَن أنْصارِي﴾ الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ كَأشْرافٍ جَمْعُ شَرِيفٍ.

﴿إلى اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الياءِ، أيْ: مَن أنْصارِي مُتَوَجِّهًَا إلى اللَّهِ مُلْتَجِئًَا إلَيْهِ، أوْ بِأنْصارِي مُتَضَمِّنًَا مَعْنى الإضافَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أنْفُسَهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَنْصُرُونَنِي كَما يَنْصُرُنِي؟ وقِيلَ: "إلى" بِمَعْنى فِي، أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ. وقِيلَ: بِمَعْنى اللّامِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في جَوابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ فَقِيلَ: قالَ.

﴿الحَوارِيُّونَ﴾ جَمْعُ حَوارِيٍّ يُقالُ فُلانٌ حَوارِيُّ فُلانٍ، أيْ: صَفْوَتُهُ وخالِصَتُهُ مِنَ الحَوَرِ و هو البَياضُ الخالِصُ، و مِنهُ الحَوارِيّاتُ لِلْحَضَرِيّاتِ لِخُلُوصِ ألْوانِهِنَّ ونَقائِهِنَّ، سُمِّيَ بِهِ أصْحابُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِخُلُوصِ نِيّاتِهِمْ ونَقاءِ سَرائِرِهِمْ. وقِيلَ: لِما عَلَيْهِمْ مِن آثارِ العِبادَةِ وأنْوارِها. وقِيلَ: كانُوا مُلُوكًَا يَلْبَسُونَ البِيضَ، وذَلِكَ أنَّ واحِدًَا مِنَ المُلُوكِ صَنَعَ طَعامًَا وجَمَعَ النّاسَ عَلَيْهِ وكانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى قَصْعَةٍ لا يَزالُ يَأْكُلُ مِنها ولا تَنْقُصُ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلْمَلِكِ فاسْتَدْعاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لَهُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَتَرَكَ مُلْكَهُ وتَبِعَهُ مَعَ أقارِبِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ. وقِيلَ: كانُوا صَيّادِينَ يَصْطادُونَ السَّمَكَ يَلْبَسُونَ الثِّيابَ البِيضَ فِيهِمْ شَمْعُونُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا فَمَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لَهُمْ: أنْتُمْ تَصِيدُونَ السَّمَكَ فَإنِ اتَّبَعْتُمُونِي صِرْتُمْ بِحَيْثُ تَصِيدُونَ النّاسَ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ، قالُوا: مَن أنْتَ؟ قالَ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ و رَسُولُهُ فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ وكانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمى شَبَكَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَما اصْطادَ شَيْئًَا فَأمَرَهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإلْقائِها في الماءِ مَرَّةً أُخْرى فَفَعَلَ فاجْتَمَعَ في الشَّبَكَةِ مِنَ السَّمَكِ ما كادَتْ تَتَمَزَّقُ واسْتَعانُوا بِأهْلِ سَفِينَةٍ أُخْرى ومَلَئُوُا السَّفِينَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: كانُوُا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًَا آمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واتَّبَعُوهُ وكانُوا إذا جاعُوا قالُوا: جُعْنا يا رُوحَ اللَّهِ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ الأرْضَ فَيَخْرُجُ مِنها لِكُلِّ واحِدٍ رَغِيفانِ، وإذا عَطِشُوا قالُوا: (p-42)عَطِشْنا فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ الأرْضَ فَيَخْرُجُ مِنها الماءُ فَيَشْرَبُونَ، فَقالُوا: مَن أفْضَلُ مِنّا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفْضَلُ مِنكم مَن يَعْمَلُ بِيَدِهِ ويَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ فَصارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ بِالأُجْرَةِ فَسُمُّوا حَوارِيِّينَ. وقِيلَ: إنَّ أُمَّهُ سَلَّمَتْهُ إلى صَبّاغٍ فَأرادَ الصَّبّاغُ يَوْمًَا أنْ يَشْتَغِلَ بِبَعْضِ مَهَمّاتِهِ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَهُنا ثِيابٌ مُخْتَلِفَةٌ قَدْ جَعَلْتُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلامَةً مُعَيَّنَةً فاصْبِغْها بِتِلْكَ الألْوانِ فَغابَ فَجَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّها في جُبٍّ واحِدٍ و قالَ: كُونِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما أُرِيدُ فَرَجَعَ الصَّبّاغُ فَسَألَهُ فَأخْبَرَهُ بِما صَنَعَ، فَقالَ: أفْسَدْتَ عَلَيَّ الثِّيابَ قالَ: قُمْ فانْظُرْ، فَجَعَلَ يُخْرِجُ ثَوْبًَا أحْمَرَ و ثَوْبًَا أخْضَرَ و ثَوْبًَا أصْفَرَ إلى أنْ أخْرَجَ الجَمِيعَ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ حَسْبَما كانَ يُرِيدُ فَتَعَجَّبَ مِنهُ الحاضِرُونَ وآمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهُمُ الحَوارِيُّونَ. قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ هَؤُلاءِ الحَوارِيِّينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المُلُوكِ وبَعْضُهم مِن صَيّادِي السَّمَكِ و بَعْضُهم مِنَ القَصّارِينَ و بَعْضُهم مِنَ الصَّبّاغِينَ، والكُلُّ سُمُّوا بِالحَوارِيِّينَ لِأنَّهم كانُوا أنْصارَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و أعْوانَهُ و المُخْلِصِينَ في طاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ.

﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْصارُ دِينِهِ و رَسُولِهِ.

﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى العِلَّةِ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ الإيمانَ بِهِ تَعالى مُوجِبٌ لِنُصْرَةِ دِينِهِ والذَّبِّ عَنْ أوْلِيائِهِ والمُحارَبَةِ مَعَ أعْدائِهِ.

﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ مُخْلِصُونَ في الإيمانِ مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُ مِنّا مِن نُصْرَتِكَ، طَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الشَّهادَةَ بِذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ يَشْهَدُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأُمَمِهِمْ وعَلَيْهِمْ إيذانًَا بِأنَّ مَرْمى غَرَضِهِمُ السَّعادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ.

3:53Page 57

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣

Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger [i.e., Jesus], so register us among the witnesses [to truth]."

﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ تَضَرُّعٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ و عَرْضٌ لِحالِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى بَعْدَ عَرْضِها عَلى الرَّسُولِ مُبالَغَةً في إظْهارِ أمْرِهِمْ.

﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ أيْ: في كُلِّ ما يَأْتِي و يَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الِاتِّباعُ في النُّصْرَةِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.

﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ: مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِوَحْدانِيَّتِكَ أوْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأتْباعِهِمْ أوْ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهم شُهَداءُ عَلى النّاسِ قاطِبَةً، وهو حالٌ مِن مَفْعُولِ "اكْتُبْنا".

3:54Page 57

وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤

And they [i.e., the disbelievers] planned, but Allāh planned. And Allāh is the best of planners.

﴿وَمَكَرُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُفْرَهم مِنَ اليَهُودِ بِأنْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً.

﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ بِأنْ رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و ألْقى شَبَهَهُ عَلى مَن قَصَدَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ، و المَكْرُ مِن حَيْثُ أنَّهُ في الأصْلِ حِيلَةٌ يَجْلِبُ بِها غَيْرَهُ إلى مَضَرَّةٍ لا يُمْكِنُ إسْنادُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إلّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَصَدَ قَتْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَدْخُلَ بَيْتًَا فِيهِ رَوْزَنَةٌ فَرَفَعَهُ جِبْرِيلُ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ إلى السَّماءِ فَقالَ المَلِكُ لِرَجُلٍ خَبِيثٍ مِنهُمُ: ادْخُلْ عَلَيْهِ فاقْتُلْهُ فَدَخَلَ البَيْتَ فَألْقى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ شَبَهَهُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ يُخْبِرُهم أنَّهُ لَيْسَ في البَيْتِ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَمَعَ الحَوارِيِّينَ لَيْلَةً و أوْصاهُمْ، ثُمَّ قالَ: لَيَكْفُرَنَّ بِي أحَدُكم قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ و يَبِيعُنِي بِدَراهِمَ يَسِيرَةٍ فَخَرَجُوا وتَفَرَّقُوا و كانَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُهُ فَنافَقَ أحَدُهم فَقالَ لَهُمْ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ دَلَلْتُكم عَلى المَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا (p-43)لَهُ ثَلاثِينَ دِرْهَمًَا فَأخَذَها و دَلَّهم عَلَيْهِ فَألْقى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، فَأخَذُوُا المُنافِقَ وهو يَقُولُ: أنا دَلِيلُكم فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِ وصَلَبُوهُ، ثُمَّ قالُوا: وجْهُهُ يُشْبِهُ وجْهَ عِيسى و بَدَنُهُ يُشْبِهُ بَدَنَ صاحِبِنا فَإنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا؟ وإنْ كانَ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى؟ فَوَقَعَ بَيْنَهم قِتالٌ عَظِيمٌ. وقِيلَ: لَمّا صُلِبَ المَصْلُوبُ جاءَتْ مَرْيَمُ ومَعَها امْرَأةٌ أبْرَأها اللَّهُ تَعالى مِنَ الجُنُونِ بِدُعاءِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و جَعَلَتا تَبْكِيانِ عَلى المَصْلُوبِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجاءَهُما فَقالَ: عَلامَ تَبْكِيانِ؟ فَقالَتا: عَلَيْكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَنِي و لَمْ يُصِبْنِي إلّا خَيْرٌ، وإنَّ هَذا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهم. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ: إنَّ اليَهُودَ عَذَّبُوُا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و لَقُوا مِنهُمُ الجَهْدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ الرُّومِ وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَجُلًَا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ تَحْتَ أمْرِكَ كانَ يُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ و أراهم إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ و فَعَلَ و فَعَلَ، فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ ما خَلَّيْتُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إلى الحَوارِيِّينَ فانْتَزَعَهم مِن أيْدِيهِمْ و سَألَهم عَنْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرُوهُ فَبايَعَهم عَلى دِينِهِمْ، وأنْزَلَ المَصْلُوبَ فَغَيَّبَهُ وأخَذَ الخَشَبَةَ فَأكْرَمَها ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلَ مِنهم خَلْقًَا عَظِيمًَا، ومِنهُ ظَهَرَ أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ في الرُّومِ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ يُقالُ لَهُ: طَطْيُوسُ و غَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً فَقَتَلَ و سَبى و لَمْ يَتْرُكْ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَرًَا عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ و النَّضِيرُ إلى الحِجازِ قالَ أهْلُ التَّوارِيخِ: حَمَلَتْ مَرْيَمُ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهي بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً و ولَدَتْهُ بِبَيْتِ لَحْمَ مِن أرْضِ أُورْشَلِيمَ لِمُضِيِّ خَمْسٍ وسِتِّينَ سَنَةً مِن غَلَبَةِ الإسْكَنْدَرِ عَلى أرْضِ بابِلَ، و أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً و رَفَعَهُ إلَيْهِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ لَيْلَةَ القَدْرِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ و هو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَتْ أُمُّهُ بَعْدَ رَفْعِهِ سِتَ سِنِينَ.

﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أقْواهم مَكْرًَا وأنْفَذُهم كَيْدًَا وأقْدَرُهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ، وإظْهارُ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском