Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:33–49
33:33Page 422
وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا ٣٣
And abide in your houses and do not display yourselves as [was] the display of the former times of ignorance. And establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Allāh intends only to remove from you the impurity [of sin], O people of the [Prophet's] household, and to purify you with [extensive] purification.
﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ أمْرٌ مِن قَرَّ يَقَرُّ مِن بابِ عَلِمَ، وأصْلُهُ اقْرُرْنَ، فَحُذِفَتِ الرّاءُ الأُولى، وأُلْقِيَتْ فَتْحَتُها عَلى ما قَبْلَها، كَما في قَوْلِكَ: ظَلْنَ. أوْ مِن قارَ يَقارُ إذا اجْتَمَعَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا، إذا ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، وأصْلُهُ أوْقِرْنَ، فَفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بَعُدْنَ مِن وعَدَ، أوْ مِن قِرِيقَرَ حُذِفَتْ إحْدى راءَيِ اقْرُرْنَ، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ، كَما تَقُولُ: ظَلْنَ.﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ أيْ: لا تَتَبَخْتَرْنَ في مَشْيِكُنَّ.
﴿تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ أيْ: تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ النِّساءِ في الجاهِلِيَّةِ القَدِيمَةِ، وهي ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ. وقِيلَ: ما بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، عَلَيْهِما السَّلامُ. وقِيلَ: الزَّمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَتِ المَرْأةُ تَلْبَسُ دِرْعَها مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلى الرِّجالِ، وقِيلَ: زَمَنَ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ. والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةُ (p-103)الكُفْرِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى الفُسُوقُ في الإسْلامِ، ويُؤَيِّدُ «قَوْلُهُ ﷺ لِأبِي الدَّرْداءِ: «إنَّ فِيكَ جاهِلِيَّةً». قالَ: جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ، أوْ جاهِلِيَّةُ إسْلامٍ؟ قالَ: بَلْ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ.»
﴿وَأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ﴾ أُمِرْنَ بِهِما لِإنافَتِهِما عَلى غَيْرِهِما، وكَوْنِهِما أصْلَيِ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
﴿وَأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في كُلِّ ما تَأْتِنَّ، وما تَذَرْنَ لا سِيَّما فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ، ونُهِيتُنَّ عَنْهُ.
﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ أيِ: الذَّنْبَ المُدَنِّسَ لِعِرْضِكُمْ، وهو تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِنَّ ونَهْيِهِنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولِذَلِكَ عَمَّمَ الحُكْمَ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ لِغَيْرِهِنَّ، وصَرَّحَ بِالمَقْصُودِ حَيْثُ قِيلَ: بِطَرِيقِ النِّداءِ أوِ المَدْحِ.
﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ مُرادًا بِهِمْ مِن حَواهم بَيْتُ النُّبُوَّةِ.
﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ مِن أوْضارِ الأوْزارِ والمَعاصِي.
﴿تَطْهِيرًا﴾ بَلِيغًا. واسْتِعارَةُ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ، والتَّرْشِيحُ بِالتَّطْهِيرِ لِمَزِيدِ التَّنْفِيرِ عَنْها، وهَذِهِ كَما تَرى آيَةٌ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ نَيِّرَةٌ عَلى كَوْنِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ قاضِيَةً بِبُطْلانِ رَأْيِ الشِّيعَةِ في تَخْصِيصِهِمْ أهْلَ البَيْتِ بِفاطِمَةَ وعَلِيٍّ وابْنَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَأمّا ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذاتَ غَدْوَةٍ، وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، وجَلَسَ فَأتَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها فِيهِ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ فَأدْخَلَهُما فِيهِ، ثُمَّ قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ. فَإنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ البَيْتِ لا عَلى أنَّ مَن عَداهم لَيْسُوا كَذَلِكَ. ولَوْ فُرِضَتْ دَلالَتُهُ عَلى ذَلِكَ لَما اعْتُدَّ بِها لِكَوْنِها في مُقابَلَةِ النَّصِّ.
33:34Page 422
وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ٣٤
And remember what is recited in your houses of the verses of Allāh and wisdom.1 Indeed, Allāh is ever Subtle2 and Aware.
﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ أيِ: اذْكُرْنَ لِلنّاسِ بِطَرِيقِ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ.
﴿مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِ اللَّهِ البَيِّنَةَ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ النُّبُوَّةِ بِنَظْمِهِ المُعْجِزِ، وكَوْنِهِ حِكْمَةً مُنْطَوِيَةً عَلى فُنُونِ العُلُومِ والشَّرائِعِ، وهو تَذْكِيرٌ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِنَّ حَيْثُ جَعَلَهُنَّ أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ومَهْبِطَ الوَحْيِ، وما شاهَدْنَ مِن بُرَحاءِ الوَحْيِ مِمّا يُوجِبُ قُوَّةَ الإيمانِ، والحِرْصَ عَلى الطّاعَةِ حَثًّا عَلى الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ فِيما كُلِّفْنَهُ، والتَّعَرُّضُ لِلتِّلاوَةِ في البُيُوتِ دُونَ النُّزُولِ فِيها مَعَ أنَّهُ الأنْسَبُ لِكَوْنِها مَهْبِطَ الوَحْيِ لِعُمُومِها لِجَمِيعِ الآياتِ ووُقُوعِها في كُلِّ البُيُوتِ، وتَكَرُّرِها المُوجِبِ لِتَمَكُّنِهِنَّ مِنَ الذِّكْرِ، والتَّذْكِيرِ بِخِلافِ النُّزُولِ. وعَدَمُ تَعْيِينِ التّالِي لِتَعُمَّ تِلاوَةَ جِبْرِيلَ، وتِلاوَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتِلاوَتَهُنَّ وتِلاوَةَ غَيْرِهِنَّ تَعْلِيمًا وتَعَلُّمًا.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يَعْلَمُ ويُدَبِّرُ ما يُصْلِحُ في الدِّينِ، ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، أوْ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ، ومَن يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ.
33:35Page 422
إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥
Indeed, the Muslim men and Muslim women, the believing men and believing women, the obedient men and obedient women, the truthful men and truthful women, the patient men and patient women, the humble men and humble women, the charitable men and charitable women, the fasting men and fasting women, the men who guard their private parts and the women who do so, and the men who remember Allāh often and the women who do so - for them Allāh has prepared forgiveness and a great reward.
﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ أيِ: الدّاخِلِينَ في السِّلْمِ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ المُصَدِّقِينَ بِما يَجِبُ أنْ يُصَدَّقَ (p-104)بِهِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعَةِ القائِمِينَ بِها.
﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ﴾ في القَوْلِ والعَمَلِ ﴿والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ عَلى الطّاعاتِ، وعَنِ المَعاصِي.
﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ.
﴿والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ﴾ بِما وجَبَ في مالِهِمْ.
﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ الصَّوْمَ المَفْرُوضَ.
﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ عَنِ الحَرامِ.
﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ بِقُلُوبِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ.
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الحَسَناتِ المَذْكُورَةِ ﴿مَغْفِرَةً﴾ اقْتَرَفُوا مِنَ الصَّغائِرِ؛ لِأنَّهُنَّ مُكَفِّراتٌ بِما عَمِلُوا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿وَأجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الطّاعاتِ والآياتِ، وعْدٌ لَهُنَّ ولِأمْثالِهِنَّ عَلى الطّاعَةِ والتَّدَرُّعِ بِهَذِهِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ.
رُوِيَ أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ ورَضِيَ عَنْهُنَّ قُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في القرآن بِخَيْرٍ، فَما فِينا خَيْرٌ نُذْكَرُ بِهِ؟ إنّا نَخافُ أنْ لا تُقْبَلَ مِنّا طاعَةٌ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: السّائِلَةُ أُمُّ سَلَمَةَ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ ما نَزَلَ قالَ نِساءُ المُؤْمِنِينَ: فَما نَزَلَ فِينا شَيْءٌ؟ فَنَزَلَتْ. وعَطْفُ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ لِاخْتِلافِ الجِنْسَيْنِ، وهو ضَرُورِيٌّ. وأمّا عَطْفُ الزَّوْجَيْنِ عَلى الزَّوْجَيْنِ فَلِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ فَلا يَكُونُ ضَرُورِيًّا، ولِذَلِكَ تُرِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَدارَ إعْدادِ ما أُعِدَّ لَهم جَمْعُهم بَيْنَ هَذِهِ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ.
33:36Page 423
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦
It is not for a believing man or a believing woman, when Allāh and His Messenger have decided a matter, that they should [thereafter] have any choice about their affair. And whoever disobeys Allāh and His Messenger has certainly strayed into clear error.
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِرَجُلٍ ولا امْرَأةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ أيْ: إذا قَضى رَسُولُ اللَّهِ، وذُكِرَ اللَّهُ تَعالى لِتَعْظِيمِ أمْرِهِ ﷺ، أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ قَضاءَهُ ﷺ قَضاءُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِنْتِ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. خَطَبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ فَأبَتْ هي وأخُوها عَبْدُ اللَّهِ. وقِيلَ: في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَزَوَّجَها مِن زَيْدٍ، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، وقالا: إنَّما أرَدْنا اللَّهَ ورَسُولَ اللَّهِ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ.
﴿أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ أنْ يَخْتارُوا مِن أمْرِهِمْ ما شاءُوا، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا رَأْيَهم تَبَعًا لِرَأْيِهِ ﷺ، واخْتِيارَهم تِلْوَ الِاخْتِيارِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ لِوُقُوعِهِما في سِياقِ النَّفْيِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ الثّانِي لِلرَّسُولِ ﷺ. والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وقُرِئَ: (تَكُونَ) بِالتّاءِ.
﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ويَعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ طَرِيقَ الحَقِّ ﴿ضَلالا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيْنَ الِانْحِرافِ عَنْ سَنَنِ الصَّوابِ.
33:37Page 423
وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧
And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.
﴿وَإذْ تَقُولُ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِكَ.
﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِتَوْفِيقِهِ (p-105)لِلْإسْلامِ، وتَوْفِيقِكَ لِحُسْنِ تَرْبِيَتِهِ ومُراعاتِهِ.
﴿وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بِالعَمَلِ بِما وفَّقَكَ اللَّهُ لَهُ مِن فُنُونِ الإحْسانِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَحْرِيرُهُ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، وإيرادُهُ بِالعُنْوانِ المَذْكُورِ لِبَيانِ مُنافاةِ حالِهِ لِما صَدَرَ عَنْهُ ﷺ مِن إظْهارِ خِلافِ ما في ضَمِيرِهِ. إذْ هو إنَّما يَقَعُ عِنْدَ الِاسْتِحْياءِ أوْ الِاحْتِشامِ، وكِلاهُما مِمّا لا يُتَصَوَّرُ في حَقِّ زَيْدٍ.
﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أيْ: زَيْنَبَ. وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ أبْصَرَها بَعْدَ ما أنْكَحَها إيّاهُ، فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ حالَةً جِبِلِّيَّةً لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنها البَشَرُ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ مُقَلِّبِ القُلُوبِ. وسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِالتَّسْبِيحَةِ فَذَكَرَتْها لِزَيْدٍ فَفَطِنَ لِذَلِكَ، ووَقَعَ في نَفْسِهِ كَراهَةُ صُحْبَتِها، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ وقالَ: أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي. فَقالَ: ما لَكَ أرابَكَ مِنها شَيْءٌ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما رَأيْتُ مِنها إلّا خَيْرًا، ولَكِنَّها لِشَرَفِها تَتَعَظَّمُ عَلَيَّ. فَقالَ لَهُ: أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ.
﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمْرِها فَلا تُطَلِّقْها إضْرارًا وتَعَلُّلًا بِتَكَبُّرِها.
﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو نِكاحُها إنْ طَلَّقَها، أوْ إرادَةُ طَلاقِها.
﴿وَتَخْشى النّاسَ﴾ تَعْيِيرَهم إيّاكَ بِهِ.
﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ إنْ كانَ فِيهِ ما يُخْشى. و "الواوُ" لِلْحالِ ولَيْسَتِ المُعاتَبَةَ عَلى الإخْفاءِ وحْدَهُ، بَلْ عَلى الإخْفاءِ مَخافَةَ قالَةِ النّاسِ، وإظْهارِ ما يُنافى إضْمارَهُ، فَإنَّ الأوْلى في أمْثالِ ذَلِكَ أنْ يَصْمُتَ، أوْ يُفَوِّضَ الأمْرَ إلى رَبِّهِ.
﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ وطَلَّقَها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها. وقِيلَ: قَضاءُ الوَطَرِ كِنايَةٌ عَنِ الطَّلاقِ، مِثْلَ: لا حاجَةَ لِي فِيكِ.
﴿زَوَّجْناكَها﴾ وقُرِئَ: (زَوَّجْتُكَها) والمُرادُ الأمْرُ بِتَزْوِيجِها مِنهُ ﷺ، وقِيلَ: جَعَلَها زَوْجَتَهُ بِلا واسِطَةِ عِقْدٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّها كانَتْ تَقُولُ لِسائِرِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى نِكاحِي، وأنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أوْلِياؤُكُنَّ. وقِيلَ: كانَ زَيْدٌ السَّفِيرَ في خِطْبَتِها، وذَلِكَ ابْتِلاءٌ عَظِيمٌ، وشاهِدُ عَدْلٍ بِقُوَّةِ إيمانِهِ.
﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ ضِيقٌ ومَشَقَّةٌ.
﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ تَزَوُّجِهِنَّ.
﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ فَإنَّ لَهم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حُكْمَهُ ﷺ وحُكْمَ الأُمَّةِ سَواءٌ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما يُرِيدُ تَكْوِينَهُ مِنَ الأُمُورِ، أوْ مَأْمُورُهُ الخاصُّ بِكُنْ.
﴿مَفْعُولا﴾ مُكَوَّنًا لا مَحالَةَ، اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
33:38Page 423
مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨
There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ، وما اسْتَقامَ في الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ ضِيقٌ.
﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أيْ: قَسَمَ لَهُ وقَدَّرَ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في الدِّيوانِ كَذا. ومِنهُ فُرُوضُ العَساكِرِ لِأُعْطِيّاتِهِمْ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: تُرابًا وجَنْدَلًا، مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الحَرَجِ، أيْ: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً.
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مَضَوْا ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ وسَّعَ عَلَيْهِمْ في بابِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ. ولَقَدْ كانَتْ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِائَةُ امْرَأةٍ وثَلَثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلَثُمِائَةِ امْرَأةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا، وحُكْمًا مَبْتُوتًا، اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنِ المَوْصُولَيْنِ الجارِيَيْنِ مَجْرى الواحِدِ؛ لِلْمُسارَعَةِ إلى تَقْرِيرِ نَفْيِ الحَرَجِ وتَحْقِيقِهِ.
33:39Page 423
ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩
[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.
(p-106)﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينَ خَلَوْا، أوْ مَدْحٌ لَهم بِالنَّصْبِ، أوْ بِالرَّفْعِ، وقُرِئَ: (رِسالَةَ اللَّهِ) ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ لا سِيَّما في أمْرِ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ حَيْثُ لا يَخْرِمُونَ مِنها حَرْفًا، ولا تَأْخُذُهم في ذَلِكَ لَوْمَةُ لائِمٍ.
﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ في وصْفِهِمْ بِقَصْرِهِمُ الخَشْيَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى تَعْرِيضٌ بِما صَدَرَ عَنْهُ ﷺ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْ لائِمَةِ الخَلْقِ، بَعْدَ التَّصْرِيحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ .
﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كافِيًا لِلْمَخاوِفِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُخْشى غَيْرُهُ، أوْ مُحاسِبًا عَلى الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ حَقُّ الخَشْيَةِ مِنهُ تَعالى.
33:40Page 423
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠
Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ حَتّى يَثْبُتَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الوالِدِ ووَلَدِهِ مِن حُرْمَةِ المُصاهَرَةِ وغَيْرِها، ولا يَنْتَقِضُ عُمُومَهُ بِكَوْنِهِ ﷺ أبا الطّاهِرِ والقاسِمِ وإبْراهِيمَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ، ولَوْ بَلَغُوا لَكانُوا رِجالًا لَهُ ﷺ لا لَهم.
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَ رَسُولًا لِلَّهِ، وكُلُّ رَسُولٍ أبُو أُمَّتِهِ لَكِنْ لا حَقِيقَةَ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ شَفِيقٌ ناصِحٌ لَهم. وسَبَبٌ لِحَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ، وما زَيْدٌ إلّا واحِدٌ مِن رِجالِكُمُ الَّذِينَ لا وِلادَةَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ ﷺ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، ولَيْسَ لِلتَّبَنِّي والِادِّعاءِ حُكْمٌ سِوى التَّقْرِيبِ والِاخْتِصاصِ.
﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ: كانَ آخِرَهُمُ الَّذِي خُتِمُوا بِهِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ التّاءِ، أيْ: كانَ خاتَمَهُمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. ولَكِنْ نَبِيًّا خَتَمَ النَّبِيِّينَ وأيًّا ما كانَ فَلَوْ كانَ لَهُ ابْنٌ بالِغٌ لَكانَ نَبِيًّا، ولَمْ يَكُنْ هو ﷺ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، كَما يُرْوى أنَّهُ قالَ في إبْراهِيمَ حِينَ تُوُفِّيَ: ««لَوْ عاشَ لَكانَ نَبِيًّا».» ولا يَقْدَحُ فِيهِ نُزُولُ عِيسى بَعْدَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ خاتَمَ النَّبِيِّينَ أنَّهُ لا يُنَبَّأُ أحَدٌ بَعْدَهُ، وعِيسى مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، وحِينَ يَنْزِلُ إنَّما يَنْزِلُ عَمَلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ومِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الأحْكامٌ، والحِكَمُ الَّتِي بَيَّنَها لَكُمْ، وكُنْتُمْ مِنها في شَكٍّ مُرِيبٍ.
33:41Page 423
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١
O you who have believed, remember Allāh with much remembrance
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِما هو أهْلُهُ مِنَ التَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ والتَّقْدِيسِ.
﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ يَعُمُّ الأوْقاتَ والأحْوالَ.
﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ ونَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ: أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ. عَلى أنَّ تَخْصِيصَهُما بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِقَصْرِ التَّسْبِيحِ عَلَيْهِما دُونَ سائِرِ الأوْقاتِ بَلْ لِإبانَةِ فَضْلِهِما عَلى سائِرِ الأوْقاتِ، لِكَوْنِهِما مَشْهُودَيْنِ كَأفْرادِ التَّسْبِيحِ مِن بَيْنِ الأذْكارِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيها لِكَوْنِهِ العُمْدَةَ فِيها، وقِيلَ: كِلا الفِعْلَيْنِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِما، كَقَوْلِكَ: صُمْ وصَلِّ يَوْمَ الجُمْعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلاةُ.
33:43Page 423
هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣
It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.
(p-107)﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ فَإنَّ صَلاتَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَها، وغِناهُ عَنِ العالَمِينَ، مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِمُ المُداوَمَةَ عَلى ما يَسْتَوْجِبُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن ذِكْرِهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى المُسْتَكِنِّ في يُصَلِّي لِمَكانِ الفَصْلِ المُغْنِي عَنِ التَّأْكِيدِ بِالمُنْفَصِلِ، لَكِنْ لا عَلى أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ أوَّلًا، والِاسْتِغْفارُ ثانِيًا. فَإنَّ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ الواحِدِ في مَعْنَيَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ، بَلْ عَلى أنْ يُرادَ بِهِما مَعْنى مَجازِيٌّ عامٌّ يَكُونُ كِلا المَعْنَيَيْنِ فَرْدًا حَقِيقِيًّا لَهُ، وهو الِاعْتِناءُ بِما فِيهِ خَيْرُهُمْ، وصَلاحُ أمْرِهِمْ. فَإنَّ كُلًّا مِنَ الرَّحْمَةِ والِاسْتِغْفارِ فَرْدٌ حَقِيقِيٌّ لَهُ، أوِ التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ المَأْخُوذُ مِنَ الصَّلاةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِانْعِطافِ الصُّورِيِّ الَّذِي هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، ولا رَيْبَ في أنَّ اسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ، ودُعاءَهم لِلْمُؤْمِنِينَ، تَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ. وأمّا أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلرَّحْمَةِ لِكَوْنِهِمْ مُجابِي الدَّعْوَةِ، كَما قِيلَ. فاعْتِبارُهُ يَنْزِعُ إلى الجَمْعِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ، فَتَدَبَّرْ.
﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ «يُصَلِّي» أيْ: يَعْتَنِي بِأُمُورِكم هو ومَلائِكَتُهُ؛ لِيُخْرِجَكم بِذَلِكَ مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ الطّاعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: كانَ بِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن زُمْرَتِهِمْ رَحِيمًا، ولِذَلِكَ يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإصْلاحِكم بِالذّاتِ، وبِالواسِطَةِ، ويَهْدِيكم إلى الإيمانِ والطّاعَةِ، أوْ كانَ بِكم رَحِيمًا عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مَظْهَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَدْحًا لَهُمْ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
33:44Page 424
تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤
Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.
﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ بَيانٌ لِلْأحْكامِ الآجِلَةِ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ بَعْدَ بَيانِ آثارِها العاجِلَةِ الَّتِي هي الِاعْتِناءُ بِأمْرِهِمْ، وهِدايَتُهم إلى الطّاعَةِ، أيْ: ما يَحْيَوْنَ بِهِ. عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ يَوْمَ لِقائِهِ عِنْدَ المَوْتِ، أوْ عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، أوْ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ تَسْلِيمٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَعْظِيمًا لَهُمْ، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بِشارَةٌ لَهم بِالجَنَّةِ، أوْ تَكْرِمَةٌ لَهم. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، أوْ إخْبارٌ بِالسَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ بَيانٌ لَآثارِ رَحْمَتِهِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَقِيبَ بَيانِ آثارِ رَحْمَتِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ. ولَعَلَّ إيثارَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ المُناسِبَةِ لِما قَبْلَها بِأنْ يُقالَ مَثَلًا: وأجْرُهم أجْرٌ كَرِيمٌ، أوْ ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ، لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ إلى المَوْعُودِ بِبَيانِ أنَّ الأجْرَ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأقْصى مِن بَيْنِ سائِرِ آثارِ الرَّحْمَةِ مَوْجُودٌ بِالفِعْلِ، مُهَيَّأٌ لَهم مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ.
33:45Page 424
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥
O Prophet, indeed We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ تُراقِبُ أحْوالَهُمْ، وتُشاهِدُ أعْمالَهُمْ، وتَتَحَمَّلُ مِنهُمُ الشَّهادَةَ بِما صَدَرَ عَنْهُمْ، مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ وسائِرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهُدى والضَّلالِ، وتُؤَدِّيها يَوْمَ القِيامَةِ أداءً مَقْبُولًا (p-108)فِيما لَهم وما عَلَيْهِمْ. وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
﴿وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ تُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، وتُنْذِرُ الكافِرِينَ بِالنّارِ.
33:46Page 424
وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦
And one who invites to Allāh, by His permission, and an illuminating lamp.
﴿وَداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى الإقْرارِ بِهِ، وبِوَحْدانِيَّتِهِ، وبِسائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن صِفاتِهِ وأفْعالِهِ.
﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ. أُطْلِقَ عَلَيْهِ مَجازًا لِما أنَّهُ مِن أسْبابِهِ، وقَيَّدَ بِهِ الدَّعْوَةَ إيذانًا بِأنَّها أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ، وخَطْبٌ في غايَةِ الإعْضالِ لا يَتَأتّى إلّا بِإمْدادٍ مِن جَنابِ قُدْسِهِ، كَيْفَ لا؟ وهو صَرْفٌ لِلْوُجُوهِ عَنِ القُبَلِ المَعْبُودَةِ، وإدْخالُ الأعْناقِ في قِلادَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ.
﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغَوايَةِ، ويُهْتَدى بِأنْوارِهِ إلى مَناهِجِ الرُّشْدِ والهِدايَةِ.
33:47Page 424
وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧
And give good tidings to the believers that they will have from Allāh great bounty.
﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَراقِبْ أحْوالَ النّاسِ، وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ مِنهم ﴿بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ أيْ: عَلى مُؤْمِنِي سائِرِ الأُمَمِ في الرُّتْبَةِ والشَّرَفِ، أوْ زِيادَةً عَلى أُجُورِ أعْمالِهِمْ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ.
33:48Page 424
وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٤٨
And do not obey the disbelievers and the hypocrites and disregard their annoyance, and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُداراتِهِمْ في أمْرِ الدَّعْوَةِ، واسْتِعْمالِ لَيِّنِ الجانِبِ في التَّبْلِيغِ، والمُسامَحَةِ في الإنْذارِ. كَنّى عَنْ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِمْ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِنَظْمِهِ في سِلْكِها، وتَصْوِيرِهِ بِصُورَتِها. ومَن حَمَلَ النَّهْيَ عَلى التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ التَّحْقِيقِ بِمَراحِلَ.
﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ أيْ: لا تُبالِ بِأذِيَّتِهِمْ لَكَ بِسَبَبِ تَصَلُّبِكَ في الدَّعْوَةِ والإنْذارِ.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في كُلِّ ما تَأْتِي وما تَذْرُ مِنَ الشُّؤُونِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الشَّأْنُ؛ فَإنَّهُ تَعالى يَكْفِيكَهم.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْهِ الأُمُورُ في كُلِّ الأحْوالِ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِ، ولَمّا وُصِفَ ﷺ بِنُعُوتٍ خَمْسَةٍ قُوبِلَ كُلٌّ مِنها بِخِطابٍ يُناسِبُهُ خَلا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مُقابِلَ الشّاهِدِ صَرِيحًا، وهو الأمْرُ بِالمُراقَبَةِ ثِقَةً بِظُهُورِ دَلالَةِ مُقابِلِ المُبَشِّرِ عَلَيْهِ، وهو الأمْرُ بِالتَّبْشِيرِ حَسْبَما ذُكِرَ آنِفًا. وقُوبِلَ النَّذِيرُ بِالنَّهْيِ عَنْ مُداراةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، والمُسامِحَةِ في إنْذارِهِمْ كَما تَحَقَّقْتَهُ. وقُوبِلَ الدّاعِي إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ بِالأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِمْدادِ مِنهُ تَعالى، والِاسْتِعانَةِ بِهِ. وقُوبِلَ السِّراجُ المُنِيرُ بِالِاكْتِفاءِ بِهِ تَعالى فَإنَّ مَن أيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ، ورَشَّحَهُ لِلنُّبُوَّةِ، وجَعَلَهُ بُرْهانًا نَيِّرًا يَهْدِي الخَلْقَ مِن ظُلُماتِ الغَيِّ إلى نُورِ الرَّشادِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكْتَفِيَ بِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
33:49Page 424
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٤٩
O you who have believed, when you marry believing women and then divorce them before you have touched them [i.e., consummated the marriage], then there is not for you any waiting period to count concerning them. So provide for them and give them a gracious release.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ: تُجامِعُوهُنَّ. وقُرِئَ: (تُماسُّوهُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ.
﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ﴾ بِأيّامٍ يَتَرَبَّصْنَ فِيها بِأنْفُسِهِنَّ.
﴿تَعْتَدُّونَها﴾ تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها مِن عَدَدْتُ الدَّراهِمَ فاعْتَدَّها، وحَقِيقَتُهُ عَدُّها لِنَفْسِهِ، وكَذَلِكَ كِلْتُهُ فاكْتالَهُ. والإسْنادُ إلى الرِّجالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العُدَّةَ حَقُّ (p-109)الأزْواجِ كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكُمْ﴾ وقُرِئَ: (تَعْتَدُّونَها) عَلى إبْدالِ إحْدى الدّالَيْنِ بِالتّاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاعْتِداءِ بِمَعْنى تَعْتَدُونَ فِيها، والخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ في حُكْمِ المَسِّ.
وَتَخْصِيصُ المُؤْمِناتِ مَعَ عُمُومِ الحُكْمِ لِلْكِتابِيّاتِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطْفَتِهِ، ولا يَنْكِحُ إلّا مُؤْمِنَةً. وفائِدَةُ "ثُمَّ" إزاحَةُ ما عَسى يُتَوَهَّمُ أنَّ تَراخِيَ الطَّلاقِ رَيْثَما تُمْكِنُ الإصابَةُ يُؤَثِّرُ في العِدَّةِ كَما يُؤَثِّرُ في النَّسَبِ.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا لَها في العَقْدِ؛ فَإنَّ الواجِبِ لِلْمَفْرُوضِ لَها نِصْفُ المَفْرُوضِ دُونَ المُتْعَةِ، فَإنَّها مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَنا في رِوايَةٍ، وفي أُخْرى غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ.
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ أخْرِجُوهُنَّ مِن مَنازِلِكم إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ.
﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ مِن غَيْرِ ضِرارٍ، ولا مَنعِ حَقٍّ ولا مَساغَ لِتَفْسِيرِهِ بِالطَّلاقِ السُّنِّيِّ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَسَنّى في المَدْخُولِ بِهِنَّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences