Abu as-Su'udAr‑Rum · 30:21–40

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:21–40

30:21Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.

﴿وَمن آياته﴾ الدّالَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الجَزاءِ.

﴿أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْ: (p-56)لِأجْلِكم.

﴿مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ فَإنَّ خَلْقَ أصْلِ أزْواجِكم حَوّاءُ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَضَمِّنٌ لِخَلْقِهِنَّ مِن أنْفُسِكم عَلى ما عَرَفْتَهُ مِنَ التَّحْقِيقِ، أوْ مِن جِنْسِكم لا مِن جِنْسٍ آخَرَ، وهو الأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ أيْ: لِتَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، وتَطْمَئِنُّوا بِها. فَإنَّ المُجانَسَةَ مِن دَواعِي التَّضامِّ، والتَّعارُفِ، كَما أنَّ المُخالَفَةَ مِن أسْبابِ التَّفَرُّقِ والتَّنافُرِ.

﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الأزْواجِ. إمّا عَلى تَغْلِيبِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ في الخِطابِ، أوْ عَلى حَذْفِ ظَرْفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أيْ: جَعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ كَما مَرَّ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ وقِيلَ: أوْ بَيْنَ أفْرادِ الجِنْسِ، أيْ: بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ. ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِما ما كانَ مِنهُما بِعِصْمَةِ الزَّواجِ قَطْعًا، أيْ: جَعَلَ بَيْنَكم بِالزَّواجِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكم تَوادًّا، وتَراحُمًا. مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم سابِقَةُ مَعْرِفَةٍ، ولا رابِطَةٌ مُصَحِّحَةٌ لِلتَّعاطُفِ مِن قَرابَةٍ، أوْ رَحِمٍ. قِيلَ: "المَوَدَّةُ والرَّحْمَةُ" مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، والفَرْكُ مِنَ الشَّيْطانِ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ المَوَدَّةُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، والرَّحْمَةُ عَنِ الوَلَدِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ .

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِمْ مِن تُرابٍ، وخَلْقِ أزْواجِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وإلْقاءِ المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ بَيْنَهُمْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ.

﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها كَثِيرَةً، لا يُقادَرُ قَدْرُها.

﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تَضاعِيفِ تِلْكَ الأفاعِيلِ المَتِينَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَعَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما ذُكِّرَ لَيْسَ بِآيَةٍ فَذَّةٍ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمن آياته﴾ بَلْ هي مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتٍ شَتّى.

30:22Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢

And of His signs is the creation of the heavens and the earth and the diversity of your languages and your colors. Indeed in that are signs for those of knowledge.

﴿وَمن آياته﴾ الدّالَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن أمْرِ البَعْثِ، وما يَتْلُوهُ مِنَ الجَزاءِ.

﴿خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إمّا مِن حَيْثُ إنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِهِما بِما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ بِلا مادَّةٍ مُسْتَعِدَّةٍ لَها أظْهَرُ قُدْرَةً عَلى إعادَةِ ما كانَ حَيًّا قَبْلَ ذَلِكَ، وإمّا مِن حَيْثُ إنَّ خَلْقَهُما وما فِيهِما لَيْسَ إلّا لِمَعاشِ البَشَرِ ومَعادِهِ. كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ .

﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكِمْ. بِأنْ عَلَّمَ كُلَّ صِنْفٍ لُغَتَهُ وألْهَمَهُ وضْعَها، وأقْدَرَهُ عَلَيْها، أوْ أجْناسِ نُطْقِكم وأشْكالِهِ، فَإنَّكَ لا تَكادُ تَسْمَعُ مَنطِقَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.

﴿وَألْوانِكُمْ﴾ بِبَياضِ الجِلْدِ، وسَوادِهِ، وتَوَسُّطِهِ فِيما بَيْنَهُما، أوْ تَخْطِيطاتِ الأعْضاءِ وهَيْئاتِها وألْوانِها وحَلّاها بِحَيْثُ وقَعَ بِها التَّمايُزُ بَيْنَ الأشْخاصِ حَتّى أنَّ التَّوْأمَيْنِ مَعَ تَوافُقِ مَوادِّهِما وأسْبابِهِما، والأُمُورِ المُتَلاقِيَةِ لَهُما في التَّخْلِيقِ يَخْتَلِفانِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وإنْ كانا في غايَةِ التَّشابُهِ، وإنَّما نُظِمَ هَذا في سِلْكِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ الحَقِيقَةِ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ ما سَبَقَ مِن خَلْقِ أنْفُسِهِمْ وأزْواجِهِمْ، لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ، والِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِهِ مِن تَتِمّاتِ خَلْقِهِمْ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذَكَرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، واخْتِلافِ الألْسِنَةِ والألْوانِ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً في أنْفُسِها، كَثِيرَةً في عَدَدِها.

﴿لِلْعالِمِينَ﴾ أيِ: المُتَّصِفِينَ بِالعِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَعْقِلُها (p-57)إلا العالِمُونَ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ وُضُوحِ الآياتِ، وعَدَمِ خَفائِها عَلى أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ كافَّةً.

30:23Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣

And of His signs is your sleep by night and day and your seeking of His bounty. Indeed in that are signs for a people who listen.

﴿وَمن آياته مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ لِاسْتِراحَةِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ، وتَقَوِّي القُوى الطَّبِيعِيَّةِ.

﴿وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ فِيهِما فَإنَّ كُلًّا مِنَ المَنامِ وابْتِغاءِ الفَضْلِ يَقَعُ في المَلَوَيْنِ، وإنْ كانَ الأغْلَبُ وُقُوعَ الأوَّلِ في الأوَّلِ والثّانِي في الثّانِي، أوْ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم بِالنَّهارِ كَما هو المُعْتادُ، والمُوافِقُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، خَلا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِالقَرِينَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ لِأنَّهُما زَمانٌ. والزَّمانُ مَعَ ما وقَعَ فِيهِ كَشَيْءٍ واحِدٍ مَعَ إعانَةِ اللَّفِّ عَلى الِاتِّحادِ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم أنْ يَسْمَعُوا الكَلامَ سَماعَ تَفَهُّمٍ، واسْتِبْصارٍ. حَيْثُ يَتَأمَّلُونَ في تَضاعِيفِ هَذا البَيانِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى شُئُونِهِ تَعالى.

30:24Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤

And of His signs is [that] He shows you the lightning [causing] fear and aspiration, and He sends down rain from the sky by which He brings to life the earth after its lifelessness. Indeed in that are signs for a people who use reason.

﴿وَمن آياته يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ الفِعْلُ إمّا مُقَدَّرٌ بِـ "أنْ" كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضِرِ الوَغى

أيْ: أنْ أحْضِرِ.

أوْ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ، وبِهِ فُسِّرَ المَثَلُ المَشْهُورُ "تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ" أوْ هو عَلى حالِهِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: آيَةٌ يُرِيكم بِها البَرْقَ كَقَوْلِ مَن قالَ:

؎ وما الدَّهْرُ إلّا تارَّ-تانِ فَمِنها ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ

أيْ: فَمِنهُما تارَةً أمُوتُ فِيها، وأُخْرى أبْتَغِي فِيها، أوْ ومن آياته شَيْءٌ، أوْ سَحابٌ يُرِيكُمُ البَرْقَ.

﴿خَوْفًا﴾ مِنَ الصّاعِقَةِ أوْ لِلْمُسافِرِ.

﴿وَطَمَعًا﴾ في الغَيْثِ أوْ لِلْمُقِيمِ. ونَصْبُهُما عَلى العِلَّةِ لِفِعْلٍ يَسْتَلْزِمُهُ المَذْكُورُ فَإنَّ إراءَتَهُمُ البَرْقَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِرُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ، أوْ لِلْمَذْكُورِ نَفْسِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ نَحْوَ إراءَةِ خَوْفٍ وطَمَعٍ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ الخَوْفِ والطَّمَعِ بِالإخافَةِ والإطْماعِ، كَقَوْلِكَ: فَعَلْتُهُ رَغْمًا لِلشَّيْطانِ. أوْ عَلى الحالِ نَحْوَ كَلَّمْتُهُ شِفاهًا.

﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ.

﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّها مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ يَكْفِي في إدْراكِها مُجَرَّدُ العَقْلِ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ في اسْتِنْباطِ أسْبابِها، وكَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِها.

30:25Page 407

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥

And of His signs is that the heaven and earth stand [i.e., remain] by His command. Then when He calls you with a [single] call from the earth, immediately you will come forth.

﴿وَمن آياته أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ تَعالى لِقِيامِهِما. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأمْرِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، والغِنى عَنِ المَبادِئِ والأسْبابِ، ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَتِهِما إنْشاءَهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ بُيِّنَ حالُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمن آياته خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . ولا إقامَتِهِما بِغَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ كَما قِيلَ. فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَتِمّاتِ إنْشائِهِما، وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ ... الآيَةَ. (p-58)بَلْ قِيامَهُما واسْتِمْرارُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ إلى أجْلِهِما الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلُ. ما خَلَقَ اللَّهُ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ المَعْدُودَةِ، مُتَّصِلَةً بِالبَعْثِ في الوُجُودِ أُخِّرَتْ عَنْهُنَّ، وجُعِلَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ في الذِّكْرِ أيْضًا، فَقِيلَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ فَإنَّهُ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، ووُجُودِهِ بَعْدَ انْقِضاءِ أجْلِ قِيامِهِما مُتَرَتِّبٌ عَلى تَعْدادِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ في سِلْكِها كَما قِيلَ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومن آياته قِيامُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى هَيْئاتِهِما بِأمْرِهِ تَعالى إلى أجَلٍ مُسَمًّى، قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِقِيامِهِما. ثُمَّ إذا دَعاكُمْ، أيْ: بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ مِنَ الأرْضِ، وأنْتُمْ في قُبُورِكم دَعْوَةً واحِدَةً. بِأنْ قالَ: أيُّها المَوْتى، اخْرُجُوا فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ . و "مِنَ الأرْضِ" مُتَعَلِّقٌ بِـ دَعاكم إذْ يَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُ المَدْعُوِّ فِيها يُقالُ: دَعْوَتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي، فَطَلَعَ إلَيَّ لا بِـ تَخْرُجُونَ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.

30:26Page 407

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦

And to Him belongs whoever is in the heavens and earth. All are to Him devoutly obedient.

﴿وَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ، والثَّقَلَيْنِ خَلْقًا ومُلْكًا، وتَصَرُّفًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ شَرِكَةً في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِفِعْلِهِ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ في شَأْنٍ مِن شُئُونِهِ تَعالى.

30:27Page 407

وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest description [i.e., attribute] in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وتَكْرِيرُهُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِإضافَةٍ إلى قَدْرِكم. والقِياسُ عَلى أُصُولِكُمْ، وإلّا فَهُما عَلَيْهِ سَواءٌ. وقِيلَ: "أهْوَنُ" بِمَعْنى هَيِّنٌ. وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ مَعَ رُجُوعِهِ إلى الإعادَةِ لِما أنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِأنْ يُعِيدَ. وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الخَلْقِ ولَيْسَ بِذاكَ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ الإنْشاءَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ الَّذِي يَتَخَيَّرُ فِيهِ الفاعِلُ بَيْنَ الفِعْلِ، والتَّرْكِ والإعادَةِ مِن قَبِيلِ الواجِبِ الَّذِي لا بُدَّ مِن فِعْلِهِ حَتْمًا، فَكانَ أقْرَبَ إلى الحُصُولِ مِنَ الإنْشاءِ المُتَرَدِّدِ بَيْنَ الحُصُولِ وعَدَمِهِ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْصِيلِ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِأهْوَنِيَّةِ الفِعْلِ أقْرَبِيَّتُهُ إلى الوُجُودِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ لِلْفاعِلِ إلى إيجادِهِ، وقُوَّةِ اقْتِضائِها لِتَعَلُّقِ قدرته بِهِ بَلْ أسَهْلِيَّةُ تَأتِّيهِ، وصُدُورِهِ عَنْهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ قدرته بِوُجُودِهِ، وكَوْنِهِ واجِبًا بِالغَيْرِ. ولا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعْلِيقُ بِطَرِيقِ الإيجابِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاخْتِيارِ.

﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الوَصْفُ الأعْلى العَجِيبُ الشَّأْنِ مِنَ القُدْرَةِ العامَّةِ، والحِكْمَةِ التّامَّةِ، وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُدانِيها فَضْلًا عَمّا يُساوِيها. ومَن فَسَّرَهُ بِقَوْلِ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" أرادَ بِهِ الوَصْفَ بِالوَحْدانِيَّةِ.

﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى قَدْ وُصِفَ بِهِ، وعُرِفَ فِيهِما عَلى ألْسِنَةِ الخَلائِقِ، وألْسِنَةِ الدَّلائِلِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالأعْلى، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ. هو حالٌ مِنهُ، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الأعْلى.

﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الَّذِي لا يَعْجِزُ عَنْ بَدْءٍ مُمْكِنٍ، وإعادَتِهِ. (p-59)﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يُجْرِي الأفْعالَ عَلى سَنَنِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.

30:28Page 407

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨

He presents to you an example from yourselves. Do you have among those whom your right hands possess [i.e., slaves] any partners in what We have provided for you so that you are equal therein [and] would fear them as your fear of one another [within a partnership]?1 Thus do We detail the verses for a people who use reason.

﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا﴾ يَتَبَيَّنُ بِهِ بُطْلانُ الشِّرْكِ.

﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها الَّتِي هي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكُمْ، وأعْرَفِها عِنْدَكُمْ، وأظْهَرِها دَلالَةً عَلى ما ذُكِرَ مِن بُطْلانِ الشِّرْكِ لِكَوْنِها بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ ... إلَخْ. تَصْوِيرٌ لِلْمَثَلِ، أيْ: هَلْ لَّكم.

﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ، وما يَجْرِي مَجْراها مِمّا تَتَصَرَّفُونَ فِيها فَـ "مِنِ" الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ، والثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ، والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ تَحْقِيقٌ لِمَعْنى الشَّرِكَةِ، وبَيانٌ لِكَوْنِهِمْ، وشُرَكائِهِمْ مُتَساوِينَ في التَّصَرُّفِ فِيما ذُكِرَ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَهم عَلَيْها عَلى أنَّ هُناكَ مَحْذُوفًا مَعْطُوفًا عَلى "أنْتُمْ" لا أنَّهُ عامٌّ لِلْفَرِيقَيْنِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، أيْ: هَلْ تَرْضَوْنَ لِأنْفُسِكُمْ؟ والحالُ أنَّ عَبِيدَكم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ، وأحْكامِها أنْ يُشارِكُوكم فِيما رَزَقْناكُمْ، وهو مُعارٌ لَكم فَأنْتُمْ وهم فِيهِ سَواءٌ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَتَصَرُّفِكم مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم.

﴿تَخافُونَهُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِـ "أنْتُمْ" أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في سَواءٌ، أيْ: تَهابُونَ أنْ تَسْتَبِدُّوا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِدُونِ رَأْيِهِمْ.

﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: خِيفَةً كائِنَةً مِثْلَ خِيفَتِكم مِنَ الأحْرارِ المُساهِمِينَ لَكم فِيما ذُكِرَ. والمَعْنى نَفْيُ مَضْمُونِ ما فَصَّلَ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، أيْ: لا تَرْضَوْنَ بِأنْ يُشارِكَكم فِيما هو مُعارٌ لَكم مَمالِيكُكُمْ، وهم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ غَيْرُ مَخْلُوقِينَ لَكم بَلْ لِلَّهِ تَعالى. فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ في المَعْبُودِيَّةِ الَّتِي هي مِن خَصائِصِهِ الذّاتِيَّةِ مَخْلُوقَةٌ، بَلْ مَصْنُوعُ مَخْلُوقِهِ حَيْثُ تَصْنَعُونَهُ بِأيْدِيكُمْ، ثُمَّ تَعْبُدُونَهُ؟! ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الواضِحِ.

﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها لا تَفْصِيلًا أدْنى مِنهُ، فَإنَّ التَّمْثِيلَ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي المَعْقُولَةِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ، وإبْرازٌ لِأوابِدِ المُدْرَكاتِ عَلى هَيْئَةِ المَأْنُوسِ فَيَكُونُ في غايَةِ الإيضاحِ والبَيانِ.

﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في تَدَبُّرِ الأُمُورِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ تَفْصِيلِ الآياتِ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.

30:29Page 407

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩

But those who wrong follow their [own] desires without knowledge. Then who can guide one whom Allāh has sent astray? And for them there are no helpers.

﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إعْراضٌ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ، ومُحاوَلَةُ إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ بِضَرْبِ المَثَلِ، وتَفْصِيلِ الآياتِ، واسْتِعْمالِ المُقَدِّماتِ الحَقَّةِ المَعْقُولَةِ، وبَيانٌ لِاسْتِحالَةِ تَبَعِيَّتِهِمْ لِلْحَقِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَعْقِلُوا شَيْئًا مِنَ الآياتِ المُفَصَّلَةِ بَلِ اتَّبَعُوا ﴿أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ. ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم في ذَلِكَ الِاتِّباعِ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوْ ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ.

﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: جاهِلِينَ بِبُطْلانِ ما أتَوْا مُكَبِّينَ عَلَيْهِ لا يَلْوِيهِمْ عَنْهُ صارِفٌ حَسْبَما يُصْرَفُ العالِمُ إذا اتَّبَعَ الباطِلَ عِلْمُهُ بِبُطْلانِهِ.

﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَ فِيهِ الضَّلالَ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى كَسْبِهِ، أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ أحَدٌ.

﴿وَما لَهُمْ﴾ أيْ: لِمَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.

﴿مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَهم مِنَ الضَّلالِ، ويَحْفَظُونَهم مَن تَبِعاتِهِ، وآفاتِهِ عَلى مَعْنًى لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ عَلى ما هو قاعِدَةُ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ.

30:30Page 407

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠

So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.

(p-60)﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ تَمْثِيلٌ لِإقْبالِهِ عَلى الدِّينِ، واسْتِقامَتِهِ، وثَباتِهِ عَلَيْهِ، واهْتِمامِهِ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ فَإنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ بِالبَصَرِ عَقَدَ عَلَيْهِ طَرَفَهُ، وسَدَّدَ إلَيْهِ نَظَرَهُ وقَوَّمَ لَهُ وجْهَهُ مُقْبِلًا بِهِ عَلَيْهِ، أيْ: فَقَوِّمْ وجْهَكَ لَهُ، وعَدِّلْهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ يَمِينًا وشِمالًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنَ المَأْمُورِ، أوْ مِنَ الدِّينِ.

﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الفِطْرَةُ الخَلِقَةُ. وانْتِصابُها عَلى الإغْراءِ، أيِ: الزَمُوا. أوْ عَلَيْكم فِطْرَةَ اللَّهِ فَإنَّ الخِطابَ لِلْكُلِّ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ﴾ والإفْرادُ في أقِمْ لِما أنَّ الرَّسُولَ ﷺ إمامُ الأُمَّةِ، فَأمْرُهُ ﷺ مُسْتَتْبِعٌ لِأمْرِهِمْ. والمُرادُ بِلُزُومِها الجَرَيانُ عَلى مُوجِبِها، وعَدَمُ الإخْلالِ بِهِ بِاتِّباعِ الهَوى، وتَسْوِيلِ الشَّياطِينِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَطَرَ اللَّهُ فِطْرَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ صِفَةٌ لِـ فِطْرَةَ اللَّهِ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، فَإنَّ خَلْقَ اللَّهِ النّاسَ عَلى فِطْرَتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِهِمْ لَلْحَقَّ، وتَمَكُّنِهِمْ مِن إدْراكِهِ. أوْ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ مِن مُوجِباتِ لُزُومِها، والتَّمَسُّكِ بِها قَطْعًا. فَإنَّهم لَوْ خُلُّوا وما خُلِقُوا عَلَيْهِ أدّى بِهِمْ إلَيْها، وما اخْتارُوا عَلَيْها دِينًا آخَرَ، ومَن غَوى مِنهم فَبِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ: « "كُلُّ عِبادِي خَلَقْتُ حُنَفاءَ فاجْتالَتْهُمُ الشَّياطِينُ عَنْ دِينِهِمْ، وأمَرُوهم أنْ يُشْرِكُوا بِي غَيْرِي".» وقَوْلُهُ ﷺ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يَكُونَ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِلُزُومِ فِطْرَتِهِ تَعالى، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، أيْ: لا صِحَّةَ ولا اسْتِقامَةَ لِتَبْدِيلِهِ بِالإخْلالِ بِمُوجِبِهِ، وعَدَمِ تَرْتِيبِ مُقْتَضاهُ عَلَيْهِ بِاتِّباعِ الهَوى، وقَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، وقِيلَ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُغَيِّرَهُ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن حَمْلِ التَّبْدِيلِ عَلى تَبْدِيلِ نَفْسِ الفِطْرَةِ بِإزالَتِها رَأْسًا، ووَضْعِ فِطْرَةٍ أُخْرى مَكانَها غَيْرِ مُصَحَّحَةٍ؛ لِقَبُولِ الحَقِّ. والتَّمَكُّنِ مِن إدْراكِهِ ضَرُورَةَ أنَّ التَّبْدِيلَ بِالمَعْنى الأوَّلِ مَقْدُورٌ بَلْ واقِعٌ قَطْعًا، فالتَّعْلِيلُ حِينَئِذٍ مِن جِهَةِ أنَّ سَلامَةَ الفِطْرَةِ مُتَحَقِّقَةٌ في كُلِّ أحَدٍ فَلا بُدَّ مِن لُزُومِها بِتَرْتِيبِ مُقْتَضاها عَلَيْها، وعَدَمِ الإخْلالِ بِهِ بِما ذُكِرَ مِنِ اتِّباعِ الهَوى، وخُطُواتِ الشَّيْطانِ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الدِّينِ المَأْمُورِ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ، أوْ إلى لُزُومِ فِطْرَةِ اللَّهِ المُسْتَفادِ مِنَ الإغْراءِ، أوْ إلى الفِطْرَةِ إنْ فُسِّرَتْ بِالمِلَّةِ. والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أوْ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ.

﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ المُسْتَوِي الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ.

﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَصُدُّونَ عَنْهُ صُدُودًا.

30:31Page 407

۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١

[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh

﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في النّاصِبِ المُقَدَّرِ لِفِطْرَةِ اللَّهِ، أوْ في أقِمْ لِعُمُومِهِ لِلْأُمَّةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أيْ: راجِعِينَ إلَيْهِ مِن أنابَ إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوهُ﴾ أيْ: مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ. عَطْفٌ عَلى المُقَدَّرِ المَذْكُورِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ المُبَدِّلِينَ لِفِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى تَبْدِيلًا.

30:32Page 407

مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢

[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1

﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِإعادَةِ الجارِّ، وتَفْرِيقُهم لِدِينِهِمُ اخْتِلافُهم فِيما يَعْبُدُونَهُ عَلى (p-61)اخْتِلافِ أهْوائِهِمْ، وفائِدَةُ الإبْدالِ التَّحْذِيرُ عَنِ الِانْتِماءِ إلى حِزْبٍ مِن أحْزابِ المُشْرِكِينَ بِبَيانِ أنَّ الكُلَّ عَلى الضَّلالِ المُبِينِ، وقُرِئَ: (فارَقُوا) أيْ: تَرَكُوا دِينَهُمُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ.

﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا تُشايِعُ كُلٌّ مِنها إمامَها الَّذِي أضَلَّها.

﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ﴾ مِنَ الدِّينِ المُعَوَّجِ المُؤَسَّسِ عَلى الرَّأْيِ الزّائِغِ، والزَّعْمِ الباطِلِ.

﴿فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ حَقٌّ، وأنّى لَهُ ذَلِكَ. فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن تَفْرِيقِ دَيْنِهِمْ، وكَوْنِهِمْ شِيَعًا. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ فَرِحُونَ صِفَةً لِـ كُلٌّ عَلى أنَّ الخَبَرَ هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ، أعْنِي مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

30:33Page 408

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣

And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,

﴿وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ أيْ: شِدَّةٌ.

﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن دُعاءِ غَيْرِهِ.

﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ.

﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ﴾ الَّذِي كانُوا دَعَوْهُ مُنِيبِينَ إلَيْهِ.

﴿يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَأ فَرِيقٌ مِنهُمُ الإشْراكَ. وتَخْصِيصُ هَذا الفِعْلِ بِبَعْضِهِمْ لِما أنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُقِيمٌ عَلى الطَّرِيقِ القَصْدِ، أوْ مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ في الجُمْلَةِ.

30:34Page 408

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤

So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ، وقِيلَ: لِلْأمْرِ التَّهْدِيدِيِّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ غَيْرَ أنَّهُ التَفَتَ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، وقُرِئَ: (وَلِيَتَمَتَّعُوا) ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَمَتُّعِكُمْ، وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى أنَّ تَمَتَّعُوا ماضٍ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى:

30:35Page 408

أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥

Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?

﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ لِلْإيذانِ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ.

﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً واضِحَةً. وقِيلَ: ذا سُلْطانٍ، أيْ: مُلْكًا مَعَهُ بُرْهانٌ.

﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تَكَلُّمَ دَلالَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ أوْ تَكَلُّمَ نُطْقٍ.

﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ بِإشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ.

30:36Page 408

وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦

And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.

﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسَعَةٍ.

﴿فَرِحُوا بِها﴾ بَطَرًا وأشَرًا، لا حَمْدًا وشُكْرًا.

﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ شِدَّةٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ فاجَئُوا القُنُوطَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ.

30:37Page 408

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧

Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُشاهِدُوا.

﴿أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَما لَهم لَمْ يَشْكُرُوا، ولَمْ يَحْتَسِبُوا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كالمُؤْمِنِينَ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ (p-62)بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.

30:38Page 408

فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨

So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.

﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مِنَ الصِّلَةِ، والصَّدَقَةِ، وسائِرِ المَبَرّاتِ.

﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ ما يَسْتَحِقّانِهِ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِمَن بُسِطَ لَهُ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ.

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ ذاتَهُ، أوْ جِهَتَهُ. ويَقْصِدُونَ بِـ "مَعْرُوفِهِمْ" إيّاهُ تَعالى خالِصًا، أوْ جِهَةَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ لا جِهَةً أُخْرى.

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ حَيْثُ حَصَّلُوا بِما بُسِطَ لَهُمُ النَّعِيمَ المُقِيمَ.

30:39Page 408

وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩

And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3

﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ زِيادَةٌ خالِيَةٌ عَنِ العِوَضِ عِنْدَ المُعامَلَةِ، وقُرِئَ: (أتَيْتُمْ) بِالقَصْرِ، أيْ: غَشِيتُمُوهُ أوْ رَهِقْتُمُوهُ مِن إعْطاءِ رِبًا.

﴿لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في أمْوالِهِمْ.

﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يُبارَكُ فِيهِ، وقُرِئَ: (لِتَرْبُوا) أيْ، لِتَزِيدُوا، أوْ لِتَصِيرُوا ذَوِي رِبًا.

﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ أيْ: تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ تَعالى خالِصًا.

﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ أيْ: ذَوُوا الأضْعافِ مِنَ الثَّوابِ. ونَظِيرُ المُضْعِفِ المُقْوِي والمُوسِرِ لِذِي القُوَّةِ واليَسارِ، أوِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِالبَرَكَةِ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ العَيْنِ. وفي تَغْيِيرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ والِالتِفاتِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى.

30:40Page 408

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠

Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ أثْبَتَ لَهُ تَعالى لَوازِمَ الأُلُوهِيَّةِ، وخَواصَّها، ونَفاها رَأْسًا عَمّا اتَّخَذُوهُ شُرَكاءَ لَهُ تَعالى مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، مُؤَكِّدًا بِالإنْكارِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ البُرْهانُ والعِيانُ، ووَقَعَ عَلَيْهِ الوِفاقُ، ثُمَّ اسْتَنْتَجَ مِنهُ تَنَزُّهَهُ عَنِ الشُّرَكاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةً، والخَبَرُ "هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ" والرّابِطُ قَوْلُهُ تَعالى: "مِن ذَلِكُمْ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى مِن أفْعالِهِ. و "مِنِ" الأُولى والثّانِيَةُ تُفِيدانِ شُيُوعَ الحُكْمِ في جِنْسِ الشُّرَكاءِ والأفْعالِ، والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَعْمِيمِ المَنفِيِّ، وكُلٌّ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِالتَّأْكِيدِ، وقُرِئَ: (تُشْرِكُونَ) بِصِيغَةِ الخِطابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском