Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:19–30
32:19Page 416
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩
As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.
﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ تَفْصِيلٌ لِمَراتِبِ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِهِما في الدُّنْيا، وأُضِيفَتِ الجَنَّةُ إلى المَأْوى؛ لِأنَّها المَأْوى الحَقِيقِيُّ، وإنَّما الدُّنْيا مَنزِلٌ مُرْتَحَلٌ عَنْهُ لا مَحالَةَ. وقِيلَ: المَأْوى جَنَّةٌ مِنَ الجَنّاتِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَمْزٌ إلى ما ذُكِرَ مِن تَجافِيهِمْ عَنْ مَضاجِعِهِمْ (p-86)الَّتِي هي مَأْواهم في الدُّنْيا ﴿نُزُلا﴾ أيْ: ثَوابًا. وهو في الأصْلِ ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ.
﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ أوْ بِأعْمالِهِمْ.
32:20Page 416
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠
But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."
﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ: خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ.
﴿فَمَأْواهُمُ﴾ أيْ: مَلْجَؤُهم ومَنزِلُهم.
﴿النّارُ﴾ مَكانَ جَنّاتِ المَأْوى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ كَوْنِ النّارِ مَأْواهم. يُرْوى أنَّهُ يَضْرِبُهم لَهَبُ النّارِ فَيَرْتَفِعُونَ إلى طَبَقاتِها حَتّى إذا قَرُبُوا مِن بابِها وأرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها يَضْرِبُهُمُ اللَّهَبُ فَيَهْوُونَ إلى قَعْرِها، وهَكَذا يُفْعَلُ بِهِمْ أبَدًا. وكَلِمَةُ "فِي" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ فِيها، وإنَّما الإعادَةُ مِن بَعْضِ طَبَقاتِها إلى بَعْضٍ.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ.
﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: بِعَذابِ النّارِ.
﴿تُكَذِّبُونَ﴾ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الدُّنْيا.
32:21Page 417
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيْ: عَذابِ الدُّنْيا. وهو ما مُحِنُوا بِهِ مِنَ السَّنَةِ سَبْعَ سِنِينَ، والقَتْلِ، والأسْرِ.
﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ الَّذِي هو عَذابُ الآخِرَةِ.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لَعَلَّ الَّذِينَ يُشاهِدُونَهُ وهم في الحَياةِ ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ. رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فاخَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.
32:22Page 417
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِحالِ مَن قابَلَ آياتِ اللَّهِ تَعالى بِالإعْراضِ بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن قابَلَها بِالسُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ. وكَلِمَةُ "ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ عَنْها عَقْلًا، مَعَ غايَةِ وُضُوحِها، وإرْشادِها إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ. كَما في بَيْتِ الحَماسَةِ:
؎ ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ. وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ عَلى نَفْيِ الأظْلَمِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المَساوِئِ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا.
﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإجْرامِ، وإنْ هانَتْ جَرِيمَتُهُ.
﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ فَكَيْفَ مِمَّنْ هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وأشَرُّ جُرْمًا مِن كُلِّ مُجْرِمٍ؟
32:23Page 417
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣
And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ. عَبَّرَ عَنْها بِاسْمِ الجِنْسِ لِتَحْقِيقِ المُجانَسَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الفُرْقانِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيتاءَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَإيتائِها لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ مِن لِقاءِ الكِتابِ الَّذِي هو الفُرْقانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القرآن﴾ والمَعْنى: إنّا آتَيْنا مُوسى مِثْلَ ما آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ، ولَقَيْناهُ مِنَ الوَحْيِ مِثْلَ ما لَقَيْناكَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لَقِيَتْ مِثْلَهُ ونَظِيرَهُ، وقِيلَ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، أوْ مِن لِقائِكَ مُوسى. وعَنْهُ ﷺ: ««رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي مُوسى رَجُلًا آدَمَ طِوالًا وجَعْدًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ».» ﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أيْ: (p-87)الكِتابَ الَّذِي آتَيْناهُ مُوسى ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما في التَّوْراةِ ولَدُ إسْماعِيلَ.
32:24Page 417
وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤
And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.
﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ بَقِيَّتَهم بِما في تَضاعِيفِ الكِتابِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، أوْ يَهْدُونَهم إلى ما فِيهِ مِن دِينِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ.
﴿بِأمْرِنا﴾ إيّاهم بِذَلِكَ، أوْ بِتَوْفِيقِنا لَهُ.
﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ هي "لَمّا" الَّتِي فِيها مَعْنى الجَزاءِ، نَحْوَ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ لَمّا جِئْتَنِي. والضَّمِيرُ لِلْأئِمَّةِ تَقْدِيرُهُ لَمّا صَبَرُوا جَعَلْناهم أئِمَّةً، أوْ هي ظَرْفٌ بِمَعْنى الحِينِ، أيْ: جَعَلْناهم أئِمَّةً حِينَ صَبَرُوا، والمُرادُ صَبْرُهم عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، ومُقاساتِ الشَّدائِدِ في نُصْرَةِ الدِّينِ، أوْ صَبْرُهم عَنِ الدُّنْيا، وقُرِئَ: (لِما صَبَرُوا) أيْ: لِصَبْرِهِمْ.
﴿وَكانُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي في تَضاعِيفِ الكِتابِ.
﴿يُوقِنُونَ﴾ لِإمْعانِهِمْ فِيها النَّظَرَ، والمَعْنى: كَذَلِكَ لَنَجْعَلَنَّ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناكَهُ هُدًى لِأُمَّتِكَ، ولَنَجْعَلَنَّ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ مِثْلَ تِلْكَ الهِدايَةِ.
32:25Page 417
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥
Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾ أيْ: يَقْضِي.
﴿بَيْنَهُمْ﴾ قِيلَ: بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، وقِيلَ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُمَيِّزُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُباطِلِ ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ.
32:26Page 417
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦
Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ، عَلى مَنوِيٍّ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وفِعْلُ الهِدايَةِ إمّا مِن قَبِيلِ: فُلانٌ يُعْطِي في أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ بِلا مُلاحَظَةِ المَفْعُولِ، وإمّا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. والفاعِلُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ: أغْفَلُوا. ولَمْ يَفْعَلِ الهِدايَةَ لَهُمْ، أوْ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم مَآلَ أمْرِهِمْ كَثْرَةُ إهْلاكِنا ﴿مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ﴾ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ، وقُرِئَ: (نَهْدِ لَهُمْ) بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًا ضَمِيرَهُ تَعالى، فَيَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِكَيْفِيَّةِ هِدايَتِهِ تَعالى.
﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ، ويُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لَهُمْ"، وقُرِئَ: (يُمَشُّونَ) لِلتَّكْثِيرِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن كَثْرَةِ إهْلاكِنا لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ العاتِيَةِ، أوْ في مَساكِنِهِمْ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً في أنْفُسِها كَثِيرَةً في عَدَدِها.
﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ هَذِهِ الآياتِ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ.
32:27Page 417
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧
Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ أيِ: الَّتِي جُرِزَ نَباتُها، أيْ: قُطِعَ وأُزِيلَ بِالمَرَّةِ. وقِيلَ: هو اسْمُ مَوْضِعٍ بِاليَمَنِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ مِن تِلْكَ الأرْضِ.
﴿زَرْعًا تَأْكُلُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ الزَّرْعِ.
﴿أنْعامُهُمْ﴾ كالتِّبْنِ والقَصِيلِ والوَرَقِ وبَعْضِ الحُبُوبِ المَخْصُوصَةِ بِها، وقُرِئَ: (يَأْكُلُ) بِالياءِ.
﴿وَأنْفُسُهُمْ﴾ كالحُبُوبِ الَّتِي يَقْتاتُها الإنْسانُ والثِّمارِ.
﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-88)أيْ: ألا يَنْظُرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ ذَلِكَ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى كَمالِ قدرته تعالى وفَضْلِهِ.
32:28Page 417
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨
And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"
﴿وَيَقُولُونَ﴾ كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: اللَّهُ سَيَفْتَحُ لَنا عَلى المُشْرِكِينَ، أوْ يَفْصِلُ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وكانَ أهْلُ مَكَّةَ إذا سَمِعُوهُ يَقُولُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْجالِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ ؟ أيِ: النَّصْرُ، أوِ الفَصْلُ بِالحُكُومَةِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُكُمْ، أوْ يَفْصِلُ بَيْنَنا وبَيْنَكم.
32:29Page 417
قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهُمْ، وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ.
﴿يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَوْمُ الفَتْحِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الفَصْلِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وأعْدائِهِمْ، ويَوْمُ نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ: يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ. والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ الجَوابِ عَلى ظاهِرِ سُؤالِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ أمْرًا بَيِّنًا غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ، وكَذا إيمانُهُمْ، واسْتِنْظارُهم يَوْمَئِذٍ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ عَدَمُ نَفْعِ ذَلِكَ الإيمانِ، وعَدَمُ الإنْظارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَعْجِلُوا فَكَأنِّي بِكم قَدْ آمَنتُمْ فَلَمْ يَنْفَعْكُمْ، واسْتَنْظَرْتُمْ فَلَمْ تُنْظَرُوا، وهَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ظاهِرٌ. وأمّا عَلى الأخِيرَيْنِ: فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المَقْتُولِينَ يَوْمَئِذٍ لا عَنْ كافَّةِ الكَفَرَةِ، كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ. كَيْفَ لا، وقَدْ نَفَعَ الإيمانُ الطُّلَقاءَ يَوْمَ الفَتْحِ، وناسًا آمَنُوا يَوْمَ بَدْرٍ؟
32:30Page 417
فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠
So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ، ﴿وانْتَظِرْ﴾ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ وهَلاكَهُمْ، ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ . قِيلَ: أيِ: الغَلَبَةَ عَلَيْكم. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ والأظْهَرُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ هَلاكَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ ... الآيَةَ. ويَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: ﴿وانْتَظِرْ﴾ عَذابَنا ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ فَإنَّ اسْتِعْجالَهُمُ المَذْكُورَ وعُكُوفَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي في حُكْمِ انْتِظارِهِمُ العَذابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ عَلى مَعْنى: أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهُمْ، أوْ فَإنَّ المَلائِكَةَ يَنْتَظِرُونَهُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««مَن قَرَأ الم تَنْزِيلُ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما أحْيا لَيْلَةَ القَدْرِ».»
وَعَنْهُ ﷺ: ««مَن قَرَأ الم تَنْزِيلُ في بَيْتِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطانُ ثَلاثَةَ أيّامٍ».»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences