Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:50–62
33:50Page 424
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِي هَاجَرۡنَ مَعَكَ وَٱمۡرَأَةٗ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنۡ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسۡتَنكِحَهَا خَالِصَةٗ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۗ قَدۡ عَلِمۡنَا مَا فَرَضۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ لِكَيۡلَا يَكُونَ عَلَيۡكَ حَرَجٞۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٠
O Prophet, indeed We have made lawful to you your wives to whom you have given their due compensation1 and those your right hand possesses from what Allāh has returned to you [of captives] and the daughters of your paternal uncles and the daughters of your paternal aunts and the daughters of your maternal uncles and the daughters of your maternal aunts who emigrated with you and a believing woman if she gives herself to the Prophet [and] if the Prophet wishes to marry her; [this is] only for you, excluding the [other] believers. We certainly know what We have made obligatory upon them concerning their wives and those their right hands possess, [but this is for you] in order that there will be upon you no discomfort [i.e., difficulty]. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ. فَإنَّها أُجُورُ الأبْضاعِ، وإيتاؤُها إمّا إعْطاؤُها مُعَجَّلَةً، أوْ تَسْمِيَتُها في العَقْدِ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْيِيدُ الإحْلالِ لَهُ ﷺ بِهِ لَيْسَ لِتَوَقُّفِ الحِلِّ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهُ يَصِحُّ العَقْدُ بِلا تَسْمِيَةٍ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، أوِ المُتْعَةُ عَلى تَقْدِيرَيِ الدُّخُولِ وعَدَمِهِ، بَلْ لِإيثارِ الأفْضَلِ والأوْلى لَهُ ﷺ كَتَقْيِيدِ إحْلالِ المَمْلُوكَةِ بِكَوْنِها مُسَبَّيَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ فَإنَّ المُشْتَراةَ لا يَتَحَقَّقُ بَدْءُ أمْرِها، وما جَرى عَلَيْها، وكَتَقْيِيدِ القَرائِبِ بِكَوْنِهِنَّ مُهاجِراتٍ مَعَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ويُحْتَمَلُ تَقْيِيدُ الحِلِّ بِذَلِكَ في حَقِّهِ ﷺ خاصَّةَ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ: خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ فَعَذَرَنِي، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمْ أحِلَّ لَهُ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ؛ كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ.
﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ أحْلَلْنا؛ إذْ لَيْسَ مَعْناهُ إنْشاءَ الإحْلالِ النّاجِزِ بَلْ إعْلامُ مُطْلَقِ الإحْلالِ المُنْتَظِمِ لِما سَبَقَ ولَحِقَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أحْلَلْناها لَكَ أيْضًا.
﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ أيْ: مَلَّكَتْهُ بُضْعَها بِأيٍّ عِبارَةٍ كانَتْ بِلا مَهْرٍ إنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَنْكِيرُها. لَكِنْ لا مُطْلَقًا بَلْ عِنْدَ إرادَتِهِ ﷺ اسْتِنْكاحَها كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ أيْ: أنْ يَتَمَلَّكَ بُضْعَها كَذَلِكَ، أيْ: بِلا مَهْرٍ فَإنَّ ذَلِكَ جارٍ مِنهُ ﷺ مَجْرى القَبُولِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ هَذا نَصًّا في كَوْنِ تَمْلِيكِها بِلَفْظِ الهِبَةِ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يَكُونَ مَناطًا لِلْخِلافِ في انْعِقادِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ إيجابًا أوْ سَلْبًا، واخْتُلِفَ في اتِّفاقِ هَذا العَقْدِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ﷺ أحَدٌ مِنهُنَّ بِالهِبَةِ. وقِيلَ: المَوْهُوباتُ أرْبَعٌ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَرْثِ، وزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيَّةُ، وأُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ جابِرٍ، وخَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ. وإيرادُهُ ﷺ في المَوْضِعَيْنِ (p-110)بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلتَّكْرِمَةِ، والإيذانِ بِأنَّها المَناطُ لِثُبُوتِ الحُكْمِ، فَيَخْتَصُّ بِهِ ﷺ حَسَبَ اخْتِصاصِها بِهِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ أيْ: خَلَصَ لَكَ إحْلالُها خالِصَةً، أيْ: خُلُوصًا. فَإنَّ الفاعِلَةَ في المَصادِرِ غَيْرُ عَزِيزٍ كالعافِيَةِ والكاذِبَةِ، أوْ خَلَصَ لَكَ إحْلالُ ما أحْلَلْنا لَكَ مِنَ المَذْكُوراتِ عَلى القُيُودِ المَذْكُورَةِ خالِصَةً، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الأوَّلِ: أنَّ الإحْلالَ المَذْكُورَ في المادَّةِ المَعْهُودَةِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في حَقِّهِمْ، وإنَّما المُتَحَقِّقُ هُناكَ الإحْلالُ بِمَهْرِ المِثْلِ. وعَلى الثّانِي: أنَّ إحْلالَ الجَمِيعِ عَلى القُيُودِ المَذْكُورَةِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في حَقِّهِمْ، بَلِ المُتَحَقِّقُ فِيهِ إحْلالُ البَعْضِ المَعْدُودِ عَلى الوَجْهِ المَعْهُودِ، وقُرِئَ: (خالِصَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ذَلِكَ خُلُوصٌ لَكَ وخُصُوصٌ. أوْ هِيَ، أيْ: تِلْكَ المَرْأةُ، أوِ الهِبَةُ خالِصَةٌ لَكَ. لا تَتَجاوَزُ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لا تَحِلُّ لَهم بِغَيْرِ مَهْرٍ، ولا تَصِحُّ الهِبَةُ بَلْ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ.
﴿فِي أزْواجِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّهِنَّ. اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن خُلُوصِ الإحْلالِ المَذْكُورِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَدَمِ تَجاوُزِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِبَيانِ أنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِن شَرائِطِ العَقْدِ وحُقُوقِهِ، ما لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِ ﷺ تَكْرِمَةً لَهُ، وتَوْسِعَةً عَلَيْهِ، أيْ: قَدْ عَلِمْنا ما يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ في حَقِّ أزْواجِهِمْ.
﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وعَلى أيِّ حَدٍّ، وأيِّ صِفَةٍ يَحِقُّ أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَفَرَضْنا ما فَرَضْنا عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، وخَصَصْناكَ بِبَعْضِ الخَصائِصِ.
﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أيْ: ضِيقٌ. و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِ «خالِصَةً» بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن مَعْنى ثُبُوتِ الإحْلالِ وحُصُولِهِ لَهُ ﷺ لا بِاعْتِبارِ اخْتِصاصِهِ بِهِ ﷺ؛ لِأنَّ مَدارَ انْتِفاءِ الحَرَجِ هو الأوَّلُ لا الثّانِي الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ ثُبُوتِهِ لِغَيْرِهِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.
﴿رَحِيمًا﴾ ولِذَلِكَ وسَّعَ الأمْرَ في مَواقِعِ الحَرَجِ.
33:51Page 425
۞ تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا ٥١
You, [O Muḥammad], may put aside whom you will of them1 or take to yourself whom you will. And any that you desire of those [wives] from whom you had [temporarily] separated - there is no blame upon you [in returning her]. That is more suitable that they should be content and not grieve and that they should be satisfied with what you have given them - all of them. And Allāh knows what is in your hearts. And ever is Allāh Knowing and Forbearing.
﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ أيْ: تُؤَخِّرُها، وتَتْرُكُ مُضاجَعَتَها.
﴿وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ وتَضُمُّ إلَيْكَ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُضاجِعُها، أوْ تُطَلِّقُ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ، وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ. وقُرِئَ: (تُرْجِئُ) بِالهَمْزَةِ، والمَعْنى واحِدٌ.
﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أيْ: طَلَبْتَ.
﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ طُلِّقَتْ بِالرَّجْعِيَّةِ.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ في شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ، وهَذِهِ قِسْمَةٌ جامِعَةٌ لِما هو الغَرَضُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُطَلِّقَ، أوْ يُمْسِكَ فَإذا أمْسَكَ ضاجَعَ أوْ تَرَكَ وقَسَمَ أوْ لَمْ يَقْسِمْ، وإذا طَلَّقَ فَإمّا أنْ يُخَلِّيَ المَعْزُولَةَ أوْ يَبْتَغِيَها. ورُوِيَ أنَّهُ أرْجى مِنهُنَّ: سَوْدَةَ، وجُوَيْرِيَّةَ، وصَفِيَّةَ، ومَيْمُونَةَ، وأُمَّ حَبِيبَةٍ. فَكانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ ما شاءَ كَما شاءَ، وكانَتْ مِمّا آوى إلَيْهِ: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وزَيْنَبُ. وأرْجى خَمْسًا، وآوى أرْبَعًا. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ مَعَ ما أُطْلِقَ لَهُ وخُيِّرَ إلّا سَوْدَةَ فَإنَّها وهَبَتْ لَيْلَتَها لِعائِشَةَ رِضى اللَّهُ عَنْهُنَّ، وقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي حَتّى أُحْشَرَ في زُمْرَةِ نِسائِكَ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن تَفْوِيضِ الأمْرِ إلى مَشِيئَتِكَ.
﴿أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أيْ: أقْرَبُ إلى قُرَّةِ عُيُونِهِنَّ، ورِضاهُنَّ جَمِيعًا؛ لِأنَّهُ حُكْمٌ كُلُّهُنَّ فِيهِ سَواءٌ، ثُمَّ إنْ سَوَّيْتَ بَيْنَهُنَّ وجَدْنَ ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنكَ، وإنْ رَجَّحْتَ بَعْضَهُنَّ عَلِمْنَ (p-111)أنَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ فَتَطْمَئِنُّ بِهِ نُفُوسُهُنَّ، وقُرِئَ: (تُقِرُّ) بِضَمِّ التّاءِ، ونَصْبِ (أعْيُنَهُنَّ). وتُقَرُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وكُلُّهُنَّ تَأْكِيدٌ لِنُونِ يَرْضَيْنَ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ تَأْكِيدٌ لَهُنَّ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ والخَواطِرِ، فاجْتَهِدُوا في إحْسانِها.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ فَيَعْلَمُ كُلَّ ما تُبْدُونَهُ وتُخْفُونَهُ.
﴿حَلِيمًا﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ فَلا تَغْتَرُّوا بِتَأْخِيرِها فَإنَّهُ إمْهالٌ لا إهْمالٌ.
33:52Page 425
لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا ٥٢
Not lawful to you, [O Muḥammad], are [any additional] women after [this], nor [is it] for you to exchange them for [other] wives, even if their beauty were to please you, except what your right hand possesses. And ever is Allāh, over all things, an Observer.1
﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَمْعِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِوُجُودِ الفَصْلِ، وقُرِئَ بِالتّاءِ.
﴿مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ التِّسْعِ، وهو في حَقِّهِ كالأرْبَعِ في حَقِّنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ التِّسْعِ اللّاتِي خَيَّرْتَهُنَّ فاخْتَرْنَكَ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ اخْتِيارِهِنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ورِضاهُنَّ بِما تُؤْتِيهِنَّ مِنَ الوَصْلِ والهِجْرانِ.
﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ﴾ أيْ: تَتَبَدَّلَ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.
﴿بِهِنَّ﴾ أيْ: بِهَؤُلاءِ التِّسْعِ.
﴿مِن أزْواجٍ﴾ بِأنْ تُطَلِّقَ واحِدَةً مِنهُنَّ، وتَنْكِحَ مَكانَها أُخْرى، و "مِن" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ أرادَ اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ كَرامَةً، وجَزاءً عَلى ما اخْتَرْنَ ورَضِينَ، فَقَصَرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِّسْعُ اللّاتِي تُوُفِّيَ ﷺ عَنْهُنَّ، وهُنَّ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيَّ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَرْثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحَرْثِ المُصْطَلَقِيَّةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ اللّاتِي أحْلَلْناهُنَّ لَكَ بِالصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها مِنَ الأعْرابِيّاتِ والغَرائِبِ، أوْ مِنَ الكِتابِيّاتِ، أوْ مِنَ الإماءِ بِالنِّكاحِ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ فَإنَّ مَعْنى إحْلالِ الأجْناسِ المَذْكُورَةِ إحْلالُ نِكاحِهِنَّ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْنى التَّبَدُّلِ بِهِنَّ إحْلالَ نِكاحِ غَيْرِهِنَّ بَدَلَ إحْلالِ نِكاحِهِنَّ، وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ بِالنَّسْخِ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الوَظائِفِ البَشَرِيَّةِ.
﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أيْ: حُسْنُ الأزْواجِ المُسْتَبْدَلَةِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ: "تَبَدَّلَ" لا مِن مَفْعُولِهِ، وهو مِن أزْواجٍ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ. قِيلَ: تَقْدِيرُهُ مَفْرُوضًا إعْجابُكَ بِهِنَّ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ وقِيلَ: هي أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الخَثْعَمِيَّةُ امْرَأةُ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ، أيْ: هي مِمَّنْ أعْجَبَهُ ﷺ حُسْنُهُنَّ، واخْتُلِفَ في أنَّ الآيَةَ؛ مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ. قِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ﴾ وتَرْتِيبُ النُّزُولِ لَيْسَ عَلى تَرْتِيبِ المُصْحَفِ، وقِيلَ: بِالسُّنَّةِ. «وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أُحِلَّ لَهُ النِّساءُ.» «وَقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ماتَ ﷺ عَلى التَّحْرِيمِ.» ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّساءِ؛ لِأنَّهُ يَتَناوَلُ الأزْواجَ والإماءَ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ حافِظًا مُهَيْمِنًا فاحْذَرُوا مُجاوَزَةَ حُدُودِهِ، وتَخَطِّي حَلالِهِ إلى حَرامِهِ.
33:53Page 425
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ٥٣
O you who have believed, do not enter the houses of the Prophet except when you are permitted for a meal, without awaiting its readiness. But when you are invited, then enter; and when you have eaten, disperse without seeking to remain for conversation. Indeed, that [behavior] was troubling the Prophet, and he is shy of [dismissing] you. But Allāh is not shy of the truth. And when you ask [his wives] for something, ask them from behind a partition. That is purer for your hearts and their hearts. And it is not [conceivable or lawful] for you to harm the Messenger of Allāh or to marry his wives after him, ever. Indeed, that would be in the sight of Allāh an enormity.
(p-112)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يَجِبُ مُراعاتُهُ عَلى النّاسِ مِن حُقُوقِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ إثْرَ بَيانِ ما يَجِبُ مُراعاتُهُ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِنَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: لا تَدْخُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مَأْذُونًا لَكُمْ، وقِيلَ: مِن أعَمِّ الأوْقاتِ، أيْ: لا تَدْخُلُوها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم. ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّ الوُقُوعَ مَوْقِعَ الظَّرْفِ مُخْتَصٌّ بِالمَصْدَرِ الصَّرِيحِ دُونَ المُؤَوَّلِ، لا يُقالُ: آتِيكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، وإنَّما يُقالُ: آتِيكَ صِياحَ الدِّيكِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى طَعامٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ «يُؤْذَنَ» بِتَضْمِينِ مَعْنى الدُّعاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلُوا عَلى الطَّعامِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، وإنْ تَحَقَّقَ الإذْنُ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ أيْ: غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقَتْهُ أوْ إدْراكَهُ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ "لا تَدْخُلُوا" عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ واقِعٌ عَلى الوَقْتِ والحالِ مَعًا، عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ. أوْ مِنَ المَجْرُورِ في لَكُمْ، وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِ "طَعامٍ" فَيَكُونُ جارِيًا عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ بِلا إبْرازِ الضَّمِيرِ، ولا مَساغَ لَهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقُرِئَ بِالإمالَةِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ أنى الطَّعامُ، أيْ: أدْرَكَ.
﴿وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا﴾ اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وفِيهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإذْنِ إلى الطَّعامِ هو الدَّعْوَةُ إلَيْهِ.
﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ فَتَفَرَّقُوا، ولا تَلْبَثُوا؛ لِأنَّهُ خِطابٌ لِقَوْمٍ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُونَ ويَقْعُدُونَ مُنْتَظِرِينَ لِإدْراكِهِ مَخْصُوصَةً بِهِمْ وبِأمْثالِهِمْ. وإلّا لَما جازَ لِأحَدٍ أنْ يَدْخُلَ بُيُوتَهُ ﷺ بِإذْنٍ لِغَيْرِ الطَّعامِ، ولا اللُّبْثُ بَعْدَ الطَّعامِ لِأمْرٍ مُهِمٍّ.
﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أيْ: لِحَدِيثِ بَعْضِكم بَعْضًا. أوْ لِحَدِيثِ أهْلِ البَيْتِ بِالتَّسَمُّعِ لَهُ؛ عُطِفَ عَلى ناظِرِينَ، أوْ مُقَدَّرٌ بِفِعْلٍ، أيْ: ولا تَدْخُلُوا أوْ لا تَمْكُثُوا "مُسْتَأْنِسِينَ"... إلَخْ.
﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الِاسْتِئْناسَ الَّذِي كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ مِن قَبْلُ.
﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لِتَضْيِيقِ المَنزِلِ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِهِ، وإيجابِهِ لِلِاشْتِغالِ بِما لا يَعْنِيهِ، وصَدِّهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِما يَعْنِيهِ.
﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن إخْراجِكُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ المُسْتَحى مِنهُ أمْرًا حَقًّا مُتَعَلِّقًا بِهِمْ لا أنْفُسِهِمْ، وما ذاكَ إلّا إخْراجُهم فَيَنْبَغِي أنْ لا يُتْرَكَ حَياءً، ولِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْهُ تَعالى، وأمَرَكم بِالخُرُوجِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِعَدَمِ الِاسْتِحْياءِ لِلْمُشاكَلَةِ، وقُرِئَ: (لا يَسْتَحِي) بِحَذْفِ الياءِ الأُولى، وإلْقاءِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها.
﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ﴾ الضَّمِيرُ لِسَناءِ النَّبِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِنَّ بِذِكْرِ بُيُوتِهِ ﷺ.
﴿مَتاعًا﴾ أيْ: شَيْئًا يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الماعُونِ وغَيْرِهِ.
﴿فاسْألُوهُنَّ﴾ أيِ: المَتاعَ.
﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: سِتْرٍ. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ الهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ؟ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: إنَّهُ ﷺ كانَ يَطْعَمُ ومَعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ فَأصابَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم يَدَ (p-113)عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَكَرِهَ النَّبِيُّ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وعَدَمِ الِاسْتِئْناسِ لِلْحَدِيثِ عِنْدَ الدُّخُولِ، وسُؤالِ المَتاعِ مِن وراءِ حِجابٍ.
﴿أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ أيْ: أكْثَرُ تَطْهِيرًا مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ.
﴿وَما كانَ لَكُمْ﴾ أيْ: وما صَحَّ، وما اسْتَقامَ لَكم.
﴿أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْ تَفْعَلُوا في حَياتِهِ فِعْلًا يَكْرَهُهُ، ويَتَأذّى بِهِ.
﴿وَلا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ وفاتِهِ، أوْ فِراقِهِ.
﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن إيذائِهِ ﷺ، ونِكاحِ أزْواجِهِ مِن بَعْدِهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ والفَسادِ.
﴿كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أيْ: أمْرًا عَظِيمًا، وخَطْبًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وفِيهِ مِن تَعْظِيمِهِ تَعالى لِشَأْنِ رَسُولِهِ ﷺ، وإيجابِ حُرْمَتِهِ حَيًّا ومَيْتًا، ما لا يَخْفى. ولِذَلِكَ بالَغَ تَعالى في الوَعِيدِ حَيْثُ قالَ:
33:54Page 425
إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤
Whether you reveal a thing or conceal it, indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.
﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ كَنِكاحِهِنَّ عَلى ألْسِنَتِكم.
﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ في صُدُورِكم.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فَيُجازِيكم بِما صَدَرَ عَنْكم مِنَ المَعاصِي البادِيَةِ والخافِيَةِ لا مَحالَةَ. وفي هَذا التَّعْمِيمِ مَعَ البُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ: مَزِيدُ تَهْوِيلٍ وتَشْدِيدٍ ومُبالَغَةٍ في الوَعِيدِ.
33:55Page 426
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥
There is no blame upon them [i.e., women] concerning their fathers or their sons or their brothers or their brothers' sons or their sisters' sons or their women or those their right hands possess [i.e., slaves].1 And fear Allāh. Indeed Allāh is ever, over all things, Witness.
﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَن لا يُجِبِ الِاحْتِجابُ عَنْهم. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ قالَ الآباءُ والأبْناءُ والأقارِبُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أوَ نُكَلِّمُهُنَّ أيْضًا مِن وراءِ الحِجابِ. فَنَزَلَتْ. وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ العَمُّ والخالُ لِأنَّهُما بِمَنزِلَةِ الوالِدَيْنِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ العَمُّ أبًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ . أوْ لِأنَّهُ اكْتُفِيَ عَنْ ذِكْرِهِما بِذِكْرِ أبْناءِ الإخْوَةِ، وأبْناءِ الأخَواتِ، فَإنَّ مَناطَ عَدَمِ لُزُومِ الِاحْتِجابِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الفَرِيقَيْنِ عَيْنُ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ العَمِّ والخالِ مِنَ العُمُومَةِ والخُؤُولَةِ لِما أنَّهُنَّ عَمّاتٌ لِأبْناءِ الإخْوَةِ وخالاتٌ لِأبْناءِ الأخَواتِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ كَرِهَ تَرْكَ الِاحْتِجابِ مِنهُما مَخافَةَ أنْ يَصِفاهُنَّ لِأبْنائِهِما.
﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ أيْ: نِساءِ المُؤْمِناتِ.
﴿وَلا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ. وقِيلَ: مِنَ الإماءِ خاصَّةً، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ.
﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتِنَّ، وما تَذَرُنَّ. لاسِيَّما فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ، ونُهِيتُنَّ عَنْهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ولا تَتَفاوَتُ في عِلْمِهِ الأحْوالُ.
33:56Page 426
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦
Indeed, Allāh confers blessing upon the Prophet, and His angels [ask Him to do so]. O you who have believed, ask [Allāh to confer] blessing upon him and ask [Allāh to grant him] peace.
﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ﴾ وقُرِئَ: (وَمَلائِكَتُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وحَمْلًا عَلى حَذْفِ الخَبَرِ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ.
﴿يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ قِيلَ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أرادَ أنَّ اللَّهَ يَرْحَمُهُ، والمَلائِكَةَ يَدْعُونَ لَهُ. وعَنْهُ أيْضًا: يُصَلُّونَ يُبَرِّكُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: صَلاةُ اللَّهِ (p-114)تَعالى عَلَيْهِ ثَناؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلائِكَةِ، وصَلاتُهم دُعاؤُهم لَهُ. فَيَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِها في يُصَلُّونَ مَعْنى يُجازِي عامٌّ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَعانِي المَذْكُورَةِ فَرْدًا حَقِيقًا لَهُ، أيْ: يَعْتَنُونَ بِما فِيهِ خَيْرُهُ وصَلاحُ أمْرِهِ، ويَهْتَمُّونَ بِإظْهارِ شَرَفِهِ، وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وذَلِكَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالرَّحْمَةِ، ومِنَ المَلائِكَةِ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ اعْتَنُوا أنْتُمْ أيْضًا بِذَلِكَ فَإنَّكم أوْلى بِهِ.
﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قائِلِينَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلِّمْ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْلِيمِ: انْقِيادُ أمْرِهِ. والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوُجُوبِ التَّكْرارِ وعَدَمِهِ، وقِيلَ: يَجِبُ ذَلِكَ كُلَّما جَرى ذِكْرُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: ««رَغِمَ أنْفُ رِجْلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ».» وقَوْلِهِ ﷺ: ««مَن ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَدَخَلَ النّارَ، فَأبْعَدَهُ اللَّهُ».» ويُرْوى أنَّهُ ﷺ قالَ: ««وَكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِي مَلَكَيْنِ فَلا أُذْكَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَيُصَلِّي عَلَيَّ إلّا قالَ ذانِكَ المَلَكانِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، وقالَ اللَّهُ تَعالى ومَلائِكَتُهُ جَوابًا لِذَيْنِكَ المَلَكَيْنِ: آمِينَ، ولا أُذْكَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ إلّا قالَ ذانِكَ المَلَكانِ: لا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. وقالَ اللَّهُ تَعالى ومَلائِكَتُهُ جَوابًا لِذَيْنِكَ المَلَكَيْنِ: آمِينَ».» ومِنهم مَن قالَ: يَجِبُ في كُلِّ مَجْلِسٍ مَرَّةً، وإنْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ ﷺ كَما قِيلَ في آيَةِ السَّجْدَةِ. وتَشْمِيتِ العاطِسِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ دُعاءٍ في أوَّلِهِ وآخِرِهِ. ومِنهم مَن قالَ: بِالوُجُوبِ في العُمْرِ مَرَّةً، وكَذا قالَ في إظْهارِ الشَّهادَتَيْنِ والَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاحْتِياطُ، ويَسْتَدْعِيهِ مَعْرِفَةُ عُلُوِّ شَأْنِهِ ﷺ أنْ يُصَلّى عَلَيْهِ كُلَّما جَرى ذِكْرُهُ الرَّفِيعُ. وأمّا الصَّلاةُ عَلَيْهِ في الصَّلاةِ بِأنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ في جَوازِ الصَّلاةِ عِنْدَنا. وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَكْتَفُونَ عَنْ ذَلِكَ بِما في التَّشَهُّدِ؛ وهو السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ. وأمّا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَدْ جَعَلَها شَرْطًا. وأمّا الصَّلاةُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَجُوزُ تَبَعًا، وتُكْرَهُ اسْتِقْلالًا؛ لِأنَّهُ في العُرْفِ شِعارُ ذِكْرِ الرُّسُلِ، ولِذَلِكَ كُرِهَ أنْ يُقالَ: مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ مَعَ كَوْنِهِ عَزِيزًا جَلِيلًا.
33:57Page 426
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٥٧
Indeed, those who abuse Allāh and His Messenger - Allāh has cursed them in this world and the Hereafter and prepared for them a humiliating punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أُرِيدَ بِالإيذاءِ إمّا فِعْلُ ما يَكْرَهانِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي مَجازًا لِاسْتِحالَةِ حَقِيقَةِ التَّأذِّي في حَقِّهِ تَعالى. وقِيلَ في إيذائِهِ تَعالى: هو قَوْلُ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ و ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ و ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، والأصْنامُ شُرَكاؤُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وقِيلَ: قَوْلُ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِهِ، وفي إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ هو قَوْلُهُمْ: شاعِرٌ، ساحِرٌ، كاهِنٌ، مَجْنُونٌ، وقِيلَ: هو كَسْرُ رُباعِيَّتِهِ، وشَجُّ وجْهِهِ الكَرِيمِ يَوْمَ أُحُدٍ. وقِيلَ: طَعْنُهم في نِكاحِ صَفِيَّةَ، والحَقُّ هو العُمُومُ فِيهِما. وأمّا إيذاؤُهُ ﷺ خاصَّةً بِطْرِيقِ الحَقِيقَةِ، وذُكِرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِتَعْظِيمِهِ، والإيذانِ بِجَلالَةِ مِقْدارِهِ عِنْدَهُ تَعالى، وإيذاؤُهُ ﷺ إيذاءٌ لَهُ سُبْحانَهُ ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ.
﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَنالُونَ فِيهِما شَيْئًا مِنها.
﴿وَأعَدَّ لَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ.
﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ يُصِيبُهم في الآخِرَةِ خاصَّةً.
33:58Page 426
وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨
And those who harm believing men and believing women for [something] other than what they have earned [i.e., deserved] have certainly borne upon themselves a slander and manifest sin.
﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ يَفْعَلُونَ بِهِمْ ما يَتَأذَّوْنَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وتَقْيِيدُهُ (p-115)بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ أيْ: بِغَيْرِ جِنايَةٍ يَسْتَحِقُّونَ بِها الأذِيَّةَ بَعْدَ إطْلاقِهِ فِيما قَبْلَهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ لا يَكُونُ إلّا غَيْرَ حَقٍّ، وأمّا أذى هَؤُلاءِ فَمِنهُ ومِنهُ.
﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: ظاهِرًا بَيِّنًا، قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا يُؤْذُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويُسْمِعُونَهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقِيلَ: في أهْلِ الإفْكِ، وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: في زُناةٍ يَتْبَعُونَ النِّساءَ إذا بَرَزْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ كانُوا لا يَتَعَرَّضُونَ إلّا لِلْإماءِ، ولَكِنْ رُبَّما كانَ يَقَعُ مِنهُما التَّعَرُّضُ لِلْحَرائِرِ أيْضًا جَهْلًا، أوْ تَجاهُلًا لِاتِّحادِ الكُلِّ في الزِّيِّ واللِّباسِ، والظّاهِرُ عُمُومُهُ لِكُلِّ ما ذُكِرَ، ولِما سَيَأْتِي مِن أراجِيفِ المُرْجِفِينَ.
33:59Page 426
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩
O Prophet, tell your wives and your daughters and the women of the believers to bring down over themselves [part] of their outer garments.1 That is more suitable that they will be known2 and not be abused. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.3
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ سُوءَ حالِ المُؤْذِينَ زَجْرًا لَهم عَنِ الإيذاءِ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأنْ يَأْمُرَ بَعْضَ المُتَأذِّينَ مِنهم بِما يَدْفَعُ إيذاءَهم في الجُمْلَةِ مِنَ السَّتْرِ، والتَّمَيُّزِ عَنْ مَواقِعِ الإيذاءِ فَقِيلَ: ﴿قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ الجِلْبابُ ثَوْبٌ أوْسَعُ مِنَ الخِمارِ، ودُونَ الرِّداءِ تَلْوِيهِ المَرْأةُ عَلى رَأْسِها، وتُبْقِي مِنهُ ما تُرْسِلُهُ عَلى صَدْرِها. وقِيلَ: هي المِلْحَفَةُ، وكُلُّ ما يُتَسَتَّرُ بِهِ، أيْ: يُغَطِّينَ بِها وُجُوهَهُنَّ وأبْدانَهُنَّ إذا بَرَزْنَ لِداعِيَةٍ مِنَ الدَّواعِي. و "مِن" لِلتَّبْعِيضِ لِما مَرَّ مِن أنَّ المَعْهُودَ التَّلَفُّعُ بِبَعْضِها، وإرْخاءُ بَعْضِها. وعَنِ السُّدِّيِّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ التَّغَطِّي.
﴿أدْنى﴾ أقْرَبُ ﴿أنْ يُعْرَفْنَ﴾ ويُمَيَّزْنَ عَنِ الإماءِ، والقَيْناتِ اللّاتِي هُنَّ مَواقِعُ تَعَرُّضِهِمْ وإيذائِهِمْ.
﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ مِن جِهَةِ أهْلِ الرِّيبَةِ بِالتَّعَرُّضِ لَهُنَّ.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما سَلَفَ مِنهُنَّ مِنَ التَّفْرِيطِ.
﴿رَحِيمًا﴾ بِعِبادِهِ حَيْثُ يُراعِي مِن مَصالِحِهِمْ أمْثالَ هاتِيكَ الجُزْئِيّاتِ.
33:60Page 426
۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠
If the hypocrites and those in whose hearts is disease1 and those who spread rumors in al-Madīnah do not cease, We will surely incite you against them; then they will not remain your neighbors therein except for a little,
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ، وأحْكامِهِ المُوجِبَةِ لِلْإيذاءِ.
﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ التَّزَلْزُلِ، وما يَسْتَتْبِعُهُ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.
﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن نَشْرِ أخْبارِ السُّوءِ عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأراجِيفِ المُلَفَّقَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْأذِيَّةِ. وأصْلُ الإرْجافِ التَّحْرِيكُ مِنَ الرَّجْفَةِ الَّتِي هي الزَّلْزَلَةُ وُصِفَتْ بِهِ الأخْبارُ الكاذِبَةُ لِكَوْنِها مُتَزَلْزِلَةً غَيْرَ ثابِتَةٍ.
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لِنَأْمُرَنَّكَ بِقِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ، أوْ بِما يَضْطَرُّهم إلى الجَلاءِ، ولَنُحَرِّضَنَّكَ عَلى ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ، و "ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الجَلاءَ ومُفارَقَةَ جِوارِ الرَّسُولِ ﷺ أعْظَمُ ما يُصِيبُهم.
﴿فِيها﴾ أيْ: في المَدِينَةِ.
﴿إلا قَلِيلا﴾ زَمانًا، أوْ جِوارًا قَلِيلًا رَيْثَما يَتَبَيَّنُ حالُهم مِنَ الِانْتِهاءِ وعَدَمِهِ.
33:61Page 426
مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١
Accursed wherever they are found, [being] seized and massacred completely.
﴿مَلْعُونِينَ﴾ نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ وارِدٌ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ ولا سَبِيلَ إلى انْتِصابِهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ (p-116)لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
33:62Page 426
سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢
[This is] the established way of Allāh with those who passed on before; and you will not find in the way of Allāh any change.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ سُنَّةً، وهي أنْ يَقْتُلَ الَّذِينَ نافَقُوا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَعَوْا في تَوْهِينِ أمْرِهِمْ بِالإرْجافِ ونَحْوِهِ أيْنَما ثُقِفُوا.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ أصْلًا لِابْتِنائِها عَلى أساسِ الحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّشْرِيعِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences