Abu as-Su'udAl‑Ahzab · 33:17–32

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:17–32

33:17Page 420

قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧

Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.

﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ (p-96)أيْ: أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً. فاخْتَصَرَ الكَلامَ، أوْ حُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ.

﴿وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يَنْفَعُهم ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضَّرَرَ.

33:18Page 420

۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨

Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أيِ: المُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهُمُ المُنافِقُونَ.

﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ نَحْوَ: احْضَرْ أوْ قَرِّبْ. ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، وأمّا بَنُو تَمِيمٍ فَيَقُولُونَ: هَلُمَّ يا رَجُلُ، وهَلُمُّوا يا رِجالُ، أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ هَذا القَوْلِ خارِجُونَ مِنَ المُعَسْكَرِ مُتَوَجِّهُونَ نَحْوَ المَدِينَةِ.

﴿وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيِ: الحِرابَ والقِتالَ.

﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: إتْيانًا أوْ زَمانًا أوْ بَأْسًا قَلِيلًا، فَإنَّهم يَعْتَذِرُونَ، ويُثَبِّطُونَ ما أمْكَنَ لَهُمْ، ويَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُوهِمُونَهم أنَّهم مَعَهُمْ، ولا تَراهم يُبارِزُونَ، ويُقاتِلُونَ إلّا شَيْئًا قَلِيلًا إذا اضْطُرُّوا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ . وقِيلَ: إنَّهُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِمْ مَعْناهُ: ولا يَأْتِي أصْحابُ مُحَمَّدٍ حَرْبَ الأحْزابِ، ولا يُقاوِمُونَهم إلّا قَلِيلًا.

33:19Page 420

أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩

Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.

﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بُخَلاءَ عَلَيْكم بِالمُعاوَنَةِ، أوِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوِ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ. جَمْعُ شَحِيحٍ. ونَصْبُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ يَأْتُونَ، أوْ مِنَ المُعَوِّقِينَ، أوْ عَلى الذَّمِّ.

﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ في أحْداقِهِمْ.

﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ يَنْظُرُونَ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أوْ لِمَصْدَرِ تَدُورُ، أوْ حالٌ مِن أعْيُنِهِمْ، أيْ: يَنْظُرُونَ نَظَرًا كائِنًا كَنَظَرِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ حَذَرًا وخَوْرًا، ولِواذًا بِكَ، أوْ يَنْظُرُونَ كائِنِينَ "كالَّذِي"... إلَخْ. أوْ تَدُورُ أعْيُنُهم دَوَرانًا كائِنًا كَدَوَرانِ عَيْنِهِ، أوْ تَدُورُ أعْيُنُهم كائِنَةً كَعَيْنِهِ.

﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ﴾ وحِيزَتِ الغَنائِمُ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ ضَرَبُوكم ﴿بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ وقالُوا: وفِّرُوا قِسْمَتَنا؛ فَإنّا قَدْ شاهَدْناكُمْ، وقاتَلْنا مَعَكُمْ، وبِمَكانِنا غَلَبْتُمْ عَدُوَّكُمْ، وبِنا نُصِرْتُمْ عَلَيْهِ. والسَّلْقُ البَسْطُ بِقَهْرٍ بِاليَدِ أوْ بِاللِّسانِ، وقُرِئَ: (صَلَقُوكُمْ) ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ، أوِ الذَّمِّ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن صِفاتِ السُّوءِ ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بِالإخْلاصِ ﴿فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أظْهَرَ بُطْلانَها إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهم أعْمالٌ فَتَبْطُلُ، أوْ أبْطَلَ تَصَنُّعَهم ونِفاقَهم فَلَمْ يَبْقَ مُسْتَتْبِعًا لِمَنفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أصْلًا.

﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ الإحْباطُ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هَيِّنًا. وتَخْصِيصُ يُسْرِهِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ تَعالى يَسِيرٌ لِبَيانِ أنَّ أعْمالَهم حَقِيقَةٌ بِأنْ يَظْهَرَ حُبُوطُها لِكَمالِ تَعاضُدِ الدَّواعِي، وعَدَمِ الصَّوارِفِ بِالكُلِّيَّةِ.

33:20Page 420

يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠

They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.

﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ (p-97)لِجُبْنِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّ الأحْزابَ لَمْ يَنْهَزِمُوا فَفَرُّوا إلى داخِلِ المَدِينَةِ.

﴿وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ كَرَّةً ثانِيَةً ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ تَمَنَّوْا أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ حاصِلُونَ بَيْنَ الأعْرابِ، وقُرِئَ: (بُدًّى) جَمْعُ بادٍ كَغازٍ وغُزًّى.

﴿يَسْألُونَ﴾ كُلَّ قادِمٍ مِن جانِبِ المَدِينَةِ. وقُرِئَ: (يَسّاءَلُونَ) أيْ: يَتَساءَلُونَ. ومَعْناهُ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا سَمِعْتَ؟ ماذا بَلَغَكَ؟ أوْ يَتَساءَلُونَ الأعْرابَ كَما يُقالُ: رَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ، فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ قَدْ تُجَرَّدُ عَنْ مَعْنى كَوْنِ ما أُسْنِدَتْ إلَيْهِ فاعِلًا مِن وجْهٍ، ومَفْعُولًا مِن وجْهٍ، ويُكْتَفى بِتَعَدُّدِ الفاعِلِ كَما في المِثالِ المَذْكُورَةِ ونَظائِرِهِ.

﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ عَمّا جَرى عَلَيْكم ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ هَذِهِ الكَرَّةَ، ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ، وكانَ قِتالٌ.

﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ رِياءً وخَوْفًا مِنَ التَّعْيِيرِ.

33:21Page 420

لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١

There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ خَصْلَةٌ حَسَنَةٌ حَقُّها يُؤْتَسى بِها كالثَّباتِ في الحَرْبِ، ومُقاساةِ الشَّدائِدِ، أوْ هو في نَفْسِهِ قُدْوَةٌ يَحِقُّ التَّأسِّي بِهِ، كَقَوْلِكَ: في البَيْضَةِ عِشْرُونَ مِنًّا حَدِيدًا، أيْ: هي في نَفْسِها هَذا القَدْرُ مِنَ الحَدِيدِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ فِيها.

﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: ثَوابَ اللَّهِ، أوْ لِقاءَهُ، أوْ أيّامَ اللَّهِ واليَوْمَ الآخِرَ خُصُوصًا، وقِيلَ: هو مِثْلُ قَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا وفَضْلَهُ. فَإنَّ اليَوْمَ الآخِرَ مِن أيّامِ اللَّهِ تَعالى. ولِمَن كانَ صِلَةً لِحَسَنَةٍ، أوْ صِفَةً لَها. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن «لَكُمْ» والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُ.

﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ أيْ: وقَرَنَ بِالرَّجاءِ ذِكْرَ اللَّهِ.

﴿كَثِيرًا﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، أوْ زَمانًا كَثِيرًا، فَإنَّ المُثابَرَةَ عَلى ذِكْرِهِ تَعالى تُؤَدِّي إلى مُلازَمَةِ الطّاعَةِ، وبِها يَتَحَقَّقُ الِائْتِساءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

33:22Page 420

وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢

And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.

﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ بَيانٌ لِما صَدَرَ عَنْ خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ اشْتِباهِ الشُّؤُونِ واخْتِلافِ الظُّنُونِ، بَعْدَ حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِمْ، أيْ: لِما شاهَدُوهم حَسْبَما وصَفَوا لَهم.

﴿قالُوا هَذا﴾ مُشِيرِينَ إلى ما شاهَدُوهُ مِن حَيْثُ هو مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ، فَإنَّهُما مِن أحْكامِ اللَّفْظِ. كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ وجَعَلَهُ إشارَةً إلى الخَطْبِ، أوِ البَلاءِ مِن نَتائِجِ النَّظَرِ الجَلِيلِ؛ فَتَدَبَّرْ. نَعَمْ يَجُوزُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ بِالَّذِي هو ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ العُنْوانَ أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ عِنْدَ المُشاهَدَةِ، ومُرادُهم بِذَلِكَ ما وُعِدُوهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ . وقَوْلِهِ ﷺ: ««سَيَشْتَدُّ الأمْرُ بِاجْتِماعِ الأحْزابِ عَلَيْكُمْ، والعاقِبَةُ لَكم عَلَيْهِمْ».» وقَوْلِهِ ﷺ: ««إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم بَعْدَ تِسْعِ لَيالٍ أوْ عَشْرٍ».» وقُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ.

﴿وَصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، أوْ صَدَقا في النُّصْرَةِ والثَّوابِ، كَما صَدَقا في البَلاءِ. وإظْهارُ الِاسْمِ لِلتَّعْظِيمِ.

﴿وَما زادَهُمْ﴾ أيْ: ما رَأوْهُ.

﴿إلا إيمانًا﴾ بِاللَّهِ تَعالى وبِمَواعِيدِهِ.

(p-98)﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لِأوامِرِهِ ومَقادِيرِهِ.

33:23Page 421

مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣

Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ بِالإخْلاصِ مُطْلَقًا لا الَّذِينَ حُكِيَتْ مَحاسِنُهم خاصَّةً.

﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، والمُقاتَلَةِ لِأعْداءِ الدِّينِ، وهم رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم نَذَرُوا أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَبَتُوا، وقاتَلُوا حَتّى يَسْتَشْهِدُوا. وهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وحَمْزَةُ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأنَسُ بْنُ النَّضْرِ، وغَيْرُهُمْ، رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

وَمَعْنى "صَدَقُوا" أتَوْا بِالصِّدْقِ، مِن صَدَقَنِي إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ. ومَحَلُّ ما عاهَدُوا النَّصْبُ، إمّا بِطَرْحِ الخافِضِ عَنْهُ وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ: في سِنِّهِ. وإمّا يُجْعَلُ المُعاهَدُ عَلَيْهِ مَصْدُوقًا عَلى المَجازِ، كَأنَّهم خاطَبُوهُ خِطابَ مَن قالَ لِكُرَمائِهِ:

نَحَرَتْنِي الأعْداءُ إنْ لَمْ تُنْحَرِي

وَقالُوا لَهُ: سَنَفِي بِكَ، وحَيْثُ وفَوْا بِهِ فَقَدْ صَدَقُوهُ، ولَوْ كانُوا نَكَثُوهُ لَكَذَّبُوهُ، ولَكانَ مَكْذُوبًا.

﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِحالِ الصّادِقِينَ، وتَقْسِيمٌ لَهم إلى قِسْمَيْنِ. والنَّحْبُ النَّذْرُ، وهو أنْ يَلْتَزِمَ الإنْسانُ شَيْئًا مِن أعْمالِهِ، ويُوجِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وقَضاؤُهُ الفَراغُ مِنهُ، والوَفاءُ بِهِ. ومَحَلُّ الجارِّ والمَجْرُورِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ ... الآيَةَ. أيْ: فَبَعْضُهُمْ، أوْ فَبَعْضٌ مِنهم مَن خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ كَحَمْزَةَ، ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وأنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وغَيْرُهُمْ، رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. فَإنَّهم قَدْ قَضَوْا نُذُورَهم سَواءٌ كانَ النُّذُرُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ بِأنْ يَكُونَ ما نَذَرُوهُ أفْعالَهُمُ الِاخْتِيارِيَّةَ الَّتِي هي المُقاتَلَةُ المُغَيّاةُ بِما لَيْسَ مِنها، ولا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّذْرِ، وهو المَوْتُ شَهِيدًا، أوْ كانَ مُسْتَعارًا، لِالتِزامِهِ عَلى ما سَيَأْتِي.

﴿وَمِنهُمْ﴾ أيْ: وبَعْضُهُمْ، أوْ وبَعْضٌ مِنهم.

﴿مَن يَنْتَظِرُ﴾ أيْ: قَضاءَ نَحْبِهِ لِكَوْنِهِ مُوَقَّتًا كَعُثْمانَ وطَلْحَةَ وغَيْرِهِما، مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى نُذُورِهِمْ قَدْ قَضَوْا بَعْضَها، وهو الثَّباتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والقِتالُ إلى حِينِ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ومُنْتَظِرُونَ لِقَضاءِ بَعْضِها الباقِي، وهو القِتالُ إلى المَوْتِ شَهِيدًا. هَذا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّحْبُ مُسْتَعارًا لِالتِزامِ المَوْتِ شَهِيدًا، إمّا بِتَنْزِيلِ التِزامِ أسْبابِهِ الَّتِي هي أفْعالٌ اخْتِيارِيَّةٌ لِلنّاذِرِ مَنزِلَةَ الِالتِزامِ نَفْسِهِ، وإمّا بِتَنْزِيلِ نَفْسِهِ مَنزِلَةَ أسْبابِهِ، وإيرادِ الِالتِزامِ عَلَيْهِ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المَدْحِ. وأيًّا ما كانَ فَفي وصْفِهِمْ بِالِانْتِظارِ المُنْبِئِ عَنِ الرَّغْبَةِ في المُنْتَظَرِ شَهادَةُ حَقَّةٌ بِكَمالِ اشْتِياقِهِمْ إلى الشَّهادَةِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ النَّحْبَ اسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ لِأنَّهُ كَنَذْرٍ لازِمٍ في رَقَبَةِ كُلِّ حَيَوانٍ فَمَسْخٌ لِلِاسْتِعارَةِ، وذَهابٌ بِرَوْنَقِها، وإخْراجٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ بِالكُلِّيَّةِ.

﴿وَما بَدَّلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى صَدَقُوا، وفاعِلُهُ فاعِلُهُ، أيْ: وما بَدَّلُوا عَهْدَهم وما غَيَّرُوهُ.

﴿تَبْدِيلا﴾ أيْ: تَبْدِيلًا ما لا أصْلًا ولا وصْفًا، بَلْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ، راغِبِينَ فِيهِ، مُراعِينَ لِحُقُوقِهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ. أمّا الَّذِينَ قَضَوْا فَظاهِرٌ، وأمّا الباقُونَ فَيَشْهَدُ بِهِ انْتِظارُهم أصْدَقَ شَهادَةٍ. وتَعْمِيمُ عَدَمِ التَّبْدِيلِ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مَعَ ظُهُورِ حالِهِمْ لِلْإيذانِ بِمُساواةِ الفَرِيقِ الثّانِي لَهم في الحُكْمِ (p-99)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ بَدَّلُوا لِلْمُنْتَظِرِينَ خاصَّةً بِناءً عَلى أنَّ المُحْتاجَ إلى البَيانِ حالُهم. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ فَقالَ ﷺ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ الجَنَّةَ».» وفي رِوايَةٍ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ». وعَنْهُ ﷺ في رِوايَةِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ».» وفي رِوايَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَن «سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ، وقَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ».» وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّهُ مِنَ الأوَّلِينَ حُكْمًا.

33:24Page 421

لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤

That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ مَسُوقٍ بِطَرِيقِ الفَذْلَكَةِ لِبَيانِ ما هو داعٍ إلى وُقُوعٍ ما حُكِيَ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ عَلى التَّفْصِيلِ. وغايَةٌ لَهُ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وقَعَ جَمِيعُ ما وقَعَ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ قَوْلًا وفِعْلًا.

﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ والأقْوالِ المَحْكِيَّةِ.

﴿إنْ شاءَ﴾ تَعْذِيبَهم ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ التَّبْدِيلِ المَنطُوقِ، وإثْباتِهِ المُعَرَّضَ بِهِ كَأنَّ المُنافِقِينَ قَصَدُوا بِالتَّبْدِيلِ عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما قَصَدَ المُخْلِصُونَ بِالثَّباتِ والوَفاءِ العاقِبَةَ الحُسْنى، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِصَدَقُوا، وقِيلَ: لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: «وَما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا». وقِيلَ: لِما يُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الخَطْبِ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ... الآيَةَ. فَتَأمَّلْ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: لِمَن تابَ. وهو اعْتِراضٌ فِيهِ بَعْثٌ إلى التَّوْبَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

33:25Page 421

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥

And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.

﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رُجُوعٌ إلى حِكايَةِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ، وتَفْصِيلُ تَتِمَّةِ النِّعْمَةِ المُشارِ إلَيْها إجْمالًا، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ مَعْطُوفٌ إمّا عَلى المُضْمَرِ المُقَدَّرِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ حِكايَةِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وقَعَ ما وقَعَ مِنَ الحَوادِثِ.

﴿وَرَدَّ اللَّهُ﴾ ... إلَخْ. وإمّا عَلى أرْسَلْنا، وقَدْ وسَّطَ بَيْنَهُما بَيانَ كَوْنِ ما نَزَلَ بِهِمْ واقِعَةً طامَّةً تَحَيَّرَتْ بِها العُقُولُ والأفْهامُ، وداهِيَةٌ تامَّةٌ تَحاكَّتْ مِنها الرُّكَبُ، وزَلَّتِ الأقْدامُ. وتَفْصِيلٌ ما صَدَرَ عَنْ فَرِيقَيْ أهْلِ الإيمانِ، وأهْلِ الكُفْرِ، والنِّفاقِ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ؛ لِإظْهارِ عِظَمِ النِّعْمَةِ، وإبانَةِ خَطَرِها الجَلِيلِ بِبَيانِ وُصُولِها إلَيْهِمْ عِنْدَ غايَةِ احْتِياجِهِمْ إلَيْها، أيْ: فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها ورَدَدْنا بِذَلِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا. والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِهِ. وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ بِتَداخُلٍ، أوْ تَعاقُبٍ، أيْ: غَيْرَ ظافِرِينَ بِخَيْرٍ، أوِ الثّانِيَةُ بَيانٌ لِلْأُولى، أوِ اسْتِئْنافٌ.

﴿وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِما ذُكِرَ مِن إرْسالِ الرِّيحِ والجُنُودِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ عَلى إحْداثِ كُلِّ ما يُرِيدُ.

﴿عَزِيزًا﴾ (p-100)غالِبًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

33:26Page 421

وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦

And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].

﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: عاوَنُوا الأحْزابَ المَرْدُودَةَ.

﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ.

﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ مِن حُصُونِهِمْ جَمِيعِ صِيصِيَةٍ، وهي ما يُتَحَصَّنُ بِهِ. ولِذَلِكَ يُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ: والظَّبْيِ، وشَوْكَةِ الدِّيكِ.

﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، بِحَيْثُ أسْلَمُوا أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ، وأهْلِيَهُمْ، وأوْلادَهم لِلْأسْرِ، حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن جِهَتِهِمْ حَراكٌ فَضْلًا عَنِ المُخالَفَةِ والِاسْتِعْصاءِ. رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى رَسُولَ ﷺ صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْهَزَمَ فِيها الأحْزابُ، ورَجَعَ المُسْلِمُونَ إلى المَدِينَةِ، ووَضَعُوا السِّلاحَ، فَقالَ: أتَنْزِعُ لَأْمَتَكَ والمَلائِكَةُ ما وضَعُوا السِّلاحَ؟ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَسِيرَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وأنا عامِدٌ إلَيْهِمْ فَأذِّنْ في النّاسِ أنْ لا يُصَلُّوا العَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ، فَحاصَرُوهم إحْدى وعِشْرِينَ أوْ خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، حَتّى جَهَدَهُمُ الحِصارُ. فَقالَ لَهُمْ: تَنْزِلُونَ عَلى حُكْمِي؟ فَأبَوْا. فَقالَ: عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ؟ فَرَضُوا بِهِ. فَحَكَمَ سَعْدٌ بِقَتْلِ مُقاتِلِيهِمْ، وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ ونِسائِهِمْ. فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ، وقالَ: ««لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ».» فَقَتَلَ مِنهم سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: مِن ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ، وأسَرَ سَبْعَمِائَةٍ. وقُرِئَ: (تَأْسُرُونَ) بِضَمِّ السِّينِ، كَما قُرِئَ: (الرُّعُبَ) بِضَمِّ العَيْنِ. ولَعَلَّ تَأْخِيرَ المَفْعُولِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَعَ أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِتَفْصِيلِهِ وتَقْسِيمِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.

33:27Page 421

وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧

And He caused you to inherit their land and their homes and their properties and a land which you have not trodden.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ أيْ: حُصُونَهم.

﴿وَأمْوالَهُمْ﴾ ونُقُودَهم وأثاثَهم ومَواشِيَهم. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ عَقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَتِ الأنْصارُ في ذَلِكَ: فَقالَ ﷺ: «إنَّكم في مَنازِلِكُمْ». فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أما تَخْمِسُ كَما خَمَسْتَ يَوْمَ بَدْرٍ؟ فَقالَ ﷺ: «لا إنَّما جُعِلَتْ هَذِهِ لِي طُعْمَةً دُونَ النّاسِ». قالُوا: رَضِينا بِما صَنَعَ اللَّهُ ورَسُولُهُ.» ﴿وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ أيْ: أوْرَثَكم في عِلْمِهِ وتَقْدِيرِهِ: أرْضًا لَمْ تَقْبِضُوها بَعْدُ كَفارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: كُلُّ أرْضٍ تُفْتَحُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: خَيْبَرُ.

﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فَقَدْ شاهَدْتُمْ بَعْضَ مَقْدُوراتِهِ مِن إيراثِ الأراضِي الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوها، فَقِيسُوا عَلَيْها ما عَداها.

33:28Page 421

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٢٨

O Prophet, say to your wives, "If you should desire the worldly life and its adornment, then come, I will provide for you and give you a gracious release.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيِ: السِّعَةَ والتَّنَعُّمَ فِيها.

﴿وَزِينَتَها﴾ وزَخارِفَها.

﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ: أقْبِلْنَ بِإرادَتِكُنَّ واخْتِيارِكُنَّ لِإحْدى الخَصْلَتَيْنِ، كَما يُقالُ: أقْبَلَ يُخاصِمُنِي، وذَهَبَ يُكَلِّمُنِي، وقامَ يُهَدِّدُنِي.

﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ، وكَذا ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ، وأُطَلِّقْكُنَّ.

﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ طَلاقًا مِن غَيْرِ ضِرارٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، رُوِيَ أنَّهُنَّ سَألْنَهُ ﷺ ثِيابَ الزِّينَةِ، وزِيادَةَ النَّفَقَةِ، فَنَزَلَتْ. فَبَدَأ بِعائِشَةَ (p-101)فَخَيَّرَها فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ اخْتارَتِ الباقِياتِ اخْتِيارَها فَشَكَرَ لَهُنَّ اللَّهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ واخْتُلِفَ في أنَّ هَذا التَّخْيِيرَ هَلْ كانَ تَفْوِيضَ الطَّلاقِ إلَيْهِنَّ، حَتّى يَقَعَ الطَّلاقُ بِنَفْسِ الِاخْتِيارِ أوْ لا؟ فَذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ. إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَفْوِيضَ الطَّلاقِ، وإنَّما كانَ تَخْيِيرًا لَهُنَّ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ عَلى أنَّهُنَّ إنْ أرَدْنَ الدُّنْيا فارَقَهُنَّ ﷺ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ كانَ تَفْوِيضًا لِلطَّلاقِ إلَيْهِنَّ حَتّى لَوْ أنَّهُنَّ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ، كانَ ذَلِكَ طَلاقًا، وكَذا اخْتُلِفَ في حُكْمِ التَّخْيِيرِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: إذا خَيَّرَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ فاخْتارَتْ زَوْجَها لا يَقَعُ شَيْءٌ أصْلًا، ولَوِ اخْتارَتْ نَفْسَها وقَعَتْ طَلْقَةً بائِنَةً عِنْدَنا، ورَجْعِيَّةً عِنْدَ الشّافِعِيِّ. وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنِ أبِي لَيْلى، وسُفْيانَ. ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها يَقَعُ طَلْقَةً واحِدَةً، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها يَقَعُ ثَلاثَ طَلْقاتٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ورِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّها إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةً رَجْعِيَّةً، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةً بائِنَةً. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها لا يَقَعُ شَيْءٌ أصْلًا، وعَلَيْهِ إجْماعُ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقَدْ رُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاخْتَرْناهُ، ولَمْ يُعِدَّهُ طَلاقًا.» وتَقْدِيمُ التَّمْتِيعِ عَلى التَّسْرِيحِ مِن بابِ الكَرَمِ، وفِيهِ قَطْعٌ لِمَعاذِيرِهِنَّ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والمُتْعَةُ في المُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها، ولَمْ يُفْرَضْ لَها صَداقٌ عِنْدَ العَقْدِ واجِبَةٌ عِنْدَنا، وفِيما عَداهُنَّ مُسْتَحَبَّةٌ. وهي دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ بِحَسَبِ السِّعَةِ والإقْتارِ، إلّا أنْ يَكُونَ نِصْفُ مَهْرِها أقَلَّ مِن ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ لَها الأقَلُّ مِنهُما، ولا يَنْقُصُ عَنْ خَمْسَةِ دَراهِمَ.

33:29Page 421

وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٢٩

But if you should desire Allāh and His Messenger and the home of the Hereafter - then indeed, Allāh has prepared for the doers of good among you a great reward."

﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: تُرِدْنَ رَسُولَهُ. وذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْإيذانِ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ ﷺ عِنْدَهُ تَعالى.

﴿والدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: نَعِيمَها الَّذِي لا قَدْرَ عِنْدَهُ لِلدُّنْيا وما فِيها جَمِيعًا.

﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ بِمُقابَلَةِ إحْسانِهِنَّ.

﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ولا يُبْلَغُ غايَتُهُ. و "مِن" لِلتَّبْيِينِ؛ لِأنَّ كُلَّهُنَّ مُحْسِناتٌ. وتَجْرِيدُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى عَنِ الوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ مَعْنى التَّخْيِيرِ والِاحْتِرازِ عَنْ شائِبَةِ الإكْراهِ، وهو السِّرُّ فِيما ذُكِرَ مِن تَقْدِيمِ التَّمْتِيعِ عَلى التَّسْرِيحِ، وفي وصْفِ السَّراحِ بِالجَمِيلِ.

33:30Page 421

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ٣٠

O wives of the Prophet, whoever of you should commit a clear immorality - for her the punishment would be doubled two fold, and ever is that, for Allāh, easy.

﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلَيْهِنَّ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِنُصْحِهِنَّ، ونِداؤُهُنَّ هَهُنا، وفِيما بَعْدَهُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ ﷺ؛ لِأنَّها الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها ما يَرِدُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الأحْكامِ.

﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ بِكَبِيرَةٍ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهِرَةِ القُبْحِ مِن بَيَّنَ بِمَعْنى "تَبَيَّنَ" وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ. والمُرادُ بِها كُلُّ ما اقْتَرَفْنَ مِنَ الكَبائِرِ، وقِيلَ: هي عِصْيانُهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونُشُوزُهُنَّ، وطَلَبُهُنَّ مِنهُ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ، أوْ ما يَضِيقُ بِهِ ذَرْعُهُ ويَغْتَمُّ لِأجْلِهِ. وقُرِئَ: (تَأْتِ) بِالفَوْقانِيَّةِ.

﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: يُعَذَّبْنَ ضَعْفَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ، أيْ: مِثْلَيْهِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ مِنهُنَّ أقْبَحُ. فَإنَّ زِيادَةَ قُبْحِهِ تابِعَةٌ لِزِيادَةِ فَضْلِ المُذْنِبِ والنِّعْمَةِ عَلَيْهِ، (p-102)وَلِذَلِكَ جُعِلَ حَدُّ الحَرِّ ضِعْفَ حَدِّ الرَّقِيقِ، وعُوتِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما لا يُعاتَبُ بِهِ الأُمَمُ. وقُرِئَ: (يُضْعَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و (يُضاعَفُ) و (نُضْعِفُ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ العَذابِ.

﴿وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَمْنَعُهُ عَنِ التَّضْعِيفِ كَوْنُهُنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ يَدْعُوهُ إلَيْهِ لِمُراعاةِ حَقِّهِ.

33:31Page 422

۞ وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا نُّؤۡتِهَآ أَجۡرَهَا مَرَّتَيۡنِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهَا رِزۡقٗا كَرِيمٗا ٣١

And whoever of you devoutly obeys Allāh and His Messenger and does righteousness - We will give her her reward twice; and We have prepared for her a noble provision.

﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ، أيْ: ومَن يَدُمْ عَلى الطّاعَةِ ﴿لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مَرَّةً عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، وأُخْرى عَلى طَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالقَناعَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ. وقُرِئَ: (يَعْمَلْ) بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "مَن" و (يُؤْتِها) عَلى أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى.

﴿وَأعْتَدْنا لَها﴾ في الجَنَّةِ زِيادَةً عَلى أجْرِها المُضاعَفِ.

﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ مَرْضِيًّا.

33:32Page 422

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢

O wives of the Prophet, you are not like anyone among women. If you fear Allāh, then do not be soft in speech [to men],1 lest he in whose heart is disease should covet, but speak with appropriate speech.

﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أصْلُ أحَدٍ وحَدٌ، بِمَعْنى الواحِدِ. ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ مُسْتَوِيًا فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والواحِدُ والكَثِيرُ، والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.

﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ورِضا رَسُولِهِ، أوْ إنِ اتَّصَفْتُنَّ بِالتَّقْوى كَما هو اللّائِقُ بِحالِكُنَّ.

﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ، أيْ: لا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا لَيِّنًا عَلى سَنَنِ قَوْلِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ.

﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: فُجُورٌ ورِيبَةٌ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِمَرِيضِ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ عَقِيبَ نَهْيِهِنَّ عَنِ الإطْماعِ بِالقَوْلِ الخاضِعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَلا يَطْمَعْ مَرِيضُ القَلْبِ.

﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ بَعِيدًا عَنِ الرِّيبَةِ، والإطْماعِ بِجِدٍّ وخُشُونَةٍ مِن غَيْرِ تَخْنِيثٍ، أوْ قَوْلًا حَسَنًا مَعَ كَوْنِهِ خَشِنًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском