Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:41–60
30:41Page 408
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١
Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].
﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ كالجَدْبِ، والمَوَتانِ، وكَثْرَةِ الحَرْقِ، والغَرَقِ، وإخْفاقِ الغاصَّةِ، ومَحْقِ البَرَكاتِ، وكَثْرَةِ المَضارِّ، أوِ الضَّلالَةِ والظُّلْمِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرِ: قُرى السَّواحِلِ، وقُرى البُحُورِ.
﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، أوْ بِكَسْبِهِمْ إيّاها. وقِيلَ: ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ بِقَتْلِ قابِيلَ أخاهُ هابِيلَ، وفي البَحْرِ بِأنَّ جَلَنْدى (p-63)كانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا.
﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أيْ: بَعْضَ جَزائِهِ فَإنَّ إتْمامَهُ في الآخِرَةِ، و "اللّامُ" لِلْعِلَّةِ، أوْ لِلْعاقِبَةِ. وقُرِئَ: (لِنُذِيقَهُمْ) بِالنُّونِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ.
30:42Page 409
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ لِيُشاهِدُوا آثارَهم.
﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما أصابَهم لِفُشُوِّ الشِّرْكِ فِيما بَيْنَهُمْ، أوْ كانَ الشِّرْكُ في أكْثَرِهِمْ وما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي في قَلِيلٍ مِنهم.
30:43Page 409
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣
So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ الِاسْتِقامَةِ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَأْتِي" أوْ بِـ "مَرَدَّ"؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَعْنى لا يَرُدُّهُ اللَّهُ تَعالى لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ القَدِيمَةِ بِمَجِيئِهِ.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أصْلُهُ: يَتَصَدَّعُونَ، أيْ: يَتَفَرَّقُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ.
30:44Page 409
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,
﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: وبالُ كُفْرِهِ، وهو النّارُ المُؤَبَّدَةُ.
﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أيْ: يُسَوُّونَ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ.
30:45Page 409
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَصَّدَّعُونَ، وقِيلَ: بِـ يَمْهَدُونَ، أيْ: يَتَفَرَّقُونَ بِتَفْرِيقِ اللَّهِ تَعالى فَرِيقَيْنِ لِيَجْزِيَ كُلًّا مِنهُما بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ. وحَيْثُ كانَ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ هو المَقْصُودَ بِالذّاتِ أبْرَزَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الغايَةِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَضْلِ لِما أنَّ الإثابَةَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا الوُجُوبِ، وأُشِيرَ إلى جَزاءِ الفَرِيقِ الآخَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ عَدَمَ مَحَبَّتِهِ تَعالى كِنايَةٌ عَنْ بُغْضِهِ المُوجِبِ لِغَضَبِهِ المُسْتَتْبِعِ لِلْعُقُوبَةِ لا مَحالَةَ.
30:46Page 409
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.
﴿وَمن آياته أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ﴾ أيِ: الشَّمالَ، والصَّبا، والجَنُوبَ. فَإنَّها رِياحُ الرَّحْمَةِ، وأمّا الدَّبُورُ فَرِيحُ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا، ولا تَجْعَلْها رِيحًا.» وقُرِئَ: (الرِّيحَ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
﴿مُبَشِّراتٍ﴾ بِالمَطَرِ ﴿وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ وهي المَنافِعُ التّابِعَةُ لَها، وقِيلَ: الخِصْبُ التّابِعُ لِنُزُولِ المَطَرِ المُسَبَّبِ عَنْها، أوِ الرَّوْحِ الَّذِي هو مَعَ هُبُوبِها. و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يُرْسِلُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُبَشِّراتٍ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرَكم بِها، ولِيُذِيقَكم. أوْ بِمَحْذُوفٍ يُفْهَمُ مِن ذِكْرِ الإرْسالِ تَقْدِيرُهُ: ولِيُذِيقَكُمْ، ولِيَكُونَ كَذا وكَذا يُرْسِلُها لا لِأمْرٍ آخَرَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَنافِعِكم.
﴿وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ يَسُوقُها ﴿بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِتِجارَةِ البَحْرِ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فِيما ذُكِرَ مِنَ (p-64)الغاياتِ الجَلِيلَةِ.
30:47Page 409
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ.
﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: جاءَ كُلُّ رَسُولٍ قَوْمَهُ بِما يَخُصُّهُ مِنَ البَيِّناتِ كَما جِئْتَ قَوْمَكَ بِبَيِّناتِكَ، و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَكَذَّبُوهم فانْتَقَمْنا مِنهم. وإنَّما وضَعَ ضَمِيرَهُمُ المَوْصُولَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَكانِ المَحْذُوفِ، والإشْعارِ بِكَوْنِهِ عِلَّةً لِلِانْتِقامِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ، وتَكْرِمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ جُعِلُوا مُسْتَحِقِّينَ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَنْصُرَهُمْ، وإشْعارٌ بِأنَّ الِانْتِقامَ مِنَ الكَفَرَةِ لِأجْلِهِ، وقَدْ يُوقَفُ عَلى حَقًّا عَلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِانْتِقامِ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ بَيْنَ ما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ وأحْكامِها؛ لِإنْذارِ الكَفَرَةِ وتَحْذِيرِهِمْ عَنِ الإخْلالِ بِمَواجِبِ الشُّكْرِ المَطْلُوبِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: " لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ " بِمُقابَلَةِ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ المَنُوطَةِ بِإرْسالِها كَيْلا يَحِلَّ بِهِمْ مَثَلٌ ماحِلٌ بِأُولَئِكَ الأُمَمِ مِنَ الِانْتِقامِ.
30:48Page 409
ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨
It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ﴾ مُتَّصِلًا تارَةً ﴿فِي السَّماءِ﴾ في جَوِّها.
﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ سائِرًا وواقِفًا مُطْبَقًا، وغَيْرَ مُطْبَقٍ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أيْ: قِطَعًا. وقُرِئَ: بِسُكُونِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مُخَفَّفٌ جَمْعُ (كِسْفَةٌ)، أوْ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ.
﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ المَطَرَ.
﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ في التّارَتَيْنِ.
﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأراضِيَهم.
﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ الخِصْبِ.
30:49Page 409
وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩
Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.
﴿وَإنْ كانُوا﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن "إنَّ"، وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ: المَطَرُ.
﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأكُّدِ، والإيذانِ بِطُولِ عَهْدِهِمْ بِالمَطَرِ، واسْتِحْكامِ يَأْسِهِمْ مِنهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَطَرِ، أوِ السَّحابِ، أوِ الإرْسالِ. وقِيلَ: لِلْكِسْفِ عَلى القِراءَةِ بِالسُّكُونِ. ولَيْسَ بِواضِحٍ وأقْرَبَ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلِاسْتِبْشارِ، و "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يُنَزِّلُ لِتُفِيدَ سُرْعَةَ تَقَلُّبِ قُلُوبِهِمْ مِنَ اليَأْسِ إلى الِاسْتِبْشارِ بِالإشارَةِ إلى غايَةِ تَقارُبِ زَمانَيْهِما بِبَيانِ اتِّصالِ اليَأْسِ بِالتَّنْزِيلِ المُتَّصِلِ بِالِاسْتِبْشارِ بِشَهادَةِ إذا الفُجائِيَّةِ.
﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ خَبَرُ كانُوا، و "اللّامُ" فارِقَةٌ، أيْ: آيِسِينَ.
30:50Page 409
فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠
So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.
﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ المُتَرَتِّبَةِ عَلى تَنْزِيلِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ وأنْواعِ الثِّمارِ، و "الفاءُ" لِلدِّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ تَرَتُّبِها عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (أثَرِ) (p-65)بِالتَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى ﴿الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِنَزْعِ الخافِضِ، و "كَيْفَ" مُعَلَّقُ نَظَرَ، أيْ: فانْظُرْ إلى إحْيائِهِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، وقِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ بِالتَّأْوِيلِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالأمْرِ بِالنَّظَرِ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ قدرته تعالى، وسِعَةِ رَحْمَتِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمْهِيدِ لِما يَعْقُبُهُ مِن أمْرِ البَعْثِ، وقُرِئَ: (تُحْيِي) بِالتَّأْنِيثِ عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الرَّحْمَةِ.
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ العَظِيمَ الشَّأْنِ الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُ شُئُونِهِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ فَإنَّهُ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ في مَوادِّ أبْدانِهِمْ مِنَ القُوى الحَيَوانِيَّةِ كَما أنَّ إحْياءَ الأرْضِ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ القُوى النَّباتِيَّةِ، أوْ لَمُحْيِيهِمُ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: مُبالَغٌ في القُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إحْياؤُهم لِما أنَّ نِسْبَةَ قدرته إلى الكُلِّ سَواءٌ.
30:51Page 410
وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١
But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1
﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ﴾ أيِ: الأثَرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآثارِ، أوِ النَّباتِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالآثارِ، فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ القَلِيلَ والكَثِيرَ.
﴿مُصْفَرًّا﴾ بَعْدَ خُضْرَتِهِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلسَّحابِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، و "اللّامُ" في "لَئِنْ" مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ، و "الفاءُ" في "فَرَأوْهُ" فَصِيحَةٌ، و "اللّامُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَظَلُّوا﴾ لامُ جَوابِ القَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً، أوْ بارِدَةً فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصَّفّارِ، فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَيَظَلُّنَّ.
﴿مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ، وفِيهِ مِن ذَمِّهِمْ بَعْدَ تَثْبِيتِهِمْ، وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهِمْ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ما لا يَخْفى حَيْثُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ حالٍ، ويَلْجَئُوا إلَيْهِ بِالِاسْتِغْفارِ إذا احْتَبَسَ عَنْهُمُ القَطْرُ، ولا يَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى، ويُبادِرُوا إلى الشُّكْرِ بِالطّاعَةِ إذا أصابَهم بِرَحْمَتِهِ، ولا يُفَرِّطُوا في الِاسْتِبْشارِ، وأنْ يَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ إذا اعْتَرى زَرْعَهم آفَةٌ، ولا يَكْفُرُوا بِنَعْمائِهِ، فَعَكَسُوا الأمْرَ، وأبَوْا ما يُجْدِيهِمْ، وأتَوْا بِما يُرْدِيهِمْ.
30:52Page 410
فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢
So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.
﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِما أنَّهم مِثْلُهم لِانْسِدادِ مَشاعِرِهِمْ عَنِ الحَقِّ.
﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ تَقْيِيدُ الحُكْمِ بِما ذُكِرَ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جامِعُونَ لِخَصْلَتِي السُّوءِ نُبُوِّ أسْماعِهِمْ عَنِ الحَقَّ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ فِيهِمْ إحْداهُما لَكَفاهم ذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدْ جَمَعُوهُما فَإنَّ الأصَمَّ المُقْبِلَ إلى المُتَكَلِّمِ رُبَّما يَفْطِنُ مِن أوْضاعِهِ وحَرَكاتِهِ لِشَيْءٍ مِن كَلامِهِ، وإنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أصْلًا، وأمّا إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ فَلا يَكادُ يَفْهَمُ مِنهُ شَيْئًا، وقُرِئَ: بِالياءِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ الصُّمِّ.
30:53Page 410
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].
﴿وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ سُمُّوا عُمْيًا، إمّا لِفَقْدِهِمُ المَقْصُودَ الحَقِيقِيَّ مِنَ الإبْصارِ، أوْ لِعَمى قُلُوبِهِمْ، وقُرِئَ: تَهْدِي العُمْيَ.
﴿إنْ تُسْمِعُ﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ.
﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فَإنَّ إيمانَهم يَدْعُوهم إلى التَّدَبُّرِ فِيها، وتَلَقِّيها بِالقَبُولِ، أوْ إلّا مَن يُشارِفُ الإيمانَ بِها، ويُقْبِلُ عَلَيْها إقْبالًا لائِقًا.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِما تَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الحَقِّ.
30:54Page 410
۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤
Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.
(p-66)﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ: ابْتَدَأكم ضُعَفاءَ، وجَعَلَ الضَّعْفَ أساسَ أمْرِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا، أيْ: خَلَقَكم مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ هو النُّطْفَةُ.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِكُمُ الحُلُمَ، أوْ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِأبْدانِكم.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ إذا أخَذَ مِنكُمُ السِّنُّ، وقُرِئَ: بِضَمِّ الضّادِ في الكُلِّ، وهو أقْوى لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قَرَأْتُها عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأقْرَأنِي مِن ضُعْفٍ. وهُما لُغَتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، والتَّنْكِيرُ مَعَ التَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ غَيْرُ المُتَأخِّرِ.
﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الضَّعْفِ، والقُوَّةِ، والشَّيْبَةِ.
﴿وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ المُبالَغُ في العِلْمِ، والقُدْرَةِ، فَإنَّ التَّرْدِيدَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ مِن أوْضَحِ دَلائِلِ العِلْمِ والقُدْرَةِ.
30:55Page 410
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥
And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ سُمِّيَتْ بِها؛ لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا، أوْ لِأنَّها تَقَعُ بَغْتَةً وصارَتْ عَلَمًا لَها كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، والكَوْكَبِ لِلزُّهْرَةِ.
﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا﴾ أيْ: في القُبُورِ، أوْ في الدُّنْيا، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لُبْثَهم مُغَيًّا بِيَوْمِ البَعْثِ، كَما سَيَأْتِي. ولَيْسَ لُبْثُهم في الدُّنْيا كَذَلِكَ، وقِيلَ: فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا، والبَعْثِ، وانْقِطاعِ عَذابِهِمْ، وفي الحَدِيثِ «ما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ أرْبَعُونَ،» وهو مُحْتَمِلٌ لِلسّاعاتِ، والأيّامِ، والأعْوامِ. وقِيلَ: لا يُعْلَمُ أهِيَ أرْبَعُونَ سَنَةً، أوْ أرْبَعُونَ ألْفَ سَنَةٍ؟ ﴿غَيْرَ ساعَةٍ﴾ اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ نِسْيانًا، أوْ كَذِبًا، أوْ تَخْمِينًا.
﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ في الدُّنْيا عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ.
30:56Page 410
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦
But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1
﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَلائِكَةِ والإنْسِ.
﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ﴾ في عِلْمِهِ، أوْ قَضائِهِ، أوْ ما كَتَبَهُ وعَيَّنَهُ، أوْ في اللَّوْحِ، أوِ القرآن. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ .
﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ رَدُّوا بِذَلِكَ ما قالُوهُ وأيَّدُوهُ بِاليَمِينِ، كَأنَّهم مِن فَرْطِ حَيْرَتِهِمْ لَمْ يَدْرُوا أنَّ ذَلِكَ هو البَعْثُ المَوْعُودُ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَهُ، وكانُوا يَسْمَعُونَ أنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ كافَّةً، ويُقَدِّرُونَ لِذَلِكَ زَمانًا مَدِيدًا، وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا تَحَقُّقَهُ فَرَدَّ العالِمُونَ مَقالَتَهُمْ، ونَبَّهُوهم عَلى أنَّهم لَبِثُوا إلى غايَةٍ بَعِيدَةٍ كانُوا يَسْمَعُونَها، ويُنْكِرُونَها، وبَكَّتُوهم بِالإخْبارِ بِوُقُوعِها، حَيْثُ قالُوا: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدُّنْيا.
﴿وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ فَتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، و "الفاءُ" جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ∗∗∗ ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانًا
30:57Page 410
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧
So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ: عُذْرُهُمْ، وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ مُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، وإنْ تَوَسَّطَ (p-67)بَيْنَهُما فاصِلٌ.
﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يُدْعَوْنَ إلى ما يَقْتَضِي إعْتابَهُمْ، أيْ: إزالَةَ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ، والطّاعَةِ كَما دُعُوا إلَيْهِ في الدُّنْيا مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ، أيِ: اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ.
30:58Page 410
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨
And We have certainly presented to the people in this Qur’ān from every [kind of] example. But, [O Muḥammad], if you should bring them a sign, the disbelievers will surely say, "You [believers] are but falsifiers."
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ بَيَّنّا لَهم كُلَّ حالٍ، ووَصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ، كَأنَّها في غَرابَتِها مَثَلٌ وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِصَّتِهِمْ، وما يَقُولُونَ وما يُقالُ لَهُمْ، ويُفْعَلُ بِهِمْ مِن رَدِّ اعْتِذارِهِمْ.
﴿وَلَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القرآن النّاطِقَةِ بِأمْثالِ ذَلِكَ.
﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِفَرْطِ عُتُوِّهِمْ، وعِنادِهِمْ، وقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ مُخاطِبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ.
﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: مُزَوِّرُونَ.
30:59Page 410
كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩
Thus does Allāh seal the hearts of those who do not know.1
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ الفَظِيعِ.
﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ، ولا يَتَحَرَّوْنَ الحَقَّ بَلْ يُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها وتُرَّهاتٍ، ابْتَدَعُوها فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ، ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ.
30:60Page 410
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠
So be patient. Indeed, the promise of Allāh is truth. And let them not disquiet you who are not certain [in faith].
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما نُشاهِدُ مِنهم مَنِ الأقْوالِ الباطِلَةِ والأفْعالِ السَّيِّئَةِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وقَدْ وعَدَكَ بِالنُّصْرَةِ، وإظْهارِ الدِّينِ، وإعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، ولا بُدَّ مِن إنْجازِهِ، والوَفاءِ بِهِ لا مَحالَةَ.
﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ.
﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ بِما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّنَةِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاها، وإيذائِهِمْ لَكَ بِأباطِيلِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُمْ: "إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ" فَإنَّهم شاكُّونَ ضالُّونَ، ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهم أمْثالُ ذَلِكَ. وقُرِئَ: بِالنُّونِ المُخَفَّفَةِ، وقُرِئَ: ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ: لا يَفْتِنُنَّكَ فَيَمْلِكُوكَ، ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأيًّا ما كانَ فَظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وإنْ كانَ نَهْيًا لِلْكَفَرَةِ عَنِ اسْتِخْفافِهِ ﷺ، واسْتِحْقاقِهِ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ ﷺ عَنِ التَّأثُّرِ مِنِ اسْتِخْفافِهِمْ، والِافْتِتانِ بِفِتْنَتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ .
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الرُّومِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مَلَكٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأدْرَكَ ما ضَيَّعَ في يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ.»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences